توسع الكون بين الغزالي وابن رشد

توسع الكون بين الغزالي وابن رشد

بحث مقبول للنشر في مجلة آفاق الثقافة والتراث بالأمارات العربية المتحدة


 

الدكتور محمد باسل الطائي

كلية العلوم ـ جامعة اليرموك ـ الأردن

email: maltaie@yu.edu.jo


 

الملخص

نعرض في هذا البحث لموازنة بين موقف ابي حامد الغزالي وموقف ابو الوليد ابن رشد في مسألة حجم العالم (الكون) وإمكانية أن يكون أكبر مما هو عليه أو أصغر منه. وقد ذهب الغزالي إلى القول بامكانية أن يكون العالم أكبر مما هو عليه أو أصغر مما هو عليه. بينما نفى إبن رشد مثل هذا الامكان معتمدا على أن القول بعالم أكبر أو أصغر سيعني إمكان وجود عِظم لانهاية له، وهذا مستحيل عند أرسطو.


 


 

المقدمة:

سمى القدماء الأرض والسماء بما تحتويه من شمس وقمر وكواكب ونجوم ثابتة باسم "العالم" يقول الشريف الجرجاني في التعريفات " العالم لغة: ما يُعلم به الشيء، واصطلاحاً: عبارة عن كل شيء ما سوى الله من الموجودات لأنه يُعلم به الله من حيث أسماؤه وصفاته". وذكر الغزالي مثل هذا فقال " ونعني بالعالم كل موجود سوى الله تعالى ونعني بكل موجود سوى الله تعالى الأجسام كلها وأعراضها" وفي لسان العرب "العالم هو الخلق كله، وقيل هو ما احتواه بطن الفلك" وهذا الاصطلاح مرادف لما نسميه اليوم "الكون" Universe. على أن مصطلح الكون كان يعني عند الفلاسفة والمتكلمين شيئاً آخر. يقول الجرجاني "الكون اسم لما حدث دفعة كانقلاب الماء هواء، فإن الصورة الهوائية كانت ماء بالقوة فخرجت منها إلى الفعل دفعة فإذا كان على التدريج فهو الحركة، وقيل الكون حصول الصورة في المادة بعد أن لم تكن حاصلة فيها"

موضوع العالم وخلق العالم وقدمه أو حدوثه من الموضوعات الفلسفية الأساسية التي عالجها القدماء، وعالجتها المعتقدات الدينية كافة. وكان لكل معتقد ديني تصور عن هيئة العالم وكيفية نشأته. فقد تصور الهنود القدماء الأرض قوقعة عظيمة تحملها أربعة أفيال عملاقة تقف على ظهر سلحفاة، وعلى الرغم من بدائية هذا التصور إلا أنه لا يخلو من معان أهمها: الشعور بتحدب سطح الأرض وإلا لما اختار الهنود القوقعة، والثانية معرفة أن اليابسة محاطة بالماء من جميع أطرافها. ولعل في اختيار هذا التكوين الحرج الذي تقف فيه الأفيال على ظهر سلحفاة إشارة يُستفاد منها في تفسير حصول الهزات الأرضية.

كما أعتقد الروس أن الأرض قرص يطفو على الماء تحمله ثلاث حيتان عظيمة، ويتضح من هذا التصور شُح المعلومات التي يمكن استنباطها من هذا التصور البدائي مقارنة بتصور الهنود، فالأرض وفقاً لهذا التصور مستوية إلا أن طفوها على سطح الماء يجعلها غير مستقرة في إشارة لتفسير الهزات الأرضية ربما.

وقد اعتقد زنوج أفريقيا القدامى أن الشمس تسقط كل ليلة عند الأفق الغربي إلى العالم السفلي فتدفعها الفيلة كل يوم أعلى المنحدر لتضيء الأرض من جديد. بينما إعتقد الهنود الحمر أن أميراتهم الصغيرات يجب أن يسهرن على ضوء المشاعل ليأتي طائر الكونكورد (رسول السماء) ليحمل المشاعل ويضيء الشمس من جديد.

أما فيما يتعلق بالأجرام السماوية فإن القدماء قد جعلوا لها صفات معنوية ومادية مختلفة. وقد كانت الكواكب والنجوم تُعبد في مرحلة من مراحل تطور الوعي الإنساني. هذا ما تثبته المخلفات الموروثة من معتقدات ومن أعمال أدبية أو فنية كثيرة. وقد أشير لذلك في قصة سيدنا إبراهيم u في سورة الأنعام حيث يذكر أن إبراهيم u قبل أن يُكلف بالرسالة تفكّر بالنجم وبالشمس وبالقمر حتى إذا لم يجدها شيئاً ووجدها مخلوقات زائلة إهتدى إلى الإيمان بالله الذي ليس كمثله شيء، يقول الله سبحانه

(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفلين. فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكونن مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّين.َ
فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُون)
.

وقد وجد الباحثون في المصريات القديمة آثاراً لرسومات دالة على تصورات المصريين القدماء للسماء وما تحويه ففي أحد الرسومات يشبّه المصريون السماء المعطاءة ببقرة عظيمة حُلّيت بطنها بالنجوم ويقف تحتها الإله " شو" (إله الفضاء) يرفعها بذراعيه. وتكشف صورة أخرى عن تصور مختلف للسماء
تظهر فيها على هيئة امرأة تنحني على الأرض مرتكزة على يديها وقدميها ونرى الإله "جب" (إله الأرض) بهيئة رجل راقداً فوق ظهره تحتها ينمو عليه الزرع، بينما يقف إله الفضاء شو رافعاً السماء بذراعيه ونرى مركب الشمس يسير في صفحة السماء. كما تخيل المصري القديم أن السماء ترتكز على أربعة جبال كل جبل منها يقع في ركن من أركان العالم الأربعة، كما تخيلها وقد حملت على أربعة أعمدة أو على أربعة قوائم بينما تستلقي الأرض على ظهرها.

ويمكن القول أن التصور الأصح عند القدماء ولد في بلاد الرافدين، فقد كشفت التنقيبات الآثارية وتراجم الألواح الطينية البابلية عن تراث ضخم في مجال الأرصاد الفلكية الدقيقة، واتضح بما لا يقبل الشك أن البابليين وخاصة على العصر السلوقي المتأخر (310 ق.م - 75م)Seleucid
era
قد اعتنوا بعلم الفلك عناية فائقة وكانت لديهم مؤسسة حكومية ضخمة ممولة من قبل الدولة تعمل على تسجيل الأرصاد الفلكية يومياً لمواقع الكواكب والشمس والقمر والنجوم وباقي الأجرام السماوية التي تراها العين. وكان اللوح الطيني يحتوي على معلومات تتضمن تاريخ ومكان الرصد واسم الراصد واسم مساعده، واسم الكاتب الذي يدّون المعلومات على اللوح الطيني الأولي واسم الناسخ الذي ينقل المعلومات من اللوح الأولي إلى اللوح النهائي واسم المدقق الذي يتولى تدقيق النسخ والتأكد من صحته.

وقد ترجم لنا جزءاً كبيراً من هذا التراث العلمي الذي حفظته تلك الألواح مؤرخ علم الفلك القديم الأستاذ أوتو نوجوباورOtto
Neugobauer
في ثلاثة مجلدات كبيرة بعنوان Astronomical
Cuneiform
Texts
كما أرّخ هذا العالم الجليل لأعمال البابليين وغيرهم في علم الفلك في كتبه الأخرى وأهمها A History of Ancient Mathematical Astronomy الذي يقع في ثلاث مجلدات أخرى.

ومن المعروف أن اليونان وضعوا الأسس النظرية لتركيب العالم، فإنهم، ومن خلال المعارف التي انتقلت إليهم من بابل ومصر، تمكنوا من تصور العالم وفق منظور جعلوا فيه الأرض مركزاً للعالم، ولقد أقرّ أرسطوطاليس ( 384ـ322 ق.م) النظرية الكوكبية البدائية المعتمدة على فكرة مركزية الأرض، فقال بأن الأرض تقع في مركز العالم فيما تكون الشمس والقمر والكواكب الخمسة المعروفة على عهده (وهي عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل) متحيزة في كرات أثيرية شفافة متمركزة بعضها فوق البعض الآخر. وقد احتاج أرسطو إلى وجود الكرات لتثبيت الأجرام السماوية فيها ومنعها من السقوط نحو الأرض. كما وجد ضرورة أن تكون هذه الكرات شفافة لتفسير رؤية الأجرام متفرقة أو مجتمعة في قبة السماء. ولقد أضاف أرسطو إلى نموذجه هذا كرة ثامنة هي كرة النجوم الثابتة. وتصور أرسطو لهذه الكرات محركاً هو الفلك المحيط الذي يديرها جميعاً وكما هو موضح بالصورة التالية.


 


 

استطاعت هذه النظرية الأرسطية تفسير الحركة الظاهرية للشمس والقمر والكواكب والحركة اليومية لنجوم القبة السماوية من الناحية المبدأية العامة لكنها لم تستوعب تفاصيل حركة الكواكب السيارة التي وجدها رُصّاد السماء تتراجع أحياناً في خط سيرها فتصير إلى حركة تراجعية من الشرق إلى الغرب. وذلك أن الكواكب تتحرك بحركتها الذاتية (وليس الحركة اليومية للقبة السماوية) عادة من الغرب إلى الشرق. لكنها تخرق هذه العادة أحياناً فتتحرك باتجاه معاكس أي من الشرق إلى الغرب ويسمى هذا الحركة التراجعية Retrograde
Motion

حيث يتباطأ الكوكب في سيره الاعتيادي (من الغرب إلى الشرق) حتى يتوقف لبضعة أيام فيقال إنه في الثبات للرجوع، ثم يسير متراجعاً (من الشرق إلى الغرب) فيقال إنه في التراجع، ثم يتوقف فيقال إنه في الثبات للاستقامة ثم يستقيم على حركته الاعتيادية (أي من الغرب إلى الشرق). وقد لوحظ أن كوكب عطارد يتحرك متراجعاً مرات عديدة في السنة. بينما تتراجع الزهرة مرات أقل، وهكذا بالنسبة إلى المريخ والمشتري وزحل حيث لا تتراجع إلا قليلاً وعلى فترات أطول. ولم يستطع القدماء قبل بطليموس تفسير هذه الحركات التراجعية.

وقد بلغ علم الفلك عند الإغريق أوجه وقمة تطوره على يد الفلكي والرياضياتي الشهير كلاوديوس بطليموس (85 ـ 165م )، وهو عالم مصري من أصل يوناني ولد في صعيد مصر نهاية القرن الأول الميلادي. لقد تمكن هذا الرجل من أن يرقى بعلم الفلك إلى مستوى جديد من خلال نظرياته الفلكية الهندسية التي استطاع التحقق من الكثير من معطياتها من خلال الرصد. ولعل أشهر أعماله هو كتاب المجسطي Almagest أو الأعظم الذي اشتمل على كافة المواضيع الهندسية والفلكية. وقد تُرجم كتابه هذا إلى العربية واعتمده الفلكيون العرب المسلمين. وقد استطاع بطليموس تفسير الحركة التراجعية للكواكب السيارة وفق نموذج جعل من الأرض مركزاً، فيما يدور الكوكب في فلك يسمى "فلك التدوير" يقع مركزه في نقطة تقع على محيط الفلك الذي تكون الأرض مركزه وهو المسمى الفلك الحامل.

وقد كان العرب بحاجة إلى معرفة بعلم الفلك ومواقيت ظهور الكواكب السيارة والكوكبات النجمية Constellation لعلاقتها بالأنواء الفصلية، من أمطار ورياح وبرد وحر، وهي ضرورية لحياتهم أيضاً، إذ اعتمدوا عليها في هديهم سبلهم في الصحاري الخالية من أية معالم أو مثابات يستدلون بها فكانت النجوم هي مثاباتهم (وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُون) َ. لذلك نجد اهتماماً مبكراً لدى العرب بعلوم الفلك والنجوم مرتبطة بعلم الأنواء. وقد أَرّخت لهذه العلوم كتب الأنواء والأزمنة المعروفة ومن أشهرها كتاب " الأنواء في مواسم العرب" لابن قتيبة و "الأزمنة والأمكنة" للمرزوقي وكتاب "الأنواء والأزمنة" لابن عاصم الثقفي. ويمكن القول أن مصدر معظم المعارف الفلكية لعرب الجزيرة هي ما كانوا قد اكتسبوه من تراث البابليين وما انتقل إليهم من معارف اليونان، وربما لم يضف عرب الجزيرة قبل الإسلام شيئاً كثيراً إلى هذه المعارف بل هم قد حرصوا على توثيقها سجعاً وشعراً لتتناقلها الألسن جيلاً بعد جيل. أما بعد الإسلام فإن حركة الترجمة التي نشطت على عهد العباسيين نقلت كثيراً من معارف اليونان إلى العرب المسلمين ويمكن القول، دون كثير من التحفظ، أن النظرية التي بقيت سائدة ومهيمنة في علم الفلك العربي الإسلامي هي نظرية بطليموس وتعديلاتها على الرغم من النقود الشديدة التي وجهها إليها عدد من الفلكيين المسلمين. ومن أبرز المؤلفات التي أنتجتها الحضارة العربية الإسلامية في علم الفلك قبل عهد الغزالي كتاب "صور الكواكب الثمانية والأربعين" لأبي عبدالرحمن الصوفي(ت375هـ/986م) وكتاب "القانون المسعودي" للبيروني(ت 440هـ/1048 م).

لقد وجدنا هذه المقدمة الطويلة ضرورية لكي يكون القارئ على بينة من التصور العام الدارج والصورة العالمة التي كانت على عهد أبي حامد الغزالي، ومن بعده الوليد بن رشد. إذ قد يستغرب القارئ قيام الرجلين بمناقشة مسألة غاية في الدقة وأقرب أن تكون مسألة معاصرة منها قضية ذات أهمية على عصرهم، وتلك هي امكانية توسع الكون أو انكماشه. فها قد تبين لنا أن صورة العالم الفلكية على عصرهم، وجانباً عن التفسيرات النظرية لهذه الصورة، تقدم لنا عالماً واسعاً جداً، فالنجوم الثوابت بعيدة جداً. والشمس كبيرة جداً وبعيدة (على الأقل هي أبعد من القمر وعطارد والزهرة). هذه الصورة الشاملة التي توفرت لديهم عن الكون، هي على محدوديتها، كانت كافية تماماً لإثارة السؤال الذي أثاره أبو حامد الغزالي حول إمكانية أن يكون الكون أكبر مما هو عليه أو أصغر.


 

تهافت الفلاسفة وتهافت التهافت

أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (ت505هـ/1111م) هو أحد عمالقة الفكر العربي الإسلامي، له عطاء وفير وزخم معرفي كبير سجّله في عشرات المجلدات التي كتبها خلال حياته القصيرة العريضة. وأبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الأندلسي المالكي (ت 595هـ/1204م) ، الفقيه والطبيب والفيلسوف الذي أمد الحياة في أعمال أرسطوطاليس وأعتنى بشرحها وأضاف إليها، هو عملاق آخر من عمالقة الفكر العربي الإسلامي. كلا الرجلين اجتهد رأيه وذهب مذهبه الذي كان يراه صحيحاً. كتب أبو حامد كتابه "تهافت الفلاسفة" يستهدف تفنيد أقاويل الفلاسفة في المسائل الإلهية وبعض المسائل الطبيعية ومن ما جاء في مقدمة الكتاب يُستنبط أن أبا حامد وجد أن بعض الناس "قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات واستحقروا شعائر الدين من وظائف الصلوات، والتوقي عن المحظورات، واستهانوا بتعبدات الشرع وحدوده..." ووجد أبو حامد أن " مصدر كفرهم سماعهم أسماء هائلة كسقراط و بقراط و أفلاطون و أرسطو طاليس وأمثالهم، وإطناب طوائف من متّبعيهم وضُلالهم في وصف عقولهم وحسن أصولهم ودقة علومهم الهندسية والمنطقية والطبيعية والإلهية...". ولكي يُنبه الغزالي على ما في عقائد هؤلاء الفلاسفة من الزلل والخلل عمد إلى نقدهم وبيان بطلان ما ذهبوا إليه.

وأبو حامد الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة يعبر عن وجهة نظر المتكلمين ويتكلم بلسانهم، ورغم تهجّم بعض المعاصرين عليه واعتبارهم إياه "لم يكن ليطلب الحق وإنما أراد مداهنة أهل زمانه" وأنه "شوّش على العلم وأضر بالحكمة"،فإن أبو حامد الغزالي قد عبر في مناقشته لطروحات الفلاسفة عن موقف علمي دقيق يشهد له الحاضر فيه بأفضل مما شهد له به الماضي. وصفحاً عن ترّهات بعض من يحاولون أن يمسخوا تراثنا وفكرنا العربي الإسلامي تحت عناوين ويافطات متنوعة مستظلين بمظلات لامعة كمضلة الدفاع عن ابن رشد والموقف العقلي وغير ذلك، فإننا سنعالج في هذا المبحث الخلاف بين ابن رشد وأبو حامد الغزالي في قضية محددة هي قضية توسع العالم. وكما ذكرنا قبل فإن "العالم" في مصطلحهم يقابل "الكون" في مصطلحنا المعاصر. وقد يبدو غريباً أن نعلم بأن هذين العملاقين قد عالجوا مثل هذه المسألة على ذلك العهد، فالمعارف الكونية على عصرهم قليلة بل غير دقيقة إلى القدر الذي يُمكّنهم من مناقشة هذه المسألة، ولكن هذه هي الحالة كما سجلتها لنا كتب السلف في كتابي تهافت الفلاسفة وتهافت التهافت.

إن النظرة الموضوعية للتراث ينبغي أن تكون نظرة إيجابية، بمعنى أننا ينبغي أن ننظر إلى ما خلفه الأسلاف من منظور علمي صحيح. والمعيار العلمي يقتضي أن نأخذ في تقويمنا للتراث كل ما أمكننا من التراكم المعرفي الذي أنجزته البشرية خلال الفاصلة الزمنية التي تقع بين حاضرتا وماضينا. وبعكس ذلك لن نعيش عصرنا بالمعنى الإيجابي ولن نخدم تراثنا وأنفسنا على الوجه الصحيح.

ليس من العلمية ولا من الموضوعية في شيء أن نلتزم آراء أبو حامد كلها دون تدقيق وتمحيص، كما إنه ليس من العلمية ولا من الموضوعية في شيء أن نلتزم جميع آراء أبو الوليد ابن رشد صحيحها وسقيمها دون تدقيق وتمحيص. فلكل من الرجلين هويته الفكرية المميزة، إنما قد آن لنا الأوان أن نحكم اليوم على طروحاتهم ونزن أعمالهم الفكرية بميزان المعرفة العلمية التي تراكمت منذ أن أفلت شموسهم حتى اليوم، فهذا هو المعيار الذي يوفيهم حقهم، وهذا هو السبيل إلى معرفة جلال قدرهم. ثم أن هذه التقويمات التراثية هي الدرس الذي تُستخرج منه الخبرة وتُستجلب منه الفائدة. فليس من الروح العلمية أن نتعصب إلى ابن رشد وندعو إلى مقاطعة الروح السينوية ودفن الفكر الغزالي وحرق الأوراد الصوفية. هذا تراث وتراث الأمم لا يُعنى به على مثل هذه الشاكلة، خصوصاً وأن كثيرا من الدعاة إلى القطيعة التراثية إنما هم أنصاف مثقفين وأنصاف متعلمين قد أصابوا حظاً من العلوم الجدلية وأغفلوا كثيراً من العلوم البرهانية.


 

توسع العالم بين الغزالي وابن رشد

انطلق الغزالي في ردوده على الفلاسفة من مبادئ المتكلمين ومنطلقاتهم، لذلك فقد استطاع بجدارة محاجتهم بحجج قوية جداً، غلبهم فيها معظم الأحيان. وهو في محاجاته تلك لم يستعن بالأدلة من القرآن والسنة بل استند إلى أدلة عقلية صرف، وذلك لأن خطابه كان موجهاً بالأصل إلى الجمهور من فلاسفة ومفكرين ومتعلمين وعامة.

اعتمد الغزالي مبدأ الحدوث الذي قال به المتكلمون ومعناه أن العالم قد خُلق من عدم وأن له بداية في الزمان وبداية في المكان، خلافاً للفلاسفة الذين يقولون بقدم العالم: أي أنه لا بداية له في الزمان رغم التزامهم ضرورة أن يكون العالم محدوداً في المكان على قول أرسطو الذي يقرر أن التزايد في العظم إلى غير نهاية مستحيل.

كما ينطلق الغزالي من فهم المتكلمين للزمان والمكان باعتبارهما هويتين متكاملتين لا اختلاف بينهما من الناحية الفلسفية أو التصورية وهما يجتمعان دوماً في الحدث. فالزمان والمكان عند المتكلمين هما جنس واحد، ماهيتان لا معنى لأحدهما دون الآخر وجدا مع خلق العالم وليس قبله ولا معنى لوجودهما بعده. لذلك يستخدم الغزالي في أحيان كثيرة أثناء حواراته عن خلق العالم مصطلحي البعد الزماني والبعد المكاني. وهذه بحد ذاتها اليوم إضافة مفاهيمية نوعية تعكس فهماً علمياً راقياً للمسألة.

سأل الغزالي الفلاسفة سؤالاً فقال:

"هل كان في قدرة الله تعالى أن يخلق الفلك الأعلى في سمكة أكبر مما خلقه بذراع؟ فإن قالوا: لا، فهو تعجيز. وإن قالوا: نعم، فبذراعين وثلاثة أذرع، وكذلك يرتقي إلى غير نهاية".

ثم يقول: "فنقول في إثبات بُعد وراء العالم له مقدار وكمية، إذ الأكبر بذراعين أو ثلاثة يشغل مكاناً أكبر مما كان يشغل الآخر بذراعين أو ثلاثة، فوراء العالم بحكم هذا كمية تستدعي ذا كم، وهو الجسم أو الخلاء، فوراء العالم خلاء أو مُلاء فما الجواب عنه؟".

ثم يقول أبو حامد: "وكذلك هل كان الله قادراً أن يخلق كرة العالم أصغر مما خلقها بذراع أو بذراعين؟ وهل بين التقديرين تفاوت فيما ينتفي من الملاء ويتبقى من شغل للأحياز، إذ الملأ المنتفي عن نقصان ذراعين أكثر مما ينتفي عنه نقصان ذراع فيكون الخلاء مقدراً والخلاء ليس بشيء فكيف يكون مقدراً؟ "

ثم يقول أبو حامد: "وجوابنا في تخيل الوهم (أي التصور الذهني) تقدير الإمكانات الزمانية قبل وجود العالم، كجوابكم في تخيل الوهم تقدير الإمكانات المكانية وراء وجود العالم ولا فرق". هنا ينبغي أن نتوقف قليلاً عند هذه العبارة لنفهم معناها ومبتغى الغزالي منها. ذلك أن الفلاسفة يتصورون وجود زمان قبل وجود العالم ومن هنا كان العالم عندهم قديماً (أو أزلياً) لا بداية له في الزمان. إلا أن العالم عندهم محدود مكانياً وهو غير قابل للزيادة ولا النقصان، على حين أن المتكلمين ينفون أزلية العالم لكنهم يجوزون أن يصير أكبر منه أو أصغر أي يجوزون أن يكون له إمكان الامتداد إلى حجم أكبر أو الانكماش إلى حجم أصغر. لذلك يوازن هنا أبو حامد بين جوابه (وجواب المتكلمين الذين ينطق باسمهم في تهافت الفلاسفة) في مسألة الإمكان المكاني وجواب الفلاسفة في الإمكان الزماني. وعلى الحقيقة، فيما أجد، فإن هذه الموازنة غير ضرورية وليس يحتاج إليها أبو حامد. فالزمان غير متعلق بالمكان عند الفلاسفة، بل لك منهما هويته وجوده المستقل. وليس الحال كذلك عند المتكلمين الذين يجعلون الزمان والمكان كينونة مشتركة يجمعها الحدث.

يجيب ابن رشد عن الفلاسفة فيقول:

"هذا الإلزام صحيح إذا جوّز تزيّد مقدار جسم العالم إلى غير نهاية (أي اتساعه إلى غير نهاية) وذلك أنه يلزم على هذا التزيّد أن يوجد عن الباري سبحانه شيء متناه يتقدمه إمكانات كمية لا نهاية لها، وإذا جاز هذا في إمكان العِظَم جاز في إمكان الزمان فيوجد زمان متناه من طرفه وإن كان قبله إمكانات أزمنة لا نهاية لها".

ثم يقول ابن رشد "والجواب عن هذا أن توهم كون العالم أكبر أو أصغر ليس بصحيح، بل هو ممتنع. وليس يلزم من كون هذا ممتنعاً أن يكون توهم إمكان عالم قبل هذا العالم ممتنعاً، إلا لو كانت طبيعة الممكن قد حدثت. ولم يكن قبل وجود العالم هناك إلا طبيعتان: طبيعة الضروري والممتنع. وهو بَيّنٌ أن حكم العقل على وجود الطبائع الثلاثة لم تزل ولا تزال، كحكمه على وجود الضروري والممتنع".

أي أن يكون العالم أكبر مما هو عليه أو أصغر قضية لا تقع في حيز الممكن ، بل هي بين الضروري والممتنع فقط. وكما سيبين ابن رشد في الفقرة التالية فإن كون العالم أكبر مما هو عليه أو أصغر ليس ضرورياً بل هو ممتنع. يقول ابن رشد:

"وهذا العناد لا يُلزم الفلاسفة لأنهم يعتقدون أن العالم ليس يمكن أن يكون أصغر مما هو ولا أكبر، ولو جاز أن يكون عِظَم أكبرُ من عِظَم ويمر ذلك إلى غير نهاية لجاز أن يوجد عِظَم لا آخر له، ولو جاز أن يوجد عِظَم لا آخر له لوجد عِظَم بالفعل لا نهاية له، وذلك مستحيل. وهذا شيء قد صرح به أرسطو، أعني أن التزيّد في العِظَم إلى غير نهاية مستحيل".

أن في هذا القول الفلاسفة لا يقبلون أن يكون العالم أكبر مما هو عليه لأنه لو جاز ذلك لأمكن أن يكون غير متناه في العِظم، وهو عندهم محال. وكأن السماح بزيادة حجم العالم تفضي إلى توسعه إلى ما لا نهاية له! وهذا مُحال عندهم.

ثم يعالج الغزالي المسألة ثانية، وكأنه يرد على ما قاله ابن رشد للتو من حيث الممكن والمقدور، فيقول: "فإن قيل: ونحن نقول أن ما ليس بممكن فغير مقدور وكون العالم أكبر مما هو عليه وأصغر ليس بممكن فلا يكون مقدوراً".

وذلك لأن الفلاسفة يربطون بين المقدور (على الله) والممكن فقدرة الله عندهم مرتبطة بالخلق المتحقق لا أكثر منها ولا أقل. وهذا يعني ضمناً محدودية قدرة الله (تعالى عما يصفون) بحكم أن المتحقق من الخلق محدود.

فيرد ابن رشد هنا متهرباً، على ما يبدو، بقوله:

"هذا جواب لِما شنّعت به الأشعرية (يعني على الفلاسفة): من أن وضع العالم لا يمكن للباري أن يُصيّره أكبر ولا أصغر، هو تعجيز للبارئ سبحانه، لأن العجز إنما هو عجز عن المقدور لا عن المستحيل".

يعني بهذا أن الادعاء بهذا القول على الفلاسفة من أنهم يقولون بعدم قدرة الله على أن يصير العالم أكبر منه ولا أصغر هو تعجيز لله. ولذلك ينفي ابن رشد هنا هذا الادعاء بقوله أن العجز عند الفلاسفة هو عجز عن الممكن وليس عن المستحيل. لكن من الواضح أن في هذا القول تضمين لفرضية أن المستحيل عقلاً (في منهج أرسطو) هو مستحيل على الله أيضاً.

لكن الغزالي يُكمل شوطه في محاكمة هذه المسألة فيقول: "وهذا العذر باطل من ثلاثة أوجه:

  • أحدها أن هذا مكابرة العقل، فإن العقل في تقدير العالم أكبر أو أصغر مما هو عليه بذراع ليس كتقدير الجمع بين السواد والبياض والوجود والعدم. والممتنع هو الجمع بين النفي والإثبات وإليه ترجع المُحالات كلها، فهو تحكم بارد فاسد".

أي أن الغزالي يُقر وجود المحالات (المستحيلات) لكنه لا يرى أن اتساع العالم أو تصاغره هو من المحالات. وعلى هذا الاحتجاج يرد ابن رشد بقوله:

"القول بهذا - أي ما قاله الغزالي في حجته- هو كما قال، مكابرة للعقل الذي هو في بادئ الرأي. وأما عند العقل الحقيقي فليس هو مكابرة فإن القول بإمكان هذا أو بعدم إمكانه مما يحتاج إلى برهان". أي أن إبن رشد هنا لا يوافق الغزالي في اعتبار توسع الكون أو انكماشه أمراً ممكناً دون برهان، فهو عنده ليس أمراً معروفاً بنفسه. لذلك يقول إبن رشد: "ولذلك صدق (يعني الغزالي) في قوله أنه ليس امتناع هذا (أي اتساع العالم أو انكماشه) كتقدير الجمع بين السواد والبياض لأن هذا معروف بنفسه استحالته، وأما كون العالم لا يمكن فيه أن يكون أصغر أو أكبر مما هو عليه، فليس معروفاً بنفسه. والمُحالات، وإن كانت ترجع إلى المُحالات المعروفة بأنفسها، فهي ترجع بنحوين: أحدهما أن يكون ذلك معروفاً بنفسه أنه محال. والثاني أن يكون يلزم عن وضعه لزوماً، قريباً أو بعيداً، مُحال من المُحالات المعروفة بأنفسها أنها مُحال".

هاهنا نرى أن إبن رشد يوافق الغزالي في أن مسألة توسع أو إنكماش العالم هي ليست من المُحالات الواضحة البينة بنفسها بل هي مما يحتاج إلى برهان. ويسلك إبن رشد البرهان الجدلي فيما يلي مستخدماً حجة القول بأن القول بإمكان التوسع والانكماش يفضي إلى مُحال من المُحالات. وفي هذه الحالة فإن أحد المحالات هو أن يوجد خارج العالم فضاء فارغ لكي يتوسع العالم إليه وهو الخلاء. ومبعث هذه الفرضية يكمن في أن الفلاسفة لا يرون التوسع المكاني إلا أن يكون في خلاء موجود مسبقاً، وذلك لأن وجود المكان عندهم مستقل عن وجود المتمكّن فيه خلافاً للمتكلمين الذين لا يرون انفصالاً بين المكان والمتمكن فيه. والخلاء عند الفلاسفة مرفوض لأنه كما سيقول ابن رشد "بُعد مفارق" أي فراغ لا حركة فيه وهذا غير مقبول فالحركة أساس لوجود وبدونها لا معنى للوجود عند الفلاسفة. أما المحال الثاني فهو وجود المُلاء، لأن هذا سيعني وجود جسم ووجود الجسم يعني وجود الحركة، والحركة يمكن أن تكون إلى فوق أو إلى أسفل أو دورانية وفي كل هذه الأحوال سيعني أن يكون عالمنا جزءً من عالم آخر، وهذا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية أيضاً وهو مرفوض بناءاً على أن وجود عِظَم لا نهاية له مُحال. حيث يوجد مكان فوق أو أسفل أو حول عالمنا. وعلى نفس المنوال ربما يمكن القول بوجود عالم آخر فوق العالم الثاني وهكذا..لذلك نجده يقول: "مثال ذلك أن فرض العالم يمكن أن يكون أكبر أو أصغر يَلزم عنه أن يكون خارجه ملاء أو خلاء. ووضع خارجه ملاء أو خلاء يَلزم عنه مُحال من المُحالات: أما الخلاء فوجود بُعدٍ مُفارِق، وأما الجسم فكونه متحركاً: إما إلى فوق أو إلى أسفل وإما مستديراً. فإن كان ذلك كذلك وجب أن يكون جزءاً من عالم آخر، وقد تَبَرهن أن وجود عالَم آخر مع هذا العالم مُحال في العلم الطبيعي وأقل ما يلزم عنه الخلاء لأن كل عالم لا بد له من اسطقسات أربعة وجسم مستدير يدور حولها".


 

  • وأما الوجه الثاني الذي يُنكر به أبو حامد على الفلاسفة قولهم في مسألة استحالة أن يكون العالم اكبر أو أصغر مما هو عليه فهو ينبني على كشف التناقض بين القول بكون العالم ثابتاً على قدر معين يناقض أحد المبادئ العقائدية لدى الفلاسفة وهي كون العالم معلولاً، يقول أبو حامد:

"أنه إن كان العالم على ما هو عليه لا يمكن أن يكون أكبر منه ولا أصغر فوجوده على ما هو عليه واجب لا ممكن، والواجب مُستغنٍ عن علة، فقولوا بما قاله الدهريون من نفي الصانع ونفي سببٍ هو مُسبّب الأسباب. وليس هذا مذهبكم".

بهذه الحجة البالغة أوقع الغزالي خصومه الفلاسفة في الفخ وفعلاً، ذلك لأن استحالة أن يكون العالم أكبر مما هو عليه أو أصغر يعني أنه مطلق، أي واجب، والواجب (أو المطلق) مستغن عن العلة. فكيف يكون العالم معلولاً إذن؟ هذه النتيجة، برأي أبي حامد، تُلزم الفلاسفة أن يقولوا بما قاله الدهريون أن العالم ليس له خالق.

ورداً على حجة الغزالي هذه يحتكم ابن رشد إلى قياس مغلوط وحجة باهتة لا أدري كيف ساغها لنفسه فهو يقول: "الجواب عن هذا، أما بحسب مذهب ابن سينا فقريب، وذلك أن واجب الوجود عنده ضربان: واجب الوجود بذاته وواجب الوجود بغيره".

أي ربما كان العالم عند ابن سينا واجب الوجود بغيره من حيث كونه ضروري. ثم يقول ابن رشد: "والجواب في هذا عندي أقرب: وذلك أنه يجب في الأشياء الضرورية على هذا القول أن لا يكون لها فاعل ولا صانع، مثال ذلك أن الآلة التي ينشر بها الخشب هي آلة مقدرة في الكمية والكيفية والمادة، أعني أنها لا يمكن أن تكون من غير حديد، ولا يمكن أن تكون بغير شكل المنشار، ولا يمكن أن يكون المنشار بأي قدر اتفق. وليس أحد يقول أن المنشار هو واجب الوجود، فانظر ما أخس هذه المغالطة (يعني ما قاله أبو حامد)...".

أقول: قياس ابن رشد هذا خاطئ لأن الآلة التي يُنشر بها الخشب يُمكن بالفعل أن تكون أكبر مما هي عليه بقليل أو أصغر، فالمنشار يمكن أن يكون كبيراً كما يمكن أن يكون صغيراً فليس منشار قطع الأشجار كمنشار التخريم، وهذا ليس مُحالاً، لذلك فهي ليست واجبة الوجود، بل ممكنة. من هنا نرى أن الحجة المقابلة التي جاء بها ابن رشد في قضية كون العالم المطلق واجب هي حجة ضعيفة، وقياسه على المنشار قياس خاطئ.

الملاحظ أن ابن رشد يغضب حينما يواجهه الخصم بحجة قوية تضعه في موقف حرج أمام سلامة العقيدة. ولعله كان يخاف مثل هذه الاتهامات ويضيق بها ذرعاً لخطورتها، لذلك يعتبرها شيئاً من الخسّة، والسقوط، وغير ذلك من الألفاظ التي استعملها أحياناً بحق الغزالي. على حين أننا نرى بوضوح هنا أن قياسه هو الذي فيه المغالطة ولا نقول أنها خسيسة.

  • أما الوجه الثالث لبطلان عذر الفلاسفة فيقول فيه أبو حامد:

"الثالث هو أن هذا (المذهب) الفاسد لا يعجز الخصم عن مقابلته بمثله، ونقول: أنه لم يكن وجود العالم قبل وجوده ممكناً، بل وافق الوجود الإمكان من غير زيادة ولا نقصان". ثم يختم الغزالي بقوله:

"والتحقيق في الجواب أن ما ذكروه من تعذر الإمكانات لا معنى له، وإنما المُسلَّم أن الله تعالى قديم قادر لا يمتنع عليه الفعل أبداً لو أراده. وليس في هذا القدر ما يوجب إثبات زمان ممتد إلا أن يضيف الوهم إليه بتلبيسه بأشياء أُخر".

أي أن كون كون العالم أكبر مما هو عليه أو أصغر ممكن ولا يوجب هذا أن يكون هنالك زمن ممتد قبله ولا بعده، وذلك لأن المتكلمين ومعهم أبو حامد لا يرون وجوداً للزمان إلا مع العالم، لا قبله ولا بعده، لأن وجود الزمان نسبي مرتبط عندهم بالمكان ووجود المادة. فلا وجود لزمان مطلق ولا لمكان مطلق.

تقويم المسألة عند الرجلين بموقف العلم المعاصر:

والآن بعد أن بسطنا مقالة الرجلين الغزالي وابن رشد وهما ونحن أمام حقائق العلم النظري والعملي عن العالم في زماننا الحاضر فما عسانا أن نقول. وأي الرجلين كان على الحق؟

رغم تطور علوم الفلك خلال القرون التسعة التي خلت منذ وفاة أبي حامد الغزالي فإن العلوم الكونية على الخصوص لم تشهد التطور الكبير إلا خلال القرن العشرين بعد وضع نظرية النسبية العامة واكتشاف حقيقة توسع الكون. فمن المعروف أن الناس (وعلماء الطبيعة منهم) كانوا يعتقدون أن الكون (العالم) قديم (أزلي) ليس له بداية في الزمان، وهو أبدي ليس له نهاية في الزمان لم يوجد عن شيء ولا بشيء، ولا صدر عن عدم. وهذا في الأصل هو اعتقاد فلاسفة اليونان ومن شايعهم من فلاسفة المسلمين ومنهم ابن رشد وابن سينا والفارابي. ظل هذا الاعتقاد قائماً حتى اكتشف إدوين هابل في العقد الثاني من القرن العشرين توسع الكون وتباعد أجزائه عن بعضها البعض. وقد ترسخ هذا الاكتشاف بعد ذلك بما سمي نظرية الانفجار العظيم Big
Bang التي فرضت أن يكون للعالم بالضرورة بداية في الزمان وأنه مخلوق من عدم كما أكدت هذه الرؤية مرة أخرى اكتشاف أن الكون كله يفيض بأشعة كهرومغناطيسية تقع في النطاق المايكروي سميت الخلفية الكونية الإشعاعية المايكروية Cosmic Microwave Background وقد تم اكتشافها عام 1965م وما أعقب ذلك من دراسات كثيرة بحثت حتى في كيفية خلق الكون نفسه من العدم. ولكاتب هذا البحث دراسات علمية منشورة في هذا الصدد إذ هي جزء أساسي من اختصاصه العلمي الصرف، فالعالم يمكن أن يكون أكبر مما هو عليه الآن وسيصير إليه، وكان قبل أصغر مما هو عليه الآن، وهذه هي النظرية العلمية السائدة الآن لا يختلف عليها اثنان من علماء الفيزياء، رغم أنهم لم يكونو ليقبلوها لولا أن أجبرتهم عليها نتائج الأرصاد الفلكية. لكنهم يختلفون في كثير من التفاصيل ومن ذلك سرعة تمدد الكون ومستقبل هذا التمدد هل سيستمر أم سيتوقف عند حد ينطوي الكون بعده على نفسه. ففي هذا الصدد توجد ثلاث نماذج كونية أساسية:

الأول هو نموذج "الكون المفتوح" Open Universe الذي يتمدد بتسارع مستمر أبداً.

والثاني هو الكون المنبسط مكانياًSpatially Flat
الذي يتمدد بتسارع أول خلقه، ثم يصير إلى حالة من التمدد بسرعة ثابتة دون تسارع.

أما النموذج الثالث، وهو النموذج المسمى "الكون المغلق" Closed Universe ففيه يبدأ الكون بالتمدد أول خلقه بتسارع، يتباطأ بعده رويداً رويداً حتى يصير إلى السكون. ثم يبدأ مرحلة الانكماش لينطوي على نفسه ويعود كما بدأ.

من الناحية النظرية يمكن القول أن هذه النماذج الثلاثة ممكنة. لكن أي منها هو الذي ينطبق على واقع الكون الحالي فهذا أمر ليس معروفاً بالقطع حتى الآن. وسبب ذلك أن تقرير أي من الإمكانات الثلاثة واقع بالفعل يتطلب قياس جملة من الخواص والمقادير الكونية التي تعتمد على بعضها البعض نظرياً. لكن علماء الكونيات في آخر أرصادهم يرجحون أن يكون الكون مفتوحاً ومنبسطاً في المكان. ولربما اختلفوا أيضاً في حيثيات نشأة الكون من باب سبق الزمان على وجوده، وكونه ممتداً في زمان لا نهائي يتحول خلاله من حال التمدد إلى حال الانكماش ثم التمدد وهكذا فيما لا نهاية له من الأدوار. لكن كل هذه تخمينات Speculations حسب ما يسميها علماء الكونيات أنفسهم، إنما هو حقيقة دامغة هي توسع الكون لا محالة.

على هذا يكون ترجيح أبو حامد الغزالي إمكانية أن يكون العالم أكبر مما هو عليه أو أصغر هو الرأي الأصوب بضوء معرفتنا العلمية المعاصرة والرجل قال بها من منطلق فكري محض، يستند إلى العقيدة الإسلامية، منذ ألف سنة.

أهمية المسألة في الإطار الفلسفي المعاصر:

تجري حالياً في الغرب (أعني الولايات المتحدة وأوربا) حوارات ساخنة وتصدر كتب كثيرة وتُجرى أبحاث فلسفية جادة لمعالجة المضامين الفلسفية لاكتشاف توسع الكون (اكتشاف هابل). فعلى حين يرى فريق من الباحثين أن توسع الكون لا يفضي إلى أي دليل على وجود خالق للكون، يرى آخرون أن توسع الكون هو دلالة قاطعة على ضرورة وجود خالق. دليلهم في هذا أن توسع الكون يعني أن هذا الكون كان حيزا صغيرا جداً فيما مضى من الزمن. ويستدلون على موضوعة الخلق والحدوث بالنظرية السائدة حالياً، وهي نظرية الانفجار العظيم كما أسلفنا. ليس في هذا أي شيء غريب. لكن الغريب حقاً أن نجد الحوارات الساخنة الآن تتخذ أحياناً نفس الأساليب وتستخدم نفس الحجج الفلسفية والمنطقية التي اتخذتها مناقشات الفلاسفة والمتكلمين المسلمين قبل ألف سنة. والأغرب من هذا أن الذين يعالجون هذه المسائل نادراً ما يشيرون إلى الأصول التاريخية لهذه الحوارات، كهذه المحاورة الرائعة التي جرت بين الغزالي وابن رشد. لهذا السبب على الأقل أصبح من الضروري تقديم النتاج الفكري لحضارتنا السابقة وما احتواه تراثنا الحضاري من فكر وفلسفة لتكون نقطة البدء في البحث مدعمين بعلوم العصر وآلات العصر. وبذلك نعطي للماضي قدره ونستشرف المستقبل بعقل منفتح أصيل.


 


 


 


 


 

المراجع والهوامش