عشاق الحور

عشاق الحور

الشيخ عبدا لله عزام

معا على الطريق

أبو عثمان وأبو حمزة


 

مضيتما إلى الله والقلوب معلقة بكما, ما من لسان إلا ويلهج بالثناء, ما من فؤاد إلا ويشعر بالوفاء, ما من نفس الا وملؤها الرجاء أن يجمعها الله بكما في مستقر رحمته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين0

أما أنت يا أبا عثمان00 فالذي يشد القلب إليك مزايا كثيرة00 الحياء الجم والرجولة المادقة, والأدب الرفيع والحرص على معرفة الحكم الشرعي, خاصة لقمة الحلال, ولقد وجدت (غالبا ) أن الحياء والرجولة والكرم صفات متلاصقة لا تراها مفترقة0

حيثما رأيته وأن ى لقيته كنت أجده يحمل في يمينه كتابا به يدرس00 كتابا من كتب العلم القديمة النافعة, عظيمة الفائدة00 كان يبحث عن الأصول ويغوص إلى الأغوار يستخرج كنوز الدقائق من البحر الرائق, أو يأخذ التهذيب من المذهب ويجمع العلم من شرحه المجموع00 وتراه شغوفا بكتب الشافعية وبأبي إسحاق الشيرازي تأثرا بشيخه في الفقه محمد حسن هيتو الذي كان قد قدم رسالة الدكتوراه في أبي إسحاق الشيرازي في الأصول0

وكان يبحث عن العلم الحقيقي, ولا يريد الشهادة بكرتونتها00 ولقد سجل الدكتوراه في جامعة السند ولكنه كان يبحث عن بحر للعلم أعمق فاستشارني أن يسجل البحث في ندوة العلماء في الهند وشجعته على هذا, وشد مئزره وحزم أمتعته وكان يعد العدة لرحلة الهند حيث يتلقى العلم على يد بقية السلف -فضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي- ولكن سبقت رحلة الهند رحلة الأبد إلى الله, وكانت الشهادة الكبرى التي فتحت بها أبواب السموات كما وعد الله, ولن يخلف الله وعده ونرجو الله أن يرزقنا الشهادة في سبيله ونلتقي بك يا أبا عثمان في الملأ الأعلى0

أما أنت يا أبا حمزة فرغم حداثة سنك -كنت كبيرا في القلوب- إن كنت أنسى فلا أنسى تلك الصورة التي قابلتك بها لأول مرة في بيتي في إسلام آباد -شاب يميل إلى الطول- أسمر, لعينيه بريق, نحيف, ودخل البيت وجلس بحياء شديد في إحدى زواياه, وقدم نفسه إلي0

لقد قدمت من يوغوسلافيا -كنت أدرس الهندسة فيها- فتركت الدراسة طمعا في الجهاد والإستشهاد, ثم وصل إلى بدر0

كنت كلما زرت مخيم بدر أجد هذا الشاب النشيط الذي اختلط مع الأفغان يخدمهم ويستفيد من كل دقيقة من حياته, سألت عنه من حوله فانطلقت الأفواه تثني عليه كان الكل مجمعا أن أبا حمزة أول عربي مسلم يختلط بالأفغان هذا الإختلاط ويعيش صابرا على لأواء حياتهم وشدة ظروفهم وخشونة طعامهم ولباسهم0

كنت أدخل فأراه يقوم من بيننا ويعود بعدها يحمل الطعام أو الشاي يقدمه لنا ثم يجلس بأدب ينتظر إنتهاء الطعام ليرفعه ويغسله0

كان كل واحد ممن حوله يستحي منه بسبب تفانيه في خدمة إخوانه -استمعت إليه القرآن فوجدته يتقن أحكام التجويد- فسألته: أو تحفظ شيئا من القرآن? فقال: لقد كنت أحفظ القرآن على يد شيخنا محمد قاسم شاور, في منطقة رام الله ففرحت كثيرا 0

ثم مضى أبو حمزة ألى ربه هكذا, كالبرق الخاطف افتقدناه من بيننا فافتقدنا أخا حبيبا , ومجاهدا صادقا , ورجلا صامتا قلما يجود الدهر بمثله0

إن الشهادة درجة عالية لا يهبها الله إلا لمن يستحقها إنها اختيار من العلي الأعلى للصفوة من البشر ليعيشوا مع الملأ الأعلى (ويتخذ منكم شهداء), إنها اختيار واتخاذ واصطفاء للأفذاذ من البشر ليكونو ا في صحبة الأنبياء (ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا)0

مضى كل منهما إلى ربه رافع الرأس, ناصع الجبين بعد أن بلغ الشهادة في الأرض ونال الشهادة في السماء0

يا رب قد أخلصتهم فنجوا فمتى تمن علي يا ربي

مضيتما كلمح البصر وتركتما حسرة الفراق في القلوب ونلتما إن شاء الله فرحة اللقاء بعلام الغيوب0

ونردد أخيرا الأبيات التي رددتها أم المؤمنين عا ئشة -رضي الله عنها- على قبر أخيها عبد الرحمن -رضي الله عنه-:

وكنا كندماني جذامة برهة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

فلما تفرقنا كأني وم—الكا لطول أجتماع لم نبت ليلة مع-ا

اللهم أحينا سعداء وأمتنا شهداء واحشرنا في زمرة المصطفى ص واجمعنا مع أبي عثمان وأبي حمزة في الصالحين0

آمين000 آمين000 آمين000

تهنئة شهيدين:

تحية وفاء, وتهنئة ورثاء إلى الشهيدين الأخوين (أبي عثمان وأبي حمزة)0

من أخيكم في الله محمد إسماعيل -قائد الولايات التسعة الجنوبية الغربية- قال تعالى: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لاتشعرون)0

إخواننا المجاهدين وجميع منسوبي ومحبي شهدائنا العظام:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

إن كافة أعضاء ومنسوبي الإمارة العامة, والقيادة العامة للقوات المسلحة في هرات, يهنئون ويباركون شهادة إخوانهم أبناء مدرسة الإسلام وعاشقي الشهادة في سبيل القرآن وعلى رأس هؤلاء الشهداء الأخوان الشجاعان البطلان أبو حمزة وأبو عثمان رحمهما الله0

والتلميذان المخلصان اللذان جاءا الزيارة اخوانهم المجاهدين في هرات نبعث إليكم وإلى أقربائهما وإلى كافة محبيهما ومنسوبيهما أحر التهاني, ونسأل الله للجميع الصبر الجميل ولكافة شهدائنا الأجر الجزيل0

أخوكم في الله

العقيد محمد إسماعيل


 

وداعا يا يحيى

(ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون)

هذه الكلمات الأخيرة التي ودعت بها الحياة في رسالة وجدناها في جيبك قال رفيق رحلتك والذي لفظت أنفاسك الأخيرة ورأسك علي صدره أقول: قال لي محمد أمين محدثا : لقد كتبها يحيى أخر ليلة عاشها فوق هذه الأرض0

كل شيء كان يلقي في روعك أنك مقبل على الشهادة, ولطالما أقسمت يا يحيى لإخوانك الذين يشاركونك آلام الطريق البذل والتضحية والعرق والدم تحت أزير الرصاص ودوي المدافع لتوقظوا أمة دب الوهن في أعماقها, وأصبحت لا تغفو إلا على مواطئ كل جبار غشوم, وإذا صحت فعلى خطى الذل خاشعة الرسوم0

لطالما أقسمت لهم أنك شهيد, وهم يقولون لك: يا يحيى لا تزك نفسك وأنت تقول معاذ الله أن أزكي نفسي, ولكنه احساسي الذي أشعر به في أعماقي0

كانت ليلة عرفة والروس قد أقبلوا عليكم من فوقكم ومن أسفل منكم وبلغت القلوب الحناجر, فقمت مع إخوانك للسحور من أجل صيام عرفة في أرض المعركة لأن صيام عرفة يكفر عامين, فكيف صيام عرفة تحت الحمم المتناثرة من السماء كأنها وابل المطر, فهذا لاشك أن أجره أعظم بكثير, وفي الحديث الصحيح من صام يوما في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خندقا 0

فصاح إخوانك يا يحيى لندرك السحور فقلت لهم: أنا ذاهب للإستحمام ثم استدركت قائلا : والله ما بي من جنابة ولكني أستحم لاستقبال الحورية التي رأيتها في المنام, إذ أنني لم أر في حياتي امرأة في منامي, وهذه الليلة أقبلت الى بدلها ودلالها وجمالها ووضاءتها ودعج عيونها, إنها الحورية!!

وانتهت معركة جاجي ولم تحظ يا يحيى بالشهادة وأخذ الإخوة يمازحونك قائلين: أين ذهبت الحورية, وأنت تصر على قدومها0

حدثني أحد الإخوة العرب قائلا : لقد وقف يحيى على قبور الشهداء العرب الثلاثة التي تحتل قمة جاجي فأخذ يخاطبهم قائلا : عما قليل أنا قادم إليكم بإذن الله0

وجاء اليوم السابع من محرم الموافق لليوم الثالث والعشرين من أيلول وكنت على موعد مع الشهادة التي ما فتئت تتمناها صباح مساء وعلى يد مجموعة من عملاء الشيوعية, الذين فتحوا رشاشاتهم عليك على أبواب جاجي, ففزت بها وربحت البيع -إن شاء الله- يا يحيى, وبدأ الدم الزكي يتدفق وما بقي أحد ممن مس جسدك أو تضمخ بقطرة من دمك إلا والمسك يعبق في أنفه, حتى صار كل من حضر جنازتك يتساءل لم نشهد في حياتنا ولم نشم رائحة أزكى ولا أطيب من هذه0

حدثني أبو الحسن المقدسي قائلا : لقد شممت أنا وأبو معاذ دم الشهيد على بعد خمسمائة متر وهو في السيارة التي تقله نحو مثواه الأخير, إلى الحضرة التي سعدت بضم جسده الطاهر والتي نرجو أن تكون روضة من رياض الجنة0

وحدث الدكتور أحمد قائلا : لقد تلقيت كثيرا من الشهداء فما شممت رائحة أطيب, ولا أزكى من هذه الرائحة, وحدثني الدكتور أبو محمد: لقد دخلت الغرفة التي سجي فيها يحيى في المستشفى بعد ثلاثة أيام وإذا رائحة المسك تنبعث في أرجائها, وحدثني أبو حمزة قائلا: لقد بادرتني زوجتي بعد عودتي من الجنازة أي عطر هذا الذي نشمه لقد بلغت عزاء لا يقرع الدهر مروءته ولا يفصم عروته, لا ينقص مرته, ولم تلن قناتك لغامز, وأبيت أن تستباح الذمار أو يوطأ الحمى أو تداس الحوزة, فلم تصبر علي خسف ولم تقم علي مذلة لقد أقبلت على الله رابط الجأش ثبت الجنان صلب العود شديد الشكيمة0

لقد كنت تحب وردك (ولاية في أفغانستان) لأنك طفتها بكاملها! ولم تدع مستقرا للمجاهدين فيها أو تجمع لهم إلا ودخلته وتعرفت عليه, ونقلت حاجاتهم وضروراتهم من أجل سد نقصهم وخلتهم, ولذا كنت تطلق على نفسك عبد الرحمن عبد الكبير الوردكي0

وهكذا وبلمح البصر مضى يحيى إلى ربه نرجو الله يقر عينه بمقعد صدق عند مليك مقتدر0

لم تكن أيامك طويلة بيننا يا ابن العشرين عاما , ومضت روحك لتترك في الدنيا مجدا وعزا مؤثلا ولسان صدق فوق هذه الأرض ونرجو الله أن يكون حبورك وسرورك أعظم بلقائك مع الملأ الأعلى0

وندعو الله عز وجل أن يحيينا سعداء ويميتنا شهداء, وأن يحشرنا في حضرة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم, وندعو الله عز وجل أن يعوضنا عنك خيرا وأن يجعل أمك وأباك وإخوانك يحتسبوك عند خالقهم, ونبتهل إليه تعالى أن تكون شفيعا لهم يوم القيامة000

وختاما نردد الذكر الحكيم نديا : (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون)0

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك0

أخوك أبو محمد

الرسالة الأخيرة من الشهيد يحيى سنيور:

المجاهد المسلم يعرف هدفه جيدا , ولذلك تراه يسير على بصيرة من أمره, و يمشي بخطى ثابتة لا يعرف التراجع00 و لا يعبأ بالمحن و العقبات بل يجد فيها غاية راحته لأنها في سبيل الله: ومن يقف آثار النبيين لم يسل على الشوك يمشي أم على الشفرات

و الرسالة الأخيرة التي خطها الشهيد الحي لأهله أكبر دليل على صدق ما ذهبنا إليه, فاستمع إليه و هو يقول: (أنا هنا00 رغم الطائرات, رغم الدبابات, رغم القصف المستمر ليلا ونهارا , ورغم البرد الشديد, ورغم الجوع, إلا أني في قمة السعادة وراحة الضمير, لأني أشعر أني أفعل أحب الأعمال إلى الله, وأن الله لا يضيع أجر العاملين, وهذا الجهاد هو الوحيد الذي يستطيع به الإنسان أن يقدم أعمالا ترضي الله وترجع لهذه الأمة أمجادها)0


 

بوابة المجد

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله, اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا وبعد0

فلقد شاءت إرادة الله أن تحيا الأمم بالنماذج الفذة, وأن تبنى الأمجاد بالقمم, وأن تنصر المبادئ بتضحيات الأفراد الأفذاذ هؤلاء الأفراد يكونون غرباء في مجتمعاتهم ولكن المجتمعات بهم تحفظ وبأمثالهم تنصر وترزق0

هؤلاء الأذكياء لأنهم عرفوا طريقهم إلى الله وإن كان غيرهم يرثي لحالهم ويسخر من تفكيرهم, هم السادة وإن كان أهل الدنيا المحرومون من لذة العيش الحق يردون هؤلاء عن أبوابهم ويدفعونهم من مجالسهم0

هم القادة لأنهم يملكون نياط القلوب ويأسرون الأفئدة بحبهم, وقادة الدنيا هم المنبوذون حقا لأنهم كما قالت أم هارون الرشيد عندما رأت الآلاف المؤلفة تجتمع حول رجل فقالت: من هذا?

قالوا: هذا عبد الله بن المبارك عالم خراسان, فقالت: هؤلاء هم الملوك وليس أمثال هارون الذي لا يستقبل الناس إلا بجنود وشرط0

هم الملوك كما قال ابن المبارك عندما سئل من الملوك? قال: هم الزهاد, فقيل له: فمن السفلة? فقال: هم الذين يصلحون دنيا غيرهم بإفساد دينهم0

هم الذين يخطون تاريخ الأمم: لأن صروح المجد لا تبنى إلا بالجماجم والأشلاء, هم الذين يحفظون شجرة هذا الدين من أن تضمحل أو تذوي لأن شجرة هذا الدين لا تروى إلا بالدماء, هم الخالدون بذكرهم في الأرض والسماء: لأن بذكرهم تحيا القلوب وإذا رووا ذكر الله0

وفوق هذا كله جنة عرضها السماوات والأرض تنتظرهم, وحور تشتاق للقائهم وتتحرق للقرب منهم0

هؤلاء هم المجاهدون في سبيل الله يأتون في المرتبة بعد النبيين والصديقين, بل تمنى رسول الله صلى عليه وسلم الشهادة في سبيل الله0

ففي الصحيحين (والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحياء ثم أقتل) وفي الصحيحين لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها .

وفي البخاري: طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة, إن أستأذن لم يؤذن له, وإن شفع لم يشفع 0

وتلاحظ العبارة النبوية الكريمة إن كان في الحراسة كان في الحراسة: أي حيثما أقامه الأمير أقام وحيث أمره أن يبقى لزم مكانه وصبر والأحاديث في فضل المجاهد كثيرة لا نستطيع أن نلم بها في هذه العجالة وقد شهد له الرسول ص بأنه خير الناس: ألا أخبركم بخير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله ألا أخبركم بالذي يتلوه رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق الله تعالى فيها ألا أخبركم بشر الناس رجل يسأل بالله ولا يعطي به) رواه مالك والترمذي والنسائي0

هؤلاء يقتلون لتحيا أممهم ويحيون هم أنفسهم هؤلاء عشاق الموت لتوهب لهم الحياة وكما أخبرنا نبينا ص عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة, فلنحن أحب في الموت منكم في الحياة أخرجه البخاري تعليقا 0

هؤلاء يبحثون عن الموت وكما قال ص في صحيح مسلم: ( ن خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه 0

ولتلاحظ معي: ممسك بعنان فرسه فهو لا يرخي العنان كناية عن تمام استعداده يطير على متنه: فهو في سرعة استجابته كالطير لا يركض ولا يسرع فقط بل يطير طيرانا 0

كلما سمع هيعة: أي فزعة ترعب الأمة وترهبها فهو يفزع ويسرع ويهرع من أجل أمن الأمة واطمئنانها0

يبتغي الموت مظانه : أي حيثما ظن مكان الموت أسرع اليه ومضى مسرعا يطلب الموت0

ومن هؤلاء إن شاء الله شهداؤنا الذين مضوا بعد أن بلغوا أمتهم ومجتمعهم وأسرهم واجباتهم بالدم لا بالمداد, إن المبادئ أثمن من الحياة وإن العقائد أثمن من الأجساد وإن القيم أعظم من الأرواح0

ورأيت معظم الشهداء الذين عشت معهم تجمعهم صفات على رأسها:

1-    حفظ اللسان عن المسلمين.

2-    سلامة الصدر على المسلمين .

3-    العمل بصمت والبعد عن ضجيج الإعلام .

4-    طاعة الأمير -إن كان في الساقة كان في الساقة-.

5-    قلة النقاش فيما يوجهون إليه.

6-    الحياء الجم والأدب الرفيع والإحترام الشديد للعلماء والكبار والمسؤولين.

7-    الحرص الشديد على البقاء داخل الجبهة والنفور من جو الراحة والدعة والإستقرار0

8-    ألسنتهم لا تلهج إلا بذكر محاسن المسلمين ولا يرون للجبهات ولا للمجاهدين إلا فضلا عليهم, ويرون أنفسهم صغارا بجانب هؤلاء الذين صمدوا صمود ا تنوء به الراسيات, ورحم الله امرءا عرف حده فوقف عند ه0

من هؤلاء عرفت:

  1. أبا حمزة (ماهر شلبك) عمل بصمت وبأدب رفيع وحياء وأحب الأفغان وأحبوه فاختاره الله شهيدا بينهم0
  2. أبو عثمان (عبد الله الفيلكاوي) لا يعرف النقاش, سألني سؤالا واحدا ما عقب عليه ما رأيك أذهب أم أبقى? فأشرت إليه بالذهاب فلم يلفظ ببنت شفته ومضى في رحلته وإلى الأبد0
  3. يحيى كان فرحا بما يوكل إليه من أعمال سعيدا بتنفيذ الأوامر مع سلامة صدر ومرح برئ ومزاح مؤدب فاختاره الله0

أما شهيدنا اليوم فهو:

الشهيد عبد الوهاب بن عبدالله بن سعيد

هجر الدنيا وعاف المقام بين أعطاف النعيم استقال من وظيفته وهومن أسرة ذات منزلة اجتماعية وثراء لا بأس به أدبه رفيع حتى بت أتساءل: كيف يربى هؤلاء?

من أين لهم هذا الحياء الجم? كيف نال هؤلاء هذه الدرجة من الحرص على الجهاد والطاعة والإنضباط مع الأدب والتنفيذ والعمل?

قابلته منذ عام فقال: علمت أن الجهاد فرض عين فنفرت في سبيل الله لا إذن لأحد علي وقد حسمت القضية في قلبي وذهني0

كان يتحرق على المسلمين ويتأرق لمصائبهم, لقد أقض انتهاك الحرمات جنبه فجافى مضجعه وأقبل بكله ونفسه وقلبه على الجهاد0

طلب الموت مظانه: من جاجي -بكتيا, لوجر, كونر, ننجرهار- وأخيرا كان اللقاء مع الشهادة في -شلمان- على أرض ننجرهار0

صامت لو تكلما لفظ النار والدما قل لمن عاب صمته خلق الحزم أبكما

وصية الشهيد عبد الوهاب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى0

هذه وصيتي أنا عبد الوهاب بن عبد الله بن سعيد الردة من المملكة العربية السعودية0

  1. مالي وملابسي في قسم الأمانات هنا تعطى للمجاهدين أو المهاجرين فور استشهادي0
  2. إلى الوالدة والإخوان والأخوات: لن أطيل الكلام وأنتم بالتالي يجب أن لا تكثروا الملام00 أنا لم أجاهد في أفغانستان بنفسي ومالي إلا باقتناعي التام بأن الجهاد فرض عين, ولهذا أقدمت على الجهاد طائعا مختارا 0
  3. إلى بنتي: لقد عاش أبوك وحيدا وغريبا برغم كثرة المال والأهل والخلان ولكني كنت بفكر متميز وصاحب مبادئ و قيم لم أتنازل عنها أبدا ولذلك جفاني الناس وجفاهم فكري, ومن أفكاري وما أنا عليه يا عزيزتي: أن الإسلام دين ودولة ومصحف وسيف وأني لا ألدغ من جحر مرتين0

إنني أكره الطواغيت وأحاربهم بقلمي ولساني وقلبي هم وأتباعهم وألعنهم صباحا ومساء وكل يوم لأنهم00000

عزيزة نفسي من غير كبر إن شاء الله, شاعر عنيد وومجاهد صنديد0

عيشي هنيئة وموتي شهيدة كوني مؤمنة صابرة مجاهدة بكل ما أوتيت من وسائل واعلمي سبب وجودك في الحياة واعملي به واحفظي كتاب ربك وإلى اللقاء في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر0

  1. إلى إخواني في الله في كل مكان: كثير من الناس من يتخذ الحياة طريقا إلى الموت وأنا اخترت الموت طريقا إلى الحياة0

عليكم جميعا التمسك بالإسلام قولا وعملا وحركة وجهادا , والإسلام ليس كما يتصوره البعض ركيعات في المسجد ولكنه دين شامل0

كفاكم غواية إبليس وشهوات أنفسكم ومكر الطواغيت بكم وضحك الشرق والغرب عليكم.

  1. العنوا الطواغيت وعادوهم بكل ما أوتيتم من قوة هم وأذنابهم من حثالة البشر ولعنة الله على الظالمين0

الوصية الشرعية:

أوصي بثلث مالي أن يعطى للمجاهدين فى أفغانستان عن طريق أميرهم الشيخ عبد رب الرسول سياف0

والباقي يقسم قسمة شرعية واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون, فالنصف لابنتي والسدس لأمي والباقي يوزع على إخواني وأخواتي0

اللهم إني عفوت ما بيني وبين الناس فاعف ما بيني وبينك0

رسالة الشهيد عبد الوهاب إلى والدته:

الحمد لله مالك الملك وجبار السماوات والأرض العزيز القدير والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وقائد الغر المحجلين سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وعلي من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:

والدتي العزيزة00 إني أكتب هذه الكلمات وأنا أؤمن بقضاء الله وقدره فحياتي جرت كما تعلمين غريبة عجيبة بالآمها وآمالها وحلوها ومرها حتى انتهى بي المطاف هنا وما أدراك ما هنا?

هنا عبادة فرضها ربي علينا من زمان وأضعناها وعادت اليوم الفريضة الغائبة فجزى الله خيرا الرجال الذين أعادوها والرجال الذين قدموا أنفسهم رخيصة في سبيل الله وعلى درب الجهاد نلتقي00

أمي يا ست الحبايب, والله لست بقاس ولست بعاق ولست ساذجا ولست بمعقد وليس بي ضلالة000 أنا آسف على عدم ملاطفتكم ومجاملتكم أنت وإخواني وأخواتي والأصدقاء, ولكن هذا ليس بيدي فالطامة كبيرة والحدث عظيم, الإسلام يدمر والأعراض تنتهك والحرمات تدنس وكرامة المسلم وحريته أبيدت والجميع صامت كالإعلام العربي العميل الجميع يأكل ويشرب ليعيش ويعيش ليموت بئست الحياة, أما أنا وغيري من أقراني وإخواني في الله بذلنا وسنبذل كل ما في وسعنا لإعلاء كلمة الله خفاقة في مشارق الأرض ومغاربها بإذن الله تعالى أو ترق منا الدماء مقبلين غير مدبرين, فمن كان هذا فكره لا تلوموه على عدم ضحكه وعدم ملاطفته فجراح الأمة أثقلتنا ولهذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان ولكن لا بأس علينا نحن سعداء جدا في هذا الطريق, عندي كلام كثير وددت أن أقوله ولكن أرجو من الله أن أكون باستشهادي قد قلت كل ما عندي ولا أبالي0

والدتي, إخواني, أخواتي, أقاربي, ابنتي, إخواني في الله مع كل خشوع وتفكر بآية قرآنية أو ذكر شهداء أو شهادة اذكروني ومع كل إشراقه نهار جديد اذكروني ومع كل000 ومع كل موجة من التيار الإسلامي اذكروني واعتبروا يا أولي الأبصار0 لقد عجزت عن التفكير وقد يخونني التعبير ومع ذلك لا أبالي وسأمضي إلى حيث أخوتي الشهداء وإلى يحيى وسنكون جميعا في ضيافة الكريم عز وجل, فقد رحب بنا في ديننا عندما أكرمنا بدينه ويكرمنا في أخرانا بإذنه سبحانه وتعالى فالى لقاء هناك وما أدراك ما هناك? حيث الرضوان والنعيم والجمال والخلد فلا إله إلا الله والله اكبر.

الشهيد الذي لم يستشهد بعد وهو عند الله شهيد

عبد الوهاب عبد الله


 

الشهيد عبد الصمد مفتاح

فهو من النماذج: أد ب, صمت, وعمل, لا يعرف الكلام, طاعة لا يخالطها نقاش, تصميم لا يمازجه تلعثم ولا تردد كان لسان حاله يقول:

إني لأفتح عيني حين أفتحها على كثير ولكن لا أرى أحدا

سألني في الصيف ما حكم الجهاد? قلت: فرض عين, فقال: إذن نزول بلا رحيل هنا طاب المقام فالحياة حياتكم والممات مماتكم0

وهو وحيد أمه ولقد ذرفت عيني عندما اطلعت على رسالتها بالأمس وهي تناشده بحنانها وعطفها وفؤادها وأعصابها تناشده الرحلة أن يرجع وأن لا يدعها تموت شوقا إليه وجوى عليه.

وفي (شلمان) جرح وفي (ورسك) ثوى في مرقده الهادئ بجانب الشهداء حوله حتى يبعث معهم -إن شاء الله- يوم القيامة.

وأما الشهيد....... فنكف عن الكلام عنه وإن كان في النفس كلام كثير أتحرق لذكره لأنه نموذج فذ ما تفتحت عيناي على شاب ممن مضوا على هذا الطريق ممثله.

نكف عن الكلام عنه لأنه أوحى أن لا يشار إليه بتصريح ولا تلميح فاحتراما لوصيته نمسك ألسنتنا وأخيرا حق لنا أن نقول: (هذا شلمان جبل نحبه ويحبنا).

وفي النفس حاجات وفيك فطانة, ونرجو الله أن يجمعنا بهم في الجنة0

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

رسالة الشهيد عبد الصمد إلى أهله:

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى والدي الأعزاء:

من ابنكم الفقير إلى رحمة الله وعفوه (الخميس (4) يوليو (1985 م)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على خير الأنام, أما بعد:

إليكم أحر سلام وأقول لكم عيد مبارك إن شاء الله, وأسأل الله تعالى أن يعيده عليكم كل سنة وأنتم بخير وفي صحة وعافية0

وأتاسف على هذا التأخر في إرسال الرسائل إليكم واعذروني على ذلك لأنني كنت في شغل بعيد عن البريد وهذا الشغل هو جدا هام, وهو أنبل من حياتي, معذرة مرة أخرى وأقول لكم لا تحزنوا ولا تهنوا وارفعوا رؤوسكم وقولوا الحمد لله هو نفس الذي خلقكم من أجل أن تعبدوه وأنا خلقني من أجل أن أعبده ولقد بعت نفسي لله رب العلمين0

سبحان الله في هذه الدقيقة وأنا حامل القلم لكتابة هذه الرسالة فإذا بأمر ياتيني في هذه الدقيقة بالذهاب إلى منطقة من المناطق الربانية لأداء واجب من الواجبات, الرجاء من الجميع السماح والدعاء0

وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين0

أبو سلمان (51/8/1405ه-)


 


 


 

خاطر في أفغانستان

بسحنته الصعيدية وسمته المصري ذي السمرة المائلة إلى الدكنة قابلته لأول مرة والسيارة تقلنا تنهب الأرض نحو(كونر) إنه الأخ حمدي البنا أول شهيد مصري فوق أرض أفغانستان, كان صامتا لايتكلم إلا بقدر ينبئك صمته عن ليث يغلي صدره كالمرجل حزنا على الآم المسلمين ومشاكلهم0

سألته ممن الرجل? قال: من مصر اسمي حمدي, وفي حوار مؤدب عرفت أنه مهندس تخرج من مصر ثم واصل دراسته في لندن ولم يكمل دراسته العليا هناك وعاد إلى مصر ولم يطق العيش متنعما بين أعطاف الترف وألوان المطاعم والمشارب فقرر أن يخلع ربقة الدنيا من عنقه وأن يدوس على ترفها ويمم وجهه شطر أفغانستان, وبدأ يطلب الموت مظانه محاولا تمثل الحديث الشريف حيا بخطوات وأخلاق وسلوك وفي الحديث الصحيح من خير معاش الناس رجل آخذ بعنان فرسه يطير على متنه كلما سمع هيعة أوفزعة طار اليها يبتغي الموت مظانه 0

تجول من جبهة الى جبهة يبحث عن أشد خطوط النار التهابا وأقواها إشتعالا ذهب إلى قندهار واشترك في شعبان بعملية فتح كبيرة تحت قيادة مولوي غلام محمد غريب ونصرهم الله نصرا مؤزرا 0

وقد نشر تقرير مرسل منه باسم (عبد الله غريب) في العدد الماضي عن تلك المعارك (أنظر: بشائر من قندهار, صفحة 61)0

وعاد ليشارك في معركة جاجي في رمضان حيث اشتد أوار المعركة وطائرات (T22) و (T28) تدمر كل شئ بأمر ربها0

كان لي شرف مرافقته أيام الجمعة والسبت والأحد (الأول والثاني والثالث من رمضان) وقد ساهم في تسوية أرض لمسجد المخيم في جاجي فكان يعمل بصمت ولا ترى منه إلا حركة دائبة دون أن ينبس ببنت شفة, أو تسمع له ركزا , لا تلمس عليه مللا ولا تحس منه تضجرا يتفجر حيوية ويلتهب حماسا وكان متفانيا في خدمة إخوانه0

إستلم فترة من الفترات خدمة إخوانه في مكتب الخدمات, كان يأكل بعد أن يشبع إخوانه, كان ينتظر انتهاء إخوانه من طعامهم فيجمع بقايا كؤوس الشاي ويجلس ليشرب الشاي فوق فتات الخبز المتبقي وكان كثيرا ما يحاول تطبيق السنة يلعق بقية الصحون أخذا بالحديث فإنك لا تدري في أيها البركة, وأمرنا بلعق الأصبع والصحفة, وقد كان يصوم الإثنين والخميس أكثر أحيانه, وصام شعبان كله (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علوا في الأرض ولا فساد ا والعاقبة للمتقين) القصص0

وفي الخامس من رمضان الساعة العاشرة صباحا في أحدى الغارات الجوية ومن جراء القذائف الضخمة حيث تدحرجت صخرة عظيمة على رأسه فأسلم الروح إلى خالقها ولحق بركب الأفذاذ أمامه على طريق يحيى وسعود وعبد الوهاب وعبد الصمد يضيف الى قائمة الشهداء بطلا تسطر تاريخ الإسلام بدمائه وتروي شجرته بنجيعها0

فنرجوا الله أن يجمعنا به في الصالحين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا0

رسالة الشهيد حمدي البنا إلى أهله:

من عبدالرحمن ابنكم حمدي إلى الوالد الكريم والأم الحبيبة والإخوة الأعزاء:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد الذي جعلنا مسلمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين, واشهد إن لا إله إلا الله واشهد أن محمدا عبد الله ورسوله0

مولاي صل وسلم دائما أبدا على حبيبك خيرا الخلق كلهم0

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون, يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة أن الله مع الصابرين, ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون, ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين, الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون, أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المفلحون) (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون)(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون, فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلامتاع الغرور)(يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون).

روي الترمذي عن المقداد بن معد يكرب عن رسول الله ص قال: للشهيد عند الله يغفرله ويرى مقعدة من الجنة ويجار من عذاب القبر وأمن من الفزع الاكبر وفي رواية أخرى ويضع على راسه تاج الوقار الياقوته منه خير من الدنيا وما فيها ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين ويشفع في سبعين من أقاربه 0

غدا نلقى الأحبة محمدا وصحبه

قولوا لأمي لا تنوحي واصبري أنا عند خالقي الذي يهديني

إنا أن حرمت وداعكم لجنازتي فملائك الرحمن لم يدَعوني

ان لم يصل علي في الأرض امرئ حسبي صلاتهم بعليين

أنا في ربا الفردوس أقفز شاديا جذلان كالعصفور بين غصون

أنا في جوار المصطفى وصحابه أحيا حياة الحر لا المسجون

ابنكم حمدي

وصية الشهيد:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعلنا مسلمين والصلاة والسلام علي المبعوث رحمة للعالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله

مولاي صل وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إلى الإخوة الكرام: فهذه وصية العبد الفقير إلى الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا صالح الأعمال ويتجاوز عن السيئات0

أوصيكم بتقوى الله عزوجل واتبعوا السيئة الحسنة وخالقوا الناس بخلق حسن0

1-    عند وفاتي أدفن في أقترب أرض ولا أنقل بعيدا 0

2-    يسوى قبري بالأرض ولا توضع له علامات.

3-    أن يكون الكفن لباسي الذي أموت فيه0

4-    أن يؤخذ من على جسدي كل ما هو نافع للمجاهدين.

5-    جميع متعلقاتي ملابسي في حقيبتي فهي لليتامى والمساكين.

6-    جميع أموالي التي أمتلكها مناصفة بين المجاهدين الفقراء والأخ أبي عبيدة (على الرشيدي المصري)).

7-    أن يكتب خطاب عن يوم وتاريخ وفاتي (استشهادي) ويوضع في الخطاب مع التواريخ بعد غلقها بأسرع وقت0

رب اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

أخوكم في الله

(عبد الرحمن عبد الله البنا)


 

تونس تجود بأول شهدائها على أرض أفغانستان

مزيدا من التضحية, مزيدا من الدماء الطاهرة الصادقة, مزيدا من الشهداء لك أيتها الأرض المجاهدة وها هم يهرعون اليك من كل حدب وصوب يشكل الإستنفار ملامحهم, نزلوا من طائرات الترحال والإغتراب منتظرين أن يتخذوا مقاعدهم في حواصل طير خضر في الجنة0

أبو عقبة00

أول دماء زكية تحملها أجنحة الشوق لجنات الخلد, من سهول تونس المؤمنة إلى جبال أفغانستان المجاهدة لتسطر بحرارتها صدق الوعد وحماسة الإنطلاق.

في تونس العاصمة كان المولد والنشأة, ومن بنزرت كان العمل بأحد مصانعها, لنلتقي اللقاء الأول في مسجد (المدينة) حيث كنا نشارك في الدروس والمحاضرات ومن تونس يحمله شوقه العارم إلى تركيا ومنها إلى فرنسا, والحيرة تنبعث في ملامحه والقلق والخوف يخطان جذورهما في مغاور عينيه, القلق على عقيدته والخوف من أن تظل راية الإسلام ساكنة لا حراك, كان هذا قبل عشرة أشهر خرج بعدها من دوامة التيه والترحال ليتخذ القرار الملهم0

ترك الأهل والأحباب ليجد له أحبابا وأهلا لايجمعه بهم غير صفاء الأرواح وعذوبة الإخاء وحنين الشهادة وبين هتافات (الله أكبر) التي ماتزال تردد حروفها وتتنقل أصدائها من جبل لآخر, إنهم هنا00 في أفغانستان حيث كان لنا لقاء ثان أفترقنا بعده ليدخل كل منا في جبهته ثم التقينا مرة ثالثة في شهر رمضان الماضي وتعانقنا قبل أن نفترق من جديد عناقا حارا كان له مذاق المعانقة الأخيرة وافترقنا على أمل أن يعود بعد ثلاثة أيام ليسافر إلى باريس كي يحضر زوجته, لكنه في هذه المرة كان على موعد آخر غير الموعد الذي أعطاه لزوجته, ودون أن يدري, كان على موعد مع الشهادة!.

ففي اليوم الثاني عشر من شوال أتاه الوعد الإلهي, وانتقل إلى جوار ربه ليتخذ مكانه الجديد في حوصلة طائر أخضر في الجنة بإذنه تعالى, مسجلا , رقمه السادس عشر في قائمة الشهداء العرب على إثر قصف جوي على منطقة شناري-قندهار, بينما كان يهم ليتوضأ.

لقد كان أبوعقبة (محمد بن إبراهيم) صافي النفس صامت اللسان, قليل الكلام, ولطالما رأيته فما أذكر أني سمعت صوته, سليم الصدر على إخوانه لايغبن أحدا ولا يقل في قلبه حقدا ولا يكن ضغينة على من حوله, كان ملازما للشهيد حمدي البنا, لم يطق فراق صاحبه فلحق به في موكب الشهداء الماضي إلى قيام الساعة, رحم الله أخانا أبا عقبة وسائر الشهداء من قضى منهم ومن ينتظر وأعطاهم ما وعدهم, وجعلنا منهم, هومولانا فنعم المولى ونعم النصير, وهنيئا لك أبا عقبة على منحك وسام الشهادة الرباني فقد تنسم الإخوة رائحة المسك المنبعثة من جسدك الطاهر عند استشهادك وعند دفنك0

فقوافل الشهداء تمضى تبذل الأر واح ترفل في الجنان وفي النعيم

نشوى بتكريم الإله لسعيها في صحبة الأح------باب والملأ ال—كريم

وصية الشهيد:

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

الإسم محمد بن إبراهيم

الوصية:

إذا من الله على بالشهادة فأرجو أن تعلموا زوجتي وعائلتي أن يقوم بمراسيم دفني إخواني من العرب حتى لا يقوموا ببعض الغلطات التي يقوم بها الأفغان كأن يدفنوا مع الشهيد أشياءه التي يلبسها0

أن يكون قبري مسو ى بالأرض وأن لا يوضع عليه علم أو غيره من الترهات0

رسالة الشهيد إلى زوجته:

زوجتي العزيزة إذا أتاك نبأ شهادتي فاحذري أن تظني أن الله قد أخلفك وعده بل العكس اثبتي وليبقى أملك الوحيد هوالله لأنه لايخيب قاصده وخذي عني عن تجربة أن الله هو أرحم الراحمين وهو الحنان المنان حيث لا صدر يحنو ولا قلب يعطف فاهربي إليه ولوذي بحماه فسيكلأك برعايته ويجزل لك العطاء إلى يوم القيامة لصبرك واحتسابك إليه كل شيء0

احتسبي على ما أصابك ويصيبك في سبيله لأنه هو الذي أمرنا بالجهاد وحثنا عليه وحذرنا وتوعدنا من مغبة تركه فإذا كان ماحصل لك هوفي سبيل هذ الإله العظيم وصبرت على ذلك.

تستطيعين بعد ذلك أن تختلي حب الله لك والعلاقة الطيبة التي تكون بينك وبينه ومن هناك يكون المنطلق بالضبط كما حدث لي أنا حين أتيت إلى هنا فكنت كلما تذكرت أنني عملت هذا في سبيل الله يسعد قلبي وأحس بعلاقه طيبة بيني وبين ربي فأشعر برغبتي أكثر للقرب منه والإبتعاد عما يبعدني عنه وأنني لم أنسك يوما يا حبيبتي ولن أنساك إن شاء الله أبدا سأذكرك في العالم الآخر واسأل عنك دائما وادعوربي أن يجمعني بك في الجنة بفضله ورحمته0

والسلام وكان بودي أن أكتب لك أكثر ولكني لاأجد الوقت كافيا لأنى غدا صباحا أتوجه إلى خوست0

الأحد (7) مارس (6891م)

محمد

والد الشهيد أبي عقبة يتحدث للجهاد:

كان لما نشرته (الجهاد) من خبر استشهاد (أبو عقبة) صدى بعيد المدى وفرصة لاتساع الحديث عن الحرب الأفغانية في تونس, ولقد أقبل الناس على تهنئة أبويه وأهله عند اطلاعهم على العدد العشرين من (الجهاد) وتناوبوا قراءة النسخ المحدودة التي وصلتهم منها0

ولما زار والده مدينة القيروان التي هي موطنه الأصلي توجه إليه مراسلنا بالأسئلة التالية:

(الجهاد): بمناسبة التكريم الإلهي لابنكم محمد هل تسمحون أن تحدثوا قراء (الجهاد) عن شيء من حياته?

) لقد رزقني الله -فيمن رزقني- ولدا سميته محمدا فتوفاه الله, ثم رزقني آخر فاستأثره الله به كأخيه, ثم رزقني آخر بعدهما ثالثا فأبقاه لنا, وكنت سميته محمدا كأخويه السابقين, ولقد أنبته الله نباتا حسنا , وكتب له أعظم مراتب التكريم في موكب الشهداء بالاراضي الافغانية, والحمد لله على فضله العظيم0

(الجهاد): وفيما بين ذلك كيف كان محمد?

) كان محمد بارا بأبويه, عفيفا أمينا كل الأمانة علي أي عمل يقوم به في المصنع وغيره صموتا , كتوما , وكان أكثر ما يسره من حديث رفاقه وأقربائه هو ما كان ذا صلة بالله وبمصير الإنسان, يحمل هموم المسلمين, ويطيل التفكير في أوضاعهم, ويتمنى أن يجمع الله شمل الامة على نصرة دينه0

(الجهاد): هل راسلكم الشهيد بعد وصوله إلى جبهات القتال?

) نعم وطلب مني أن أرض عنه, وألح على أن أسترضي أمه لأنه لم يعلمها بنيته عند سفره, كان يظن أنه لو استأذنها لترددت في الاذن له, أو لحملته على التريث على الأقل لأنه حديث عهد بعرس0

(الجهاد): وماذا كان من أمه لما بلغها نبأ استشهاده?

) امتزجت في عينيها دموع الحزن بدموع المسرة فهي باكية ضاحكة, بكت لفراق محمد زوجه على قرب عهده بعرس, وضحكت مستبشرة بجهاده لأنها قدمت من بنيها من فاز برضوان الله والتحق بقائمة الشهداء0

(الجهاد): وهل كانت زوجه على علم بخروجه للجهاد?

) نعم وكانت تعتزم اللحاق به لتقوم بأي دور يسند إليها من خياطة أو تمريض أو تعليم أو حضانة أو أي عمل فيه نصرة الأفغان المجاهدين في سبيل الله0

(الجهاد): كيف تلقت زوجه نبأ استشهاده?

) تلقت الخبر بمنتهى الثبات والصبر, والحمد لله وما زال يشتد بها التفكير في نصرة المجاهدين الأفغان, وأمنيتها أن ترى أفغانستان محررة في القريب -إن شاء الله- من كل أثر لأمة الكفر0

(الجهاد): هل لك من الأبناء الأحياء غير محمد الشهيد?

) لي من الأبناء من هو أكبر منه ومن هو أصغر0

(الجهاد): كيف كان وقع استشهاد (أبو عقبة) في نفوسهم?

) كان الصغير يبتسم استبثار, أما الكبير فقد اغتم كثيرا , لأنه لم يكتب الله له حتى الأن ما كتب لأخيه الأوسط اما أخواته فلاتسأل عن ابتهاجهن0

(الجهاد): وهل يفكر إخوته في اتباع سبيله?

) التفكير شيء, والعمل شيء آخر, أو تظن أن المؤمن حقا لا يفكر في أن تكون كلمة الله هي العليا? ولعل الله يسمح بالوسائل المتاحة لذلك وما أشد سعادتي أنا لوبقيت مني قوة فأفوز بما فاز به ولدي0

(الجهاد): إن إخواننا الأفغان يحتاجون إلى المال أكثر من حاجتهم إلى الرجال فما هي الفائدة من انضمام غيرهم اليهم في هذا القتال على ما يبدوا لكم?

) صحيح أنهم في حاجة ملحة إلى مساعدة المسلمين لهم بالمال أكثر, ولكن وجودنا نحن العرب معهم في هذه المحنة الطاغية يشعرهم بأن إخوانهم لم ينسوهم, يذكرهم بأن الجسد الإسلامي في هذا العصر ما يزال يحس العضومنه بما يشتكي منه بعض الأعضاء ولوتناءت بهم الديار, ويؤكد لهم أن الرباط الذي بين قلوبهم جميعا هو أقوى من رباط الجنس واللغة والتراب ومن أي رباط آخر0

(الجهاد): هل تسمحون فتعرفونا بالرباط الذي تقصدونه?

) إنه الرباط الذي أقره الله في كتابه العزيز وعرف به الآمة الإسلامية فقال سبحانه:

(إن هذه أمتكم أمة واحدة, وأنا ربكم فاعبدون)

(الأنباء: 29)


 

الشهيد أبو عاصم (محمد عثمان)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, وبعد: فإن أسباب الشرف في الدنيا كثيرة فمنهم من ترفعه قبيلته بأعدادها ومنهم من تظهره ثروته بذهبها ودنانيرها وبعضهم من يبرزه علمه ومداد قلمه, وقليل هم الذين يرفعهم النجيع والمداد الأحمر الذي يخط التاريخ ويصنع الأمجاد ويشيد الممالك0

ومن بين الذين رفعهم دمهم وأظهرتهم شهادتهم فكان موتهم حياة وفراقهم لقاء وغيابهم حضورا شهداء ورأينا أجسادهم في فلسطين وأفغانستان ومن بين من عرفت (أبو عاصم).

أبو عاصم (محمد عثمان) شاب يافع مثقف ولد في أسرة متوسطة في مستواها الإجتماعي والعلمي والمالي, وشب كباقي الشباب ولكن في جو مكفهر يطارد المسلمين ويلاحق الإسلام فكانت نشأته عادية لم تتوله يد حانية بالتربية ولم تتعهده عناية معلم بالتوجيه الروحي والثقافي والخلقي0

ومن جراء السياط اللاهبهة لظهور المسلمين كان أبو عاصم من بين الذين هربوا ببقية إنسانيتهم حفاظا على روحه التي بين جنبيه وبدأ التحول في هجرته المضنية, من خلال لفح طريقها وشدة محنتها بدأت النفس تتجه إلى الله واتجه أولا إلى القرآن ينهل من نعيمه العذب ويتعلم القراءات وأحكام التلاوة والترتيل, وبدأت نفسه تتأدب بآداب القرآن, قال لي من سكن معه: كنا أحيانا نتحدث بأمور الدنيا وهو صامت فينسل من بيننا دون أن نشعر, فنفتقده وإذا به اعتزل في غرفة أخرى يقرأ القرآن0

وكان يحب صيام الإثنين والخميس ويقوم الليل شغفت نفسه بطلب العلم في ملتان, وحفظ القرآن ولم يبقى منه إلا جزءان عندما قابلته لأول مرة في بيشاور, ولكنه أتم حفظ القرآن في بنجشير0

كانت المقابلة قبل عام ونصف, رأيت على وجهه إشراقة, أشقر الشعر باسم الثغر, رزين السمت وإذا تكلم فبقدر ويفتر عن مثل حب الجمان.

قال لي: أريد أن أواصل تعلم القرآن فقلت له تكفيك الآن رواية حفص إذ أنه حل بالمسلمين ما شغلهم حتى عن أولادهم وأنفسهم00 الآن جاء دور الجهاد.

وراجعني بكلمة أو كلمتين فقلت له: هذا هو السبيل في المرحلة الراهنه.

وبدأ رمضان فأخذ الشباب يجتمعون إليه في صلاة التراويح ولكأنما تسمع القرآن غضا طريا كما أنزل0

وفي هذه الفترة كان أهله يلحون عليه بالعودة إليهم فقال لهم لن أعود إليكم, وجاءوا بخطيبته لتكلمه في التلفون قائلة: لن أتزوج ما دمت حيا فرد عليها قائلا : تزوجي غيري فلا عودة إليكم, هنا الحياة وهنا الممات.

وانتصف رمضان وتحركت قافلة بنجشير ليرافقها أبو عاصم وودع بيشاور وداعه الأخير.

وصل أبو عاصم إلى (أحمد شاه مسعود) بطل بنجشير وأسد الشمال, وعندما رآه تمسك به وقال لا تفارقني في حل وترحال ولا سفر ولا حضر, علمني القرآن واللغة العربية0

وانطلق أبو عاصم في مسيرة الجهاد المباركة وبدأ أحمد شاه يعد له الدورات التربوية القرآنية الروحية من القادة الذين حوله ومن خيار المجاهدين عنده وخلال عام كان قد ربى مائتين من القادة والجنود! على كتاب الله تلاوة وتجويدا , وعلى صيام الإثنين والخميس, وعلى قيام الليل, قال لي عبد الواحد -أحد الإخوة العرب في بدخشان- إستمعت إلى شاب أفغاني يتلو القرآن تلاوة صحيحة مع مخارج الحروف فسألته من أي جامعة عربية تخرجت?

فقال تخرجت من جامعة أبي عاصم العراقي! وتعلق المجاهدون به تعلقا عجيبا , فصار لا يتحرك إلا ويقولون: جاء قارئ صاحب (أي القارئ المحترم) وذهب قاري صاحب وأقبل رجب وبدأ أبو عاصم يعد الأيام حتى يأتي رمضان ويفرك يديه قائلا : آه على شهادة في رمضان, وجاء اليوم الرابع عشر من رمضان (6041ه-) وجاءت معه معركة أندراب-بغلان واستأذن أبو عاصم ليشترك في المعركة, ويفجر باب القلعة التي يهاجمونها, وأذن له.

وسجل المسؤول أسماء الأخوة المشتركين فكانوا مئة وعشرة من المجاهدين, وسجل بجانب اسم أبي عاصم كلمة شهيد.

قال عبد الله أنس: قلت للأخ الذي سجل الأسماء (صفي الله) أنت مستعجل على العرب نحن إثنان تريدون أن يذهب واحد الى ربه ويبقى واحد? قال صفي الله: أقسم أنه لن يرجع أولا ترى نور الشهادة بين عينيه? أنظر إلى وجهه, ثم أقسم ثالثة ورابعة أن أبا عاصم شهيد في هذ ه المعركة0

وأفطر المجاهدون جميعا استعدادا للمعركة عدا أبي عاصم (وشاه قلندر), ووصل المجاهدون القلعة وفتحت الرشاشات وكان لابد لابي عاصم أن يقوم بدورة تحت نيران الرشاشات, وتقدم كالليث وبسرعة خاطفة وضع الألغام تحت باب القلعة وفجرها فانهار الباب وقسم من الجدار وانهارت معه معنويات الكفار ودب الرعب في قلوبهم وانطلق المجاهدون يكبرون وكان من أوائلهم أبو عاصم وشاه قلندر فاصابتهم رصاصات واستشهدا فكانا هما فقط الصائمين الشهيدين دون أن يستشهد غيرهم0

مضى أبو عاصم إلى ربه:

ولقد كانت صاعقة نزلت من السماء على نفوس المجاهدين عندما رأوا أستاذهم وإمامهم ومقرئهم قد مضى وتركهم, وقد كان وقع المصاب شديدا على أحمد شاه وعلى المجاهدين وبدأت الذكريات الحبيبة تحول المكان كأنه طلل خارجي قد عبثت به رياح الدهر فخيم الوجوم وساد الصمت وأطبق الحزن وعمت الوحشة وأنكر المجاهدون أنفسهم وهم يتساءلون كيف الحياة بدون أستاذنا0

يقبل الفجر وتقام الصلاة ومن يسد مكان أبي عاصم في الأمامة يجلسون بعد صلاة الفجر لحلقة القرآن ولكن مكان أبي عاصم خال:

سرى صوت المؤذن في حمانا وقد فقدت مآذننا بلاله

فيبدأ البكاء وينفض القوم0

إذا وضع الطعام فهذا (صحن) أبي عاصم, فتغص النفوس بالطعام, وإذا جاء المنام فهذا (فراش) أبي عاصم فتتأرق الأجفان وتتجافى الجنوب عن المضاجع0

وكاد القوم يصابون بالهذيان حزنا على الفراق00 مع أنهم فارقوا من قبله00 آباءهم وأشقاءهم00 ورأوا آلاف القتلى, ولكن أي مصاب جلل حل بالقوم بعد أن ذهبت روحهم من بين ظهرانيهم.

واضطر أحمد شاه أن ينقل المجاهدين بعيدا من المكان ثماني ساعات لينسيهم ذكريات إمامهم وما من معر كة تحصل بعد " أندراب " الا ولسان كل مجاهد يقول: اللهم ألحقني بأبي عاصم في الصالحين0

رب ارحم أبا عاصم فلقد بلغ المنزلة إن شاء الله, ورقد في مثواه الأخير هناك فوق قمة جبل شامخ حفر قبره أحمد شاه مسعود بنفسه مع المجاهدين, وكانت جنازته مهيبة مشهودة ودع بها أبو عاصم هذه الدنيا الزهيدة ومضى بعد أن أخذ القلوب في رحلة الخلود الأبدية.

إن قبره في ذرى الهندكوش ليشهد أن هذا الجهاد جهاد إسلامي عالمي وليس قتال قوم خاص بالأفغان.

فهنيئا لك يا أبا عاصم ونرجو الله أن يجمعنا بك في الفردوس الأعلى إنه سميع قريب مجيب ونقول, هذا أبوعاصم فعلى منواله فانسجوا وعلى طريقه فاسلكوا0


 


 


 


 


 

ولحق أبو عبد الحق بالركب

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده وبعد:

فكلما مضى أخ شهيد إلى الله أخذ معه جزءا من قلوبنا وفلذة من أكبادنا وسار بها إلى ربه وتبقى بعده الذكريات الجميلة التي تؤرق أجفاننا من جهة اخرى, يمضي وتبقى روحه الشفافة وهمته العالية ودأبه الناشط وحركته التي لاتعرف الكلل والملل حوافز تؤجج في صدرونا نارا على أعداء الله ونورا تضيء لنا الجادة إلى الله0

هذا المهندس من بين الذين تركوا في نفسي أثرا عميقا وبصمات واضحة, أحسبه من خيار الناس الذين يصفهم رسول الله ص: أنهم الأخفياء الأتقياء الأبرياء 0

قدم من أمريكا -مهندسا كهربائيا الكترونيا - من بقعة هي أكثر البقاع ترفا في الأرض حيث الرفاهية والمتعة ووسائل الراحة التي قدمت خدمات لا يكاد العقل البشري يتصورها وانتقل إلى أرض الجهاد حيث التراب والثلوج والجبال ولعل اقدام البشر لم تطأها من قبل

منعت زوجته أن تلحق به لأسباب ولكن هجرته إلى الله لا رجعة فيها ولا تردد ولا تلعثم فإن كانت الزوجة عائقا وعقبة كؤودا تحول دون الهجرة أو تقطعها, فلنضح بالزوجة ولنطأ على قلوبنا ومشاعرنا ونصبر ونصابر ونحن نكابد أشواقنا ونقاوم خلجات أفئدتنا (إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم) وبقي أبو عبد الحق على الطريق يبحث عن الشهادة ويتشوق إليها مضى إلى بكتيا يعمل في تركيب الأجهزة اللاسلكية ودخل اللوكر وفوق قمة جبل (سلطان سيف) الدي يشرف على المناطق المحيطة بكابل, أقام أبو عبد الحق يتربص بالأعداء ويستشرف الشهادة ولكن لم يكتب الله أن يقتل فوق أرض المعركة0

عاد أبو عبد الحق ودخل مخبره ليعمل على إصلاح الأجهزة وتركيبها وحلها وكنت أراه داخل مخبره كأنه الراهب في صومعته أو العابد في زاويته, وكان لا يسمح للناس بزيارته, فكنت إذا دخلت عليه علت وجهه ابتسامة مشرقة وترى السرور من خلال بريق عينيه الذي يتراءى لك من وراء نظراته, وكنت لا أطيل عليه كزيارات المريض لأني قطعت عليه حبل تفكيره مع جهازه الذي يرى أن العمل فيه خير من صلاة النوافل لانه يعتبر الأعداد فرضا , أما صلاة النافلة فهو مندوب ولا شك أن الفرض مقدم على النافلة0

كان لا يتكلم إلا بقدر, وكثيرا ما كان يواجهني بأسئلة يتحرى فيها لأمر دينه, وهذه الأسئلة يعدها في ذهنه ريثما يهتبل فرصة لقائي0

كنت لا أراه إلا خاليا مع أجهزته أو يطالع في كتاب فقهي أو فكري0 يسأل وأجيبه ولا يناقش, يسأل بأدب وعيناه في الارض كأنك تعيش مع تلميذ وأستاذه في القرن الثاني الهجري في المسجد الأموي أو في دار الحكمة, بذلك الأدب الرفيع والتواضع الجم والاتزان المهيب0 تعرف آداب العالم والمتعلم وحق العلم والتعلم0

لا يعرف الجدل ولا يعقب على كلام المجيب ولا يتمحل ولا يتشدق, سألت أحد الأخوة المجاهدين من بلده, هل تعرف أبا عبد الحق وانت معه في الساحة? قال: أعرفه ولكن لم أجلس إليه0

ويبقى المهندس عاما كاملا يأكل ويشرب وينام في زاويته التي يتعبد الله بها من خلال أجهزته, ومن الله عليه أخيرا بقدوم زوجته ورؤية ابنته فاطمة التي ولدت ولم يرها بعد0

وقسم دهره قسمين ليلة لزاويته وليلة لزوجته, وكان يعود قرب العشاء وبيده جهاز ويجلس مع زوجته فتبدأ الكلام مه وعقله مشغول بجهازه, فكانت تغار من أجهزته وتغضب وتقول: أنت تحضر ضرتي لتأخذ من ليلتي, هذه الليلة لي وليست لضرتي -تعني جهازه- كان أبو عبد الحق زاهدا , فكان يخصص لنفسه سبع روبيات مصروفا في مخبره أي حوالي ريال وربع, وكنت تدخل بيته فأول مايثور في خاطرك قصص أبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي في الزهد -رضي الله عنهما-0

وذات يوم جاء من يخبرني أن المهندس في المستشفي وذهبت لزيارته فوجدت الصفرة قد علت محياه فزادته إشراقة على إشراقة وجسست حبهته فوجدت عليها قليلا من الحرارة ولكن حالته لم تكن في النظرة البشرية خطيرة وقرأت عليه الأذكار الواردة في الإسترقاء0

وفي هذا المرض رأى أبو عبد الحق رسول الله ص وناوله ورقة وإذا بها (الشهادة مع اسمه الصريح) فنادى صاحبه وكان الى جواره فعظم أيام مرضه وقال: اكتب وصيتي جاءت الشهادة يا أخي فبدأ صاحبه يحاوره إبعادا لهواجس الموت وشبحه عن ناظريه وفكره فقال: اين الشهادة? الشهادة في المعركة وأنت في المستشفى, قال المهندس: أنا هنا مرابط رغم أنفي مع أن قلبي معلق في المعركة, ألم تسمع قوله تعالى:

(والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ليدخلنهم مدخلا يرضونه وان الله لعليم حليم)

(الحج: 85-95)

وكان الصحابي فضالة بن عبيد في غزوة فتوفي مجاهد واستشهد آخر فجلس فضالة عند قبر المتوفي فقيل له: تركت الشهيد فلم تجلس عنده فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت إن الله تبارك يقول: (والذين هاجروا في سبيل الله000 لعليم حليم) فما تبغي أيها العبد اذا دخلت مدخلا ترضاه ورزقت رزقا حسنا ? والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت رواه الطبراني بإسناد صحيح0

وقد روى الإمام أحمد الحديث قال ص: من وضع رجله في الركاب فاصلا في سبيل الله فلدغته هامة أو وقصته دابة اومات بأي حتف مات فهو شهيد رجاله ثقات والحديث صحيح0

وأذعن صاحبه لطلب أبي عبد الحق وسطر الوصية ومما جاء فيها: (000 وقد نذرت روحي ومعرفتي وجسمي لله حتى كلفني ذلك ترك فلذة كبدي وزوجتي الودود لمدة سنة كاملة كانت سنة تمحيص000 بعدها أمرت بالرباط الطويل في نفس المكان كنا نعمل ليلا ونهار فكنت اركب وأجمع وأدرس وأتعلم ولا أعطي لأهلي إلا القليل من وقتي, ذلك لقلة المهندسين المسلمين في أفغانستان ولم يمنعني هذا ان اجد لذة انفاق بدني في سبيل الله وكانت الأخبار تمسح عنا التعب إذا هبت ريح مسك لشهيد قرآني فكانوا غذاءنا وشرابنا وعطرنا وكلنا يلهج ليأخذه معهم...

يلهج ليأخذه معهم000 وإذا توفيت أخبروا الشيخ عبد الله عزام ليخبر زوجتي واختتم الوصية بالآية (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ماكنت منه تحيد) ورأت زوجته قبل وفاته بأيام قليلة رسول الله ص يحمل جنازة وكان زوجها فيمن يحمل مع رسول الله ص فسألته من هذا المحمول الذي نال هذا الشرف? فقال: إنه شهيد ليتني مكانه وأخيرا فاضت الروح إلى بارئها وكانت لحظات عصيبة جدا تمر على كيف أواجه زوجته بالخبر وصليت الفجر وتوجهت مع زوجتي إلى بيتها وأخذتها إلى المستشفى وفي الطريق صرت أمهد السبيل بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية والمرأة لاتتمالك نفسها وترتجف أوصالها وهي تحس أن الأمر جلل0

ودخلت مع زوجته وزوجتي لتلقي عليه النظرة التي لن تحظى بغيرها بعد اللحظة وكانت مفاجأة مذهلة ومصابا عظيما أن ترى زوجها جثة هامدة إلا أن ابتسامة وإشراقة وجهه لم تفارقه فبدأت تمرغ وجهها على وجهه وتقول: حرام عليكم نظرة واحدة لواعطيتموني قبل ان يموت...أبا عبدالحق, أبا عبدالحق0

وسارت جنازته في موكب مهيب وبجانب يحيى وفي بابي دفن أبو عبد الحق حيث المكان الذي أحب وبجانب الشهيد الذي عشقه وتعلقه0

ولشد ما كانت دهشة زوجته عندما علمت أننا دفناه بجانب يحيى فقالت: قد كانت هذه أمنيته0

وتكلم الشيخ سياف كلمة وتكلمت كلمة كانت من عصارة قلبي وحرقة كبد ي وما بكيت على أحد بكائي على أبي عبد الحق رحمه الله وألحقنا به في الصالحين0


 


 


 


 


 

الشهيد أنس (تركي الهذلي)

لا زال عودك أيها الشبل غض ا, ولا زال أمثالك يا تركي يبكون على لقمة العيش, ما الذي جاء بك يا صاحب الصوت الندي, من ذا الذي يؤذن بعد اليوم في مسجد الشركة التي كنت فيها0

سرى صوت المؤذن في حمانا وقد فقدت مآذننا بلال-------ه

من ذا الذي يجمع الناس بصوت ندي كصوتك0

هكذا وبدون مقدمات من أعطاف النعيم على شاطىء الخليج إلى قمم الجبال في بروان تسابق الأفغان في غدوهم وجهادهم وتسلقهم للقمم وأكبر من ذلك كله الوقوف أمام أشرس قوى الأرض وأعتاها ليس متوقعا من أمثالك أن يواجه الدبابات بقذائفها إلرهيبه ودويها الذي يصك الآذان, إن أمثالك يفزعون من رؤية عقرب أو صرصور0

إنه اختيار رب العزة لك ولعبد الرحمن أن تكونا ممن اصطفاهم الله -إن شاء الله- لتكون أرواحهم في حواصل طيور خضر في الجنة تسرح حيث تشاءثم تؤوي إلى قناديل معلقة تحت العرش0

لقد كبر أهلك وأهل عبد الرحمن في أعين الناس عندما بدأوا يفتخرون بأنهم قد قدموا لهم فرطا على الحوض وحق لهم ان يفخروا لأن أمثالك ولعل بعض أرحامك يموتون وهم يفحطون بالسيارات وأنتما ممن يشفع بسبعين من أهل بيته ويلبس تاج الوقار الياقوته منه خير من الدنيا وما فيها ونرجوا الله أن يجمعنا في الفردوس الأعلى0

الشهيد عبد الرحمن (عبد الله الجماز)

من أرض الجزيرة, عرفته ببشرته السمراء وسماحة وجهه تلمح بين عينيه براءة الفطرة وسماحة البادية وبساطة النفس0

عرفته في جاجي في رمضان سنة (6041ه-), كان البرد شديدا والهول يلف المنطقة بردائه بسبب الغارات الجوية التي احالت الأرض كلها قطعة من النار المشتعلة ودوي الإنفجارات المتتابعة تذهل المرضع عن وليدها, وكانت لديه عباءة فاشتملت بها وبعد يوم أويومين تأثر عوده الرقيق وجسده الناحل بالبرد فجاء يطلب العباءة وعلى استحياء شديد, ثم ظن أنه ما كان له أن يطلبها وذات يوم وإذا به يذهب ويشتري عباءة ويقدمها هدية وأصيب عبد الرحمن بشظية قنبلة كسرت فخذه ونقل إلى المستشفى وانتظر حتى عافى الله ساقه ثم عاد ليرى أهله في الجزيرة وكم يهزمشاعرك وإخوانه يحملونه مكسور الفخذ وهو يعتذر إليهم قائلا أتعبتكم0

وعاد عبد الرحمن مرة أخرى وتوجه إلى بروان مع -سيد باس- قائد الحزب الإسلامي وسيد باس هذا من العلماء الذين يشهد لهم بالأصلاح والصلاح, وقد دوخ الروس في منطقة بروان المركز, وأثناء وجوده في بروان توجهت قوة ضخمة من الطائرات والدبابات وهاجمت ا لمنطقة, ووقف سيد باس مع المجاهدين ليواجهوا القوة ولأول مرة لا تجرؤ القوة أن تدخل القرى لتفتيشها, ودقت رحا الحرب المنطقة بثغالها (الحجر الأسفل في الطاحون).

غير أن الفتى يلاقي المنايا كالحات ولا يلاقي الهوانا

وبرزت الأسود من غيلها ويحدث الأفغان عن شجاعة -عبد الرحمن- أنس الذي لم يصل إلى الثامنة عشرة ما يشرح القلب ويثلج الصدور0

وكان القدر بالمرصاد, والشهادة مطوية في علم الغيب حيث تنتهي المعركة الشرسة باستشهاد عبد الرحمن واستشهاد أنس واستشهاد القائد سيد باس0

الشهيد أحمد التونسي (نبيل مبارك)

وهكذا ساقتك الأقدار لتتوج خوست -سناكي- بأول شهيد عربي على أرضها كم جاهد قبلك مع الشيخ جلال الدين وفي أرض خوست? انهم كثيرون ولكن تاج الكرامة لم يتوج به أحد من قبلك من أبناء جلدتك ولسانك0

حتى في وسط المعركة أنت صائم من صام يوما في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفا حديث صحيح0

يا صاحب الوجه المشرق والجبين الوضاح, كيف خلصت من أفسد أرض? من إيطاليا بلد الجنس والخمر والهوى والدنيا فيها امرأة وكاس الى أرض الجهاد هكذا انسلخت من الدنيا وجفوتها, وفارقت زخارفها إلى أجادب من الجبال وقفار من الهضاب لا ترى فيها العيون الزرقاء والشعور الشقراء التي كانت تزخر بها شوارع روما0

من ذا الذي يقود الطائرة التي تعلمت عليها? ومن يحل في مقعدك في كلية الطب? أم أن أهل الدينا في واد وأنت في واد0

هكذا تستوحش من الدنيا وزخرفها, وتطلق الأرض بزينتها ونعيمها, وأصبح حبيبك قرآنك الذي يرافقك وأصبحت عشيقتك بندقيتك التي ملأت عليك حياتك وأملك ومحط أنظارك0

ماذا سيقول والدك الذي نشأ في مهنة الطب وكان يؤمل أن يكون غدك مكللا بزهور الدنيا وكان جل همه أن يراك أستاذا لامعا في كلية الطب وإلا فلا أقل من طبيب ماهر مختص له عيادة يشار إليها بالبنان, كيف سيتلقى خبر استشهادك?

لقد تركت حسرة عميقة في نفس كل أفغاني رآك ثلاثة أيام متتالية والوحشة تخيم على المنطقة ألما لفراقك وحزنا على غيابك0

لقد حدثني عنك شيرين جمال -قائد الجبهة- ومنصور وعثمان أنهم شموا رائحتك الزكية التي فاحت من دمائك0

وهل كنت على موعد مع الموت في أحاسيسك حتى تقول لمنصور: (سلام عليك نراكم وإلا فموعدنا الجنة)!

وهكذا بسرعة البرق الخاطف تمضي من بيننا ويواري التراب وجهك الصبوح المشرق لتلقى ربك صائما شهيدا .

فسلام عليك يا نبيل وندعو الله أن يجمعنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا0

الشهيد عبد الجبار (أيمن كمال عباس)

 

الشهيد الصائم الذي يدخل المعركة وهو صائم حيث يلتزم بصيام السنة في السفر والحصر, أما لك أن تأخد بالرخصة وانت تتسلق جبال نور ستان وشواهق اشكمش,مرتفعات بغلان, هلا اقتفيت أثر أخيك الأكبر أبي دجانة الذي شاركك مسيرة الطريق إلى عالم الخلود? إم اردت أن تحلق منطلقا من يا صاحب الإشراقة الوضيئة لم نشبع من النظر إلى محياك الطاهر, ولم نمتع أبصارنا بالنظر إلى أهل الجنة الذين يدبون على الإرض - كما نظنهم ولا نزكي على الله أحدا لقد فارقتنا أنت وإخوانك ولم تكن أيامكم بيننا طويلة0


بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقا إليكم ولا جف----ت مآقين—ا


نكاد حين تناجي----كم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا


وكان اللقاء الأخير في نهرين -بغلان- وبعد ذلك الفتح العظيم في نهرين تأتيكم قذيفة فتصيبكم شظية فيبدأ الدم ينزف.


أقبل أبو خالد واحتضن عبد الجبار ليلثم ذلك الجبين المضمح بالدم فيشير إليه عبد الجبار وبصوت خافت متهدج قائلا: اسقني فأشار الطبيب أن لا تسقه وأسلم الروح الطاهرة الخالدة بين يدي أبي خالد0


فسلام عليكم أيها الأبرار -ولا نزكي على الله أحدا - ونبتهل إلى الله أن تكونوا شفعاء لنا يوم القيامة ونأمل من الله أن يكون قد تقلبل شهادتكم.


وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


ومضى منشد الطائف


 


الحمد لله والصلا ة والسلام على رسوله وبعد:


ففي كل يوم تخطف يد المنون بقدر من الله شابا , لا تعرف قدره إلا بعد أن يمضي فإذا به عملاقا يلبس أثواب شاب عادي بسيط
في الطائف وفي عائلة فيها شباب متجه إلى ربه نشأ أحمد وترعرع, وأصبح الجهاد الأفغاني حديث السامر في الطائف بل في معظم المدن الإسلامية, ولم تكن أسرة أحمد بمعزل عن الأحداث العظام التي تهز الأرض بأسرها0


وأصبح الكلام عن الجهاد الأفغاني شغل هذه الأسرة الشاغل, خاصة وقد علم أبناؤها الحكم الشرعي للجهاد بأنه فرض عين بالنفس والمال ولاحاجة لاستئذان الوالدين, ولأخوة أحمد مكانة اجتماعية ووظائف حساسة في بلدهم.


وأقبل أخ يكبره ليرى واقع الجهاد الأفغاني وطبيعته والدور الذي يمكن أن يؤديه فرأيت أحمد لأول مرة في مخيم صدى في رمضان سنة (6041ه-) كان معه أخوه الذي يكبره وهو موظف صاحب عيال جاءني وجلس في خيمتي التي تجاور خيمته وسألني عن حكم الجهاد الأفغاني بالنفس بأجبته: انه فرض عين ولا حاجة لاستأذان الوالدين واكتفى بهذا وعاد إلى بلده مزمعا على الإستقالة ثم التفرغ للجهاد وكان بجانبه شاب صغير دائم الإبتسامه فسألت عنه فعرفت أنه أخ لذلك الموظف المتزن الجاد فقلت له: أنت ليث وسميته ليثا .


وتفارقنا في أواخر رمضان ودارت الأيام ورأيت أحمد في جاجي في المأسدة وفي وسط الثلوج عاد والحنين يشده إلى الشهاده والشوق يؤرقه للقاء الحور العين, وبقيت الأبتسامه والدعابة البريئة والمزاح الفطري الذي ينبعث من قلب بسيط ونفسية صافية لاتعرف التكلف وإلا الألتواء ولا تتصنع الإبتسامة الصفراوية فطرة سليمة وبساطة واضحة, وهمة عالية, هذه كانت خلاصة نفسية أحمد -نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا - وهذا قوام شخصيته0


والذين رأوا جاجي في وسط الشتاء يدركون ضخامة العناء الذي يكابده من يعيش هنالك, أن درجة الحرارة لتصل الى -02 - تحت الصفر المئوي ولقد رأيت الماء الساخن يتجمد مباشرة على وجهي ويتحول شعر اللحية بمجرد ملامسته الماء إلى قضبان جليدية على الوجه0


إن الحياة في تلك المنطقة في الشتاء من القساوة والشدة بحيث لا يحتملها إلا أفذاذ الرجال0


ولقد عشت بينهم قرابة عشرة أيام كنت أغبط هؤلاء الشباب على احتمالهم وصلابتهم وصبرهم, وكنت أعجب لاحتمالهم هذا الزمهرير الذي تلفح سبراته الوجوه حتى أثناء سطوع الشمس وقت الظهيرة0


وكنت أكبر في هؤلاء الشباب نشاطهم ودأبهم لايتوقفون منذ طلوع الفجر حتى غروب الشمس0


تراهم في أقرب نقطة إلى العدو ليس بينهم وبين مراكز الشيوعيين سوى ثلاثة كيلومترات ونصف في قمة منعزله عن المجاهدين حوالي (41) كيلو مترا .


كنت أخشى أن يتخطفهم العدو والعدو أمامهم قوي وبأسه شديد وكانت التوجسات تقلقني عليهم وكانت المخاوف تنتابني كثير ا أن تحدث عملية إنزال مفاجىء عليهم فيمسكونهم أحياء فكنت أرجوهم أن يرجعوا قرب مقر المجاهدين ولكنهم يصرون على البقاء مهما كان الثمن ومهما جلت التضحية0


سألت أحدهم: ماذا لو هجمت القوة (والقوة تعني مئات الدبابات والناقلات تساندها الطائرات وراجمات الصواريخ) هل تنسحبون? فنظر إلى مبتسما وقال: سنتصدى لها بإذن الله ونرجعها, وعندها: جزيت على ابتسام بابتسام, وسألت آخر: ماذا لو جاءت القوة?


فقال: الله في السماء ثم أبو عبد الله في الأرض وتركتهم وهم يوصلون الليل بالنهار ويعجلون في تحصين موقعهم, شباب مترفون, لم تعركهم الحياة بعد, ولم يصلب عودهم كما يجب ولكن الهمم تطاول السحاب وتناطح السماء0


وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام


كانوا يقولون: لابد من إزالة قواعد الشيوعيين هذه ولا بد من تأمين الطريق المؤدي إلى لوجر وإلى كابل, وقلما تجد واحدا من هؤلاء الأبطال لا يشتغل, نزل سبعة منهم ونصبوا خيمة على بعد مائتي متر من قواعد العدو وأخذوا يترصدونه فعجبت من جرأتهم وصبرهم وثباتهم ومكثو طويلا والألسنة تلهج لهم بالدعاء:


كأنما يردون الموت عن ظما أو ينشقون من البارود ريحانا


كان أحمد يبحث عن الموت, لقد انتظر طويلا يريد أن يخوض معركة فدفعه الشوق إلى البحث عن مكان آخر غير جاجي فكان يقول: (هذه العملية ثم إلى قندهار) ولكنه كان يعلم أن الله يريد غير ذلك أن يختاره إلى جواره -إن شاء الله- وكما نأمل وندعوأن يكون الله قد تقبل شهادته0


كان ذا صوت ندي بالقرآن الكريم, وذا لحن شجي بالأناشيد فكان يروح عن إخوانه ويخفف من ثقل اللأواء عليهم ببعض الأناشيد كانت غرفة الطائف تشتاق إلى إمامته لهم في الصلاة, وكان الشيخ تميم يحب سماع صوته ويرتاح للصلاة وراءه, وعرفت فيما بعد أن له أشرطة تباع في الأسواق في الطائف وغيرها, وما أجمل الأذان من فم أحمد0


وقبل العملية بيوم كنت معهم وبت عندهم وحدثني أحد زملائه الذي حرس معه أن فترة الحراسة -ليلة الجمعة- قضاها بالتهجد0


وحدثني أبو فيصل: رأيت أحمد قبل شهر فأهداني مصحفا وقال بشرط: أن تدعوا لي بالشهادة كلما فتحته للتلاوة, لقد كان أحمد وأخوه محمد يعرفان في الطائف كلها بأنهما الدعاة فكانا دائبين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي صباح الجمعة (91) شعبان سنة (7041ه-) الموافق (71) أبريل (7891م) مر على شباب يتحدثون ويمزحون فقال لهم: اشتغلوا بذكر الله0


وقال لآخرين: اليوم الجمعة لا تنسوا قراءة سورة الكهف كان أحمد يحس -والله اعلم- أن هذا اليوم قد يكون آخر عهده بالدنيا فودع أخاه أبا حذيفة -من الطائف- قائلا سلم على والدي فإني اليوم شهيد0


واصطفت الجموع لتنطلق للعملية وبدأت الدموع الحرى تهطل من العيون وما أحر وما أمر لحظات الوداع خاصة وكل واحد يتوقع الا يرى أخاه بعد تلك اللحظة, ولكن بعض الشباب لم يستكملوا تدريبهم واستعدادهم بعد للقاء العدو فحرمهم المسؤول أن يشاركوا وصاروا يبكون ويرجون هذا وذاك أن يتوسط لدى المسؤول لعله يسمح لهم بالمشاركة0


ومضت الجموع وفي ساعة الإستجابة يوم الجمعة في السادسة مساء انفتحت النيران تحرق كل مكان وبدأت ارقب العملية والنيران تحرق مراكز العدو وتلتهم بألسنتها المتطاولة قواعدهم وكان أحمد في النقاط المتقدمه يرقب رماية مدفع (28) ويطل على أماكن سقوط القذائف, ويطلق أحيانا على المدفع, وانطلق إلى الأمام ليشفي صدره باحتراق أعداء الله وصاح (خوب) أي ممتاز, ومع غروب شمس يوم الجمعة انقطع صوت أحمد وناداه إخوانه ولم يرد عليهم واقترب يحيى من أحمد فوجده مضرجا بدمائه معفرا بالتراب طوبى لعبد آخذ بعنان فرسة في سبيل الله, أشعث رأسه مغبرة قدماه, إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له وان شفع لم يشفع 0


ومضى ليث المأسدة, ووصل الخبر ونحن ننتظر أنباء المعركة عن كثب بأن أحمد على مدفع (28) قد استشهد وانفجر ابناء الطائف باكين لأنهم يعرفونه منذ نعومة إظفاره ثم بدأ الشباب يهنئون بعضهم بعضا باستشهاده ويتمنون أن يلقوا الشهادة ويتقبلها الله منه ومنهم
واصطف الشباب يطالبون باحضار الجثة في بهيم الليل الداجي والقذائف تمطرالمنطقة بوابل نيرانها, واصروا على احضاره ليودعوه فقلنا لهم: من الخطر الآن أن نتحرك بسبب عدم وضوح الطريق ولأن المعركة شديدة وكذلك فإن السنة أن يدفن القتلى في مصارعهم (أماكن قتلهم), جاء في زاد الميعاد (3/412): (إن السنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم ولا ينقلوا إلى مكان آخر, فإن قوما من الصحابة نقلوا قتلاهم الى المدينه فنادى منادي رسول الله ص: بالأمر برد القتلى إلى مصارعهم)0


وتحت قذائف نيران العدو وفي جنح الظلام يتسلل بعض الشباب ويحضرون جثة أحمد, فوجدوه مبتسما كحالته التي فارق عليها الحياة0


ويشهد لي أبو حذيفة أنه شم رائحة طيبة تخرج من جسده وهناك ومقابل الغرفة التي كان يقيم فيها أحمد أثناء رباطه حفر الجدث (القبر) وحمله أبو حذيفة ليواري جثمانه الطاهر في التراب ويخلي بينه وبين رب العالمين والعيون لا تملك أن تمسك دموعها الهاتنه وإن كانت القلوب مستبشرة فرحة بهذا المصير الذي لقيه أحمد, وحق لأبي حذيفة ولأمثالة ممن عرفوا في حياة أحمد الناعمه والوادعه الهادئة وفي هذه اللحظات أن يمر في خيالهم صورة مصعب بن عمير وأن يودعوه بتلك الكلمات الخالدة التي ودع بها رسول الله ص مصعب يوم أحد: (لقد رأيتك في مكة وما في مكة شاب أرق حلة ولا أحسن لمة منك وها أنت الآن أشعث في بردة), فهنيئا للطائف بشهيدها ومنشدها ومؤذنها وهنيئا لوالدية وأقاربة الشهادة والشفاعة إن شاء الله ومضى ليث المأسدة, فهنيئا لأبيه وإخوانه الشفاعة, فهي مفخرة الدنيا وعزها ونعيم الآخرة وخلودها -إن شاء الله-.


فيا أشقاء أحمد, طلال ويحيى وسعيد وعمر وعبد الوهاب ومحمد وبندر هذا الليث (أحمد) قد شق الطريق أما مكم فهل انتم على أثره سائرون ويا أصدقاء أحمد هذا أحمد قد مضى بعد أن شهد عليكم وأقام الحجة عليكم فليس لكم في القعود بعده عذر.


ويا أرحام أحمد ما كان لكم أن تتخلفوا عن السبيل الذي ضمن الله سالكه في الدنيا والآخرة.


وندعوا الله أن يجمعنا بأحمد في الفردوس الأعلى.


رسالة إلى أهل الشهيد:


بسم الله الرحمن الرحيم


العم الكريم عبد الله بن الزهراني حفظه الله ورعاه.


العمة الكريمة والده أحمد الزهراني حفظها الله0


الإخوة الكرام أشقاء أحمد, طلال, يحيى, سعيد, عمر, عبد الوهاب, محمد, بندر, حفظهم الله ورعاهم
شقيقات أحمد, أعانهن الله وألهمهن الصبر.


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد
إن الناس كلهم يموتون ولكن الشهداء هم الذين ينفردون بالمجد في الدنيا وبالفوز في الملأ الأعلى, إن الشهادة اختيار من رب العزة لصفوة خلقه (وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء)0


إن الأمم تحيا برجالها الذين يضحون في سبيل نصرة مبادئها وارتفاع رايتها وصيانة مقدساتها وحماية أعراضها, ولا خير في أمة تهضم حقوق مستضعفيها, وتداس قيمها وتهدر دماءها ولا تحمى نساءها وظعائنها0


وكثير من القبائل أحيا ذكرها شاب ذو نخوة وحفظ لها وجودها وأدخلها سجل التاريخ0


وأنتم جميعا كعائلة يعرفكم الناس بأحمد الذي جعل الله له لسان صدق في الآخرين فبذكره تذكرون, وبه تعرفون0


لقد نامت الأمة طويلا وغطت في سبات عميق ولا يمكن أن تستيقظ هذه الأمة إلآ على صوت السلاح وسيلان الدماء, فدماء هؤلاء الشباب الأطهار تحيى الأمة من جديد وتعيد الحياة إلى عروقها التي كادت تجف0


إن شجرة هذا الدين القويم لاتنبت ولا تترعرع إلآ إذا رويت بدماء الصادقين وبعرق المخلصين, فطريق هذا الدين طويل مفروش بالاشلاء مروي بالدماء وإن أقرب طريق إلى الجنة هوالشهادة في سبيل الله, وإن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله0


إن الجهاد اليوم باتفاق العلماء والفقهاء والمحدثين والمفسرين (فرض عين بالنفس والمال ولا إذن للوالدين ولا للدائن على المدين ولا للزوج على زوجته) مع أنه لايجوز أن تخرج الزوجة والأمرد إلآبمحرم0


إن المقدسات التي سلبت, والأموال التي نهبت, والأعراض التي انتهكت والديار التي اغتصبت, كل هذه تستغيث همم الشباب وعزائم المسلمين0


كيف القرار وكيف يهدأ مسلم والمسلمات مع العدوالمعتدي
أتسبي المسلمات بكل ثغر وعيش المسلمين إذن يطيب?


إذا كان أتراب أحمد أانداده (جيله) يلهون بتفحيط السيارات فإن أحمد لايلهو إلآ بمدفعه ورشاشه0


لئن كان الشباب يقضون إجازاتهم في عواصم الدول الكبرى في خضم بحر الجاهلية الآسن غارقين في وحل الجنس وسعار الشهوات, فان أحمد كان يقضي حياته على الثغور على قمم الجبال يستروح أريج الآفاق العليا ويبحث عن الموت مظانه0


أعز مكان في الدنى سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب


ولئن كان الشاب في طيش الشباب لا ينام إلا على إلالحان الراقصة والموسيقى الصاخبة والصور المتحركة في الأفلام الماجنة, فقد أبت عين أحمد إلأ أن تسهر في سبيل الله تحمي أعراض المسلمين ولايقطع آناء الليل إلا بتسبيح أو تهجد أو استغفار0


وإن كان الناس يبحثون عن المجد بالتزلف إلى أهل الدنيا وبالتردد على أعتابهم, فإن أحمد وجد أن المجد بأن يدوس على الدنيا بأسرها, فقد صغرت في عينه ولم يبق لها في قلبه أي تعلق, لقد علم الحديث الشريف جيدا : ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس 0


وختاما ففي القلب حاجات كثيرة وفي النفس كلام كثير00 وفي الفؤاد آهات وحسرات نريد أن نبثها لكم وحسبنا هذه العجالة قائلين: أن القتل في سبيل الله أتمناه لا بنائي جميعا فنرجوا الله أن يرزقنا الشهادة في سبيله, فهنيئا لكم ابنكم في الدنيا عزا وثناء ووفي الآخرة شفاعة ورفعة -بإذن الله تعالى- واختم رسالتي بحديث رسول الله ص في الشهيد: للشهيد عند ربه ست -أو سبع خصال- يفغر له مع أول دفعه من دمه ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر, ويأمن من الفزع الأكبر, ويلبس تاج الوقار الياقوته فيه خير من الدنيا وما فيها, ويزوج باثنيتن وسبعين من الحور العين ويشفع بسبعين من أهل بيته حديث صحيح0


وإن شاء الله على هذا الطريق لسائرون ونرجو الله حسن الخاتمة0


    


أخوكم/ عبد الله عزام


الثلاثاء (32) شعبان (7041 ه-) الموافق (12) ابريل (7891م)


من والد الشهيد أحمد الزهراني إلى الدكتور عبدالله عزام:


بسم الله الرحمن الرحيم


إلى أخي في الله الشيخ المجاهد عبدالله عزام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


وصلتني كلماتك الطيبة التي نعيت الي فيها ابني (أحمد) رحمة الله00 وهنأتني في استشهاده فالحمد لله وإنا لله اليه راجعون0


وجزاك الله عني وعن المسلمين خيرا وبارك في جهودك الطيبة التي تسعى فيها إلي انتشال الأمة من وهدتها وإيقاظها من رقدتها0


أخي في الله00 أنا ضابط قديم شاركت في حرب اليهود منذ (84) ومع ما كان في بعض تلك الحروب من أمثلة بطولة لكنها لاتعدوان تكون حالات فردية قليلة أما هذا الجهاد المبارك فإنه بالنسبة إلى تلك الحروب جملة كالعملة الصحيحة والمزيفة فالهدف هنا واضح والراية واضحة ولا احتاج هنا إلى مزيد تفصيل فلعلك عايشت في بعض فترات حياتك بعض تلك الحروب0


قدر الله عزوجل أن يكون هذا الجهاد كالغيث الطيب في زمن أسنت فيه المشارب فتلقفته آفئدة آمنت بالله ورضيت به سبحانه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ص نبيا , وبالجهاد طريقا وبالقرآن منهاج حياة, فهنيئا لكل من وفق للجهاد في سبيل الله فإنها والله التجارة الرابحة وهي عز الدنيا وكرامة الآخرة وهي التخفف من جذب الطين وثقلة اللحم وهي الطمأنينة والثقة وذروة سنام الإسلام, قال تعالى (إنه من يتق ويصبر فإن الله لايضيع أجر المحسنين) فأوصيك يا أخي ونفسي بتقوى الله والسلام عليك0


عبدالله بن يحيى الزهراني


 


وصية إلى أولياء الشهداء
يا أم الشهيد000 لا تجزعي بل افخري بابنك بطلا شهيدا , وفارسا فريدا , ونرجو الله أن يتقبل شهادته فيكون لأهله شفيعا يوم القيامة0 ولا تجزعي فأمثال ابنك مفخرة للأجيال ونبراس للفتيان0


لا تقتلي النفس إذ حانت منيته في طاعة الله يوم الروع والباس


وأما شقيقاته فلهن أن يرفعن رؤوسهن اعتزازا ورفعة ولا تسكبن عبرات الواله الفاقد بل أفرحن فرح الحبور الوافد الواجد0


أما الوالد الكريم, فهنيئا لكم هذا الليث الهصور الكاسر الذي نكل بأعداء الله, وعرفنا بكم وبالعائلة جمعاء من خلال جهاده, وابنك من هؤلاء الذين يطلبون الموت مظانه0


فج يكاد صهيل الخيل يقذفه عن سرجه فرحا بالغزو أو طربا


فافخر ولا تجزع وافرح ولا تحزن, وابعث إخوانه ليسلكوا جادة العزة وجدية الفخار, ولولا أنهم خير منا لما اختارهم الله قبلنا وتركنا نتجرع حسرتنا ولا ندري ما خاتمتنا, فاللهم أحينا سعداء وأمتنا شهداء واحشرنا في زمرة المصطفى ص0


 


 

ضيوف الرحمن في يوم الجائزة


 

وصلنا (جاجي) في مساء الثلاثين من رمضان استمات العدو في محاولة الإستيلاء على المركز وكلما اقتربوا إصلاهم الشباب بوابل قذائفهم ونيران مدافعهم حاولت الدبابات أن تدفع مع شاحنات الغذاء والسلاح للوصول إلى المراكز الشيوعية ولكن راجمات الصواريخ التي بيد المجاهدين اضطرتها للتقهقر والفرار0 وحاول أعداء الله مرة اخرى ان يوزعوا مجموعات من الصاعقة (الكوماندوز) ووضعت مجموعات منهم على التلال المقابله للمركز الجديد (المأسدة) ولكن قذائف (آر, بي, جي, 7) حصدت منهم مجموعات بالإضافة إلى قذائف مدافع (28) ملم, و (57) ملم التي لا تدعهم يلتقطون أنفاسهم لحظة, وكانت طائرات الهليوكبتر تحوم لتلتقط جثث أهل النار, وهؤلاء كما يشاهدهم الإخوة من خلال التلسكوب كلهم من الروس ذوي الوجوه الحمر المائلة إلى الزرقة وذوي العيون الزرقاء الضيقة.

أمر قائد المأسدة الشباب بالإنسحاب فقال سيف الله (قائد مجموعة مضاد الطائرات): لن يتقدموا إلا على جثثنا ولن ننسحب فصاح به القائد: أنا برئ منك أمام الله يوم القيامة إن عصيت أمري, فقال سيف الله: وقد رأيته في الليل -ليلة العيد- ما انسحب الا طاعة للأمر.

ولكن المجموعات من الإخوة عادت في الليل لتحافظ على المركز, وصلينا الفجر وتحرك سيف الله مع مجموعته بعد صلاة الفجر, وكان معه علي وحسين: المتحابين اللذين لايفترقان.

وبعد طلوع الشمس كنت مستريحا في فراشي وبجانبي الشيخ تميم العدناني فسمعنا هدير الطائرات وأصوات المدافع المضادة تدوي من كل مكان فصاحوا بنا: انهضوا واخرجوا من هذه الغرفة لأنها لا تحتمل القذائف فقلت للشيخ تميم قم وأسرع, فقال الشيخ تميم: شهادة في يوم العيد يا شيخ, فقلت انهض, وخرجنا من باب الغرفة لنرى القذائف التي القتها الطائرات وسرعان ما غطى الجو بسحاب أسود فقال الشيخ سياف: (يحتمل أن تكون القذائف من الغازات السامة) وبدأ السحاب الأسود الذي عقب الأنفجار يسير:

كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبهجلسنا حول اللاسلكي نترقب أخبار المعركة دقيقة دقيقة, جاء أبو الحسن المقدسي وقال: استشهد ثلاثة من العرب, وانتظر تأكيد الخبرمن ابي محمود الذي يرسل على اللاسكلي من عقر المركز الجديد (المأسدة) فقال: لقد أسلم ثلاثة من العرب أرواحهم إلى خالقهم وهم:

الشهداء الثلاثة علي وحسين ونور الحق


 

كانوا مع الشهادة على قدر, لقد رأيت عليا جادا في البحث عن الشهادة كان يقول لعل الله يرزقنا الشهادة, وقلما كان يفارق أرض المعركة:

مقيم مع الهيجاء في كل منزل كأنك من كل الصوارم في أهل

وحسين منذ عام مع على لايفترقان, كأنه ظل له, لا تفتقد حسينا إلا مع على وحسين من مواليد سنة (0791م) شاب صغير صامت مؤدب صوته ندي بالقرآن أوتي مزمارا من مزامير داود.

ولا أذكر أني رأيت عليهما ثوبا نظيفا لأن الطين والمازوت وزيت السلاح يرسم على ملابسهما نقوشا كأنما هي خارطة لبقاع مختلفة من الأرض:

إذا اعتاد الفتى خوض المنايا فأهون ما يمر به الوحول

فلم تعد الشدائد ولا الكروب, ولا البرد وزمهريره ولا السهر وشدة وطأة الجوع وآلامه, ولا العطش وشدته لم تعد هذه شيئا في أنظارهم:

أقل بلاء بالرزايا من القنا وأقدم بين الجفلين من النبل

واستشهد علي وحسين ودفنا في خندق واحد.هي المسيرة تدور دورتها وتقفز إلى الذهن قصة عبد الله بن حرام -والد جابر- وعمرو بن الجموح اللذين استشهدا في أحد فأمر رسول الله ص بدفنهما معا : (ادفنوا المتحابين في قبر واحد)0

وهكذا كانت مسيرة واحدة أدت بهما إلى جدث واحد يبعثان منه (إذا بعثر ما في القبور) وصدق الله كلمات علي: نريد أن نعي د وعيد علي في ضيافة الرحمن.

أما نور الحق المغربي فقد كانت هجرته خالصة إلى الله -كما نحسبه ولا نزكي على الله أحدا - لا رجعة فيها جاء أول مرة برا عن طريق الدول الأوروبية حتى إذا وصل إلى حدود سوريا ردته الطائفة النصيرية ومنعته من اجتياز الحدود, ثم جاء إلى الحج وبعد أن قضى منا سكه في أم القرى يمم شطر أفغانستان وهنا في بيشاور يجد الشيخ سياف قد أنشا مدرسة لتعليم أبناء الأفغان سماها حراء فنذر نفسه لتربية أبناء الأفغان على لغة القرآن وكان يقوم بتدريب أبناء المدرسة على ألعاب الكارتية وعندما علم بنشوب في جاجي توجه نحو الجبهة المعركة وكان اللقاء مع الشهادة فزادت اشراقة وجهه نورا , وكان يقول: لا رجعة إلى بلادنا00

وتتابعت الأخبار والمجاهدون ملتفون حول جهاز الإتصال, أبو سلمان يمسك الجهاز والشباب يلقون السمع ويشنفونه بكل كلمة تخرج عبر اللاسلكي الشيخ سياف يرد على الجهاز, المعركة شديدة, القصف متواصل, رجال الصاعقة الروس يريدون اقتحام المركز الجديد (المأسدة) والشباب مستميتون بالدفاع عنه, راجمة الصواريخ تمطر الشباب بوابل القذائف0

صاعقة على رجال الصاعقة:

من المعلوم أن روسيا قد أعدت خمس كتائب من رجال الصاعقة (الكوماندوز) ودربتها طويلا وهذه الكتائب قد هيئت للأنقضاض على قواعد المجاهدين, ودفعت بمجموعة كبيرة منها لدخول المركز, أجسامهم كبيرة, وهؤلاء من اللقطاء تهيئهم روسيا لإبادة المجموعة الخطيره المعادية لها, وتباهي بهم روسيا كما تباهي أمريكا برجال المارينز, وفقد واحد منهم يعتبر خسارة كبيرة لروسيا, لقد ضربت الطائرات المركز ثم نشطت المدفعية وراجمات الصواريخ ثم تقدمت مجموعة من هؤلاء وصاروا على بعد سبعين مترا من المركز, ودارت المعركة مواجهة مع هؤلاء, المعركة غير متكافئة أبدا سواء في الإعداد أو الأعداد أو الوسائل أو الأسلحة0

وضرب مختار برشاشه (الدكتريوف) وأفرغ مخزنه مائة طلقة فأصاب ستة منهم دفعة واحدة فارداهم قتلى, وضرب خضر أحدهم بقذيفة (آر, بي, جي 7) فأحالت الكافر إلى قطع متناثرة0

وهنا كانت المفاجأة التي لا يتصورها الخيال التفاف من قائد مجموعة من الشباب المهاجر المجاهد على الكوماندوز, اذ تقدمت مجموعة عكرمة -التي تذكر بعكرمة رضي الله عنه يوم اليرموك- من يبايع على الموت, كان في المقدمة منصور, وأبو الفضل, وعبدالله, ودارت المعركة بالقنابل اليدوية للتطهير قال لي أحد الأخوة: لقد ألقيت قنبلة أمامي وإذا بروسي يحني ظهره ليتلقي بوجهه شظايا القنبلة وبيني وبينه شجرة فقط فعلوته بالرشاش فتردى هالكا لا حراك فيه جسمه كالبغل: جسم البغال وأحلام العصافير.

شباب متعطش للموت, يبحث عن الشهادة وإلا فكيف الهجوم على الكوماندوز وكل واحد منهم تلقى أعلى مستويات التدريب, ولكن الإيمان يصنع المعجزات والروح أقوى بكثير من الأجساد.

وانتهت هذه المقابلة السريعة بين الشباب والكوماندوز بالإجهاز على كثير من الكفار وفر الباقون يحدثون لقومهم مغبة مقابلة أبناء الأيمان وضراغم الإسلام, وعاد كل شاب من هؤلاء بعد أن خوض في دماء أولئك0

وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم

تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم


 

منصور الشهيد


 

يقول لي أحد هؤلاء الشباب: رأيت منصورا وقد سقط شهيدا أثناء الإشتباك ورأيت أحد العمالقة الروس أخذ يقلب جثة منصور يتفحصها.

منصور الشهيد (أبو دجانة الثاني) عشت معه أربعة أشهر, فأحببته, قلت له من اللحظة الأولى التي أبصرته بها: أنت تشبه أخانا أبا دجانة, فقال أين نحن من أبي دجانة? وكما هو معروف أن أبا دجانة قد استشهد في معركة نهرين هذا العام, فارع الطول, ذو جسم رياضي, رجولة مع كرم, شجاعة مع حياء والرجولة عادة مقترنة بالحياء والكرم وفي الصحيح: (الحياء والإيمان مقترنان فإذا رفع احدهما رفع الآخر)0

هو الشجاع يعد البخل من جبن وهو الجواد يعد الجبن من بخل

وفي منصور كثير من صفات أخينا أبي دجانة فإذا أضفت إلى هذا أن كليهما حافظ للقرآن عجبت لتوافق كثير من صفات المظهر والمخبر لكليهما0

كان منصور قليل الكلام, حييا ومع هذا كان اذا رأى عبد الرحيم في معسكر (صدا) يقول لي: ادع الله لي أن يرزقني أدب هؤلاء0

كان متقنا بارعا للسلاح, أقام في جبهة الشيخ جلال الدين حقاني ثلاثة أشهر فأحبه المجاهدون وجعلوه إماما , وكان منصور متتبعا للسنن يحاول أن يلتزم الآثار ويكره الإبتداع ويحارب الخرافات فكان إذا سمع قصة عرضها على ما يعرف من قصص السلف فان وافقت قبلها وان خالفت رفضها, وكان يسره أن نصلي التروايح ثماني ركعات وكان المحيا ذو ذكاء لماح, يحفظ الآثار, فإذا كتبت لهم الحديث او الدعاء يكون أول من يحفظ.

وولد هذا الشاب الذي يناهز السابعة والعشرين من عمره في المنيا في صعيد مصر وقد رضع رجولة أهل الصعيد وشدتهم منذ حداثة سنه وعاش فترة ليس بالقليلة في القاهرة ودرس في كلية الآداب في القاهرة وتخرج فيها من قسم اللغة العربية.

كان لايراني إلا وعلت وجهه ابتسامه مشرقة مع أغضاء الطرف حياء وأدبا اشترك في المعركة الأولى في (91) شعبان في المأسدة وكان في فرقة الإقتحام ونجاه الله لأن منيته تنتظره حتى يكمل رمضان فتضرع إلى الله أن يكون من عتقاء شهر رمضان وفي يوم عيد الفطر يوم (الجائزة) نال منصور جائزته وفي موقف بعد أن خوض في لبة الصنديد (حلقوم البطل).

ومضى منصور إلى ربه وترك في أعماقنا حسرة ونشوة, حسرة بفقده ونشوة بفوزه بالشهادة -كما نظن ولا نزكي على الله أحدا - فهنيئا لك يا منصور ونأمل أن تلتقي بأبي دجانة في عليين0

شهيدنا الخامس في يوم عيد الفطر الرجل الصامت


 

(أبو الفضل)


 

صامت لو تكلما لفظ النار والدما

قل لمن عاب صمته خلق الحزم أبكما

أخو الحزم لم تزل يده تسبق الفما

ولكثرة صمته يحسبه الجاهل عييا, كان لا يتكلم إلا إذا سمع رأيا يحسبه يخالف حديثا صحيحا قال: إلا يخالف هذا الحديث الصحيح, كان دائب العمل, يوصل ليله بنهاره لا يهدأ ولا يقر إلا إذا ظن أن أمور مجموعته التي أمر عليها على خير ما يرام.

كنت لا تراه إلاحاملا قلمه ينتظر أمر قائد المخيم لتسجيل ما يلقى إليه من توجيهات.

ذو وجه مشرق ولحية طويلة خفيفة مؤدب يجلس في المجلس مستمعا فإذا سمع شيئا من اللغو قام وغادر المجلس, يحفظ من القرآن ولا أعلم أن كان يحفظ القرآن كاملا أم لا.

كان يعد نفسه للدخول في أعماق أفغانستان منذ فترة ولكن أحداث جاجي منذ (91) شعبان حتى الآن أخرت رحلته وشارك في العشر الأواخر من رمضان في المعركة وفي اليوم الثلاثين من رمضان جاءه الأمر بالإنسحاب من موقعه فاستأذن القائد أن يبقى في مكانه إن كلن ممكنا , وفي يوم الفطر نال الجائزة ودفنه الأخوة مجاورا لأخيه منصور.

بضرغامهم صامت اللسان كغيره ولكن في أعطافة منطق الفضل.


 

وفقيدنا السادس

عبد الله المصري

عرفته لأول مرة في مكتب الخدمات هو وهارون صاحبه الذي رافقه مسيرة الطريق ودخل معه الجبهة في قندهار وكان يزمع العودة من حيث أتى ولقد بششت في وجهه, وشكا إلى بعض المتاعب التي لاقوها فسريت عن أنفسهم وروحت عنهم.

وواصل المسيرة, ثم جاء إلى صدا وتمكن من كثير من الأسلحة التي يستعملها الكفار ليواجههم بسلاحهم, وتوجه الى جاجي للرباط ثم رجع إلى خوست ثم إلى صدا ثم إلى جاجي وحيثما سمع باشتداد أوار الحرب ووطيس المعركة طار شوقا إليها ولسان حاله يردد:

ولقد ذخرت لكل أرض ساعة تستعجل الضرغام عن أشباله

لقد اتخذ أخيرا قراره النهائي الذي لا رجعة فيه وهو الموت في سبيل الله أو ينصره الله فإنما هي أحدى الحسنيين.

سمح الوجه, قليل الكلام, يبحث عما ينفعه في دينه ودنياه, إن تكلم فبقدر وأدب, كثيرا ما تراه يحمل في يده كتابا يلخص ويقرأ وهو يقول: (أريد أن أنقل فائدة إلى الجبهة).

وكان الوداع الأخير في المأسدة حيث قابل هؤلاء الكوماندوز ولا نعلم حتى الآن مصيره أضل في شعب من الشعاب !! أ م أسر بيد هؤلاء الذئاب الكلاب?! أم لقي الله مصون الجناب?.

فنرجو الله أن يكتب لنا وله الشهادة وأن يجمعنا وأياه في الصالحين.

لا أدري مكان هذه الملاحة (عامر).

[ملاحظة: (وصل نبأ استشهاده بعد ذلك].


 

التعطش للشهادة (أبو خالد الجزائري)


 

الشباب يبكون فرحا طمعا في لقاء الله شهداء, فما غادروا أوطانهم ولا تركوا الترف الذي بين أعطافه يتقلبون ولا طلقوا النعيم الذي فيه يترعرعون إلا حبا في الشهادة, وكثيرا ما يقول أحدهم: متى اللقاء مع الحور?اللاسكلي بيد أحد الشباب, لا تكاد النداءات تنقطع, المجاهدون ملتفون حول الجهاز الشيخ سياف واقف يرد على الأمور الهامه, ويوجه الأوامر والقادة العسكريون حوله. فيأمر هذا ويهمس في أذن هذا ويشير إلى ذاك ويطمئن المجاهدين, وتشكل السرايا, وتتحرك السيارات, الأعياء ظاهر على وجه الشيخ, ينام الناس ولا ينام آلام قرحة المعدة برحت به, لا وقت للراحة, ولا ساعة للخلود بالنفس, أعصاب الشباب مشدودة, قلوبهم تكاد تقفز من صدورهم, آذانهم تتشنف وهي تستمع الكلمات, لايكاد أحد هم يلتقط أنفاسة وهو يتابع الأخبار.

تقدم الكوماندوز, تصدى الأخوة الرابضين على جبل الرماة لهم, خرجت مجموعة من الدبابات من -شاوني (القلعة- قذائف المجاهدين تسقط على تجمع الدبابات, هربت بعضها متجهة إلى -ناراي- انتهت قذائف الهاون00 وهكذا دواليك لا يتوقف الجهاز عن البث والتلقي إلا في ساعة متأخزة من الليل, يقول الشيخ سياف: إن الله ذو القوة المتين وإلا فمن نحن? نحن بأربع سيارات نقابل حلف وارسو.

الجرحى: وانطلقت سيارات الإسعاف تنهب الأرض تريد أن تحقن بقية النجيع في أجساد هؤلاء الأخوة أبو خالد الجزائري أصابته شديدة والمسافة بعيدة وفي الطريق يسلم أبو خالد الروح ويصل أبو سهل الصغير مغمى عليه أصابت الرصاصة دماغه ولا زال فاقد وعيه في غرفة الإنعاش (استشهد أبو سهل بعد كتابة المقال رحمه الله).

لم أكن أصدق أن هذا الرجل جاء للجهاد عمره في العقد الخامس, جسده ناحل, لا يظهر عليه آثار العلم أو التربية الأسلامية العميقة, وما وما كنت أصدق أنه يستطيع مواصلة المسيرة على طريق الشوك المفروش بالدماء والأشلاء لأن كثيرا من الهالات قد سقطت على هذا الطريق اللاهب المضني.

إلا أن في الرجل وفاء وحياء ورجولة وإباء كان حليقا أول الأمرثم أطلق لحيته, إن تكلم تكلم معي يغض الطرف أدبا, كان لايطيق الثرثرة ولا اللغو, الجميع راض عنه, لسانه قصير لا يلغ في أعراض الناس, وفمه طاهر من أن يأكل لحوم المسلمين وكان لايعرف بالتعصب لأية جهة ولا ينتسب لحزب من الأحزاب, إنه مسلم عادي فطرته سليمة يحب المسلمين جميعا ولذا عندما خرجت روحه إلى بارئها عبقت رائحة المسك تضوع.


 

الشهيد أبو الوليد السعودي

لم يتكبد الروس في معركة من المعارك كما تكبدوه في هذه المعركة, فقد هرب ثلاثة من السائقين وانضموا إلى المجاهدين, قال أحدهم: لقد أخذ الروس شاحناتنا الثلاث ورأيت شاحنتي مليئة بجثث القتلى.

كنت أنام في غرفة غير محمية لاتستطيع أن تدفع عمن فيها قذيفة طائرة ولا صاروخ وقد اعتدنا كل يوم إن نستقبل قذائف الطائرات التي تبدأ وجبتها الأولى الساعة السادسة والثلث صباحا , وترجع لوجبتها الثانية الساعة التاسعة إلا أن المجاهدين تصدوا لها بالمضادات التي لا تزيد في أثرها من أن تبعد الطائرة عن الأرض أثناء القصف, وقد أسقط المجاهدون أكثر من طائرة بالصواريخ.

وفتح الجهاز في مساء يوم عيد الفطر فقال أبو عبد الله: نعزيكم بفقدنا أخينا أبي الوليد السعودي, فكان فقيدنا الثامن ابو الوليد السعودي.

شاب على الفطرة, ذو ثقافة بسيطة وعشق للجهاد لا يكاد يوصف, طوف أفغانستان من جنوبها إلى شمالها حيث ألقى عصا الترحال في بلخ (مزار شريف), ومكث هنالك عدة اشهر ثم عاد وزار أهله في المنطقة الشرقية ولم يطق المقام طويلا بين القاعدين لأنه يصعب على من تذوق حلاوة الجهاد أن يستسيغ العيش بين الخوالف (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف), إن النفوس الأبية ليعز عليها أن ترى أبناء دينها يذبحون وأن يبصروا لحوم العذارى تأكلها جنازير دبابات الروس وهم باردون لا تسمع لهم ركزا.

أتسبى المسلمات بكل ثغر وعيش المسلمين إذن يطيب

أما لله والإسلام حق يدافع عنه شبان وشيب

وفي يوم الفطر يهجم حوالي خمسة وعشرون منهم فيتصدى لهم ثلاثة فقط أبو الوليد وياسين, وخضر, وأما ياسين فهو منطلق كالسهم لا يعرف للموت رهبة.

يستعذبون مناياهم كأنهم لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا

وأما خضر فقد مزق أحدهم بقذيفة (آر, بي, جي 7) وما هي إلا لحظات وإذا بأبي الوليد تختطفه يد المنون وإذا به في العالم الآخر (وما كان لنفس أن تموت إلا بأذن الله كتابا مؤجلا ).

وما الموت إلا سارق دق شخصه يصول بلا كف ويسعى بلا رجل

كان أبو الوليد متشوقا للشهادة, وبعد أن بلغني نبأ شهادته فتحت رسالتين يكتبهما لأصحابه يقول فيها: (أخي ثامر: ولا ينقصنا سوى رؤياكم بيننا في أرض الجهاد إعلاء كلمة الله000 إن كان عيدكم في السنة مرتين فعيدنا والحمد لله كثير, وهذا عندما ننتصر على أعداء الله يعتبر عيدا وهذا بفضل الله تعالى).

وكان آخر الكلمات التي يخطها في الرسالة: هبي يا رياح الجنة هبي وربي000لبيك لبيك إسلام البطولة كلنا نفدي الحمى.

فنبتهل إلى الله أن تكون أبا الوليد قد فزت بالشهادة ونلت الدرجات العلى.


 

الشهيد بشير المصري وسراقةواستمرت المعركة, والأحداث تتوالى والمجاهدين يواصلون جهادهم, يرابطون في الخط الأمامي والقذائف فوق رؤوسهم لا تكاد تهدأ, الجهاز مفتوح الأخبار لا تنقطع مجموعة تلتف حول الجهاز تريد أن تتابع أخبار المجاهدين أولا بأول.

وجاء البيان سقوط شهيدين آخرين: بشير وسراقة..

بشير المصري: على الفطرة التي فطر الله الناس عليها, لم تتلوث نفسيته, بسيط دون تعقيد, واضح دون غموض, يقول عن نفسه: كنت سلفيا ثم انتقلت إلى جماعة التبليغ وأخيرا جئت إلى الجهاد, فرد أحد الحاضرين على الفور: ما طفت هذا الطواف إلا لتوافي الشهادة.

وعاش بشير في مخيم صدا يعد نفسه ونفسيته لملاقاة الكماة ومنازلة الطغاة.

كان إذا ناقش أحد إخوانه كثيرا ما يقول صل على النبي, فصار إخوانه يرددون هذه الجملة كلما واجهوه أو نا قشوه, وكثيرا ما كانت تقوم بينه وبين عادل مداعبة رقيقة ومزاح لطيف مستساغ, وكان يتسع لإخوانه ويتجاوز عن هفواتهم, وكان يطلقون عليه: (ذو القلب الأبيض).

أنهى بشير أعداد نفسه وانتقل إلى أرض الرباط, وكان يعد نفسة لمرافقة إحدى القوافل التي تدخل أفغانستان, وداهمتنا أحداث الأيام الأخيرة من رمضان, واشترك بشير وكان على قدر في اليوم الثالث من شوال مع الشهادة.

فندعوا الله أن يجعله في الفائزين وأن يجمعنا به في الفردوس الأعلى.

وأما سراقة (أحمد الحزامي) فهو من الشرقية-الدمام, شاب يدخل قلبك بلا استئذان, قليل الكلام, على وجهه إشراقة لا تفارقه, وعلى ثغره ابتسامة لا تغيب, تسأله فيجيبك بقدر, فان كررت عليه السؤال تريد الإستفصال لايزيد عن الأجابة الأولى فتضطر للسكوت لأن ابتسامته وأدبه تمتص كل غضب (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق), كان يحمل ساعة في جيبه يعلق خيطها في عنقه, فسألته عن سبب هذا فصرفني عن الإجابة المباشرة بقوله إنها رخيصة جدا .

ووافته المنية بعد أن تم رمضان وحدثني من رآه: أن ابتسامته لم تفارق محياه مضوا إلى ربهم وتركونا وراءهم, بأعمار أبنائنا سبقونا الى ربنا ولكن الرحمة ليست بالعمر والشهادة ليست بالشهادة, فإن شهادة رب العالمين غير شهادة الجامعات (أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون) الزخرف.

ثم ذهب أبو الذهب

الحمد لله الواحد القهار....

فبعد أسبوع فقط من مضي منشد الطائف ليث المأسدة أحمد الزهراني يمضي على أثره وفي نفس الجادة أسد آخر هو أبو الذهب.

هناك وعلى شاطيء البحر وقريبا من الإسكندرية تتفتح عينا هذا الطفل على الحياة والداه قد هاجرا من السودان ليقيما في مرسى مطروح كل شيء في المنطقة باسم, لأه, المرح ديدن هذا الشعب, وخاصة على رمال البحر حيث يحلو الكلام ويعذب السمر ويمر الوقت خلسة0

المتاع, واللعب, واللهو, والمزاح والنكتة هو الطابع العام لكل من يعيش هناك, ولا يغيب عن بالك أن المنطقة سياحية تكون في الصيف غاصة بكل المصطافين الذين يفدون إليها من كل حدب وصوب.

كل شيء يمكن ان تتوقعه في هذا المجال سوى الجد وكل أمر يمكنك أن تتخيله أو تفكر فيه عدا الجهاد والزهد والتقشف وتحمل المتاعب والمشاق.في هذا الجو اللاهي الصاخب ينشأ شهيدنا وقد ورث روح الفكاهة طبعا دون تكلف وسليقة دون تصنع, فما تكاد النكتة تفارق شفتيه وأخذ مكانه بين الجماهير التي لا تلوي على شيء ولا يهمها شيء, ولا تؤثر فيها الأحداث, ولا تستوقفها المصائب التي تتوالى على رؤوس المسلمين.

وفي الجامعة وفي كلية الزراعة يرجع شهيدنا إلى الله من خلال بعض إخوانه الناشطين للعمل الإسلامي ويأخذ الأسلام بقوة, ويحمل الرسالة بجد, ويتلفت حوله ليرى مكانا يصب طاقته الإسلامية ويري الله منه حسن المصنع وصدق الرجوع فلا يجد في الأرض منتجعا سوى أفغانستان حيث قامت الحرب على ساقها بادية نواجذها مملوءة أخلافها (أضلاعها) فحمل الصحيف الأبلج (السيف الأبيض)والقويم الأملج (الرمح الأسمر) وتوجه إلى أفغانستان ولك أن تتصور معي كم يعاني الشاب الناشيء في مجتمع فقير لتوفير ثمن التذكرة التي تصل الى الف جنيه!??

ويصل الشاب إلى أفغانستان ويعد نفسه بسرعة ثم يتوجه مع قافلة إلى تخار هناك على حدود روسيا.

وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام

عود رقيق, وجسم نحيل, ولكن الروح وثابة, والعزم نفاذ, وبقي هناك بصحبة أخيه ذبيح الله وعبد الرحمن وقريبا من نهر جيحون (آموداريا) وساعاته التي يقطعها يتشوق للشهادة ويتطلع لها, وفي أحرج الساعات ما كانت النكته الحاضرة تفارقه, وروح الفكاهة أصبحت تجري في دمائه.

وأيامه التي انسلخت عنه وما داره سوى الهيجاء (ليس له دار سوى الحرب) وبما أثرت صوارمه البيض له في جماجم الأعداء (وأثرت سيوفه في رؤوس الأعداء) ورجع من تخار إلى بيشاور ثم يترامى إلى مسامعه هجوم الروس على ننجرهار, ويمتشق سلاحه ويهب كالريح لنجدة اخوانه الأفغان ثم يعود ويشد الرحال في هذه المره مع أخويه (عبد الرحمن وذبيح الله) إلى جاجي ويحط رحاله هناك ويبدأ ببناء قاعدة جديدة للجهاد وأين? على بعد أربعة كيلو مترات من معسكرات العدو, ويواصل عمل الليل بكد النهار.

سألتهم من إمامكم? قالو: أبو الذهب وهو يحفظ كتاب الله, كان صوته نديا ومع نبراته شجى, كنت أراه يصلي معنا الفجر ثم يغادر ولا أراه إلا بعد العشاء, بين الثلوج التي لايكاد شخص يقف لها ويصبر عليها0

ترى هذه المجموعة ولا يكاد أحدهم يزيد عن الثالثة والعشرين فيخيل إليك أنك تواجه أرواحا في أشباح النمور ومخالب النسور قد تحفزت للوصاب وانقضت للأختلاب ولا فتى مثل ابي الذهب, يجمع بين الأدب الجم والإخلاص كما نحسبه ولا نزكي على الله أحدا - الذي تلمسه من خلال جلوسه بين يديك كالطفل الصغير يطلب منك الدعاء له بالشهادة, وقد حسبت أنه لا يمزح أبدا ولم أسمعه ذات مرة يضحك بملء فيه أو يهزل, وإذا ببعض من عايشه يقول لي: النكتة لا تفارقه, فعلمت أنه الأدب الرفيع مع الكهول.

وطالت المدة وزمهرير الشتاء لايؤثر على صلابة الرأي ومضاء العزيمة, إنهم مصممون أن يحرروا المراكز التي تواجههم ويفتحوا الطريق الواسع إلى كابل, ولا يكلون من مراقبة العدو ولا من جمع المعلومات ولا من الإستعداد للإنقضاض.

ثم تقدم ونصب خيمة على بعد مائتي متر قرابة شهرين ويحدثني أبو خالد الذي كان يساكنه في الخيمة: كنت أحس من أعماقي أن الرجل ماض إلى الله وأنه سيغادرنا عما قريب, كان يعمل في نصب الصواريخ وإعداد السلاح وتبين الأهداف حتى الساعة العاشرة ليلا ثم يأتي يتجافى جنبه عن المضاجع ويغالبه الكرى وتأخذه سنة من النوم ثم يستيقظ الساعة الواحدة ليلا وينهض ليواصل عمله والشباب هجع.

ويقبل يوم العملية وأبو الذهب يتمنى أن ينال الشهادة ولكن الشهادة قدر مقدور وغيب مسطور (قد جعل الله لكل شيء قدرا) (لكل أجل كتاب).

ولم يغادر الفتى خيمته ولم يقطع استعداده, وواصل العمل وبعد إسبوع بالضبط وفي اليوم السادس والعشرين من شعبان سنة (7041ه-) الموافق اليوم الرابع والعشرين من ابريل سنة (7891م) كانت المنية للفتى بمرصد فخرج يرافقه شفيق وأسامه للإستطلاع وبعد العصر أخذ الشهيد يمهد الأرض بقدمه لأداء صلاة العصر وإدا بلغم يتفجر تحت قدميه وطارت قدماه حتى الركبة تقريبا وأخذ الأنفجار أصبعين من أصابع أسامة وأصابت شفيقا شظية صغيرة, لقد تحققت الرؤيا التي رؤيت له بالجلوس مع امرأة جميلة غراء الجبين فيبشر في صباح هذا اليوم بالشهادة.

وبدأ الدم ينزف من رجليه المقطوعتين ويده البتراء وهو يردد حسبنا الله ونعم الوكيل, وبقي على هذا الحال قرابة الساعتين ثم أسلم الروح وكان آخر ما ودع به الدنيا يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث, وحمل جثمانه الطاهر ثم واراه التراب, شهادة لله أنه ما قصر تجاه دينه وشهادة على زملائه وإخوانه وأحبابه ومعارفه أنه بلغ حكم الجهاد لهم وخط بدمه الطاهر أسطر الخلود لتبقى أحرفا من نور في سجل الخالدين وديوان العارفين فهل يؤثر دمه الفوار الذي روى هضاب أفغانستان على من عرف هذا الطريق فيدرك أن أمر الجهاد جلل وأنه فرض عين وأنه لا اذن للوالدين ولا لأحد من العالمين في تلبية نداء رب العالمين?

فتى الخيل قد بل النجيع نحورها يطاعن في ضنك المقام عصيب

يعاف خيام الريط في غزواته فيا خيمة الإغبار أنت حروب

ومضى أبو الذهب الى ربه وأصبح حديث السامر, فسلام عليك يا أبا الذهب في الخالدين

.

عاشق الحوراء (الشهيد ياسر أبو النور -عبد الرحيم العرجة-)

أما ياسر أبو النور (عبد الرحيم العرجة) فلأول مرة رأيته في مكتب الخدمات, مشرق الوجه ناصح الجبين, لا يكاد يجاوز الثامنة عشرة من عمره فسألته ممن الرجل فأجاب: من فلسطين ولكن أعيش في الكويت جئت أبحث عن قبول في أحدى الجامعات الباكستانية ولكني أود الجهاد.

كانت قافلة متوجهة إلى بلخ (مزار شريف) فأصر أن يكون أحد جنودها وتوجه هذا الشاب الرقيق الذي لم يذق للشظف لوعة ولا للحرمان مرارهة, ولم تعجم الحياة عوده فيصلب ولم يكشر له الزمان عن أنيابه فيذوق المحن ويجرب بنات الدهر, ما كنت أظن ان هؤلاء الشباب يستطيعون أن يقدموا العطاء الجزيل للجهاد الأفغاني ولكنها بركة الإخلاص وحرارة الصدق تذيب الغواشي عن قلوب الناس فتدخلها هذه النماذج بلا استئذان.

يحدثني عنه أسد الله أبو أسيد (شاب عربي) رافقه السفر وعاش معه فترة في بلخ (مزار شريف) فقال: كان محبوبا من قبل المجاهدين الأفغان وكان يتميز بصفتين بارزتين جعلت حبه يخترق شغاف القلوب أولا هما: بسط الوجه وحسن الخلق (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق) فبشاشة وجهه وسعة صدره وسعت الناس فوسعوا له قلوبهم, وثانيهما شجاعته الخارقة وحرصه الشديد على الشهادة خير الناس رجل آخذ بعنان فرسه يطير على متنه كل ما سمع هيعة أو فزعة -ضجة مخيفة- طار إليها يبتغي -يطلب الموت- مظانه).

كان الأمير العام لجبهات مزار شريف (محمد علم) يسميه (ديوانه) أي (مجنونا), لشجاعته الخارقة النادرة, وكان ياسر يوقع رسائلة دائما (أول شهيد عربي في مزار شريف وبجانبه عاشق الحوراء -الحورية-).

كان مرحا , دمث الأخلاق, وكان لا يسمع بمعركة إلا طار إليها فرحا :

فج يكاد صهيل الخيل يقذفه عن سرجه فرحا بالغزو أو طربا

ولسان حاله يردد دائما :

يلذ لأذني سماع الصليل ويبهج نفسي مسيل الدما

أهونا وعندي تهون الحياة وذلا وإني لرب الإبا

وكان كثير التلاوة للقرآن الكريم وكان يصوم الإثنين والخميس غالبا , وكانت رؤاه كفلق الصبح, رأى نفسه عدة مرات شهيدا, ورأى الحور العين في منا مه, وكان يكتب لإخوانه بالرؤيا التي كان يراها ويقص الرؤيا في رسائل طويلة لإخوانه العرب في مزار.

كانت بداية صلته بالجهاد نزوله إلى كونر عند أسد الله في معسكر أسامة بن زيد وكان كثير الكلام بعدها عن أسد الله وعن كونر:

كم منزل في الأرض يعشقه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل

ومضى عبد الرحيم يبحث عن الموت, يتتبع أخبار المعارك, ويتحرق لأنباء الجبهات الساخنة ليصطلي بنارها طمعا أن يحميه الله من نار الآخرة.

وجاءت العشر الأواخر من رمضان سنة (6041ه-) حيث يترقبها كل مؤمن ليغسل ذنوبه ويضرع إلى الله بالدعاء ليقبل توبته ويمحو حوبته, ولكن ياسرا جمع بين الدعاء والعمل فسمع أن هنالك عملية في هشدا نهر (الثمانية عشر نهرا ) وتوجه إليها ياسر وكان على موعد مع القدر المبروم والوعد المحتوم وفوجىء ياسر مع مجموعته بقوة من الدبابات والطائرات وحاول ياسر أن يرد عن نفسه ولكن قدر الله نافذ فأحاطت به مجموعة من الأعداء واستطاعوا أن يلقوا القبض عليه وقيدوا يديه فأفلت من بين أيديهم وهرب فلحقوا به والقوا عليه القبض ثم زجوا به في داخل طائرة الهليو كبتر وقبل أن تطير الطائرة ألقى بنفسه من الطائرة وهرب فدخل بستانا لفلاح وخبأه الفلاح وانطلقت كلاب الصيد تبحث عن فريستها ودل بعض المنافقين على بستان الفلاح فجاءوا به وضربوه فدلهم عليه.

وأخذوه إلى مركز الولاية (مزار شريف) وفي اليوم التالي نقلوه إلى كابل.

حب المجاهدين الأفغان للعرب:

وخيم الحزن على جبهات الولاية, وعندما يبلغ النبأ لجبهة فكأن صاعقة خرت عليها من السماء لقد أسر ليث النزال - ديوانه (مجنون) الشجاعة, واختفت من بينهم دندنة القرآن الخاشعة التي يرتلها ياسر (عبد الرحيم), وغابت الإبتسامة المشرقة التي اعتادوا أن يروها مرتسمة على وجهه, وكان قتل مجموعة من خيارهم أحب اليهم من أسر ضيفهم العربي الشجاع, ولقد كان, وقع المصاب عظيما على نفس (محمد علم) أمير المجاهدين هناك والذين بلغ تعدادهم ستة عشر ألف مجاهد, وكيف يواجه إخوان ياسر من العرب بالخبر, ولأن يسقط مائة من الشهداء بين يديه أحب إليه من فقد ضيفه ولكن:

إذا أراد الله إنفاذ أمر سلب من ذوي العقول عقولا

تبادل الأسرى:

وكان لدى محمد على ضابط روسي فطلب الروس مبادلته بمجموعة من الأفغان الأسرى لديهم فرد عليه محمد علم: نحن نريد عربيا واحدا مقابل تسليمكم القائد الروسي, فقالوا له: أطلب من الأفغان ما شئت دون هذا العربي فرفض إلا العربي مقابل الروسي وأخيرا قال له الروس, لقد قتلناه, فطلب محمد علم أحد عشر قائدا من المجاهدين الأفغان مقابل هذا الضابط الروسي وتم التبادل.

فإن كان حقا ما قاله الروس وهذا هو الغالب فنرجو الله -عز وجل- أن يكون لقي الحوراء التي عشقها وطالما تمنى لقاءها وكما قال ابن القيم في وصف الحور (حادي الأرواح 41):

والله كم خيرة أن تبسمت أضاء لها نور من الفجر أعظم

فيا لذة الإبصار إن هي أقبلت ويا لذة الأسماع حين تكلم

ويا خجلة الغصن الرطيب إذا انثنت ويا خجلة الفجرين حين تبسم

فإن كنت ذا قلب عليل بحبها فلم يبق إلا وصلها لك مرهم

فيا خاطب الحسناء إن كنت راغبا فهذا زمان المهر فهو المقدم

والخيرة: هي الحورية كما قال الله -عز وجل- (فيهن خيرات حسان, فبأي آلاء ربكما تكذبان, حور مقصورات في الخيام)


 


 

خاطب العيناء (أبو حامد مروان)


 

كان خاطب العيناء ذبيح الله أبو حامد مروان (مصطفى الحاج خليل) صادقا مع نفسه, صريحا مع أصحابه, واضحا مع عقيدته ومبادئه, حمل المبدأ الرباني وعاش من أجله, وضحى بكل ما يملك حتى لقي الله -عز وجل- شهيدا .

تفتحت عيناه في أدلب في أرض الشام المباركة التي وصفها رسول الله ص: بأن ملائكة الله باسطة أجنحتها على أرض الشام حديث صحيح.

هناك ترعرع ولا يسمع إلا أن الطائفة النصيرية آخذة بخناق المسلمين, تحارب القيم وتدمر الأخلاق, لقد كان يسمع من آبائه أن هؤلاء الطغاة قبل سنوات كانوا يبيعون بناتهم ليعملن خادمات في بيوت المسلمين, لقد كان عمره سنتين عندما كانت محطة دمشق تردد:

آمنت بالبعث ربا لاشريك له وبالعروبة دينا ما له ثاني

هات سلاح وخذ سلاح دين محمد ولى وراح

لقد كان يسمع قصص الحرائر والمحصنات اللواتي كانت ثيابهن تمزق في شوارع الشام, وأنباء المسلمات الصابرات اللواتي حملن سفاحا من جنود الطغيان في سجن تدمر.

كانت هذه الأخبار تعتلج في نفس هذا الغلام فتلتهب مشاعره وتحترق أعصابه يتلفت حوله في هذا الظلام الدامس لعله يرى بارقة أمل أو بصيص نور, وكان يبحث مع من يبحثون عن مخرج, وبدأ يسمع عن مروان حديد فأصبح مروان البطل الذي يملأ عليه حياته من بعيد يسمع قصص البطولة والفداء, يسمع وقوف مروان أمام الدولة سنة (4691م) بعد أبيات الشعر آنفة الذكر, ويترامى إلى مسامعه تلك المحكمة الأسطورية التي شكلت لمروان آنذاك ووقفته الشامخة المشرفة أمام الطغيان, ثم يصدر حكم الإعدام على مروان, ثم يعفى عن مروان ومن معه بعد أن تدخل شيخ مشايخ حماة -رحمه الله محمد الحامد.

وتأتي أحداث الدستور في بداية السبعينات ويقف مروان كالطود الشامخ ثم يختفى الشيخ مروان ثم يلقى القبض عليه بعد مقاومة شبه خيالية ويعرض عليه الطاغية المهادنة فيرفض بإباء وتكون نهاية الشيخ مروان في السجن بعد أن بلغ الأمانة ودفع لها أغلى ما يملك.

سمى مصطفى نفسه (مروان), وتأتي كتيبة الشيخ مروان الصامته يقودها عبد الستار الزعيم وبسام أرناؤوط وعدنان عقلة ويأخذ ذبيح الله (مروان) مكانه في الكتيبة الخرساء ويشترك ضد النظام الطاغوتي بعمليات كثيرة وأخيرا يلقى القبض عليه ويحكم عليه مع سبعة عشر من إخوانه بالإعدام, وتبدأ النفوس تستعد ليوم اللقاء وهي تنشد:

الروح ستشرق من غدها وستلقى الله بموعدها

ولكن الأجل قدر مقدور وغيب مسطور: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون).والهرب من سجن البرامكة يكاد يشبه الخيال إن لم يكن ضربا من المحال ولكنه ليس بعيدا عن الكبير المتعال, واستطاع أحدهم أن يرى قريبا من كوة (نافذة) المرحاض منشارا صغيرا صدئا فأخذه وصاروا ينشرون كل يوم من نافذة السجن الرهيبه ملم واحد وذات ليلة وفي الساعة الثانية ليلا قفزوا من النافذة التي تعلو عدة أمتار فوقعوا في الساحة ثم اخترقوا الساخة إلى ساحة أخرى ثم قفزوا من فوق السور إلى الساحة الثالثة حيث يرون جنديا من حرس الطاغوت فقال: من أنتم, قالوا: (نحن الإخوان المسلمون) فجف لعابه وضاقت الدنيا في وجهه وارتبك وقال: دعوني أنا صاحب عيال فأخذوا بندقيته ومضوا وقفزوا عن السور فوجدوا ضابطا بسيارته فأوقفوه وسألهم من أنتم: فأجابوه: نحن الإخوان المسلمين فخارت قواه وطلب منهم إلا يقتلوه فطلبوا منه أن يوصلهم إلى أي مكان بعيد واستلم أحدهم قيادة السيارة ووصلوا الحدود وانطلقت الطائرات تبحث عنهم ووصلت ووصلت في اللحظة التي عبروا فيها الحدود وكادوا يمسكونهم لولا كتاب من الله سبق.

وأخيرا وصل أبو زياد إلى باكستان للدراسة وقبل في الجامعة ورأيته ذات يوم فسلم علي وهش في وجهي وسألته من أنت فأجابني بقصته?

ثم بادرني بالسؤال, ما رأيك في دراستي هنا? فأجبته: لا يليق بك أن تنزل من قمة المجد والعزة وتعيش بين المقاعد الجامدة أربع سنوات تموت فيها نفسيتك تدريجيا , وتقتل فيها غيرتك ببطء, وتحكم على نفسك بالموت هذه المدة, فقال: إذن اترك الجامعة, فقلت: لا ترجع إليها غدا .

وقبل النصيحة بنفسيته الصادقة وكان أبو أسيد كذلك قد قبل في الجامعة فاستنصحني فنصحته بالذهاب إلى الجهاد وكان أبو أسيد قد عاد من مزار شريف وبلخ) قبلها بشهرين تقريبا وصمم الإثنان على التوجه نحو بلخ, وسارت القافلة تضم بين رجالها هذين البطلين.

والطريق إلى مزار شريف تستغرق شهرا كاملا على الأقل مشيا على الأقدام, وقسم ليس بالقليل منها تكسوه الثلوج وكم سقطت في هذه الثلوج من أظافر وكم تجمدت من أصابع, وصل أبو زياد بلخا وكان يلقب نفسه بأبي حامد مروان لأنه يعشق مروان حديد رغم أنه لم يره, وفي مزار شريف صار يستمع إلى قصص البطولة والفخار عن ذبيح الله الذي أسس الحركة الجهادية في مزار وأصبح قائدا عاما للجهاد هناك فلقب نفسه بذبيح الله.

كان أبو حامد (أبو زياد) حريصا على الشهادة وكان بطلا مقداما وأسدا هصورا , ولكن الأمر الذي يؤرقة أنه لم يشف صدره من أبي عبد الله المنافق الذي سلم عدنان عقلة فكان يردد أنه لا بد من قتل هذا الرجل.

وكان أبو حامد يتقن الرماية على السلاح خاصة الزكوياك (مضاد الطائرات) فربض كالليث في قمة جبل وأمامه الزكوياك ينتظر الموت واستطاع بفضل الله أن يدرب مجموعة من الأفغان على هذا السلاح, وأحبه الأفغان لبطولته وعبادته فقد كان يصوم الأثنين والخميس مع الدكتور صالح الذي يدير مستشفى بجانب تلك الرابية, واستطاع بفضل الله أن يسقط طائرتين, يقول لي أبو أسيد لقد رأيت حطامهما, كان حريصا على الموت فقد اقترب ذات مرة من المطار حتى أصبح على بعد ثلاثمائة متر وزرع الألغام فانفجرت دبابة من دبابات الكفار.

وفي اليوم السادس عشر من محرم سنة (7041ه-) الموافق اليوم الثاني عشر من سبتمبر سنة (6891م) كان أبو حامد على موعد مع القدر فقد أغارت الطائرات عليه فأصابه صاروخ فأفاضت روحه إلى بارئها وهنالك وفوق تلك القمة في زاري وبجانب المستشفى رقد أبو حامد (ذبيح الله) ولعله لقي العيناء التي كثيرا ما كان يردد ذكرها ولا يسقط اسمها عن شفتيه, وقصة العيناء قصة عجيبة طريفة يرويها ابن المبارك في كتابه الجهاد ص(441).


 

قصة العيناء:

يروي ابن المبارك في كتابه الجهاد بسند صحيح عن ثابت البناني أن فتى غزا زمانا وتعرض للشهادة فلم يصلها, فحدث نفسه فقال: والله ما أراني لوقفلت إلى أهلي فتزوجت, قال: ثم قال أي (نام قبل الظهر) في الفسطاط (الخيمة) ثم أيقظه أصحابه لصلاة الظهر, قال: فبكى حتى خاف أصحابه إن يكون قد أصابه شيء فلما رأى ذلك قال: أني ليس بي بأس ولكنه أتاني آت وأنا في المنام فقال: انطلق الى زوجتك العيناء, قال: فقمت معه فانطلق بي في أرض بيضاء نقية فأتينا على روضة ما رأيت روضة قط أحسن منها فإذا فيها عشر جوار ما رأيت مثلهن قط ولا أحسن منهن فرجوت أن تكون إحداهن فقلت: أفيكن العيناء قلن: هي بين أيدينا ونحن جواريها, قال: فمضيت مع صاحبي فاذا روضة أخرى يضعف حسنها على حسن التي تركتها فوجدت فيها عشرين يضاعف حسنهن على حسن الجواري التي خلفت فرجوت أن تكون احداهن فقلت: أفيكن العيناء, قلن: هي بين أيدينا ونحن جواريها حتى ذكر ثلاثين جارية, قال: ثم انتهيت إلى قبة من ياقوتة حمراء مجوفة قد أضاء لها ما حولها فقال لي صاحبي ادخل فدخلت فإذا أمرأة ليس للقبة معها ضوء, فجلست فتحدثت ساعة فجعلت تحدثني فقال صاحبي: اخرج انطلق قال: ولا أستطيع أن أعصيه قال: فقمت فأخذت بطرف ردائي فقالت: أفطر عندنا الليلة فلما أيقظتموني رأيت أن ما هو حلم, فبكيت فلم يلبثوا أن نودي في الخيل (يا خيل الله اركبي), قال: فركب الناس فما زالوا يتطاردون حتى إذا غابت الشمس وحل للصائم الأفطار أصيب تلك الساعة, وكان صائما وطننت أنه من الأنصار وظننت أن ثابتا كان يعلم نسبه.

رحم الله ذبيح الله خاطب العيناء ونرجو الله أن يجمعنا في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا :

فحي على جنات عد ن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم

ولكننا سبي العدو فعل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم

فيا بائعا هذا ببخس معجل كأنك لا تدري ولا أنت تعلم

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

يحدث عنه أحد معافه فيقول: كم كان يقول لي: أتمنى تطأ رجلي بلاد الإمام البخاري عندما أصل بلخ.


 

بعض صفات الشهيد:

عزوفه عن الدنيا: لقد عزفت نفسه عن الدنيا فيقول في أحدى رسائله من الجبهة: (لقد تركت الدنيا ووطأت كل الطواغيت بقدمي وترفعت عنهم).

رؤيته الثاقبة لحقيقة الجهاد: لقد أدرك الشهيد الوضع الحقيقي للجهاد, وأدرك أساليب الروس الماكرة في أرض الجهاد.

فيقول في إحدى رسائله يصف الواقع الأفغاني: (يا أخي إن الشعب الأفغاني أحوج ما يكون إلى الشباب العرب لأن الحرب الطويلة أثرت فيهم, ويتابع رسالته ليقول فيا شباب العرب حى على الجهاد قبل فوات الأوان, ويا شباب الأسلام أدركوا الإسلام ببقية الجهاد في أفغانستان تعالوا وعلموا الأفغان وارشدوهم حتى يستمر الجهاد ويصلح الحال الخطير, الحاجة ماسة جدا إلى التعليم وإدارة المدارس قبل السعي الى المشاركة في المعارك0

ويقول في رسائله مخاطبا شباب ما وراء الحدود: (إلى كل ظامئ لنور الله, إلى كل صابر محتسب0

تعالو إلى حيث النور, إلى الحياة الصحابية, فالليل والجبال والسفر رالمركب والحمار والزبيب, والجوع والعطش والخبز والسفر على الأقدام بالساعات والأيام والأسابيع لتربطنا بحياة الصحابة ربطا عمليا مباشرا كما ربطتنا بهم روحيا وفكريا ) ويقول إننا بحاجة الى الجهاد الذي يصقل النفوس ويهذبها ويطبعها بطابع الإسلام العملي الذي يختلط مع الدم والجوارج فيجعل كل ذرة في جسدك خلية حية إسلامية تتخلص من أمراض النفس والدنيا), ويقول أيضا : (وأما حديث الزكوياك -المضاد للطائرات- فهو ألذ وأطيب وأنعش من الدخول على مائة
عروس كل عروس أجمل من التي قبلها)0


 


 

الشهيد (صفي الله أفضلي)

أحقا قضى أسد هرات?!

في يوم السبت الخامس عشر من ذي القعدة سنة (7041هـ) حيث أصيل الشمس يسكب على صفحات جبال (صدا) بريقا ذهبيا , وبعد صلاة العصر بالضبط جلست أصغي لأبي صادق وهو يحدثني عن حاجات المجاهدين ويطالب بقضائها.. وجرى فجأة على لسانه خبر نزل على فؤادي كالصاعقة, قال: لقد استشهد صفي الله أفضلي في هرات فما كادت أذناي تصدق ما أسمعه, فاستفسرت منه عن الخبر -أحقا - ما تقول?! أم تراك سمعت اشاعة ترددت على بعض الألسنة? فعاد مؤكدا لقد استشهد (صفي الله), ولم أتمالك دموعي الهاتنة التي غمرت عيني وحاولت أعصابي الكليلة أن تحتمل هول النبأ الذي صمتت له كل أوتار النفس, ولكن ثقل الخبر على قلبي أضفى على نفسي وجوما -موحشا - وحيرة مذهلة.

أحقا ذوي ذلك الغصن الرطيب الذي كان يفضي على هرات نضارة وبهاء وإشراقة ورواء, أحقا مضى ذلك الأسد الهصور الذي ترهبه روسيا الأيام والشهور.

كنت لهرات بفضل الله قلبها النابض, وشريانها الدافق, وظلها الوارف ومعينها العذب الذي تنهل منه الأدب والرجولة والعز والشرف والكرم.

فرحمك المولى عز وجل مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

نشأتــه:

في بيت عز ومحضن تربية ولد صفي الله سنة (4591م) في مديرية غوريان التابعة لهرات في قرية -قيسان- وترعرع مع نبل محتد, وأصالة معدن, وكريم عرق فلقد سبقه على طريق الدعوة إلى الله شقيقه حفيظ الله أفضلي الذي كون مع أخيه في الله سيد نورالله عماد بعون الله النواة الأولى للحركة الإسلامية في هرات.

كان كل منهما مشعلا من مشاعل النور في جامعة كابل, وتخرج حفيظ الله أفضلي من كلية الآدابـقسم الإعلام, وأقبلت أيام داود وقررت الحركة مواجهة نظام داود بالقوة المسلحة وكان أول من اعتقل من أبناء الحركة الإسلامية (سيد نور الله) ثم ذهب الداعية الكبير (سيف الدين نصرت يار) إلى هرات وأخذ يتنقل بين البيوت محرضا الأمة على القيام ضد داود وخاصة القادة ذوي الإتجاه الإسلامي أو الذي لم يعهد منهم عداء لهذا الدين أو لأبناء الحركة الإسلامية.وحمل المهندس حكمتيار راية الكفاح المسلح بعد أن اعتقل الأمين العام للحركة الإسلامية المهندس حبيب الرحمن, ونظم حكمتيار مجموعات تقوم بالهجوم على مرافق الدولة لتشل حركتها وتربك مسيرتها فنظم مجموعة توجهت نحو بدخشان أميرها "د.محمد عمر وأخرى إلى لغمان تحت إمرة مولوي حبيب الرحمن وثالثة بإمرة أحمد شاه مسعود إلى بنجشير, وكان حفيظ الله وأخوه صفي الله ضمن جنود أحمد شاه حين استولى على مديرية بنجشير وبقي فيها ثلاثة أيام يديرها, واستشهد حفيظ الله أفضلي في (92/6/5791م), وكان صفي الله آنذاك في الحادية والعشرين من عمره, ولكنه رضع لبان الدعوة الإسلامية منذ نعومة أظفاره إذ انضم إلى الحركة الإسلامية وعمره (71) عاما, عشق العلياء وكانت الرجولة مع الإباء مما نهله من بيتهم وهو يحاول أن يتأسى خطى أخيه الشهيد الراحل, وواصل صفي الله مسيرة البيت الجهادية وجادته التربوية البناءه, فقد تخرج من جامعة كابل- كلية العلوم, ثم حمل الراية التي بقيت مرفوعة بيده حتى خر شهيدا .

كارثة هرات:

وشهدت هرات المأساة المروعة في (51/3/9791م) أيام تراقي إذ انتفض الشعب بتحريض أبناء الحركة الإسلامية وكان لصفي الله القدح المعلى في القضية, ووقف الجيش بجانب الشعب المسلم في هرات ضد الحكومة الملحدة العميلة واستولى الجيش على جميع مرافق الدولة وطهر جميع مؤسساتها من الشيوعية وأذنابها ومنتفعيها وأقبل الشعب معبرا عن فرحته بهذا النصر المبين وأقبل الدب الأحمر بأساطيله البرية والجوية وحول الأرض إلى براكين من النيران المشتعلة وبقي يسحق هذه الجماهير المتجمعة حتى قتل في يوم واحد من أهل هرات (52) ألفا وعاش صفي الله الكارثة المزلزلة بأعصابه ودمه وصمم أن ينازل الطواغيت مهما جلت التضحيات وغلت الأثمان وأخذ الناس يتجمعون حوله وفاء لدم أخيه حفيظ الله ورمزا لعهدهم بإجلاء الذين ابتدأوا المسيرة وأرسوا أحجار الأساس لميثاق الدم الغالي, وقد عين الأستاذ رباني صفي الله قائدا لعدة جبهات في هرات وأطلق عليها اسم أخيه الشهيد حفيظ الله أفضلي وشارك في المسيرة أخوه (جكتوران) الرائد عزيز الله أفضلي الذي يكبر الإثنين سنا ولكن صفي الله كان محط أنظار أبناء الدعوة ووجهة حماتها ومجمع الشم العرانين من مجاهديها.

رأيتك لو لم يقتض الطعن في الوغى إليك انقيادا لاقتضته الشمائل

كريم متى استوهبـت ما أنت راكــب وقد لقحت حـــرب فإنك باذل

وسار صفي الله في هذا الطريق اللاحب الطويل لا يلتفت ولا يتردد والمجاهدون حطوا رحالهم عنده وألقوا بمقاليد الأمور بين يديه.

طبيعة هرات:

هرات مدينة أقيمة في سهل فسيح لا تجد فيها أكمة (تله) ولا أجمة (غابة) والحرب العوان (الشديدة) التي دارت رحاها خلال هذا العقد في أفغانستان تحتاج إلى الجبال الشم التي تؤوي المجاهدين وإلى الغابات الكثيفة التي تواريهم وتسترهم عن أعين الحاقدين والمارقين يتحركون بين أدغالها وأشجارها ولكن:

إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا فما حيلة المضطر إلا ركوبها

وفي داخل هرات يقيم قواعده ويبني مراكزه ينازل الروس صباح مساء ويتملك الإنسان العجب وهو يرى هؤلاء الأبطال يواجهون الشيوعية في ميدان فسيح وسهل مكشوف لاترى فيه عوجا ولا أمتا.

وكنت وما زلت لاينقضي عجبي من استمرار الجهاد في مناطق الصحارى وخاصة هرات وقندهار وقد شهدت هاتان المنطقتان عبر السنين العشر العجاف أشرس المعارك وأشد المواجهات وأقول دائما : (لكم الله أيها المجاهدون وخاصة أبناء هرات وقندهار), ففي هرات مديرية اسمها انجيل فيها حوالي الفي قرية يعجز كأن تجد بيتا من بيوتنا سالما , ويصعب عليك أن ترى سقفا قائما على جدرانه ومع ذلك فالمعركة مستمرة يقودها هؤلاء الشباب الذين نذروا أنفسهم لله.

وتزداد مشقة الجهاد بسبب الصحاري الشاسعة التي يضطر المجاهدون لقطعها لا ينتظرون إلا طائرة تباغتهم أو دبابات تصادمهم او كمينا في عماية الصبح يحصد عددا كبيرا منهم وقد يضل بعض المجاهدين في هذه المفاوز المترامية والقفار الواسعة فيه لكون جوعا وعطشا.

المجــاعـــة:

قام الروس بهدم السدود المعدة للري وقد شهدت هرات في الفترة الأخيرة سنوات عجاف أقفرت الأرض وأجدبت السماء وأمسكت قطراتها وعم الجفاف وعز الطعام وصار الرغيف كالبدر لا يحظى به إلا القليل وأخذ صفي الله مع جنده يكابد الجوع ويغالب المخمصة ونظروا إلى العالم الإسلامي فلم يجدوا يدا حانية ولا قلبا رحيما , وانقلبوا يبحثون عن مخرج أسد مجاعتهم فلم يجدوا سوى بقايا الإقط الذي تبقى في السنوات الماضية من اللبن الجاف وبدأوا يسكتون الجوع بالتهام بعض قطع الأقط, ولقلة الخبز وانقطاع الأرز أصاب كثيرا منهم القرحة المعدية فجاءوا إلى بيشاور في هذه المره يبحثون عن العلاج والدواء واستطاع صفي الله أن يجتاز هذه المحنة بعون الله ووصله في السنة الأخيرة بعض المساعدات التي خففت من المصاب.

استشهاد أصحابه:

واصل صفي الله مسيرته الجهادية, ونصره الله عزوجل وأخذ يتنقل من نصر إلى نصر, وعندما تلفت حوله لم يجد من الذين شاركوه المسيرة منذ بداية الطريق إلا القليل فقد سقط قبل سنتين ساعده الأيمن وركنه الأول قاضي عبد الرحيم رحماني الذي كان يعد الأب الروحي والفقيه القاضي والداعية المربي, وكم عز على استشهاده, واستشهد عبدالله جان الذي قتل شير آغا زعيم الميليشيا ت الذي فجعت بقتله روسيا, وقتل ماما عبد العلي والمهندس مير أحمد, وقبل عام تقريبا هجمت روسيا هجوما كاسحا على الحدود ككري وعلى ششما شيرين (العين الحلوة) وكان قاسم ابن عم صفي الله قائدا فيها واستشهد قاسم فتقدم خليفة سبحان قائد الحزب الإسلامي وقال لصفي الله: (أنا جندي من جنودك واعتبر أن قاسما ممثل بي وجاء صفي الله وكان غائبا عن أرض المعركه فجاء متحاملا على نفسه وعلم باستشهاد ابن عمه قاسم وسقوط قاعدته (ششماشيرين), وسار وحيدا مع طاهر من ككري إلى دوآب, والبرد بهذا القسم أمر دونه خرط القتاد وبقي صفي الله يقاتل حتى دخل القاعدة وصلى بها العصر, ولم يكن أمرا هينا أن يتحدى القوة الروسية وينازلها في ميدان مكشوف.

استشهاد عتيق الله ابن عمه:

وعتيق هذا قد نذرنفسه على أن يصطاد كل يوم شيوعيا في أسواق هرات, وأراد والد عتيق الله أن تقر عينه بزواج ابنه, واشتريت الحلويات وجاءوا بها وفي اليوم المحدد وصل عتيق الله شهيدا ووزعت الحلوى فرحا بالشهادة وقد استشهد في دوآب بعد نصر احتل به (6) مراكز شيوعية وكان صائما .

دخول قزل إسلام:

قزل إسلام قلعة من قلاع الكفر اتخذها الشيوعيون مركزا لإقامتهم وحصنا لحماية أنفسهم فأقاموا فيها الخنادق والملاجيء الإسمنتية المستورة مع التحصينات الشديدة التي تجعل اقتحامها دخولا في أهوال نار مستمرة لا تنطفيء وقرر صفي الله مع محمد إسماعيل خان (القائد العام للجمعية) وخليفة سبحان قائد الحزب الإسلامي غزوها واقتحامها وفي يوم واحد شدوا عليها شدة رجل واحد وكان صفي الله في مقدمة المجاهدين الذين عبروا السراديب تحت الأرض يطهرونها مـن أرجاس الشيوعيين وأدناس أذنابهم وبينما كان في أعماق الملاجيء المظلمة وهو يصيح بالكفار أن يسلموا انفسهم وإذا بشيوعي -يحمل رشاشه- يسأل من أنت? فقال: أنا صفي الله, فقال الشيوعي: خذ بيدي أسيرا فلأن تأسرني أنت أحب إلي من أن يأسرني غيرك وكان هذا قبل أربعة أشهر تقريبا .

استشهاد فقير أحمد:

وقبل شهر واحد استشهد ابن أخته فقير أحمد أحد قادة جبهات صفي الله رغم أن عمره لا يزيد عن اثنين وعشرين عاما الا ان اشهر القادة في هرات يحترمونه, فإن فقير أحمد لا يشق له غبار, فإن زاغت العيون لهول الحرب تراه مع أدب رفيع وشجاعة منقطعة النظير وحماسة متفجرة, فرحمه الله وأسكنه فسيح جناته.تواضع صفي الله مع شجاعته:

جلست إليه عدة مرات فكأنه تلميذ صغير مؤدب يجلس في حضرة مدرسيه, صامت لا يتكلم إلا بقدر, يصغي مطرقا رأسه ولا يقاطع محدثه, فإن سئل أجاب بقدر كلمات معدودة تود لو زادت لأنها تخرج من قلب فتنزل على القلب كأنها الروح والريحان, وضمتنا ذات ليلة جلسة آنسة ملك فيها القلوب بحديثه العذب الساحر ولشدة سيطرته على النفوس لم يتمالك أبو مازن نفسه فقام وخلع عليه عباءته البيضاء الثمينة الجميلة وشمله بها ثم طوقه بذراعيه حبا وإعجابا وقال أبو مازن: لا أملك أثمن منها أهديكه.

ومع هذا الحياء الجم والأدب الرفيع كانت اسماله تنشق عن أسد عرين ولشدة هيبته في الصدور فقد أعد له أعداؤه كمينا وعندما أقبل صفي الله عليه جمدت أصابع عدوه عن الزناد وتقدم صفي الله وأخذ السلاح من يده.

سلاحي من عدوي:

كان يردد أنا لا أريد مساعدة من أحد لأن سلاحي وذخيرتي مما أغتنمه من يد عدوي وقبل أن يستشهد أرسلت إليه قريتان من الشيوعيين واستسلمتا له.

هذا وقد غنم خلال ثمانية أشهر في داخل هرات -في العام الماضي- مائتين وستين قطعة سلاح بين خفيفة وثقيلة وهذه الكمية ليست بالقليلة في تلك المناطق.

إعجابنا بـــه:

كان يختلس القلوب التي تخالطه ويسحر الألباب التي تصغي إليه والعيون التي ترمقه, أقام الأخ سيد نور الله عماد على شرفه حفل عشاء حضره مجموعة من أبناء افغانستان والعرب فكان محل إعجاب الجميع وحديث السامر في بيشاور ولشدة إعجابنا به فقد توج ت كتابي (عبر وبصائر) بصورة له.

شفافيته:

كان معه أحد المجاهدين اسمه محمد التركي (من تركيا) وكان لاينظر إليه إلا ويقول: أنت (شهيد) وكان حديث القلوب صادقا مع القدر, لقد استشهد (محمد التركي) ولحقه صفي الله بعد خمسة أشهر وهناك تلتقي الأحبة - إن شاء الله- وقد اتصل به سيد نور الله قبل استشهاده بأيام قائلا له: لقد اتصلت بك مرارا فلم أجدك فرد صفي الله: لقد كنت مشغولا باستئجار الحمير لنقل مهمات الجبهة فقال: سيد نور الله ان روسيا تنقل ذخائرها ومهماتها بالطائرات وأنت تنقلها على الحمير, فقال صفي الله: سنهزم روسيا بإذن الله وطائراتها بحميرنا, ثم اضاف صفي الله: أنا أحس أن المنية قد اقتربت وسأتصل بكم إن شاء الله, وكان الشعور الذي يسيطر عليه أن أيامه تمر مثل لحظ البصر وأن الدنيا سقطت نهائيا من عينه وأنه لم يبق في العمر بقية وأن رياح الآخرة تهب نسائمها.

أجرة بيتــــه:

ومع هذا الصدى الواسع الذي تحدثه عملياته في المنطقة الغربية وترددها الألسنة في كل مكان يحسب الإنسان أن أسرته تعيش عيش الطبقات المترفة ويذهل الإنسان فاغرا فاه عندما يعلم أنه استأجر لأسرته مع أربع أسر أخرى تعيش معهم منزلا بخمسمائة روبية (مائة ريال سعودي) شهريا تكسو جدرانه الأعفان والطحالب التي تنمو مع الرطوبة والتي تكاد تتحول إلى مستنقع, ففاتحني طاهر بهذا الأمر وأشارعلي بأنه لابد من استئجار بيت جديد لأسرته حتى لا تفترسهم إلامراض وينشغل بعلاجهم عن معاركه0

وقد قررنا له مصروفا شهريا ولجميع الأسر التي تعيش في كنفه قدره ألف روبية (مائتي ريال سعودي).

ثم قال: أنا مريض وأخشى أن أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء وسأسير إلى الجبهة لأنه من العار أن أموت على فراشي, سار إلى الجبهة ولم يعد إلا شهيد0

وكم يدهش الإنسان أن صفي الله منذ ثمان سنوات وهو يصطلي بنار الحرب وقلما يدخل معركة إلا ويكون في الصف الأول منها وفي خط المواجهة الساخن ومع هذا كله لم يجرح جرحا واحدا .لقد حفظ الله جسده طيلة سني المعركة ليواصلها وهو يتمتع بصحته ويحظى بعافيته حتى قبضه الله إليه.

وفي رمضان: حاول أعداؤه اغتياله فوضعوا لغما في سيارته وتفجر اللغم ونجى الله صفي الله لأنه كان في صلاة التراويح!

ثم أصلح السيارة نفسها -السيارة الحمراء- ليلقى بها مصرعه في الأجل المحدود وفي القدر الموعود.

وكانت الخاتمه:

إن كمينا أعد له في (7/7/7891م) لأن أعداؤه لايجرؤون أن يواجهوه في ساحة النزال فلا بد من الدس والمؤامرة والأختفاء فتربصوا به وبينما كان في سيارته مارا على طريق عام فاجأه أعداء الله بوابل رشاشاتهم فانقلبت سيار ته وسقط مضرجا بدمائه.

ومضى البطل الذي زلزل الأرض من تحت أقدام الروس.

مضى القائد الداعية إلى ربه بعد أن خلف في كل قلب حسرة, وحق لكل مجاهد أن يذرف دموعه حزنا على صفى الله, وماذا على نساء آل أفضلي أن يسفحن دموعهن على الأسد المغوار (دون لطم ولا صراخ) ولشدة بكاء سيد نور الله انتفخت عينه وكادت تنفجر.

سارت سفائنهم والنوح يتبعها كأنها إبل يحدو بها الحادي

وختاما ندعو الله أن يجمعنا في الفردوس الأعلى

فدت نفسي وما ملكت يميني فوارس صدقت فيهم ظنوني

فوارس لا يهــــابون المنايا إذا دارت رحى الحرب الزبون

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.


 

أسد هرات

شعر: شاعر طيبةيا(شهيدا ) قضى الحياة جهادا و الشباب الريان في العنفوان

يا(شهيدا ) روى الثرى بدماه أنت لحن الوفا وكهف الأماني

كم تباهت بك البطولات حقا وتغنت سباح الوفي بالتفان

أسد هرات قد قضى لهف نفسي كان والله فارس الميدان

عاث في أرضه الكلاب فسادا وطغى الروس أيما الطغيان

كان والله شعلة من كفاح ليس يقوى على احتمال الهوان

زلزل الأرض تحت أقدام روس ثائر النفس ثورة البركان

و (صفي ) وقته من جهاد يتحدى صولة العدوان

يقذف الرعب في قلوب الأعادي لا يبالي بطغمة الشيطان

وا ثقا من نصره وهداه شامخ الروح راسخ الإيمان

إنه الطود جرأة وثباتا وهو رمز الجهاد للأففان

عقد العزم أن يحرر أرضا دنستها أرجل الجعلان

همة نجعل الطغاة عبيدا ورؤوس الطغاة كالفئران

كم له من مواقف رائعات يتغنى بصدقها المشرقان

قد بكته (هرات) حزنا عليه وبكت قبله (قاضى رحمن)

هو في موته انبثاقة فجر شيعته ملائك الرحمن

لم تفارق عيونه نضرات وعلى وجهه دفيف الأمانيوعلى ثغره ابتسامة بشر وعلى صدره وسام التفاني

وقلوب الشباب ذابت عليه غمرتها عواصف الأحزان

كلنا في محنة واغتراب ونعاني من همومنا ما نعاني

أحرام على بلابله الدو ح حلال للبوم والغربان

كم شهيد على الجبال مدمى ينزف الجرح بالنجيع الفاني

يا (صفيا) قضى الحياة كفاحا يزرع الرعب في فؤاد الجبان

لا يبالي بعاديات الليالي يتحلس بقوة الإيمان

سوف أبكيك يا (صفي)وأبكي (شهداء) من كتائب الشجعان

ملء أعماقنا ينابيع حزن فجرتها كوامن الأشجان

ذكره خالد بكل فؤاد والبطولات ملء سمع الزمان

كلما لاح ذكره في خيالي طاولت عزمتي قو ى الكفران


 


 


 

في رحلة الخلود الشهيد عثمان (خالد الكردي)


 

فقد كانت النفوس لا زالت متعلقة بمناسك الحج, أرواحها تطوف بالبيت بعد أن طافت أجسادها صور مواكب الحجيج من كل فج عميق لازالت عالقة في أذهانها, خيام منى, مسجد نمرة ومسجد الخيف ومآذن المسجد الحرام التي تناطح عنان السماء, وفود الرحمن التي تتوق لسماع أخبار المسلمين خاصة قضية أفغانستان كل هذه الأشباح والأرواح والصور لا زالت تسيطر على القلب والنفس والروح, فاتصلت بالدكتور أبي حذيفة في بيشاور لأسأله عن أخبار الجهاد والقوى الروسية وأنباء الأنتصارات وإذا به يفاجئني بنبأ استشهاد أخينا خالد الكردي (عثمان) وبعدها بيوم أو يومين وإذا بالأخوة يخبروننا بالهاتف وأنا لا زلت في البلد الحرام بنبأ استشهاد سيد القلشي (عبد المنان) وسيد محمد عبد المجيد (عبد الرحمن المصري) وهكذا سقطت أعمدة ثلاثة من حملة المأسدة.

واهتزت القاعدة لفقدان ثلاثة من أحجار الأساس الذي ترتكز عليها هذه القاعدة التي ضمت صفوة أبناء العالم الإسلامي.

كان جرحا عميقا في أحشائنا وكلما أليما في أعماقنا

لقد نكأتم جراحا في جوانحنا وقد افضتم دموعا من مآقينا وذكرني استشهادهم بمن سبقوهم على الطريق وقلت في نفسي هؤلاء الذين بنوا هذا المركز بعرقهم ضمخوا تربته أخيرا بدمائهم.

مضى أولا أبو الذهب وجرح أسامة ثم سقط هؤلاء الثلاثة دفعة واحدة وكانوا تلاد المأسدة (تراثها ومالها القديم) وكانوا لها جذيلها المحكك وعذيقها المرجب لقد كانوا عمادها وتلادها وأثافيها, وهنا أردد.

أنأسو أم نقيم على الجراح ونرثي أم يعــد مــن النواح

ونشكوا بثنــا أم قــد كفـانا بأن الرزء اكبر مــن فصاح

لقد جل المصـــاب فكـــم رزئنا ورزء اليوم جل عن البواح

قلت سبحان الله, كان الثلاثة يريدون أن يتوجهوا للبيت العتيق فحالت دون ذلك مشاكل الطريق, كان الثلاثة قد أعدوا أنفسهم للزواج فقد خطب عبد المنان ونوى عبد الرحمن وأما عثمان فكان يقول: الزواج فرض عين وأنا لابد أن أذهب لأتزوج ثم أرجع, (وربك يخلق ما يشاء ويختار ماكان لهم الخير).

كم حاول الثلاثة أن يصلوا إلى بيشاور في رحلتهم نحو بلادهم للحج أولا ثم للزواج ولكن الله يختار لعبده خيرا مما يختاره لنفسه.أرادوها سفرة ليطفئوا ظمأهم وشوقهم لبيت الله فأبا الله إلا أن تكون السفرة النهائية وبهذه الخاتمة المشرفة والنهاية المشرقة ونرجوا الله ان تكون الجنة هي دار المقام في مقعد صدق في دار السلام مع رضا الله السلام.

أرادوها زواجا من امرأة من نساء الدنيا يتحملون على كواهلهم ديون الزواج ونفقات العرس فأبى الله أن يزوجهم -أن تقبل شهادتهم- إلا بأثنتين وسبعين من الحور العين. (فيهن خيرات حسان حور مقصورات في الخيام). بلا مؤنة مكلفة ولا تكاليف باهضة هناك حيث (ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين).

لقد ضاقت نفوسهم وصدورهم وهم يصدون على أبواب بارشنار يريدون أن يقضوا لبانة نفوسهم وينفذوا أمانيهم ولكن الله عز وجل يريد لهم مقاما أمينا -كما نأمل من الله ونرجو- يلبسون من سندس واستبرق متقابلين على سرر مصفوفة.

لقد تمنوا أن يحضروا أيام التشريق في منى ليروا لحوم الهدي مشرقة (معرضة للشمس للمشرق لتجف وتحفظ فكانت لحومهم هي الهدي في يوم الجمعة (31) ذي الحجة في آخر أيام التشريق يجمعها الله من حواصل الطيور وبطون السباع.

وأنفس قد شراها الله صادقة أقوى من الموت والتشريد والألم

شباب في طهر الملائكة يلبسون أردية بشر, أحلامهم, أمانيهم خطواتهم, كلماتهم تحمل في طياتها آلام أمة الأسلام وآمالها.

أحلامنها الطهر لا رجس ولا كدر إذا نشأها الصبا رقت رياحينا

نظروا إلى الأمة الإسلامية تمزق أشلاء وتعمل بها مخالب الظلم, وتتناوشها الذئاب في كل مكان فأبوا على أنفسهم أن يموتوا كما يموت البعير على فرشهم الوثيرة .

في مخالب الظلم من أكبادنا مزق وفي النيوب بقايا من أمانينا

شباب عشقوا الموت في سبيل الله كما جاء في الحديث الشريف خير الناس رجل آخذ بعنان فرسه يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار إليها يبتغي الموت مظانه) أي يبحث عن الموت حيث يظنه موجودا فلا يسمع ضجة ولا صوتا مخيفا إلا وطار إليه بفرسه.

والآن تعالوا معنا نفتح صفحات من حياة كل شهيد من الثلاثة?

الشهيد عثمان (خالد الكردي)

فاتحة سجل الخالدين من أبناء طيبة:

في الأرض الطاهرة وفي الحرم المدني ما بين عير وثور (جبلين في المدينة) كان مسقط رأس خالد, شب وترعرع وهو يعيش الحياة الأسلامية من خلال أكمامها وتلالها فهنا قزح وهناك أحد وما بين وادي العتيق وبطحان تتراءى صور الصحب الكرام في مخيلته وكل ذرة تراب, أو شجرة نخيل, أو كثيب من كثبان الرمل يثير في أعماقه التاريخ المشرق الذي خطه رسول الله -ص- وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم بعرقهم ودمائهم, فهنا قباء وهناك قصر كعب بن الأشرف, ومنازل بني قريظة كلها تفتح آفاقا عريضة أمام الداعية وكيفية تخطي عقبات الطريق وعقابيل المسيرة.

دخل خالد المدرسة حتى إذا وصل الثانوية صار يطرق مسامعه أصداء الرصاص ودوي المدافع التي تردد من بعيد في جبال الهند كوش فتقض مضاجعه وتورق أجفانه.

وانتظرها لحظة العمر بفارغ الصبر حينما نفر أستاذه أبو البراء إلى الجهاد فخف ولحق به.

والتقيت بخالد في جاجي في رمضان سنة (5041هـ) فسألته عن اسمه فقال خالد, فقلت: بل أنت عثمان إنه في حياء يذكرنا بسيدنا عثمان رضي الله عنه على الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها, بسيط تلمح البراءة في وجهه كأنها براءة الأطفال فلا التواء ولا دس ولا خبث, وبعد رمضان أوغل عثمان في الداخل.

إلى خرد كابل:

وسار إلى جكري وامضى عدة أشهر ثم عاد إلى المدينة المنورة ودخل معهد الجامعة ولكن نفسه التي تذوقت حلاوة الجهاد أنى لها أن تستطعم العيش بين جموع القاعدين حتى ولو كان في أرض طابة المباركة وبين أروقة الجامعة الإسلامية حيث ينهل العلم من خلال كتب التفسير والحديث وبقي يتقلب على الشوك, عافت نفسه مخالطة الناس فأصبح غريبا بين أهله واستأجر بيتا قديما يذكرك ببيت أبي ذر الغفاري رضي الله عنه واتخذه مقرا لعزلته بعيدا عن صخب أهل الدنيا وأحلامهم, هاربا من تمنياتهم وآمالهم وكلامهم, جسده في مدينة المصطفى ص وروحه تطيف ببغمان وكابل وميدان وجاجي.

بغمان هيجت الذكرى لواعجنا وارخصت دمعها الغالي مآقينا

ولم يطق البقاء في المدينة فخف للنفير مرة أخرى وجاء خالد والشوق يحدوه إلى الجهاد مرة أخرى.

في المأسدة: ووصل خالد المأسدة يعيد إلى نفسه ما فقدت بعيدا عن ميدان الرجولة والإباء ولسان حاله يردد:

تأخرت استبقي الحياة فلم أجد لمثلي حياة قبــــل أن أتقدما

فلسنا على الأعقاب تدمي كلومنا ولكن على أقدامنا يقطر الدم

وأصبح عثمان كأنه شجرة من أشجار المأسدة أو أكمة من آكامها لا يحب فراقها.


 

حبه لاسم عثمان:

كنت أداعبه أحيانا قائلا أنت عثمان أم خالد فيجيب بل عثمان هذا اسم أعتز به لأنك أطلقته علي.

وكنت إذا رأيته ساهيا أحيانا أسأله أأنت غاضب علينا يا عثمان, فيقول: معاذ الله أن أكون من الجاهلين.

وإن سألته مسليا : ألا تود أن ترجع إلى المدينة? فيجيب: كلا لن أترك الجهاد ما دمت حيا .

حب أبي عبد الله له: كنت مع أبي عبد الله (أسامة) في معركة شوال فكنا إذا اشتد البأس وحمي الوطيس قال أبو عبد الله: أرسلوا لنا عثمان حتى يحرسنا ويسلينا ويصنع طعامنا فكنا نحب أن يحرسنا ويكون على باب الغرفة التي نؤوي إليها.

استشهاده: نزل عبد المنان وعبد الرحمن ولم يرجعا فأرسل أبو عبد الله مجموعة في أثرهما وكان معهم عثمان لأنه عرف الأرض شبرا شبرا وسار عثمان مع سعد مع د. صالح وعندما وصلوا إلى مفرق طريق فتقدم عثمان وما أن سار عدة أمتار حتى انفجر تحت قدمه لغم فقطعت قدمه وانبعج بطنه واندلقت أقتابه وجرح جرحا بسيطا في يده.

مس القرصة: روى الأمام أحمد والترمذي والنسائي الحديث الحسن: (ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم مس القرصة).

أي أن الشهيد لايحس بألم السلاح إلا كما يحس الذي لدغته نحله, وهذا الذي جرى لعثمان فعندما اندلقت أقتابه وطارت قدمه إلى منتصف ساقه أقبل الدكتور صالح يرد أمعاءه إلى بطنه ويلفها ببطانية وذرفت عينا الدكتور وهو يحاول لف بطن عثمان, فقال عثمان: لماذا تبكي يا دكتور إنها جراح بسيطـة في اليد ولم يكن يعلم عن إصابة قدمه وبطنه ولا يحس بأي ألم فيهما.

أحب الشهادة ولكن بعد أن تشيب ناصيتي وعوارضي في الجهاد:

هذه الكلمات الذي كان يرددها عثمان يهدىء بها نفوس إخوانه من حوله.

وحمل عثمان ودمه ينزف وبقي بكامل قواه العقلية حتى فاضت روحه الشريفة وفاح المسك من دمه, ولقي الله وهو لايعلم ان قدمه قد طارت وبطنه قد شق.

ومضى عثمان بعد أن خلف في قلوب كل من عرفوه جرحا غائرا .

دفن عثمان: وهناك في تبة الشهداء يثوي جثمان عثمان بجانب أحمد الزهراني ومحمد منير العتيبي وعبد الله المصري.


 

الشهيد عبد المنان (سيد القلشي):

فالعين بعدكم كأن حداقها سملت بشوك فهي عور تدمع

النفس الرضية: دائم الإبتسامة, لا تراه عابسا وفي أحلك الظروف وأحرج المواقف وأحرج المواقف لايغضب ولا تتوتر أعصابه.

نشأته من بركة السبع (طوخ طبنشا) خرج هذا السبع وترعرع في المنوفية محافظته, ثم دخل كلية الزراعة وتخرج مهندسا زراعيا ثم توجه إلى البيت الحرام ومن هناك بدأ يفكر بالجهاد وبأرض أفغانستان ويسر الله له السفر إلى إفغانستان فوصلها قبل ثلاث سنوات.

من أخلاقة: كان يكره ضياع وقته سدى, كان دائم المطالعة في كتب الجهاد وفي كتب ابن القيم وابن تيمية وكان الكتاب لايفارقه في حل ولا ترحال, فإن أقام أقام في مكتب الخدمات فهنالك الكتب الخاصة بعبد المنان, وإن ذهب إلى الجبهة اصطحب كتبه معه ويعوزه أحيانا بعض الكتب فيرسل إلي وأنا في صدى يطلب: زاد المعاد المجلد الثالث والمغني المجلد السابع (الأجزاء التي تتكلم عن الجهاد) وكان هذا قبل استشهاده بأقل من شهر وهذا آخر عهدي به في هذه الدنيا.

يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر, يكره الغيبة ويمقت النميمة, تراه إذا اغتيب أحد إخوانه أمامه تمع ر وجهه غضبا .

قيام الليل وصيام النافلة: كان عبد المنان يتناوب مع سيف الله على إمارة الزكويك, وكان الشيخ تميم في مجموعة الزكويك فيقول كان يداوم على صيام الإثنين والخميس ويقوم الليل بعد الحراسة.عقد قرانه: عقد قرانه غيابيا وكان يزمع السفر إلى الإسكندرية بلد زوجته من أجل أن يبني (يدخل) بزوجته ويصطحبها إلى أرض الجهاد.

إحساس وشفافيته: يسمع أبو عبد الله أصوات الدبابات فيحرك عبد المنان وعبد الرحمن نحو الهدير ويمر عبد المنان بأسد الله السندي فيسأله أسد الله متى ترجعون فيجيب: إن نرجع إن شاء الله.

وإلاحساس بقرب الشهادة كثيرا ما حد ث به الشهداء فهذا أسد هرات صفى الله أفضلي الذي استشهد في (7/7/7891م) عندما دخل السيارة قال للجالسين فيها إني أشم رائحة غريبة لعلها رائحة الجنة, رائحة الشهادة, وفعلا كانت الشهادة التي أعدها الله بعد ساعات من شم رائحة الجنة وهذا يحلق بنا فنعيد في أذهاننا قصة أنس أبن النضر يوم أحد إذ يقول لسعد بن معاذ (واها يا أبا عمرو الجنة إني لأجد ريحها من دون أحد), وهذا الذي حصل مع شيدنا من دون أحد). وهذا الذي حصل مع شهيدنا الثالث: عبد الرحمن أمير المأسدة (سيد محمد عبد المجيد) اذ يرسل إلى أبي محمود رسالة يطلب فيها أشياء قائلا في الرسالة: (احتملنا يومين فقط ثم تسترح منا) ومضى عبد الرحمن بعد يومين إلى ربه.

شهادة عبد المنان وعبد الرحمن:

سار الأخوان يقتحمان الموت ويقتربان من أم الخنادق (مركز كبير للشيوعيين).

الناظرين بأعيــن محمرة كالجمر غير كليلة الأبصــار

يتطهرون يرونه نسكا لهم بدماء من علقوا من الكفار

وانطلق صوت من جهاز اللآسلكي, صرخ عبد الرحمن قائلا : (دابة دابة سقط عبد المنان ثم اختفى الصوت). وحار الأخوة في تفسير ما وقع هل وقعا أسيرين أم سارا شهيدين وأخذ الإخوة يبحثون عنهما وأخير ا وصل الإخوة قرب حقل إلالغام الذي سقطا فيه, لقد كانت جثة عبد المنان قسمين وأما عبد الرحمن فلم يعثروا إلا على قفصه الصدري لقد كانت الألغام عديدة مشر كة ببعضها.


 

وصية الشهيد عبد المنان :

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى والدي الأعزاء 000 إلى إخواتي هدى وزينب ويسرية0

إلى إخواني محمد وسليمان 00 إلى جميع أفراد العائلة إلى الإخوة ممن عرفتهم ويعرفونني0

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لقد عشت فترة جاهلية مضت من عمري اثنين وعشرين عاما كنت خلالها أصلي بعض الفترات وكان الوالد دائما يقول لي خلالها ان لم تصل لا تأكل معي, رغم أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب إلا أنه يحب الإسلام ودائما يحافظ على الصلوات, صرت أتخبط من الشيطان وصراع عميق بين الدين واللادين والحمد الله الذي هدانا للإسلام 0

جاء وقت الهداية وهو وقت العشاء من يوم الأربعاء (81) رمضان (8931هـ) الموافق (22/8791م), كنت أجلس مع بعض الشباب أحدهم قال قم فصلي معنا إنك لم تركع لله ركعة, سخرت منهم ومن قولهم واستهزأت بهم وانصرفوا هم في الحال, وتركوني في صراع مع نفسي أيهما أصح الدين واللادين? الإنحلال الخلقي الذي يعيشه الشباب أم000أم000 تساؤلات لم أجد لها إجابة غير أن الله في السماء والعباد خلقوا لعبادته00 فأسرعت خلفهم أناديهم حتى وصلت المسجد والكل ينظر لي نظرة تعجب تحملت ذلك وبدأت أبحث وأقرأ عن الإسلام الذي كنت بعيدا عنه قرأت كتاب فقه السنة وكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب وقتها شعرت بقيمة المسلم وقيمة الإسلام ولاحياة لنا إلا بظهور هذا إلامر وكم حدثتني نفسي عن الجهاد قبل أن أعرف أفغانستان من خلال قراءة كتب السيرة والبكاء لما حدث للرسول ص وآله وصحبه وسلم أثناء الغزوات والصحابة الكرام فهم قدموا للإسلام الكثير, ولم نقدم شيء, ضحوا بأرواحهم ولم نضحي بشيء, مع ذلك نقول سيغفر لنا وغلبت علينا أماني المغفرة والآن ونحن في وقت أصبح المسلم ذميما منبوذا مقهورا 00 لماذا? لأنه يقول ربي الله ويدعو إلى الله, أصبحت حياة المسلم ليل نهار وصبح مساء فتن تلاحقه كي تصرفه عن دينه القيم, حب الذات الماديات الشهوات ضيق ذات اليد اضطهاد حكومي فهي خلاصة القول فتن الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا وبمسي كافرا وبمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من دنيا زائل نسأل الله العفو والعافية 0

أمي الحبيبة ست الحبايب والدي الحبيب: أقول لقد عشت بينكم لا أحمل هم شيء كانت حياة شبه مدللة, ثم عرفت قدر الدنيا وقيمتها فماذا بعد الدنيا? الموت يرضى عن ا به الله رغم ما حملنا من اوزار اكتسبتها أيدينا 00

المسلمون في سجون الطواغيت رؤوس الشياطين ولا أحد يسمع بهم, ولا أحد يفكر فيهم بالدعاء لهم إلا من رحم الله اذا كانت العاطفة تتحكم فينا كي نخذل دين الله فتب ا لنا وسحقا لنا وبطن الأرض خير لنا من ظهرها وليستبدل الله قوما غيرنا يكونوا أهلا لنصرة دينه 0

أمي عليك بالصبر والفخر حال استشهادي فإنني لم أمت بل حي أرزق عند الله بعت دنياي واشتريت بها الآخرة أذكر أول مرة خرجت فيه من مصر عام (3891م) في إبريل كان الهدف الأول منه ليس اكتساب الرزق فقط بل كان طاغوت مصر السابق يقوم بحركة استدعاء للجيش للحشد على حدود ليبيا للقتال وكنت ممن استدعى لهذا ففررت بديني ولم أخبر أحدا , فحياة المسلم الذي يحب الله لا يعرف أحد فهو دائما في حالة استعداد للرحيل عن الدنيا الفانية لأنه عرف قدرها, لم يعش بها كأنه خالد فيها و 00 مرت أيام كنت أخاف النوم ليلا 00 ؤاخيرا اخترت لنفسي الطريق إلا وهو أفغانستان بغية كل مسلم يخشى الله وباع نفسه لله ولنصرة دين الله سافرت مرة واستهوتني الشياطين بالتخبط فيها وفي رجالها الذين لم أعرف قدرهم إلا بنزولي أرض مصر ووجدت اللوم من أخوة لنا في الله سواء باللسان أو بالعين وكأنهم شكلوا لي محكمة 00 عفوك يارب زين غيرة المسلم لنصرة دين الله? أين شعور المسلم تجاه إخوة له شرد أبناؤهم وانتهكت أعراضهم أيعقل هذا? !

قررت السفر كي أكون ضمن الركب: يحيى الحبيب, عبد الصمد, عبد الوهاب, سعود, حمدي البنا الحبيب, أبي دجانة الذي عرفت فيه أصالة وصدق وإخلاص المسلم لله عزوجل, فمثل هؤلاء ومن سار علي دربهم باع نفسه لله عزوجل0

حتى لا أطيل عليكم أقول إنني أبرأ إلى الله من كل فعل تفعلونه يخالف الشرع والدين حال وصولكم الخبر باستشهادي ان شاء الله وعليكم بإلاسترجاع وتربية الأطفال على حب الإسلام والإلتزام به والعمل بأوامره واجتناب نواهيه, وعليكم بأفضل الذكر وهو القرآن العظيم دواء القلوب وشفاؤها وكثرة الإستغفار والترحم والدعاء لي وجزاكم الله عنا خير الجزاء وأرجو السماح والمغفرة لي إن كنت قصرت في حق والدي وأدعوا الله أن يجمعني بكم في جنة الخلد إنه سبحانه جواد كريم, وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين0

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين0

أمي كان بودي أن يجعلني الله سببا لك في أداء فريضة الحج لتلمسي شيئا من العرفان بالجميل, إن لم أعطك قدرك ولكني ادعو الله أن يجمعنا بالجنة0

ابنكم الشهيد

السيد أحمد سليمان القلشي


 


 

الشهيد عبد الرحمن المصري (سيد محمد عبد المجيد)

فهو سيد حقا من مرسي مطروح, حياء مع رجولة عمل دائب ولسان صامت, خلق رفيع وأدب جم, وصل إلى حدود روسيا إلى تخار مع أبي الذهب وذبيح الله وعاد إلى ننجرهار حيث اشترك في محاولة صد الهجوم عليها ثم انتهى به المطاف إلى المأسدة.

ما كان يفارق المأسدة (المركز الجديد) إلا لمام ا أحد الأعمدة الخمسة التي بنيت عليها المأسدة.

أمير ولكنه لايأكل إلا من فتات إخوانه, يصنع الطعام ويأمر بالأكل ولكنه ينتظر ريثما يشبع إخوانه ثم يأكل.

الحياء: كان يكلمني مع اغضاء النظر إلى الأرض ادبا وحياء قلت له أن هجمت القوة ماذا تصنعون? قال: لا انسحاب ولا تتقدم الدبابات إلا على جثثنا.

وكان لايقابلني إلا ويبش في وجهي, لاتلمس منه مللا رغم كثرة العمل ولا ترى عليه سأما رغم وحشة الجو وقساوة الظروف:

ومنه تطل سباع ضافرة ولا تمشي بواديه الأراجيل

وهكذا مضى الثلاثة إلى الله وفي مثل لحظة البصر مضو إلى الله بعد أن بلغوا بدمائهم دعوة الله وخطوا بنجيعهم تاريخ الأسلام الحديث, وقد كان بإمكانهم أن يعيشوا كما تعيش الجماهير التي تتمتع وتأكل وهمها ثوب أو رغيف, وكان بمقدورهم أن يجدوا أماكنهم بين صفوف الذين ينتظرون حزمة البرسيم أو قطعة القماش أو لقمة الطعام ولكن كم كانوا يخسرون?

(كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعني الكبير: معنى زهادة الحياة بلا عقيدة وبشاعتها بلا حرية وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد) سيد قطب الظلال (6/4783).

إن دم خالد قبل أن يسقط على الأرض قد جرى فى عروق الأمة الإسلامية التي كادت تجف فأعاد إليها الحياة.

وإن أنفاس عبد المنان الأخيرة قبل أن يلفظها قد انتقلت إلى جسد الأمة الذي كاد يموت فيعيد إليها أنفاس الحياة.

وإن روح عبد الرحمن التي فاضت في جاجي دبت في جثمان الكثيرين فأعادت إليها الروح بعد أن كانت هامدة لا حراك فيها.

وصية الشهيد عبدالرحمن:

بسم الله الرحمن الرحيم

أبي وأمي وإخوتي: سلام الله عليكم جميعا , أودعكم لكي الحق بمجموعة الشهداء بالفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا, أسأل الله أن يجمعني بهم بحسن الظن بالله 000وإنها بشرى لكم أنكم ستجدون شهيدا يشفع لكم في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون (يوم يفر المرء من اخيه, وأمه وأبيه), وأرجو أن تسامحوني على عدم اخباركم بذهابي إلى أرض الجهاد, وانما قد أمرني الله تعالى وأمر كل مسلم مؤمن بالجهاد, فقدمت إلى الله 000 رضي الله عليكم, وأسأل الله أن يجمعنا في الجنة كي تعرفوا سبب اسراعي إلى الجهاد00 ولاتنسوا أن تدعوا لي دائما بالمغفرة والرحمة والله الوكيل0

والدي العزيز: أرجو أن تعطي أخي مجدي عشرة جنيهات ثمن إيجار الفيديو, وأن تقول لعبد الحكيم أن يسأل جمعة مفتاح كم يريد مني, ويعطيه حوالي (213) جنيه00 وأرجو أن تسامحني على تقصيري في حقوقكم كثيرا , وخاصة أنت يا أبي, فقد عرفت فضلك وتعبك معي وعلى عندما تركتك, وكذلك والدتي الحنونة عرفت قدرها وتعبها عند الفراق, ولكن ربنا يسامحني ويغفر لي على تقصيري معكم, كذلك إخوتي الأحباء وحنيتهم الحفية هداهم الله جميعا وجعلهم من الصالحين 00

أرجو ألا تحزنوا, بل افرحوا ولا تصنعوا شيئا مخالفا للسنة, وقولوا إنا لله وإنا إليه راجعون, حفظكم الله تعالى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته0

إبنكم/     عبدالرحمن المصري


 


 

مسك أهل القرآن هشام وزكريا الفلسطيني

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده ففي المسجد حيث الدعاء بعد صلاة العصر قد توجه إلى الله من قلوب ضارعة إلى ربها أن يتقبل ومن نفوس مخبتة إلى خالقها أن يثيب, وكانت الأفئدة لا زالت تعيش محلقة في الأجواء تحاول أن تعيش مع الشهداء الذين سمعت قصصهم العجيبة في خطبة الجمعة قبل ثلاث ساعات وإذا بأبي عمار اليماني يقبل من بعيد ولا يزال نقع (غبار) المأسدة يغطي وجهه يتأبط حقيبته التي لاتعرف لها لونا تحمل معها طين المأسدة وغبار الفخار ووحل الرباط الحبيب ودوي الخبر المروع الذي هز النفوس من أعماقها: لقد استشهد اثنان من إخواننا أثر تفجر مدفع الهاون بهما وجرح أخ ثالث وأمسكت النفوس بأنفاسها وقبل أن تلقتط لها ثها قال: استشهد حمزة اليمني وأبو مصعب الفلسطيني (الطائفي) وجرح سياف المصري واستغرب الإخوة الذين لديهم علم عسكري, كيف ينفجر الهاون? لا بد أن يكون هنالك خطأ في تلقيم القذيفة فرد أبو عمار: لا بل أنا متأكد أن وضعها صحيح وأنا كنت معهم مع صابر, ويأتي أخ آخر ليؤكد أن مدفع الهاون المصري قد انفجر في جاجي ميدان وفي خوست وفي ماروا وهنا بدأ الإخوة المختصون يراجعون الحسابات, لعلها مقصودة أن يلقي في السوق مجموعة من قذائف الهاون لتنفجر بأصحابها وأول ما طاف في مخيلتي وتبادر إلى ذهني سؤال يلح على كل من يسمع القصة, ما حكم من انفجر به سلاحة? أو قتل نفسه خطأ في أرض الرباط أو الجهاد? وقد كان الجواب حاضرا في نفسي: وهو قصة عامر بن الأكوع في خيبر.

وقلبت صحفات البخاري ومسلم لاستخرج قصة عامر التي رواها الشيخان: فقد كان عامر شاعرا وشعره حداء للركبان ورواية البخاري في قصة عامر يرويها أخوه الصحابي الجليل البطل المغوار سلمة بن الأكوع فيقول رضي الله عنه: (خرجنا مع النبي ص إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر إلا تسمعنا هنيهاتك, وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقو ل:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فقال رسول الله ص: من هذا السائق? فقالوا: عامر بن الأكوع, قال يرحمه الله قال رجل من القوم قيل أنه عمر وجبت يا نبي الله لولا أمتعتنا, به فأتينا خيبر فحاصرناهم... فلما تصاف القوم كان سيف عامر قصيرا فتناول به ساق يهودي ليضربه فرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر فمات منه, قال: فلما قفلوا, قال سلمة: رآني رسول الله ص وهو آخذ بيدي قال: مالك? قلت له: فداك أبي وامي زعموا أن عامرا حبط عمله قال النبيص: كذب من قال أن له لأجرين وجمع بين اصبعيه, أنه لجاهد مجاهد, قل عربي مشى بها مثله مختصر البخاري -التجريد الصحيح- رقم (4461), والنووي -مسلم- (21/761).

أو قد سمعت شهادة النبي ص لعامر بن الأكوع -أخي سلمه- الذي قتل نفسه خطأ: أن له لأجرين... إنه لجاهد مجاهد, أي مجاهد جاد في طاعة الله والغزو في سبيله.

وقد اتفقت نصوص الأئمة الثلاثة المالكية والشافعية والحنبلية على أن قاتل نفسه خطأ في أثناء القتال لا يغسل ولا يصلى عليه, وهو كمن قتل بيد الكفار, قال المالكية في حاشية الدسوقي (1/624): (لا يغسل شهيد معترك ولو قتل بدار الإسلام... أو داسته الخيل أو رجع عليه سيفه أو سهمه أو تردى في بئر أو سقط من شاهق في حال القتال).

قصة الإستشهاد:

والآن دعنا ندع أبا عمار اليمني - شاهد العيان- يكمل قصة الإستشهاد ويروي لنا آخر ما شهد من مشاهد هذين البطلين في هذه الحياة.

يقول أبو عمار: كنا أربعة نطلق قذائف الهاون على مركز العدو وكان أبو مصعب الفلسطيني يلقم الهاون بالقذائف وكنت أناوله وكان حمزة اليماني (هشام بن الدكتور عبد الوهاب الديلمي) يمسك بأرجل الهاون وفي القذيفة الخامسة بالضبط وبدلا أن تنطلق على مراكز العدو تفجر المدفع ذاته وحملت أبا مصعب الفلسطيني وألقته على بعد مترين أو ثلاثة حيث أسلم الروح لخالقها وعلى الفور.

وأما حمزة اليماني فقد مكث عشر دقائق ثم فاضت الروح الطاهرة إلى مولاها, وجرح سي اف المصري.

رائحة المسك:

ولففت أبا مصعب الفلسطيني ببطانية, وبدأت رائحة المسك تفوح في الأرجاء ويقسم أبو عمار عدة أقسام أنني لم أرح (أشم) عرفا (رائحة) أطيب من هذه في حياتي وللمرة الثانية إذ كانت الأولى هي التي استنسمتها من دماء خالد الكردي الذي استشهد في (31) ذي الحجة قبل شهر تقريبا .

دماء الشهداء حياة شجرة الإسلام:وعدت لأحمل حمزة اليماني الذي يسكن سويداء قلبي, والذي ملك حبه علي نفسي ومشاعري وشد إليه إحساسي وأنفاسي, حمزة الذي عرفته في صنعاء وكم طعمت في بيته وهو صائم, وكم تعلمت منه ومن والده ! ورائحة المسك تعبق مسكا في الأرجاء, وفاح الطيب وطاب من طيب الدم المكان كله ووقعت قطرة من دم حمزة على قميصي وأخذت الرائحة طريقها إلى أنوف كل الحاضرين وصرت أشهد كل من أرى على طيب رائحة الدماء الزكية التي روت أرض المأسدة لتروي بدورها عروق شجرة الإسلام التي كادت تجف عندما انقطع رواؤها بانقطاع ماء حياتها وهو دم أبنائها.

ثم أوصلت سياف إلى المستشفى (بارشنار) وعدت في الثامنة مساء إلى المأسدة والكل يتحدث عن الدماء الزكية والأرواح النقية.

الكل يلهج بذكر رائحة المسك وأصبحت القضية من المسلمات لدى العرب والأفغان ولا يناقش في صحتها إنسان, لأنها تتكرر فلم يعد لمنكر مبرر, ولا لعلماني محيص أو مهرب.

وفي الصباح عدت إلى اليرموك الموقع الذي استشهد به الأخوان وغمست إصبعي في دمائهم, لا زال الدم سائلا لم يجمد, ولازال المسك عبقا لا ينفد وصار أحمد البيشي وجنود اليرموك يرددون ويؤكدون طيب الدماء وطيب الأشلاء وانهال الثناء, وضرعت الأكف بالرجاء إلى فاطر الأرض والسماء أن يتقبل الشهداء وأن يلحق بهم الأحياء, فمن الشهيدان??


 


 

الشهيد هشام بن عبد الوهاب الديلمي:

من عائلة يمانية وفي بيت علم ودين ودعوة وأدب ينبت هشام, فقد ولد في الطائف حيث يسكن والده, وقد تلقى والده العلم في جامعات السعودية, والدكتور عبد الوهاب سكن جدة فيما بعد فتلقى ابنه دراسته الإبتدائية والإعدادية في مدارسها, وحرص والده ان يحفظه القرآن الكريم فأدخله حلقات القرآن ثم نال الشيخ عبد الوهاب شهادة الدكتوراه وعاد إلى مسقط رأسه ليأخذ دوره أستاذا في جامعة صنعاء لتربية الجيل, وعاد هشام مع أبيه ليواصل دراسته الثانوية في المعهد العلمي في صنعاء وفي أثناء الدراسة جاء ليشارك بنفسه في الجهاد الأفغاني.

كان في الثامنة عشرة من عمره عندما أقبل في السنة الماضية وتوجه شطر خوست وجارديز وكان معه بعض أقرانه وأترابه (أجياله) فلم يطيقوا ما أطاق وعادوا أدراجهم وصمد هشام ثم عاد لينهي الثانوية العامة.

شاب في عمر الورود ولكنه ثقيل في ميزان الناس كبير في أعين العقلاء, لا يتكلم إلا بقدر, ولا يخف إلا للخير.

قال لي أقرانه: لم نجرب عليه سوءا وليس في صفحاته المشرقة صفحة واحدة مظلمة أو غائمة.

أخلاقه ناصعة سلوكه نظيف منذ الصغر يعلم الناس القرآن في مسجد التقوىـصنعاء, يرتب الرحلات الإسلامية ويديرها ويحث عليها ويدعم في تشجيعها من مصروفه البسيط.

وصدق أبو الدرداء (إنما تقاتلون بأعماكم) وصدق الله عزوجل قبل أبي الدرداء (ويتخذ منكم شهداء) فالقضية اختيار واصطفاء والذي يختار هو الله علام الغيوب المطلع على القلوب (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير).

وأما والده فمن ذا الذي لايعرف الدكتورعبد الوهاب الديلمي من أهل اليمن? متشابهي ورع النفوس, كبيرهم وصغيرهم عف الإزار حلائل.

اللقاء في حج سنة (7041هـ) والتقيت به قبل شهر في الحج وقال: إني قادم إليكم ثم ألقيت محاضرة في مخيم يماني فالتقيت به مع والده فقدم أحد الأخوة والده لي قائلا : أوما تعرف الدكتور عبد الوهاب رجل مجاهد, فقلت أنا أعرفه وأعرف ابنه المجاهد وأشرت إلى هشام الذي كان بجانبه.

وأقبل بعد الحج والتقيت به في (صدا) فقال لي أنا متوجه نحو المأسدة لأنك تعلم أني تدربت وتربيت في العام الماضي سار إلى المأسدة وكانت لك آخر النظرات التي ودعت بها هذا البطل الكبير.

رؤيا واستشفاف: قال لي أبو عمار وعبد الله اليمنيان لقد أخبرنا قبل أيام أنه سيستشهد لأنه رأى في المنام ذلك ثم أوصاهم وكتب إلى أبيه هذه الكلمات التي وجدتها في حقيبته: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) اللهم اجلعنا منهم, والدي الكريم: بعد أن رأيت في منامي هذه الليلة أني أودعك فلمست أني مودع هذه الدنيا بأكملها ومقابل ربي -إن شاء الله- وفي البداية وصيتي هذه: أرجو منك والدي الكريم أن تسامحني وتدعو لي بخير وأني لئن شفعني الله في أحد من أهلي لأجعلنك أول من أشفع لهم.

مناجاة النفوس: ومضى هشام اليماني يتبع هشاما الأردني, وسألت نفسي اين الزهراني وأبو الذهب وعبد المنان وعبد الرحمن وخالد الكردي أين الذين بنوا المأسدة على أكتافهم? أين الأوائل من سكانها لقد مضوا ورددت بيت أبي الطيب:

لك يا منازل في القلوب منازل أقفرت أنت وهن منك أواهل

فقد خلت المأسدة من ب ناتها الأوائل وأقفرت منهم ولكنها عامرة بذكرياتهم, ثم سألت نفسي: أين أنت من هؤلاء يا نفس? أخشى أن تحرمي من منازلهم التي وصلوا اليها, ويكل سيرك ويثقل خطوك في الوصول إلى الشأن العظيم الذي نالوه, ولكني أعزي نفسي أني تشرفت بمعرفتهم وجددت حياتي بشبابهم:

أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة


 

شهادة و شهادة

أحقا قضى ذلك الفتى الغض (هشام)?

الآن عرفت لماذا كان يلح علي في الإعتذار, كلما كنت أعاتبه على كثرة تغيبه عن الدراسة في المعهد000 أقول له: يا هشام00 اتق الله إنك أمير فصلك000 والطلاب يشكونك كلما وبخت أحدهم أو قاصصته00 من ينضبط في الفصل إن لم ينضبط الأمير? وكان يقول لي: يا أستاذي, (أنا مربوش جدا ) يقصد مشغول, أريد السفر إلى الخارج وقد لا أرجع إذا حصلت على تأشيرة00 وأنت تعرف أنها تحتاج إلى سعي وجهد ما بين السفارة والجوازات والخارجية000 وأقول له: حيرتني يا هشام00 إلى أين تريد السفر? فيقول لي: سامحني يا أستاذ000 فاذا وفقت في الحصول على التأشيرة وتهيأ السفر سأقول لك, و بقيت محتارا بين كثرة الكلام عليه من زملائه واعتزازي به وثقتي بصدقه000

وتمر الأيام و لا يسافر هشام000 وافتقده حيث كان يمر عندي يوميا ليأخذ الإذن بالغياب00 ثم تأتيني عنه شكوى ثانية من زملائه00 هشام يتغيب عن الحصة الأخيرة باستمرار00فأبعث إليه وأسأله: فيجيب بحرارة تشعرك بعمق إيمانه وبجدية لم أعهدها في أقرانه: ( لا أستطيع يا أستاذي أن أسمع الأذان وأبقى جالسا في مقعدي وتفوتني صلاة الجماعة)0

وتنتهي السنة الدراسية ويحصل هشام على شهادة الثانوية العامة وأبحث عنه فإذا هو هناك على ذرا الهندكوش, وسريعا سريعا كأنه على موعد مع شهادة أخرى لا تعدلها شهادة في الحياة رحمك الله يا هشام ونسأل الله عز وجل أن يلحقنا بك وأن يمن علينا بالرضى والسكينة, وحقا يا هشام: من خان (حي على الصلاة) يخون (حي على الجهاد)!!

أبو مازن


 

والد الشهيد هشام -الدكتور عبد الوهاب الديلمي- يتحدث للجهاد:

الجهاد: نرجو إعطاءنا فكرة عن الشهيد هشام.. عمره, دراسته, تربيته.

د. عبد الوهاب: الشهيد هشام ولد في يوم عيد الفطر من عام (9831) للهجرة, وتوفيت أمه وهو في سن الطفولة, فتنقل في صغره في أيد الحواضن, وفقد حنان أمه وعطفها, اللذين لا غنى عنهما للطفل, فلما آوى إلي بعد أن تزوجت, وبعد أن بلغ السابعة من عمره أدرك من حناني عليه وعطفي وحبي مالم يجده عند غيري, وكان بعد ذلك اإا سئل أي الأماكن التي تنتقل فيها أفضل, يرد قائلا : المكان الذي أكون فيه مع أبي.

ومما يلفت النظر إليه أنه أصيب وهوفي مرحلة الرضاعة, وفي عهد أمه بمرض كاد أن يلفظ فيه أنفاسه الأخيرة, ولم يعد لنا أمل في حياته, ولكن الموت والحياة بيد الله, فقد شاء الله سبحانه أن يموت شابا جلدا قويا مجاهدا في سبيل الله تعالى.

وكان من سمات هشام منذ الطفولة الحياء الذي كان محل غرابة عند كل من عرفه, فقد كان إذ ارأى امرأة أجنبية يلوي عنقه منها في خجل شديد, وهولم يبلغ التاسعة من عمره, وكان إذا تكلم لا يرفع صوته حياء حتى لايكاد يسمعه أحيانا من بجانبه.

وكان من يجالس هشاما ويحسن معرفته, يرى أن عقله أكبر من سنه بكثير, وقد تم له الإلتحاق بمعهد صنعاء العلمي في أثناء المرحلة الإعدادية حتى نهاية المرحلة الثانوية (قسم أدبي) ولا أنسى هنا أن أعترف بالفضل والجميل للمسؤولين والمدرسين بالمعهد لما بذلوه من جهد مشكور في تعليم وتربية الشهيد هشام رحمه الله, وقد نشأ بحمد الله نشأة طاهرة زكية, فما علمت عليه في حياته انه تلوث بشيءمما يشين خلقه, ويطعن في سلوكه, كما نشأ سليم العقيدة محافظا على العبادة, بعيدا عن مجالس السوء وكان كثير التتبع لأخبار العالم الإسلامي, شديد التعلق بكتب الدعاة البارزين: كسيد قطب, وأبي الحسن الندوي, والمودودي وغيرهم, وكان كلما ازدادت معرفته بالإسلام وما فيه من كنوز عظيمة يتقطع ألما للواقع الذي يعيشه المسلمون بعيدا عن منهج الإسلام وهديه, وختم حياته بالأمنية التي كان يرددها على لسانه عشرات المرات شهيدا في سبيل الله تعالى.

الجهاد: كيف تلقيتم خبر استشهاد ابنكم هشام?

د. عبد الوهاب: في يوم السبت (91) من المحرم الحرام جاءني جماعة من إخوانه في الله قبل الظهر, وقد تلقوا الخبر عن طريق الهاتف من باكستان باستشهاد هشام, وكانت زيارتهم لي في ذلك الوقت يكتنفها الإستغراب, وتحيط بها علامات الإستفهام, فأرادوا ان يخففوا وقع الحدث في نفسي, وظلوا يتحدثون عن أفضل الأعمال, وعن الجهاد في سبيل الله والشهادة... إلخ, فعرفت أنه قد حدث شيء, فسألتهم هل جاءكم نبأ باستشهاد أحد? (وأنا أريد ابني) فقالوا عظم الله أجرك. فحزن القلب, وذرفت العين, واسترجعت وحمدت الله سبحانه على قضائه, وكانوا قد أخبروني أن الحادث كان في يوم الجمعة, لكن تلقيت بعد ذلك مكالمة هاتفية من باكستان كانت أكثر تفصيلا للحادث, وقد تضمنت الآتي: الإستشهاد كان في الساعة السادسة والنصف قبل مغرب يوم الخميس (7) من شهر محرم الحرام (8041هـ).كان الشهيد هشام مع زميلين له يرمون بالمدفع الهاون, وبعد الإستمرار في الرمي انفجر بهم المدفع, فاختار الله سبحانه عبده هشاما وجرح زميلاه.

كلمني أحد زميليه وهو عبد الله بن علي القبيسي عن صورة الحادث وشهد لله شهادة يسأله الله تعالى عنها أنه شم من هشام بعد موته رائحة زكية لم يسبق له أن شم مثلها في حياته.

الجهاد: رزقكم الله بولدين, الشهيد هشام أحدهما, والآخر محمد (11 سنة), ماذا كنتم تتمنون لأبنائكم لو كان عددهم كبيرا ?

د. عبد الوهاب: الذي أرجوه من الله عزوجل لأولادي -قل عددهم أو كثر- أن يمنحهم الله تعالى العلم الذي يعرفون به غاية وجودهم في هذه الحياة, وأن يصدقوا في الإلتزام بالإسلام عقيدة وعملا , وأن يحملوا هذا الدين للناس, ليسيروا في نفس الطريق التي رضيها الله تعإلى لأنبيائه ورسله وهذا أمر أرجوه لكل شباب المسلمين, لأنه الطريق الذي لا خلاص للأمة بدونه وقد كان الذي منحني الله عزوجل في ابني هشام فوق ما كنت أتوقعه, فما كنت يوما ما أحسب أن الله عزوجل سيكرمني باختيار ابني شهيدا في سبيله, وهذه من أعظم منن الله علي التي تستوجب مني مزيدا من الشكر له سبحانه, فلله الحمد والمنة, ولعل الله أن يكرمني ويكرم أخاه بمثل ما أكرمه, ولعله سبحانه يكرم بناتي بأن يكن أمهات شهداء إنه على كل شيء قدير.

الجهاد: الشباب في عمر الشهيد هشام لهم اهتمامات غالبا ما تكون سخيفة, ناتجة عن تأثرهم بوسائل الإعلام المختلفة.. بجلساء السوء وانعدام التربية في مراحل التعليم.. وهذه النتيجة ترضي الصهيونية العالمية, وتعمل جاهدة لتثبيتها, كيف يمكن لفت نظر الشباب إلى الطريق الصحيح الذي يضمن لهم العزة والكرامة?

د. عبد الوهاب: قد أخبر ص عن تأثير عوامل التربية والبيئة على الناشئة تماما , فأبناء المسلمين المفروض فيهم أن يسيروا عل نهج السلف الصالح, وأن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام, وأن يعايشوا سيرة المصطفى وصحابته حتى يستوحوا منها المنهج الذي يوصلهم إلى ربهم, ويضمن لهم سعادة الدارين, فيعيشون في قوة في إيمانهم, وسلامة في خلقهم, واستقامة في سلوكهم, وشباب اليوم هم الذين يعول عليهم في حمل أعباء الحياة في المستقبل, المستقبل ينظر إليه من خلال استقامة الشباب أوعدمها, فالشقاء في الأمة لا يأتي إلا من فساد النفوس وانحراف الأخلاق, فتضيع كل معايير الحق والعدل في الأمة, ويتحول الناس إلى وحوش, لا يسعدهم مال ولا حضارة مادية, لأنهم فقدوا أغلى ما يملكه الإنسان في هذه الحياة.

الجهاد: ما رأيك في حجم التبرعات التي يتقدم بها المسلمون في مواجهة متطلبات الجهاد واحتياجاته?

د. عبد الوهاب: لا شك أن حجم المساعدات ضعيف جدا أمام متطلبات الحرب الشرسة التي يشنها الشيوعيون على العزل المستضعفين, ومتطلبات الحرب تتصاعد من يوم لآخر, فضحايا الحرب تتصاعد أرقامها, ومنكوبوا الحرب من الجرحى والدمار للبيوت, والتشريد تتصاعد أرقامها كذلك, والمهاجرون من الأفغان بلغوا الملايين, ومثل هذه المشكلات لا يحلها تبرعات الأفراد, أقل ما ينفع فيها وقوف الدول الإسلامية إلى جانب إخوانهم, مع هذا فإن هذه التبرعات لها تأثير طيب من ناحيتين:

الأولى: يشعر من خلالها المجاهدون بأن لهم إخوة في الدين يعيشون قضيتهم ويمدون يد العون لهم ويواسونهم بقدر طاقاتهم, وهذا مفيد من الناحية المعنوية, فهو يشد من أزرهم ويقوي عزائمهم على الإستمرار في الجهاد.

الثانية: أن الله عزوجل يبارك في هذه التبرعات على قلتها, لأنها تصدر من نفوس مؤمنة لا تبتغي بهذا العطاء سوى وجه الله سبحانه وتعالى.

الجهاد: بعض الآباء يخافون من ذهاب أبنائهم إلى أفغانستان خشية الموت, ما قولكم لهؤلاء?

د. عبد الوهاب: هذه الخشية تتنافي مع عقيدة الإسلام, فالموت والحياة, بيد الله عزوجل, والجهاد لا يقرب الأجل, كما أن القعود عن الجهاد لا يطيل العمر, وقد حذر الله سبحانه المؤمنين أن يقعوا فيما يقع فيه الكفار والمنافقون. فقال سبحانه في شأن الكافرين: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غز ى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم, والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير) آل عمران.


 


 

الشهيد أبو مصعب الفلسطيني:

أما أبو مصعب الفلسطيني (زكريا....) فهو من مواليد الجزيرة, شب على القرآن, وتربى في المسجد في الطائف وكان يحلوله ان يسمي نفسه أبا مصعب الطائفي, عشق الجهاد, كيف لا وقد أخرج من دياره وحرم من رؤية المسجد الأقصى, فقلبه معلق بالأقصى وبالإعداد له.

من قراء القرآن, انتظر أن يفتح الله بابا للجهاد ففتح له باب أفغانستان لم يمض عليه سوى ثلاثة أشهر في أرض الجهاد قضى منها شهرا ونصف في الإعداد وشهرا ونصف في الرباط والجهاد.

نزل في موقع اليرموك في المأسدة مع الدكتور أبي هشام فارتفعت همته والتهب حماسه وتفجرت طاقته.

وفي صباح الخميس كتب عدة رسائل حيث يسافر الدكتور ليرسلها معه إلى أهله وكتب فيها: (أرجو الله أن لايمسي هذا اليوم الابعد استشهادي) وكان الذي أراد زكريا فما غربت الشمس إلا بعد أن بكت على فراقه ورحيله عن هذه الأرض.ورائحة المسك يشهد بها كل الأخوة السبعة الذين كانوا في موقع اليرموك منهم أبو عمار وأبو الزبير الذي كان معه في اللحظات الأخيرة.

الشهيدان في عمر واحد: والعجيب أن هشام الديلمي وزكريا بنفس العمر في التاسعة عشرة من أعمارهما.

كان عابدا صائما قائما فشهد له أقرانه لصيام الإثنين والخميس.

فهنيئا لهما الشهادة ونرجو الله أن يتقبل الإثنين ويجمعنا بهما في الفردوس الأعلى.

رحلتم فكم باك با جفان شادن عليكم وكم باك بأجفان ضيغم


 


 

وداعا أبا مصعب (زكريا أبو الهنود)


 

الحمد لله الذي أنعم علينا فاختار واحدا منا واصطفاه شهيدا 00 الحمد لله الذي أحيا قلوب هذه الأمة بدماء هؤلاء الشهداء الطاهرة الزكية0 فغدت لا تطيق صبرا عن أرض الجهاد والكرامة0 وصلى الله على إمام المؤمنين وقائد الغر المحجلين000 وبعد:

إخوة الجهاد في سبيل الله00 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته00 من الطائف الحبيبة التي قدمت شهيدين من أبنائها هما إلاخ/ أحمد الزهراني, والتي لا زالت أرجاء الطائف تتجاوب مع أصداء نشيده صباح مساء, والأخ العزيز زكريا (أبو مصعب) الذي ما أن علمت بنبأ استشهاده حتى أرسلت عيني دمعا حارا لا حزنا ولا جزعا -معاذ الله- فالشهادة أتمناها لى ولكل إخواني, ولكني تذكرت نفسي وتذكرت تقصيري والأيام تمضي والأحبة يمضون واحدا تلو الآخر إلى الله في مواكب الشهداء الأطهار0

أخذت بعدها أتذكر ذلك الشاب الذي لم يمض على فراقه سوى مدة قصيرة, أتذكر حماسه الذي تجلله هالة من الهـدوء والطمأنينة00 تذكرت جده وبساطته, فكان -تقبله الله عنده- مثالا نادرا بين أقرانه, كان فيه حماس الشباب المتدفق, وحكمة وهدوء الشيوخ والكبار0 عرفته شابا صغيرا اتجه في سنواته الأخيرة إلى الله بنفس صادقة مطمئنة وكأني به يشعر باقتراب أجله0 وكان كغيره من إخوانه يتوق للجهاد في سبيل الله ويتحرق لذلك0 فقرر أن يذهب ويرى بعينه ما يحدث على أن يعود لإكمال دراسته بعد انتهاء الإجازة0 وزاد من اندفاعه تلك الرؤيا التي رآها له أحد اإوانه في المنام0 فقد رأى زكريا مضرجا بدمائه فد قضى شهيدا في سبيل الله في أفغانستان, فما كان منه بعد أن سمع ذلك إلا أن حزم حقائبه ومضى في رحلته إلى الله00 ولقد نقل لي من رآه هناك أنه لم يكن يضيع أي لحظة أوفرصة للعمل, بل أن إلاعمال التي كان ينجزها غيره في أشهر ربما أنجزها فى أيام0 وكتب أثناء فترة تدريبه رسالة لأحد إخوانه يحثه فيها على الجهاد ويذكر له ما رأى وشاهد: وكان مما كتب في هذه الرسالة أن عداد الحسنات يعمل هنا ليل نهار لا ينقطع0 ولا عمل لعداد السيئات إن شاء الله.

وبعد أن انتهى من التدريب اتجه إلى جاجي, إلى حيث استشهد إخوانه0 وقضى فيها أياما جادة يعمل فيها بصمت وصدق واخلاص, نحسبه كذلك والله حسيبه0

وحينما استروح عبير الجهاد والعزة كتب لإخوانه: أن أقبل ولا تتأخر, وأخذ يحثه على الجهاد ويذكر له ما وجد من نعيم وراحة نفسية0 وحينما دخل شهر محرم هذا العام وفى أول خميس منه0

وبعد أن فرغ زكريا من صلاة العصر مر عليه القائد وقال له: ما رأيك أن ترمي على الهاون (ولم تكن نوبته إلا أنه كان يتقن الرماية عليه) فاستجاب وأخذ مكانه وكان معه الشهيد أبو حمزة (هشام الديلمي) -رحمه الله- من اليمن0 وحينما وضع أول قذيفة في الهاون انفجر الهاون انفجارا شديدا فقذف بزكريا مسافة عشرين مترا في منحدر ولم يوقف اندفاعه إلا جذع شجرة0 ولما وصل إليه إخوانه وجدوه قد أسلم الروح لباريها وقد تضرج بدمائه وبالتراب تماما كما كان في الرؤيا التي رآها أخوه, واستشهد بعده بدقائق أبو حمزة0 وشهد لي اثنان ممن رآه بعد صلاة المغرب من ذلك اليوم وهو مسجي قبل أن يدفن أنهما استروحا رائحة المسك الشديدة المنبعثة من زكريا وأقسما على ذلك0 بل قإلا: زيادة في التثبت, فتشنا ملابسه خشية أن تكون في جيبه زجاجة طيب قد انكسرت فلم نجد شيئا 0 وقال لي من قام بإدخاله إلى قبره: والله لقد رأيت لوجهه نورا ما رأيته عليه من قبل0

وكان رحمه الله قد كتب ليلة استشهاده رسالة لأحد إخوانه في الله يطلب منه أن يأتي ولا يتأخر, ويذكر له ما وجد من عزة في الجهاد ويذكر له طرفا مما يحدث للمجاهدين من أعدائهم وأخبره فيها أنه قرر أن لا يدرس السنة القادمة وأنه سيقضيها أيضا في الجهاد0 رحم الله أبا مصعب, فلقد ذهب هو وأخوه أحمد بقطع من قلوبنا معهم00 وتقبلهم وجميع الشهداء عنده سبحانه00 وألحقنا بهم وجمعنا بهم في الجنة, والحمد لله رب العالمين000

أخوكم / الواثق بالله أبو عبد الرحمن الطائف


 


 

تألق فرسان الجزيرة

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده0

إن الناظر في أرض النزال فوق أرض أبي حنيفة النعمان ليجد غريبا بين المجاهدين الأفغان معظمهم من أرض الجزيزة, وقد بدا طرفا الجزيزة الآن شمالها -أرض الحرمين وجنوبها- أرض اليمن وإلايمان والحكمة, وكأنهما فرسا رهان في عدد المجاهدين الذين نفروا إلى الله وهم يسمعون صيحات الله أكبر تدوي فوق ذرى الهندوكوش0

ويحاول أبناء اليمن أن يزحموا أبناء الحرمين هي هذا الشرف العظيم الذي تخلت عن نيله الأمة الإسلامية التي كادت تنسى فريضة الجهاد (القتال) في سبيل الله0

إلا أن قصب السبق زال في يد أبناء الحرمين الذين فزوا بتقديم ستة عشر شهيدا في ميدان البطولة وساحات الرجولة وأما أبناء اليمن فقد بدأوا يزاحمون إخوانهم عددا بعد أن ألقى (الشيخ عبد الله الأحمر) بثقله في هذه الساحة حين رجع من زيارته الأخيرة لمعسكرات المجاهدين وكأنه شعلة مضطربة ونار ملتهبة, ففتح مضافته التي تصل إلي خمسين مترا ليبث التلفاز فيها صور البطولة والفداء ويحكي قصص العزة والإباء0

وبدأ يدعو إلى المشاركة بالنفس والمال في هذا الجهاد الذي شرف الله به جبين الإمة الإسلامية وأحيا به مواتها0

وقد انتفض غاضبا كالليث وهو يسمع احتجاز بعض الشباب الذاهب إلى المعركة وأطلقهم وأعلن أنه سيجهز الغزاة النافرين في سبيل الله ويكفل أسر شهدائهم0

ومن بين الشهداء الذين وفدوا إلى الله في الشهر الأخير ثلاثة: اثنان من أبناء الجزيرة وثالثهم من مهاجر أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام من أرض الشام0


 

أبو شهاب (شاكر حسن قرشي):

قريبا من مسجد ابن عباس رضي الله عنه ولد هذا الليث, وترعرع فوق أرض الطائف, حصل على الشهادة الثانوية ثم توجه إلى أمريكا يحقق طموحه في نيل شهادة دارسيه منها وهناك استعص على حوامض الجاهلية الغربية أن يذوب فيها, بل وعلى العكس من هذا قبض على دينه كالجمر وبدأ يبحث في هاجرة الجاهلية اللافحة هناك عن واحة يتفيأ ظلالها, وعن سفينة ينجومن خضم الفتن المتلاطمة في (عاصمة الشيطان) في الأرض0وفي تلك الصحراء المقفرة انطلق يدعو إلى الله من خلال رابطة الشباب المسلم العربي وبقي سنتين في أمريكا لايكل عن الحركة ولايفتر عن الدعوة ولكن نفسه ضاقت ذرعا بالحياة الناعمة الهادئة -حياة الهمبورجر والكوكا- فطلق أمريكا ثلاثا لا رجعة فيها وعاد إلى أرض الحرمين حيث عمل في إحدى مؤسسات الدولة ولكن عينه لا تغمض عن الإحداث المدوية على ضفاف كونر فأزيز الرصاص ودوي المدافع ودخان القذائف يقض عليه مضجعه خاصة وقد اقتنع بالحكم الشرعي للجهاد الآن في أفغانستان: (فرض عين بالنفس والمال ولا إذن للوالدين) كيف لا وشيخ إلاسلام ابن تيمية يقول: إذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلد الواحد وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم) الفتاوى الكبرى (4/806).

فبات يحدث نفسه بالجهاد وبدأ يمزق الحبال التي تشده إلى الأرض ويتخلص من القيود التي تثقل رجليه في داخل مستنقع الطين0

وجاء شاكر وسمي نفسه (أبا شهاب) وهو شهاب محرق للأعداء ومنير للطريق إلى الله وكم تحس وأنت تستمع اليه أنك جالس مع انسان ناضج يدرك أبعاد المؤامرة على الإسلام0

رأيته في المعسكر في صدا دائب الحركة, صامت, كلامه عمل, ما رأينا له مخالفة لأمير ولا مشاكسة لرفيق طريق ولامضايقة لأخ من إخوانه0

وقد حفظت اسم أبي شهاب من أخيه عبد الرحمن النجدي طالب الهندسة الذي توجه إلى بلخ ولذا كان يردد -جئت لأتلقاها رصاصة- ههنا فأدخل ههنا) وهويشير إلى قلبه وإلى السماء0

قال لي عبد الرحمن: نريد أبا شهاب أن يرافقنا في مسيرتنا إلى بلخ0

وقضى الله أن يسير عبد الرحمن ليخلف وراءه في المعسكر أبا شهاب لأن الله عزوجل يقول (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم)0

لقد قدر الله أني كون مصرعه ومضجعه هناك في جبال خوست0

وجاء أهل شاكر: وذات ليلة وإذا برجلين يبدو عليهما الوقار وتعلوهما الهيبة يدخلان علينا في صدا والتقيت بهما مع شاكر كان أحدهما والده والأخر خاله فأما خاله فيعمل موجها تربويا في الطائف0

ودار الحوار بينهم وحاولا أن يرجعاه ليرى أمه التي أذهلها المرض في المستشفى وبعد حوار عنيف حظيا بوعد منه أن يرافقهما إلى بيشاور ليتصل بأمه ليطمئنها0

وفي الصباح قلت لهم وهم يغادرون المعسكر: لا تحرموا ابنكم الجنة ولاتحرموا أنفسكم الشفاعة0

ومضى شاكر إلى الله عن عمر يناهز السادسة والعشرين0

شاكر والحور: كان شاكر يحلم بالشهادة دائما ويتحدث عن الحور, وأحيانا قد ينام متأخرا فيوقظه أبو خالد القطري إلى الصلاة فيرفع الغطاء ببطئ فيقول له أبو خالد: أنت تقوم متباطئا والحور تناديك وتنتظرك فيهب سريعا قائلا : قد أقبلت قد أقبلت, انتظروني0

رحلة الشمال: وبدأ شاكر يعد نفسه لرحلة الشمال مع إبراهيم نحو بدخشان إلا أن أحداث خوست عاجلتنا ونفرنا اليها وقد اشترك فيها أكثر من نائة وخمسين شابا عربيا وكان أبو شهاب من بين هؤلاء وهناك في ستي كانداو حيث استحالت الأرض براكين متفجرة والسماء إلى حمم وشهب منقضة0

رابطة شاكر مع إخوانه: وكان شاكر مع القدر الذي ينتظره, وجاءت القذيفة التي طالما تمناها وحلم بها قذيفة (BM41) فأصابت رجله إصابات بالغة, وكذلك إصابات في صدره, وجرح معه أربعة0

كرامة عجيبة: حصلت لشاكر كرامات عجيبة منها:

1- أنه عندما أسلم الروح كان واضعا يده على جرحه فأنزلها الأخوة واسبلوها على جانبه ثم تركوه لشدة المعركة ولتعبهم وبعد ثلاثة أيام عادوا إليه فوجدوه قد أعاد يده ووضعها على مكان الجرح0

2- عادوا إليه بعد ثلاثة أيام وكان الزمهرير شديدا والبرد قارسا والمفروض أن الميت بعد قليل يتصلب فكيف في جويتجمد فيه الماء في لحظات, فوجدوه لينا يتثنى كأنه نائم0

3- رآه أحد الإخوة العرب في المنام مدفونا على يمين رسول الله ص فحلفت الشاب الذي رآه في المنام علي صدق الرؤيا فحلف على ذلك0

تلقي أهله لخبر استشهاده: اتصلت زوجتي بأمه فكان رد أمه: (إني صابرة محتسبة, وهذا شرف عظيم لنا, لن أبكي وسأمنع النساء أن يبكين في المجلس) وأما والده فقال: نأمل من الله أن يكون قد نال الشهادة حقا حتى يشفع لنا يوم القيامة0

قرأت في مذكرته: اللهم شجع جبناءنا واجعلنا مع شجعاننا وألحقنا بشهدائنا0


 


 

الشهيد حمزة (جبران شريف ناصر):

فر من جحيم الجاهلية المتلظى في ديترويت في دير بورن (المولد العزيز) وعندما علمت باستشهاده وأنا في الولايات المتحدة أزمعت على السفر إلى ديترويت لأهنئ أمه وأباه وويممت شطر ديترويت حيث تقيم أمه وأبوه, وخطبت الجمعة وهناك, وبعد الصلاة طلبت والده والتقيت به في غرفة في داخل المسجد وهنأته بشهادة ابنه فكان صابرا محتسبا ماتفوه ببنت شفه إلا أن قال: (الموت والحياة بيد الله والقدر بيده), ووالده تبدو عليه البساطة الفطرية0

وبعد العشاء وبعد أن ألقيت محاضرة في المسجد أسررت في أذن أمام المسجد محمد موسى (الرجل الذي يحظى باحترام الجميع وتبدو عليه الرزانة والوقار مع علم واعتدال دون إفراط ولا تفريط وهو يمثل المنارة التي يلتف حولها أبناء الجالية الإسلامية واليمنية بالذات) فقلت للشيخ: نريد أن نذهب نهنئ ونواسي أم الشهيد0وتوجهنا نحو منزل أمه ودخل الشيخ محمد موسى أمامي وكنت أظن أمه قد علمت من والده, ولكن الشيخ قال لي: ان أمه لم تعلم من قبل باستشهاده وقد كانت الوالدة: صابرة محتسبة لم تنبس ببنت شفة سوى أن قالت الحمد لله, رضينا بقدر الله, أما شقيقته فقد انفجرت باكية0

ثم حدثت والدته قصة جبران معي قلت: رأيته مشرق الوجه كأنها إشراقة الشهادة وضياء رأيته مشرق الوجه قبل اللقاء, فاقتربت منه من بين السبعين شابا وسألته ممن الشاب? فقال من اليمن وأهلي يقيمون في ديترويت (ففررت إلى الله) من أمريكا إلى اليمن ثم إلى السعودية وأخيرا سعيت لأودي فريضة الجهاد في أفغانستان وأطلت معه الحديث ولا أدري لماذا اخترته من بين الجموع وكأن هاتفا يهتف في أعماقي أن هذا مسافر ماض من الدنيا فستمتعت بالحديث إليه قبل أن يودع الدنيا وأظنني ودعته قائلا : أرى نور الشهادة على وجهك0

قالوا الحقوق فقلت لفظ لم أجد عنه كألسنة اللهيب معبرا

للحرب جند يصبرون على الطوى يوم اللقاء ويلبسون الفيبرا

ويرون جوف الرمل أجمل فندق وروائح البارود تنفح عنبرا

ويرون أن من استبيح له حما يلقى المنايا أويعيش محررا الرؤيا الحقة: كثير من الإخوة يرون أنفسهم مع الحور العين أو يراهم إخوانهم مع نساء جميلات قبل الشهادة فيستبشرون بالشهادة وقد حصل هذا مع كثير من الإخوة مع أبي دجانة ويحيى سنيور وأبي عاصم وعبد الوهاب الردة الغامدي وسعد الرشود وأبي عبد الحق وكثيرين آخرين من العرب والأفغان0

وقد رأى جبران نفسه مع امرأة جميلة فبشر إخوانه أن الشهادة قادمة وقد رزقه الله الشهادة ونرجو الله القبول0


 


 

الشهيد أبو جعفر الشامي:

وشهيدنا هذا أكبرهم سنا فهو في الثلاثين من عمره, ويختلف عن سابقيه أنه خلف وراءه أرملته مع ابنتيه وولد0

فر من الدنيا إلى الله, رأى الطاغوت النصيري جاثما على صدر هذا الدين يريد اجتثات جذروه من أرض الشام, وشارك بجهد المقل هناك ثم أقبل إلى هنا إلى قندهار البلدة المعروفة بالتزامها الإسلامي وبحصانة نسائها وبكثرة علمائها, البلد الذي قدم حوالي ألف شهيد وهو يدافع عن النقاب الذي يغطي وجوه المخدرات والواتق عندما سير له الملك ظاهر شاه جيشا لجبا بقيادة خان محمد وهو يعلن انتهاء عهد الخمار إلى الأبد0

أبو جعفر وأخوه في أرض المعركة: وأقبلا إلى هنا إلى أفغانستان طمعا في الذود عن حياض الإسلام وحرمات المسلمات0

وصل أرض المعركة ومكث تسعة أيام فقط كان يردد أثناءها:

جاهد بالله أخيه جاهد إن كنت تقيا

تملك آفاق الدنيا وتلاقي الله رضيا

جد المال وبالنفس إن تطمع بالفردوس

فهنالك أحلى عرس للمؤمن والحورية

المعركة النهائية: وعلم بمعركة قادمة ولكنه كان بين مجموعة من الإخوة العرب فخشي أن لا يسمحوا له بدخول المعركة وانتقل إلى قائد آخر وأعد القائد الثاني لعملية ورفض القائد أن يدخله فيها فجاء بأبي خبيب من الإخوة القدماء في المنطقة وأصر على القائد بالدخول0

وسارت المجموعات حيث تفتح الجنة أبوابها لتلقى الذين يختارهم الله شهداء, وانتقل (??)

مجموعتهم متأخرة إلا أنه غاب عن ناظري أخيه لعله ينال الشهادة آخذ بعنان فرسه يطير على متنه كلما سمع هيعة أوفزعة طار اليها يبتغي الموت مظان ) إنه يبحث عن الموت في المواطن التي يظنها فيه0

الإصابة: كان القصف على المجاهدين جد شديد وانسحب المجاهدون وفي أثناء الإنسحاب أصابته قذيفة (R . P . G.7) في يده اليمنى, كما أصابته بحروق في صدره, ولم يكن بجانبه غير شقيقه الذ ي أصيب في يده, فحمله وخرج به من أرض المعركة والدم ينزف منه ولمدة خمس ساعات حتى استشهد0كرامات: قال أحد المجاهدين رأيت نور الشهادة على وجهه ولكني لم أخبره, واستنار وجهه بعد الشهادة وأصبح كأنه النور0

والحمد لله لقد كانت شهادته يوم الجمعة (81/21/7891م) وهو سيد الأيام, وقد حزن عليه المجاهدون حزنا شديدا كأنما عاش بينهم دهرا رغم أنه لم يعش بينهم سوى تسعة أيام, كان دائم الإبتسامة, مرحا , قريبا إلى النفوس, محببا إلى القلوب ولذا مضى وأخذ معه القلوب0

ونحن نضرع إلى الله أن يتقبل شهداءنا وأن يلحقنا بهم في الفردوس الأعلى وأن يمن على الأمة الإسلامية بنصر عاجل قريب وأن يقر أعين المؤمنين بنصرة الإسلام في أفغانستان وفي فلسطين وأن يسعد البشرية بالهدية التي تنتظرها بفارغ الصبر إلا وهي (دولة إلاسلام)0

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لااله إلا أنت أستغفرك وأتوب اليك0


 

تسلل الدم حتى عانق الكلمات:

وصية الشهيد أبي جعفر وجدت في جيبه وقد خضبتها الدماء:

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وقائد المجاهدين السلام عليكم ورحمة وبركاته:

أكتب هذه الوصية000نفسي وإياكم بتقوى الله في السر والعلانية, والنهي عن معاصيه والعمل بطاعته وجعلني الله وإياكم إن شاء الله عباد الله الصالحين أوصي والدي ووالدتي بتقوى الله والصبر, أن الموت حق والأجل من عند الله وأن لاتحزنوا ولايتقبلوا عزاء لأن الشهيد عند ربه حي يرزق وأن تعرفوا مكانة الشهيد وما له من محبة من الله وأوصيكم على أولادي أن تربوهم على تقوى الله وأما زوجتي فهي تعرف أن الجهاد فرض عين وجزاها الله ألف خير على صبرها وحسب أمرها عند الله وما أطلب منها إلا تقوى الله وتربية الأولاد على الإيمان والتقوى والجهاد وتحث أبنها لما حثت زوجها على الجهاد وأن تربي بناتها تربية إسلامية وتزوجهن من مجاهدين وأرجو منها السماح ولها الحرية في نفسها أن تفعل ما تريد وأما أقربائي وإخواني فأقول لهم نصيحة وللشباب خاصة إن الجهاد ذروة سنام الإسلام وهنا في أفغانستان يرى بأم عينيه حياة الجهاد والصبر وأقولها أن كل من يستطيع أن يجاهد وهو جالس بجوار بذخ الدنيا فهو آثم, فيا شبابنا واخواننا هبوا لنصرة دين الله, إن المجاهدين في أفعانستان حين يرون مدد عربي لهم تشتد عزيمتهم ويستحيون أن يتركوا جبهات القتال والذهاب إلى أهليهم0 وبالنسبة لما أملكه فهو في وصية أخرى موجودة لدى زوجتي فيها توضيح لذلك, وأرجع وأقول: لا تحزنوا واصبروا وإن شاء الله يا زوجتي ستكونين أميرة الحوريات العين بإذن الله هناك دار الإستقرار لأننا نقول لا إله إلا الله, نصحية للشباب في بلادي يا شباب إن أعداء الله في كل مكان والجهاد يسمى في فتعالوا إلى أرض أفغانستان بدلا من الجلوس في الترف وملذات الأكل واللباس وجزاكم الله كل خير فها هو كما تعلمون جهاد في أفغانستان في الفلبين وأرتيريا معه وفلسطين فألعدو واحد هبوا للجهاد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته0

أخوكم العبد الفقير إلى الله تعالى

أبو جعفر (61/21/7891م)

من أسد الله000 إلى شقيقه أبي جعفر:

أخي الشهيد, ونحسبك عند الله كذلك, يا ابن أمي ورفيق الطفولة والصبا والشباب, والعمل والجهاد000 جمعتنا إخوة الرحم00 وإخوة الجهاد00 ولقد اجتمعنا على الله وها نحن نفترق عليه0 أنت قد رحلت في زورق الدماء وأنا خلفك0 نعم قد تأخرت عنك00 لكني إن شاء الله لن أترك هذه الطريق0

لقد أتيت يا أخي من بعيد, وبعد أن عرفت أن الجهاد فرض عين ولم تأول ما عرفت, ولم تبحث عن مبرر للقعود00 قد كنت أرقبك وأحس بما تحسه, وأشفق على قلبك الذي أصبح بركانا لا يهدأ00 فصرخات الأطفال وبكاء اليتامى وأنين المرضى وصيحات النساء قبل الموت أو السبي0

كل هذا كان يحرق داخلك وكنت لا تهدأ إلاحين تسمع صيحات الله أكبر, وترى انتصارات المجاهدين عبر شاشة (التلفاز)00 وها أنت قدمت بعد أن دفعك قلبك وها أنت تحمل روحك وتقتحم أفغانستان لعلك تنقذ ما يمكن إنقاذه00 تركت زوجتك وأولادك00 تركت خلفك فتن الدنيا وإغراءاتها وأيضا تركت شبابا أضاعتهم الدنيا, حيث لم يعد لهم أمل إلا اللحظة التي يعيشونها, بعد أن تركوا ذروة سنام الإسلام00 وتركت هذا وأتيت هنا طالبا حياة العزة, وأن تسقي روحك إباء الجهاد التي افتقدناها في هذا الزمن0

هل تذكر عندما حملت الرشاش الروسي الذي غنمه المجاهدون وذهبت لمقابلة العدوبسلاحه00 لقد رأيتك في تلك اللحظة شامخا وعلمتك جنديا من جند الإسلام رأيتك بعمامتك السوداء فقلت: ليت إخواننا يعلمون0

لقد قضيت بين إخوانك الأفغان أياما معدودات فأحبوك لمرحك وابتسامتك, فأخبروني بأنهم رأوا في وجهك نور الشهادة00 كنت لاأصدق أنك ستمضي بهذه السرعة00 لقد قاسيت برودة الشتاء وتقاسمت مع إخوانك الخبز والشاي وغذاءهم المعتاد (البطاطس)تقاسمت ضحكاتهم وآلامهم وحزنهم00 ثم رحلت0

لقد سقطت أمامي في أرض المعركة, ودمك الطاهر يسيل00 قلبي يرى ذلك قبل عيني00 وحملتك على يدي, وذرفت دموعي00 ليس لانقضاء أجلك, ولكن لأنني فقدت أخا حبيبا , وصديقا عزيزا على قلبي00 كان ينصحني, ويؤثرني على نفسه00 قضيت معه كل طفولتي وشبابي00 فقدت ابتسامتك لي وقت المحن00 لقد اختارك الله وقبلك وما قبلني رغم أني كنت وإياك في وقت الشهادة في خندق واحد00 أنت صرت في الراحة والجنان00 وأنا بقيت في دنيا زائلة, القاعد فيها خير من الواقف00 وكل أملي ودعائي أن ألحق بك0

أخي: لقد أصبحت فخورا بك00 بشهادتك, لقد أصبحت هنا أعرف بأخي الشهيد00 لقد نسي الناس اسم الحي, ولم ينسوك!! هل تعلم أن الشباب الذين كنت تعرفهم عندما علموا باستشهادك في أرض العزة والإباء استقيظوا من غفلتهم ولزموا طريق الحق, وأصروا على اللحاق بك00 لقد أرشدت بدمك من لم ترشد الكتب ولا الخطب وبنيت بجسدك جسرا يعبر عليه هؤلاء الشباب0

إلى أرض الجهاد00 ولقد تعاهدنا علي أن نسقي شجرة الجهاد بدمائنا ونمد من أجسادنا معابر لكل شباب العالم الإسلامي0

أخي الحبيب: لا تظن أنني تراجعت بعدك أو لانت عزيمتي أو أني فكرت بالتباطؤ00 كلا إني أشهد الله أني على دربك سائر وسأمزج دمي بدمك بإذن الله وندعو الله لك ولكل شهيد أن يسكنكم فسيح جناته0

أخوك: أسد الله

رسالة من زوجة الشهيد أبي جعفر:

قال تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون)0

إلى إخواني المجاهدين على أرض أفغانستان المسلمة, وإلى كل زوجة استشهد زوجها في سبيل الله لإعلاء كلمة الله0

لقد بلغمي خبر استشهاد زوجي في جبهة القتال ضد الغزاة الروس إلى جانب إخوانه المجاهدين في معركة قندهار مما اثار في نفسي بعض الحزن في بادئ الأمر ولكن سرعان ما أنزل الله على قلبي بردا وسكينة0

فأصبحت أحمد الله على ما ناله, وفوزه بالجنة والشهادة في سبيله, وتذكرت ماأعد الله للشهيد من أجر وثواب وذلك في قول قائد المجاهدين رسول الله ص: للشهيد عند ربه ست خصال: يغفر له في أول قطرة من دمه ويرى مقعدة من الجنة, ويجار من عذاب القبر, ويؤمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها, ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين ويشفع في سبعين من أهله 0

إخوتي المجاهدين في كل مكان00 إن هذا العمل الذي قام به زوجي وأدى واجبه تجاه ربه ودينه يشرفني أنا وأولادي وأهله0

وليشهد الله على ما نويت بتهيئة أولادي الثلاثة ليلحقوا بدرب أبيهم وإخوانهم المجاهدين, فهنيئا لك يا أفغانستان بهذا الجهاد وهنيئا لنا في هذا الشهيد الغالي0

أننا ندعوالله أن ينصركم ويثبت أقدامكم في هذه المعركة والنصر حليف المؤمنين فتذكري يا أختاه ما أعد الله للشهيد الذي يقاتل في سبيله, ولنقدم أرواحنا, ولنهيء أبناءنا للجهاد في سبيل الله0

وبذلك يتم النصر بإذن الله ويدحر الكافرين والمشركين سائلين الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المجاهدين في سبيله0

قال رسول الله ص: أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

أختكم:
أم جعفر

صقور مهد الرشيد


 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, أما بعد:

فإن الشباب المسلم في سائر العالم الإسلامي الآن تتنازعه أشواق وتحفزه رغبات قوية تقطع الجواذب التي تشده إلى الأرض وتنشله من وهدة الحياة الرتيبة الغارقة في صنوف النعيم وشتى أنواع الترف النفوس تهفوا إلى الجهاد والأرواح ترفرف تريد الوصول إلى أرض الشرف والنزال, ويعيش الشباب بين هذه الأشواق المحلقة وبين حاجات الحياة اليومية التي ربطته بها القيود الثقيلة من خلال الوظائف الحكومية والشركات الأهلية والدراسات التي تستنزف طاقات العمر, ومع هذا فقد استطاع كثير من الشباب أن ينتشل نفسه من هذه الحياة الهادئة الوادعة ليعيش مشاكل المسلمين ومحنهم بأعصابه وقلبه وماله0

ورغم المحن التي حلت في أصقاع العالم الإسلامي وما تعانيه الأقطار في بلاد المسلمين من رزايا باءت بحملها الشعوب إلا أن الشجى يبعث الشجى والجراح تنكأ الجراح وكم من باكية على ميت لايمت إليها بصلة قرابة ما أنزل عبراتها وما أهمر دموعها سوى الأشجان لميتها الذي وارته الثرى منذ زمان0

والأشواق إلى الجهاد الأفغاني تؤرق أجفان المحبين ونار الغرام في الصدور للمشاركة في ميدان الشرف يلهب المشاعر ويرفع الإهتمامات ويقطع جذور الإنشغال بالحياة ويحطم القيود ويمزق روابط الأثقال الجاذبة إلى الأرض0

وبلاد الرافدين من اكثر بلاد الإسلام ابتلاء وأشدها مصائب وأفدحها خسائر عبر التاريخ الإسلامي كله وحسبك بمأساة التتار سنة (656هـ) حيث سقطت دار الخلافة وذبح من المسلمين ما لايقل عن ثمانمائة ألف حسب أقل الإحصائيات التاريخية لتلك الحقبة0

وأما داهية الثمانينات التي حلت بالعراق فحدث عن المآسي ماتشيب له النواصي في فتنة عمياء أمسى فيها الحليم حيرانا وهذه المصائب التي ألمت بهذا الجزء العزيز من أرض الإسلام لم تنس الشباب واجبهم تجاه الجهاد المبارك المشرف الذي تجري فصوله الرائعة أحداثا دامية فوق أرض أفغانستان وممن قدموا إليه وشرفهم الله بالقتال والإستشهاد في سبيل الله.

الشهيد محمد فاروق (علي مصطفى):

ولد الشهيد في منطقة كفرى التابعة لمحافظة كركوك سابقا سنة (1691م) وهو من أسرة فقيرة جدا , وقد تابع دراسته رغم الظروف القاسية التي مر فيها0

وقد شب داعية إلى الله ونال بعض الإبتلاء الذي هو سنة أصحاب الدعوات: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقول آمنا وهم لايفتنون)0

وألقي في غياهب السجون قرابة عام حيث حفظ شهيدنا عشرة أجزاء من القرآن وضرب مثلا رائعا بالتضحية والإيثار لإخوانه الذين يشاركونه المحنة وكان يصوم الإثنين والخميس0

ويحدث عنه صاحبه الذي يشاركه لأواء الطريق: (كنت عندما أنهض لبعض الحاجة في جوف الليل أراه في الغالب أما قارئا للقرآن أو قائما يصلي)0

كان شديد الشوق للجهاد ولذا صمم على ترك أرض العراق إلى موطن يشم فيه رائحة الجنان ويعيش تحت ظلال السيوف0

درس في المعهد الطبي وكانت نفسه تراوده كثيرا أن يدع الدراسة ليواصل مسيرة العرق والدم ولكنه -وتحت الحاح إخوانه- أكمل الدراسة لتكون خدمته للجهاد أعمق أثرا 0

ولقد كانت مجموعة تبحث عن مخرج في أعماق هذا الليل الدامس وذات يوم وإذا بأمير هذه المجموعة يفاتحهم أن المال الذي بين أيديهم قد نفد ولا بد لأحدهم أن يغامر حتى يحضر لهم مالا , وما تحرك أحد لأن الموت يرقبهم في كل مرصد, والمنون تنتظرهم عند كل مفرق طريق إذ لم يكن مع أي واحد منهم ورقة تثبت هويته وتحدد شخصيته, وأي واحد منهم معروف من قبل السلطات التي تطاردهم فليس له مصير سوى الموت الفوري0

وهب على وحمل عاتقه مسؤولية إنقاذ اخوانه وقرر تنفيذ أمر الأمير, ويذكرني هذا الموقف بموقف حذيفة بن اليمان ليلة الإحزاب عندما انتدبهم رسول الله ص أن يخرج واحد منهم ليرى خبر الأحزاب فلم يتحرك منهم أحد0

ويتحرك علي ولم يكن يحمل في دقات قلبه إلا ترقب الموت0

يحدث صاحب قائلا : كنت معه في السيارة حيث وقفنا عند نقطة التفتيش المهمة فسألته ماذا عندك? فأجابني ليس عندي سوى التوكل على رب العالمين وتفويض الأمر اليه ولقد طلب منا رب العزة الإعداد فأعددنا ما استطعنا ولم أستطع أن أعد من الوسائل المادية شيئا , وليس لدي سوى الإيمان برب العالمين0

لقد أحدثت هذه الكلمة دويا هائلا في أ عماقي وتركت أصداؤها أثرا بالغا في فؤادي0

لقد كان التفتيش شديدا في هذه النقطة عن الهويات والحاجيات وما هي إلا لحظات وإذا بيد مسؤول النقطة تشير للسيارات كلها بالعبوردون تفتيش فكان هذا هو التفسير العملي لقوله عزوجل: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لايحتسب, ومن يتوكل على الله فهوحسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شي قدرا )0

ووصل الشهيد إلى أرض إيران ثم اخترقها إلى حيث تمتزج البطولة بالدماء وبالحديد, ووصل هرات وبدأ يذاول الطب فوق أرض المعركة وهنا في أرض الرازي وابن حيان صمم على الموت0

فاثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها من تحت أخمصك الحشر

تردى ثياب الموت حمرا فما دجى لها الليل إلا وهي سندس خضر

حتى لقي الله ولحق بمن سبقه على طريق الله مع أولئك النفر الذين تنتشر أجداثهم (قبورهم) في أرجاء أفغانستان شهادة أمام الله ثم أمام التاريخ أن هذا الجهاد جهاد إسلامي عالمي وليس قتالا قوميا وإن كان لأبناء أفغانستان القدح المعلى في التضحية والإيثار والصبر والإباء والجماجم والأشلاء0

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك0


 

قافلة الغرباء


 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف المرسلين, وبعد:

وهكذا مع قافلة الغرباء التي تنهب طريقها إلى ربها لحقت باقة جديدة بهذا الركب الغريب, غرباء في تفكيرهم, غرباء في اهتماماتهم, غرباء عن أصحاب دنياهم, طلقوا الدنيا التي فتنت ألباب الكثيرين, عافوا الزينة التي تهافت على حطامها فراش النار0 غرباء عن مسقط رؤوسهم, فطوبى للغرباء, العيون ترمقهم من بعيد إكبارا وإجلالا , وبعضها تذرف عليه الدمغ رثاء وإشفاقا , القلوب تود لوانشقت فضمتهم بين حناياها, والصدور تتابع التقاط أنفاسها شغفا في معرفة محطتهم الأخيرة0

غرباء سعداء بغربتهم, مطاردون من قبل الذين يحسبون كل صيحة عليهم, ومع هذا فهم في غمرة النشوة وهم يشقون طريقهم في صحراء الجاهلية المقفرة, كل واحد يترقب منيته بين طرفة عين وانتباهتها, يحرصون على الموت كما يتكالب أهل الدنيا على الحياة0 (فوق صهوة جواده يبتفي الموت مظانه).

مجاهدون في العلا على المدى مجاهدون لنا أزمة الردى وفي الكفاح صامدون

ولقد طالت الحياة وتجاوز العمر الخامسة والأربعين وكنا نود لو لقينا أحبابنا قبل سنين, إنها حياة طويلة تلك التي تفصلنا عن الحور العين وتحجزنا عن جنات النعيم, وإن كان البعض يحس أنه في الجنة قبل أن يدخلها (إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة)0


 

الشهيد مرزوق:لحظات لن تنمحي من مخيلتي ما جرت الدماء في عروقي0

تلك الدقائق الأولى التي قابلت فيها هذا الشاب, على باب الرابطة في مكة المكرمة قابلني لأول مرة مع طبيبين, شاب يتفجر حماسا ويتدفق حيوية, فسألته ممن الرجل? فقال: من ذرى الأوراس0

فواصلت السؤال مستغبربا منذ كم تعيش وأنت بهذه الطاقة العجيبة المتدفقة كان الأولى بك أن تكون هناك منذ سنوات بين أسود القمم, فأجاب علي الفور أنا جاهز, وأجبته غدا ترافقني في الطائرة, فرد قائلا مهلا ولعدة دقائق ريثما أحضر حقيبتي ومرت السيارة بنا على الغرفة التي فيها يقيم وحمل متاع الراكب وهذا حصيلة ما جمع من الدنيا وانطلقت بنا السيارة نحو جدة0

وبدأ يرتب حقائبي ويضع أمتعته وملابسه بين أمتعتي فقلت له: لو وضعت أمتعتك في صندوق كرتون منفردة لكان أولى لأني لا أظنك تسافر معي? فأجاب بلهجة الواثق المطمئن, لابل أنا مسافر -إن شاء الله- فقلت له: عوارض كثيرة تعترض طريقك فلا تأشيرة, ولاحجز, ولاتذكرة مع أن الدنيا أيام حج والطائرات مزدحمة, فقال: إن شاء الله سيسهلها جميعا!!? وبقيت عقبة كؤود وهي انه متأخر في البلد بدون إقامة قانونية لعدة أشهر ثم سهل الله الأمر ورق له قلب الموظف ومضى مرزوق معي ووصلنا مطار إسلام آباد وسهل الله أمره كذلك0

وكان أحد الإخوة من ذوي المكانة في قومه يستقبلنا وعندما رأى مرزوق تفانى هذا الأخ في خدمة هؤلاء الشباب الوافدين على الله قال: (اللهم انقص من عمري وأضفه إلى هذا الأخ حتى يستمر في خدمة المسلمين)0

وجلس مرزوق شهرا في بيشاور وفقد جوازه منذ الأيام الأولى ولم تحظ هذه القضية من اهتمامه شيئا إن قلبه هناك يطير ليسبقه إلى الجبهة ومر شهر كطرفة عين بالنسبة لنا, كان ملء وقت مرزوق الإعداد للقافلة التي تتجهز لتعبر إلى الشمال0

ولقد فرح عبدالله أنس بمرزوق فرحا كبيرا جدا وكأنما عثر على هدية نزلت عليه من السماء وقلما دخلت مكتب الخدمات إلا ومرزوق مشغول بما يعنيه من أمر القافلة وعبدالله أنس يجمع يود لو أخذ بيشاور كلها معه وأنا أقول له (لملم: إجمع) وهو يقابلني بتلك الإبتسامة التي قلما تفارقه حتى في أحلك ساعاته0

ومضى مرزوق, ووصل تخار, واشترك في فتح فرقة نهرين, وجاءت الرسائل منه وكلها نار تتأجح, وأشواق تضطرم, ينتظر ساعة لقائنا, ووصل مرزوق وقال: (لم آت إلا لرؤيتك) ومكث فترة وكان يود أن يجدد جوازا بدل الضائع ولكن الحنين إلى الجبهة لا يدعه يستقر لحظة, والشوق إلى العودة إلى أرض البطولة والفخار في تخار تملك عليه تفكيره وأحاسيسه ومشاعره, ومضى مرزوق وماكنت أعلم أن تلك الوقفة التي وقفتها معه في مكتب الخدمات هي آخر لحظات الدنيا التي نراه فيها0

وقد كان على قدر مع أجله حيث انقلبت به السيارة ففاضت روحه إلى خالقها في (أعظم ورسك) وفي الحديث الصحيح: من وضع رجله في الركاب فاصلا , فوقصته دابته فمات, أو لدغته هامة فمات أو مات بأي حتف فهو شهيد 0

وقد وقصته دابته (أي رمته فاندقت عنقه) فمات فنرجو الله أن يكون شهيدا لقد كان كمية من المتفجرات متجمعة على شكل إنسان تنتظر اشعال الفتيل حتى تبدأ انفجاراتها, لقد كان من الدعاة, المطلعين على ما كتبه المفكرون المسلمون في هذا العصر0

وكان من بين الطلبة البارزين في العمل الإسلامي في جامعة الجزائر0

سلام على تلك الدماء التي مضت تراق لكي تلقاك قانية حمرا

سلام على ذاك الشباب الذي انطوى فآثر دون المجد أن يسكن القبرا

فحيوا الألى باعوا العقيدة أنفسا وفوق قبور الخالدين ضعوا الزهرا

وهناك في(أعظم ورسك) أهيل التراب على جثمان مرزوق وطوي البيرق ونكس انفضت عنه السامر الحزين0


 

الشهيد أبو الحارث اليماني:

صامت لا يتكلم إلا بقدر, مؤدب, يغضي حياء ولا يكاد يرفع طرفه لينظر إلى من يكلمه, على جبينه إشراقة زادها الحياء جمالا ومهابة0 قارىء لكتاب الله ذو صوت ندي شجي, وقفت معه ومع عبد الحميد أوصيهم وأنا أودعهم وهم يزمعون المسير إلى بروان, وقام بدورملموس في بث نور القرآن بين أسد الرحمن في بروان0

قال إخوانه: (لم نر منه إلا الخلق الإسلامي الرفيع وقلما تلحظ عليه سقطة أو زلة)0

عليه سكينة أهل اليمن وحكمتهم وزاده الجهاد أدبا وسكينة0

مكث في غوربند قرابة ستة أشهر, ثم كانت شهادته مع مزروق في نفس السيارة مصباح أشرق ثم اختنق وزهرة زهت وائتلقت ثم ذبلت وصوحت وحلم جميل طاف بنا ثم مضى وسلب معه بعض العقول0

ولد في ذبحان -تعز- وتعلم في المعهد العلمي في صنعاء وهو نفس المعهد الذي تخرج منه هشام الديلمي0

ولقد أفاد كثيرا من المنهج الإسلامي الخالص الذي يدرس في المعهد وخاصة القرآن والقراءة والتجويد والتفسير0

فنقل ما درسه في سورة التوبة إلى واقع حياتي في أرض بروان .

فما الحق إلا قوة وعزيمة يعوزه رمح ويرقبه باتره

ونار تذيب القيد في جمراتها فليس لفك القيد إلاصواهره

الشهيد أبو جهاد (أحمد أبو غوش):

لأول مرة رأيته في معسكر صدى, شاب وسيم, تزين وجهه استنارة الوضاءة مع جلال الحياء وبدأ يحدثني أنني كم عانيت حتى قدمت هنا, وكم لامني العذال وأنا أعد قارب النجاة من حياة ليس عليها أية سمة من نداوة الروح أو شفافية النفس أو صفاء القلوب !! غرق الناس في الدنيا فلم يعد لكلامهم طعم0

ولا تتجاوز الكلمات الشفاه فلا تلامس أوتار الأفئدة ولا تخترق شغاف القلوب0

وعجبت له وهو يحدثني بهذه الحرقة والمرارة كيف لايزين وجهه جمال اللحية? واكتشفت السر أنه كان ملتحيا ولكن السفارة رفضت منحه التأشيرة0

شهيد من مسجد الشهيد: كان جادا في أمره, تخرج من الثانوية, وتخصص في الكهرباء, وعمل فترة في هذا المجال, ثم طلق الدنيا عندما سمع محاضرة واحدة في مسجد الشهيد في جبل التاج في عمان للشيخ تميم العدناني فانطلق لا يسأل عن شئ إلى أرض الشهيد والشهادة طمعا أن يلبس تاج الوقار الحقيقي الياقوته منه خير من الدنيا وما عليها إن للشهيد عند ربه سبع خصال: يغفر له مع أول دفعة من دمه, ويرى مقعده من الجنة, ويجار من عذاب القبر, ويأمن من الفزع الأكبر, ويلبس تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما عليها, ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين ويشفع بسبعين من أهل بيته حديث صحيح0

مسجد صدى هو مسجد الشهيد الحقيقي: هذا المسجد الطيني فريد في نوعه فكم شهدت أعمدته من قائمي الليل, وذار في الدموع السخينة, وتأوهات المشتاقين إلى الجنة وكم تربى بين جدرانه من أسود صانت العهود وأعادت سيرة الجدود وكم من رجال مروا عليه ثم سطروا بدمائهم أروع ملاحم البطولة وكتبت اسماؤهم في سجل الخالدين0

وقد سميناه مسجد الشهيد انجنير حبيب الرحمن أول شهيد من الحركة الإسلامية في أفغانستان, والحق أنه مسجد الشهيد لا بل مسجد الشهداء0

في الطريق إلى تخار: ومع مجموعة من إخوانه صمم أن يخترق أفغانستان من جنوبها إلى شمالها وانطلق أحمد وقلبه يسبقه إلى الشمال ولكن قدر الله جاء بالثلوج التي حالت دون استمرار مسيرة القافلة ورجعوا من الطريق بعد أن كادوا يلقوا حتفهم بين جبال الجليد في نورستان0

ثم إلى ننجرهار: وهذه منطقة قد طوت بين شعابها فلذات من أكبادنا0

ففي شلمان احتضنت سعد الرشود وعبد الوهاب الغامدي, في بداية انطلاقتنا ثم لثمت هذه الأرض فم أحمد أبا جهاد تبركا وتطيبا0

ودعا ذلك الشخص أيها الحفيان أن الوداع أيسر زاد

واغسلاه بالدمع إن كان طهرا وادفناه بين الحشا والفؤاد

واحبواه الأكفان من ط ي القلب كبرا عن أنفس الإبراد

وهكذا وبطرفة عين أسدل الستار على صفحة من صفحات الخلود, نبتهل إلى الله أن يجمعنا جميعا في الفردوس الأعلى, إنه سميع قريب0

من وصية الشهيد:

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله رب العالمين, القائل: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل00) والقائل سبحانه (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم)0

والصلاة والسلام على قائد المجاهدين وإمام المتقين00 وبعد هذه وصيتي أنا الشهيد -إن شاء الله- أحمد محمد نمر أبوغوش المكنى (أبو جهاد) أوصي والدي ووالدتي وإخواني وأخواتي بتقوى الله عزوجل والمحافظة على حرماته والقيام بالطاعات التي أمر بها, وأرجو من الجميع الدعاء بالمغفرة والرحمة, وأن يسامحوني عما بدر مني0

والدي, والدت,ي إخواني, أخواتي الأعزاء:

إعلموا أن هذا الطريق الذي اتبعته إنما هو الطريق الذي أمرنا به سبحانه بأن نتبعه (وأن صراطي مستقيم ا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) والصراط هو هذا الدين, وهذه العقيدة التي يغذيها الناس بحياتهم فتوهب لهم الحياة0

وهذا الصراط قد عبره موكب من النبيين والصديقين والمجاهدين, وهذا الموكب سائر إلى يوم القيامة ولابد لهذا الموكب من ضحايا00 لا بد أن تمزق قافلة الرقيق بعض جوانب الموكب لابد للحرية من تكاليف ولابد أن تصيب سياط العبيد بعض ظهور الأحرار, إن للعبودية ضحايا وهي عبودية, أفلا يكون للحرية ضحايا وهي حرية0

فهذا هو الطريق00 طريق العزة والكرامة والجهاد0

وفي الختام أرجو من الجميع الدعاء بالمغفرة والرحمة0

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الفقير إلى الله: الشهيد أبو جهاد

(2/11/7891ـ01 ربيع الأول 8041هـ)


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

الشهيد اليماني أبو محمد (خالد علي محمد الشرحبي)


 

إن الداعية نعمة يمن الله بها على عباده, وهو في مكان قطب الرحى ومحط الأنظار ومهوى الأفئدة, إليه يفزع الناس في الملمات, وإليه يهرعون إذا تكالبت المشكلات, وحاجة الناس إلى الدعاة أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب, وطاعتهم أوجب من طاعة الآباء والأمهات كما يقول الإمام أحمد عن الدعاة والعلماء, لهم يستغفر السمك في البحر وأهل السموات والأرض, فما أكثر خيرهم على الناس وما اكثر شر الناس عليهم!! من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله, شاب نشأ في طاعة الله, ومعلق روحه في المساجد غضيضة عن الباطل أعينهم, كليلة عن الشر أرجلهم, إنضاء عبادة وإطلاح سهر, منحية أصلابهم على أجزاء القرآن, كلما مر أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقا إليها, وكلما مر بآية عن ذكر النار زفر زفرة كأن جحيم جهنم بين أذنيه.

بأبي هؤلاء الشباب وأمي حيث يسهرون وقد نام الناس ويصومون إذا أفطر القوم, صامتون تقرأ من قسمات وجه احدهم وبريق عينيه كأن هموم المسلمين كلها ملقاة على عاتقه, لا يتكلم إلا بقدر.

كان أبو محمد كما نحسبه ولا نزكي على الله أحدا من بين هؤلاء الذين يعملون بصمت, يأسرون القلوب بابتساماتهم المعبره, ويدخلون الأفئدة دون سابق استئذان, شخصية قيادية, كان كلما رأى مللا بين الصفوف طفق يحدث عن الصبر في الشدائد وهودأب الصالحين, وإذا أبصر تراجعا بدأ يحدث عن الثبات وعن مواقف الرجال والأبطال.

عمله تربية الشباب ربطهم بالله وشد هم إلى صراطه -بإذن الله- ولد في تعز وكان نابغ المعيا ذكيا , وقد كان متفوقا خاصة في الثانوية العامة فقررت الحكومة إرساله مبعوثا إلى جامعة الملك سعود (الرياض) فدخل كلية العلوم, وبدأ الإقبال من أبناء الجزيرة إلى أرض البراكين والحمم والشهب النارية في خراسان, وكان من بين المقبلين في اجازة الشتاء فتعلقت روحه بالجهاد عاد إلى الجامعة ولكنه أودع قلبه بين جنبات المعسكر واصبح شبحا في الرياض, يأكل ويشرب ويتحرك بين الناس ولكن اعصابه وروحه وقلبه بكليتها -تقريبا - مشدودة إلى, هناك حيث تمتزج البطولة بالدماء وبالحديد, فأصبح غريبا بين أصحابه وكما يقول ابن الرومي:

أعاذك أنس المجد من كل وحشة فإنك في هذا الأنام غريب

فهناك مفارقات هائلة بين الموجود والمنشود, بين الواقع الذي تحياه الناس, والمثال الذي يحققه الأبطال في الجبال.

ولم يطق الصبر بين أعمدة الجامعة التي لايسمع فيها سوى أحاديث الطعام وتعدد الزوجات أهو أصل أم لا, أهو واجب على الكفاية ام مندوب والشباب يتهامسون لقد انقصوا الأعطيات الشهرية وقطعوا التذاكر ومنعوا استقدام الزوجات إلى غيرها من الأحاديث المكررة التي أصبحت كأنها مبضع يعمل في جسده, ولابد لهذه الحال من حسم, وترك الجامعة وانطلق إلى المأسدة وأقام في حطين - أحد مواقعها - يعيش مع إخوانه بخلقه الرفيع, وصمته الدائم, وذكره الكثير, وقرآنه أنيس حياته وقلبه فأسر القلوب واستهوى النفوس كان كثير الخدمة لإخوانه, متواضعا .

واختار حطين -كموقع متقدم- حثا للشهادة واستعجالا للقاء ربه.

ونفس الشريف لها غايتان ورود المنايا ونيل المنـى

وجاءت الساعة التي يرقبها منذ زمن وانطلقت قذيفة الهاون وتفجرت في الجو وأصابته مع أخوين له, وهرع الدكتور أبو البشر صهر الداعية عدنان سعد الدين واحتضنه وبدأ يحاول أن يقدم له الإسعافات الأولية ويجري له التنفس كانت الإصابة في قدميه وفي صدره, وجيء بالسيارة وانطلقت تنهب الأرض, وأخذ يذكر الله ثم دخل في غيبوبة, وكان ذلك في التاسع عشر من رمضان.

قد وصلت قد وصلت: كانت هذه هي الكلمات الأخيرة لسؤال أبي البشير كيف حالك فقال: قد وصلت قد وصلت, وفاحت رائحة زكية في الجو كرائحة الآس والأذخر كما يقول الدكتور أبو البشر قال: فعرفت أن روحه قد فاضت إلى بارئها وجاشت مشاعر أبي البشير بهذا الموقف الخاشع المعبر الذي يصغر الدنيا في عيني صاحبها ففاضت أحاسيسه بكلمات شاعرية على لسانه فقال:

أودعته أرض الجنان مزغردا وبقيت ارتشف المرارة في صدا

لما أتاه الموت اعــــرض قائلا إني الشهيد مخلد طول المدى

اذهب فغيرى في المذلة قابع من قبل أن تأتيه بات ممددا

لما تدانى للـــــوداع سألته فأجابني أبشر وصلت مـوفدا

فندعو الله أن يجمعنا وإياه في الصالحين.

الشهيد أبو محمد اليمني:

قالوا استشهد وما علم الناعون أنه كان ومضا لعيوني, وأملا ترعرع عوده في وجداني ما كنت أحسب أنه ينمو على كتف المنون, ذاك الذي كان في صدره حلما أخضرا .. طورا كان يعبر عنه بزمجرة وأطوارا يشدوا به كقيثار حزين, فلقد كان كالأتون.

لقد توج الشيب رأسه برغم عمره الذي لم يتجاوز الثالثة والعشرين, وعلى جبينه تركت أنا ملها السنون, متوضيء الخطوات والكلمات00 صوام العيون00 والإبتسامة لا تخطيء طريقها إلى شفتيه أبدا 00 وكان كأروع مايكون الأصدقاء, وكان كالصفي الرقيق00 (فتيا , أبيا , ذكي البريق, شفيفا , رهيفا , كطل رقيق).

يطل من عينيه عزم كالنهار, وفي صدره دائما أمل يستفيق, وفي أعماق أعماقه ثورة تستعر, كان كتلة من النشاط والحيوية والحركة, يتنقل من مسجد إلى مسجد في منطقته, يلقي فيها ما فتح الله عليه من الدروس والعبر, ويربي البراعم على مائدة القرآن ويحبب للشباب الذين في مثل سنه إسلامهم وعندما كان في خدمة الجيش لم تفتر له همة ولم تكل له إرادة أندفع يعلم الجنود أصول عقيدتهم, ومبادئ دينهم حتى نال رضى ضباطه, وجعلوه مشرفا على المعلمين, وحاز على حب الجند فصار كل فرد منهم ينظر إليه نظر ة اجلال وحب وتقدير00 كان عملاقا بإيمانه, وآماله وطموحه, وفي طرحه الموضوعي عند مناقشته لخصومه, فلم يخدش أحدا بكلمة نابية, وإذا حضر أي مجلس أو مقيل يذكر الجالسين بالله وبهموم أمته وجراحات المسلمين في شتى بقاع المعمورة.

رفض أن يعيش في عصر اللافتات, يلوك الكلمات ويمضغ الشعارات, فنذر نفسه لله, فكان في الصفوف الأولى مع المجاهدين والمرابطين كان سفرا من آلام الكفاح, ونبعا صافيا يتدفق بالحب والإخاء والإيثار00 وذكاء يتألق من خلال سيرته الدراسية, نال شهادة الدنيا بتفوق فلم يرض بها, وأحس أنها شهادة للحطام فلقد حملت نفسه طموحا عاليا وهمة سامية, فتتطلع إلى شهادة عالية, تعلي دعوته, خالدة كخلود رسالته, رفيعة كرفعة عقيدته التي يحملها بين جنبيه, فبحث عن هذه الشهادة, فوجدها في الجهاد, وفي أرض الجهاد أرض الأفغان الطاهره.

أواه -أيها الشهيد- كنت تلميذا فصرت لنا اليوم أستاذا تعلمنا معاني العطاء والبذل في سبيل الإسلام الغالي, علمتنا أن جنسيتك هي عقيدتك, ووطنك هو دار الإسلام, وغايتك الله, وقدوتك رسول الله, ودستورك هو القرآن, وطريقك هو الجهاد.

علمتنا أن نفرتك للجهاد في سبيل الله إنما هي انطلاقة من قيد الأرض وارتفاع على ثقلة اللحم والدم, وتحقيق للمعنى العلوي في الإنسان, وتغليب لعنصر الشوق المجنح في كيانك -أيها الشهيد- على عنصر العقيدة والضرورة, وتطلع إلى الخلود الممتد, وخلاص من الفناء المحدود.

وها أنت ترحل قبل أن تستحم بضوء الخلافة بعد, ولكن لن تستطيع الدموع أن تخذلنا, وستكون التعازي زيتا يخدعنا لتقديم المزيد من الشهداء من أحفاد الأنصار, ولأن آية الشهادة في كتاب ربنا تتلى على مسامعنا كل يوم (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله) فتهدأ كل الأحزان, لأننا نعلم ان الناس يموتون كل يوم.. ولكن الشهيد لا يموت أبدا , ونؤمن أن الله لايختار للشهادة إلا من يطرد الدنيا خارج حدود بدنه, فهنيئا لك الشهادة ياأبا محمد ولكل الذين سبقوك, وليكن استشهادك قمة محترقة, تقذف حماما وبارودا ونارا على التتر الحمر الهمجيين, وأن تشرب الأرض الطيبة العطشى دمك الزكي.

هنيئا لك الشهادة يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح مسك ولإن كتبت بدمائك العبقة وثيقة الشهادة وأذبت فيها روحك بنبل وفائك لدعوتك الراشدة وحلمت بحلمك الأخضر قيام الخلافة الراشدة والدولة الإسلامية في أفغانستان فالتهنأ ولتطمئن فإنا نلمح اليوم طير ينقر غيمات حبل تستنزف منها بعض الطل, وبشائر النصر تلوح في الأفق وبنزيفك الجاري بأطباق الثرى رويت شجرة الحرية المنشودة وكانت تلك الشظية التي أصابتك نبع زلال يروي كل الظامئين للعزة والإباء والكرامة.

فلنبتهل وندعوالله صادقين أن يتقبل الذين انتصروا رغم الإبادة.. للذين عبروا فوق درب الشهادة00 للذين كتبوا بدمائهم الزكية فوق ربى الأفغان.. إنما الموت أحلى ولادة.


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

الشهيد حذيفة المدني (محمد عبد الحميد شحاته)


 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, وبعد:

نقف اليوم صامتين خاشعين أمام قدرة الله وعظمته وآلائه ومنته على بعض الأفراد الذين ذهبوا مع دنياهم كل مذهب, وخاضوفي الأوحال وركبوا لها كل مركب وكأني بأبي نواس يقول فيهم:

ولقد نهزت مع الغواة بد لوهم وأسمت سرح اللهو حيث أساموا

وبلغت ما بلـــغ امرؤ بشبابه فإذا عصـــارة كـــــل ذاك آثام

ثم ذهبت نفحة ربانية وحملتهم إلى الجهاد وتغيرت حياتهم وصاغتهم أهوال الحرب صياغة جديدة وفي أتون القتال صلب عودهم وصفت أرواحهم وسمت نفوسهم.

ومن هؤلاء نموذجان: عبد الحميد البحريني, وحذيفة المدني, وقد استشهد برفقة حذيفة أخوان آخران في قندهار (أبوطارق الفلسطيني, وأبو الحسين السوري).

من أهل ينبع أصلا ثم سكن أهله المدينة, وطاف في الأرض هائما مع هواه, ليس له غاية يحققها ولا أمنية ينشدها, ووصل المغرب وأعجب بجمال بنات المغرب وتزوج منها وكان يتردد عليها من أجل زوجته ثم طلقها, وسمع بأفغانستان وعن الجهاد فيها فاهتزت اوتار إلايمان في أعماقه وسار إلى حيث اضطرم النار ولا يخف لها خوار حيث أرض الأبطال بقندهار.

مع القافلة إلى قندهار: حدثنا أبو ثابت قال: وسارت القافلة تتهادى في هذه المفازة المهلكة التي لا ترى فيها اثرا للحياة وكم سقط فوق هذه المفازة من أجساد, وكم تشربت رمالها من دماء, وكم دفن بين تربتها من أشلاء, كانت غولا مفزعا , وشبحا رهيبا بالنسبة لقوافل المجاهدين وتكاد القلوب تعد نبضاتها لكثرة انتباهها, وتكاد الآذان تلتقط النسمات الهادئه فتحسبها هدير دبابة أو أزيز طائرة, وتكاد الأنوف تحصي أنفاسها فالكمائن كثيرة والدبابات لايقابلها شيء إلا أولئك الذين باعوا أنفسهم لله يخاطرون بأرواحهم ويغامرون بحياتهم, والطائرات تسرح وتمرح غدوا وعشيا تنتظر قافلة مارة أو جمعا متحركا , والطريق تستغرق ثلاثة أيام, وفي السرا يحلو السمر, وبدأ حذيفة يحدث: عن احساسه الداخلي بقرب الشهادة وبدأ يقص رؤيا رآها عن أخية الميت وكان أخاه يستحث خطاه إليه.

كان أبو ثابت آخذ بيد حذيفة وفي الليلة الثالثة وعلى بعد ثماني ساعات فقط من مطار قندهار كــــان لا بد للقافلة ان تمر في شعب الموت, حيث تنحسر الطريق وتظيق بين تبتين متقابلتين, وفجأة وإذا بالرشاشات تلعلع فاتحتا أفواهها علينا ومن الجانبين واشتغلت وسائل إلابادة المتعددة.

يقول أبو ثابت وقعت قذيفة هاون بيننا وأصابت شظاياها جوارحنا أما حذيفة فقد كان الجرح غائرا وصار يئن من الجراح وتحاملت على نفسي وزحفت على بطني حتى التصقت بسفح التبة ثم سرت بين الزحف والمشي, ووصلت إلى راع للغنم ومرت طائرة والبسني عمامته لأنه من الغريب جدا أن يضع القندهاري عمامته, ثم أخذني إلى بيته وهناك عرف أني عربي.

كرم أهل قندهار: وعندما أدرك الراعي أني عربي قام إلى شاة وذبحها إكراما لي وكان بإمكانه أن يسلمني للشيوعيين مقابل مئات الألوف, ولكن إكرام الضيف من أكبر الواجبات وقبول الواجبات فرض بالنسبة لهم, والشاه لها قيمتها.

كنا قريبين من المطار, بعضهم قد لحق بربه, وطفقنا نبحث عن إخواننا العرب حذيفة وأبو طارق الفلسطيني وإبي الحسين السوري وانا متلهف لأرى مصيرهم

وذو الظمأ المشتاق لا يعرف الوغى ولا الضعف حتى يستبين له الورد

وكان لابد من التأكد ودلونا على جدثيهما ورأيت حذيفة بعد ثلاثة أيام ودمه لزج وجسده لم يحصل له أي تغيير رغم ان الشيوعيين مسودة وجوههم منتفخة أجسادهم والصديد يسيل من أنوفهم وأفواههم.

هكذا مضى محمد عبد الحميد إلى ربه رغم أنه لم يتم الأشهر الثلاثة في ساح الجهاد ونرجو الله أن يكون هذا دليل القبول اذ ان عمروبن ثابت بن أقيش -الأصيرم- دخل الجنة ولم يركع لله ركعة كما كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: على أبواب قندهار ومنذ الأيام الأولى خلع محمد أثواب الجاهلية وتدثر بالأخلاق الإسلامية من شجاعة وأخلاق وتضحية وإصرار.

أصهر بنارك غل عنقك ينصهر فعلى الجماجم تركز الأعلام

واقم على الأشلاء صرحك انمـــا من فوقه تبنى العلا وتقـام

الشهيد أبو طارق الفلسطيني:

رأيته في المكتب تلمح في عينيه بريق المضاء وعرما وسناء ذهب إلى قندهار وعاد يطلب المساعدات للجبهة

لفت الورى منك الزئير فزمجر من حوله غاب

عـرف الطريـق لحقـه ومـشـى لـه الجـدد الصواب

شاب أصله من غزة ولد بعيدا عنها في جدة وترعرع فيها ولكن قلبه معلق بالأقصى ووجد أن الطريق الجاد نحوا الأقصى هوالإعداد والإستعداد فلا بد من البحث عن ساحات غير منابر الكلام وميادين الخطابة فاتجه إلى ساحة النزال, وكان على قدر وقد كتب الله لي ان اودعه بتلك الدقائق العشر التي وقفتها معه في مضافة سعد الرشود(مكتبنا) وكان اللقاء في الله مع أخويه حذيفة وأبي الحسين السوري, في السادس عشر من شعبان سنة (8041هـ.).

وجسم تجدل في الصحصحان تناوشــــه جارحات الفلا

فمنه نصيب لطيــر السماء ومنه نصيب لأســد الشرى

ولولا حزن بنات غزة لتركناك يجمعك الله من بطون السباع وحواصل الطير.

الشهيد أبو الحسين السوري:

اسمه الحقيقي عبد الفتاح محمد عبد الرحيم السواري سوري الأصل سعودي الجنسية من مواليد جدة حيث تعيش اسرته, انهى الدراسة الثانوية ثم دخل الجامعة وفي السنة الثانية من دراسته الجامعية صار يتقلب على الشوك وادق أجفانه صرخات المظلومين وأنات الثكإلى وصيحات العذارى التي تدوي في سفوح الهندكوش فلم يطق الحياة مع الكلمات الباردة التي يخزنها قوالب في ذهنه ثم يفرغها على ورقة كيما ينال ورقة يعمل بها -إن تيسر الأمر- معلما بألفى ريال.

عاش أحداث حماة التي لا تحتمل مرارة العيش من قبل وأخذت لواعج صدره تشتعل غيظا على الظالمين.

كان اليفا مألوفا محبوبا من قبل الصغار والكبار, يزين وجهه اتزان صامت وهدوء ملحوظ, كان مواظبا على صلاة الجماعة, وجاء القدر المقدور لانطلاقة الخلود فيمم شطر قندهار.

نفسه طوع همـــة وجمت دونها الهمم

وانطلق يرفرف بأجنحة الشوق ويطير بوقود الصدى مع قافلة حذيفة وأبي طارق حيث الردى ينتظرهم بمرصد.

وفي كويتا سرى النبأ سريان النعي في يوم عرس ووجم الجميع وهم يستقبلون نبأ وداع ثلة من الآخرين.

الشهيد عبد الحميد عبد الله البحريني:

وهكذا كان وقع نبأ استشهاد عبد الحميد البحريني على قلب إبراهيم كالصاعقة, لقد كان وقع الصدمة عنيفا على قلب ابراهيم الرقيق الرؤوف اللطيف, لم يتعود إبراهيم أن يواجه أنباء مزلزلة لكيانه وهازة لأركانه كهذه, ما كان يتصور أن يفارق عبد الحميد في رحلة طويلة لالقاء بعدها إلا فوق السرر الموضونة إخوانا متقابلين إذا كتب الله لهما ذلك اللقاء0

وكان الخبر عنيفا على فؤاده فبدأ يستعيد شريط ذكريات طويلة لرحلتيهما فوق أرض البراكين والشهب والزلازل والجماجم:

بدأ نا المسير معا باحثين عن قضاء إجازة ممتعه مريحة ننطلق مع أماني الشباب التي لا تتعدى نسمات علي ة بين اشجار غابة جميلة تمسح عن أنفسنا عناء حرارة البحرين وتنسينا جوها الحار الخانق.

وتهب علينا نفحة ربانية لإنقاذنا من أوضار الجاهلية التي نتقلب في أوحالها إذ تقع في أيدينا صحيفة تتحدث عن أخبار الجهاد وأنباء انتصاراتهم.

وتستثيرنا الأنباء ويبدأ التفكير باللحاق بقوافل الأفذاذ وتحول التفكير إلى تصميم.

في سفارة كابل: وبدأ التنفيذ وتوجهنا إلى السفارة الشيوعية في إسلام آباد وسألناهم عن إمكانية أخذ تأشيرة للذهاب إلى كابل فسألونا عن السبب فقلنا نريد الجهاد مع المجاهدين وأخذ موظفوا السفارة يبتسمون وينظرون إلى بعضهم وأدركنا أننا أخطأنا المعبر, فخرجنا بعد ان عرفوا أننا من البحرين.

ومن فضل الله علينا أن مكتب المجاهدين كان قريبا ورتبوا أمر أرسالنا إلى بيشاور ومن هنا طلبنا التوجه إلى جبهة ساخنة, طاحون الموت لا يتوقف فيها من الهدير, وكانت أقرب الجبهات الساخنة جبهة لوجر حيث الدكتور ولي الذي التقت القلوب على احترامه واتفقت الناس على اجلاله.في اللوجر: ونزلنا على الدكتور ولي في خير دار ووقعنا على أحسن جوار وإنسانا حبه ذكر الأهل والخلان, وفي مرابع لوكر سلونا المنشأوالجيران وبدأت حياتنا تصاغ على لحن الكفاح, تصغر في أعيننا تلك الهإلات الضخمة التي كانت تهز المنابر وصار مثل الدكتور ولي وأمثاله من الشباب الذين يصنعون حياة الأمم بأرواحهم ويخطون تاريخها بدمائهم ويبنون أمجادها بأشلائهم كان لابد لنا أن نردد.

نقضي على حد الأسنة لا النمارق والوســـائد

لسنا كمن يرغى على الأعواد بالخطب الرواعد

وقضيناها فترة شاعرية وليال مرت كأحلام الصبا عذبة المذاق حلوة الطعم وظننا أن رحلتنا ستطول مع هذا البطل ولكن:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

وما هي إلا ايام قلائل حتى أقبلت قوة العدو بأساطيله الجوية والبرية ودارت رحا الحرب الزبون وكان معنا الشهيد عبدالوهاب الردة الغامدي, ويعقوب وأبو العز السوري وخرج البطل د. ولي ليدافع عنا ويطمئن على سلامتنا ودارت معركة المواجهة واختطفت يد المنون قائدنا وأصيب عبد الحميد برصاصة كسرت يده وكذلك يعقوب وعدنا نحمل عبد الحميد ليتلقى علاجه في أفغان سير جكال ولم تسطع المستشفيات الباكستانية ان تتقن علاجه وتوجه إلى لندن وعلى حساب بعض المحسنين ومن الله عليه بالشفاء وعادت يده إلى حالتها الطبيعية.

إلى قندهار: وتحسسنا أخبار الجبهات مرة أخرى فكانت الألسنة تتداول أخبار الأحداث المجلجلة التي تدور رحاها في قندهار وشددنا اليها الرحال وهنالك ترى من الأهوال ما يدق عن الوصف وهناك المجاهدون.

قيام بأبواب القباب جيادهم وأشخاصهم في قلب خائفهم تعدو

معارك تدور في وسط الشوارع لا تبعد عن العدومائة متر.

والمجاهدون فيها كما يصفهم ابن القيم: (تلمح القوم الوجود ففهموا المقصود فأجمعوا الرحيل وشمروا للسير في سواءالسبيل,فالناس مشتغلون بالفضلات وهم في قطع الفلوات, وعصافير الهوى في وثاق الشبكة ينتظرن الذبح).

وعمل مع المجاهدين في قندهار وهو ينتظر الشهادة كل لحظة, وعمل مع قائد الإتحاد توران عبد الستار واستشهد.

القائد جاتان: وهنالك شاب لايتجاوز السادسة والعشرين, سيماه الحياء, صدره يغلي كالمرجل ولكنه لايرفع عينيه في جليسه حياء وأدبا, شجاع:

همام إذا ما فارق الغمد سيفه وعاينته لم تدرأيهما النصل

ومع جانان وبين أهل قندهار وجد عبد الحميد نفسه وأهل قندهار لهم سمات يتميزون بها عن أهل أفغانستان, فالشجاعة دثارهم والكرم سجيتهم والحياء فطرتهم والصلابة لحمتهم, والصبر سداهم وتتميز نساء قندهار باحتشام عجيب في جميع البيوت سواء متدينهم أوفاسقهم, ولذا فأن الملك ظاهر شاه عندما أصدر مرسوما بكشف النقاب عن الوجوه أبت نساء قندهار ووقفت بصلابة أمام المرسوم الملكي واتبع الملك هواه وأصر.

وكان لابد من إرسال جيش بقيادة خان محمد لتنفيذ القرار الملكي, ودارت رحى معارك سقط نتيجتها قرابة ألف رجل وعاد الملك يجر ثياب الخزي والخذلان ويعض أصابع الندم والحسرة.

أضف إلى هذا أن أهل قندهار من الجنس البشتوني (الباتاني) المعروف بصلابته وخشونته وشجاعته.

كرام إذا اعطوا شموس إذا بدوا كثير إذا نودوا قليل إذا عدوا

عمليات جريئة في قندهار: وفي قندهار جرت عمليات جريئة ولك أن تأخذ صورة عن كثرة العمليات أن أحد زملاءه حدثني: انه مر شهر لايمر فيه يوم إلا ويدخل عملية تستمر من الصباح إلى المساء, وأعدوا سيارة متفجرات وأرسلوها إلى كابل, وأحدثت انفجارا هائلا سبب خسائر ضخمة وتناقلته وكالة الأنباء العالمية وأحدث دويا كبيرا في الأوساط السياسية والإعلامية.

وجاء اليوم الموعود وصار عبد الحميد مع جانان يعد ان لعملية أخرى شبيهة بسابقاتها وانفجرت الألغام وتمزقت اجسادهم وتناثرن لحومهم وحاول الإخوة أن يجمعوا من لحومهم ومضى عبد الحميد مع جانان لحوقا بالشهيد عامر الأكوع الذي بارز مرحبا زعيم خيبر ورجع سيف عامر عليه فقال ص: إنه يؤتى أجره مرتين .

المثال الحي: ومضى عبد الحميد مثالا حيا لمن أراد أن يمن الله عليه بالتوبة ويعلي مرتبته بالجهاد بعد جاهلية وضياع.

فهنيئا لعبد الحميد الشهيد ونرجو الله أن يكون قد تقبله في الصالحين وأعلى مكانته في عليين وهنا يتوقف شريط الذكريات في ذهن إبراهيم ويدرك النقلة الهائلة بين ذلك اليوم الذي دخل فيه السفارة الشيوعية في إسلام آباد أو عندما قابل سير فراز المسؤول في الحزب الإسلامي وسأله سرفزارعن الإسلام وعن بعض الكتاب اللامعين من المسلمين كسيد قطب فأجاب إبراهيم: نعم إنه كان يدرسنا في العام الماضي في الجامعة في البحرين, وهو يرى رحمه الله في هذه النقلة الكبيرة والمسافة الشاسعة التي قطعتها نفسه بين الأيام الأول في اللوجر حيث تعلم الصلاة عند د0 ولي وبين هذه الأيام وقد نضجت نفسه وارتفعت اهتماماته وصلب عوده وأصبح من رجال أعظم قضية في الأرض.


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

الشهيد عبد الرحمن المصري (الركن الذي ثوى)


 

وهكذا عاش عبد الرحمن غريبا ومجاهدا غريبا واستشهد غريبا , وهكذا كان أبو ذر رضي الله عنه طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله, أشعث رأسه, مغبرة قدماه, إن كان في الحراسة كان في الحراسة, وإن كان في الساقة كان في الساقة, إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع البخاري.

سبق الشباب العرب إلى أرض المعركة والتقى مع الشيخ جلال الدين, وتعلقت روحه بجبهة خوست وجور, وأصبح الشيخ جلال الدين قدوته على هذا الطريق -بعد رسول الله ص- لم يكن يطيق فراق الجبهة ولايغادرها إلا لحاجة ماسة أوضرورة بارزة.

كنت أراه بين الحين والآخر فأعاتبه عتابا رقيقا لأني أطمع أن أظفر برؤيته والتحدث إليه فكان يغضي حياء إذ أن طبيعته الصمت ومن سماته الحياء هذا إلى الشجاعة التي كانت من معالم شخصيته البارزة في جاهليته وإسلامه.

في الإسكندرية: ولد وترعرع وكان يهوى البطولة ويعشق القوة وفي عرصتها كان هذا الفتى يحمل سكينا به سلسال يلوح به كرمز من رموز الصعاليك الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا .رجل تمرس في الصعاب ولم تنل منه الصعاب

لوهمـه انتاب الهضـاب لدكدكت منه الهضـاب

إلى أفغانستان: وسمع بدوي القذائف وزلزلة الأرض وتفجير البراكين فوق أرض الغزنوي وصمم أن يكون بين هؤلاء القوم الذين يكاد الخيال يحسبهم جنا في ثياب أنس.

وترامى إلى مسامعه في بيشاور خبر الشيخ جلال الدين حقاني وصمم أن يكون في جواره وأن يواصل معه المسيرة التي تصنع التاريخ وتبني الأمجاد وتحيي الأمم.

عبس الخطب فابتسم وطغى الهول فاقتحم

وفي هذه المنطقة وبين جبهاتها ارتبطت روحه وتعلقت نفسه فما يستطيع لها فراقا ولايصبر عنها بعدا , يستوحش عن بيشاور حيث يأنس القاعدون, وينفر من مجالس القيل والقال حيث القوم راتعون يحللون الأحداث السياسية ويرتبون المجاهدين في مراتب ودرجات كما تسول لهم أنفسهم.

ومنذ قرابة خمس سنوات وعبد الرحمن هنالك في أرض الجبهة, لاتسأل عنه إلا قيل لك عمل عملية على باري, ضرب مطار خوست, في جور وماني كانداومع صاحبه أبي حفص, ومصطفى وأبي عبيدة.

ثم انشغل أبو حفص بأعمال أخرى, في إسلام آباد, في المأسدة وبقي عبد الرحمن بجانب الشيخ جلال الدين.

كم من منزل في الأرض يعشقه الفتى وحنينه أبـــــــدا لأول منزل

الزواج: وجاءني الإخوة وقالوا نريد بيتا لعبد الرحمن فهويريد الزواج, فقلت لهم أعطوه بيتا وافرشوه بما تيسر من متاع وادوات, وتزوج عبد الرحمن وصار يعطي أهله بعض وقته الذي كان خالصا للجبهة من قبل ووجد أن هذا الوقت قد أصبح يضيع على الجبهة, وعرض الأمر على الشيخ جلال الدين حقاني فوفر له بيتا في ميرانشاه وانتقل إليها وودع بيشاور وداعا غير وامق, وعاش على قرب ساعة من الجبهة يأتيه أحيانا بعض إخوانه العرب ومعظم أوقاته وحيدا وهو يتقن الفارسية فعاش بين الأفغان كأنه أحدهم وكثيرا ما كان رجال الأمن من باكستان يمسكون بعض العرب أما هو فيتركونه بسبب لغته ظنا منهم أنه أفغاني, لا يستوحش إلا البندقية ولا يأنس إلا بوحدته وسلاحه.

فيم انفرادك لا أنيس تـــراه في القفر المخيف

في ربقة الوهج الحرور وغــل عاصفة عصوف

صبرت للهوج اللوافح في الضحى صبرالأنوف

وطلبت وحدة راهب فيهـــا وعزلة فيلسوف


 

الشهادة: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ), لقد تعرض عبد الرحمن عدة مرات للموت المحقق ولكن الله ينجيه إلى القدر المحدود, وكان آخر الحوادث التي تعرض لها حادثة سيارة استشهد من فيها ولم ينج إلا عبد الرحمن وأخر وقبل وآخر, وقبل أيام جاءت سكرة الموت التي لامفر منها, وسقط الركن القوي مجندلا بدمائه, وغادر عبد الرحمن دون تحية وداع ولا عناق أحبة.

كسا دمه الأرض بالإرجوان واثقل بالعطر ريح الصبا

وعفر منـــــه بهي الجبين ولكن عفارا يــزيد إلبها

وبان على شفـتيه ابتسام معانيه هزء بهذي الـدنى

ونام ليحلم حــــلم الخلود ويهنأ فيه بأحـلى الــرؤى


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

ليث بروان وشهيد رمضان (موحد)


 

رجع أبو سيف من هرات يحدث عن بطولات أرض الفخر الرازي والأحنف بن قيس وعن ضراوة القتال الذي تدور رحاه في مفازة واسعة لاترى فيها عوجا ولا أمتا.

وكان اسم موحد من بين الأسماء التي تتردد على لسانه ويقول قدم من بروان يجوب أفغانستان يحاول أن يلم شعث المجاهدين ويوحد بين صفوفهم ومنذ ذلك الوقت ونفسي تتوق للقاء موحد.

والتقيت به شاب يتفجر حماسا ويتدفق حيوية وينضح غيرة, يتكلم العربية رغم أنه لم يتخرج من جامعة إسلامية أوعربية.

همام إذا ما فارق الغمد سيفه وعاينته لم تدر ايهما النصل

في معهد الأنصار: وكان اللقاء الأول في معهد الأنصار وعرضت عليه أن يعمل مشرفا في معهد الأنصار لبث روح الحماس في نفوس الطلبة وإذا بة العصبية الحزبية أن ظهرت بين الطلبة بالإضافة إلى العلم الشرعي الذي بإمكانه أن ينهل منه وهو يعيش بين جدران هذا المعهد ويصاحب إبان إقامته أساتذته من حملة القرآن ومدرسي الفقه والتفسير والعقيدة.

ولكنه استمهلني وإذا بأبي الحسن المدني يفتح له معهدا خاصا يقوم بالإشراف عليه لتربية نماذج جهادية خالصة من روابط الطين وأواصر القوم والجنس.

في اللقاء التاريخي: في جارصدا الذي ضم قادة الجهاد السبعة يعاهدون المئات من الألوف على استمرار الجهاد ورفض المؤامرات العالمية على هذا القتال المبارك.

وبجانب حكمتيار شاب قد ضحل (بح) صوته وهو يهتف بالوحدة وضم الصفوف ولم الشتات.

كانت الجماهير المسلمة المجاهدة تلتهب حماسا ولكن هذا الشاب قد لفت انتباه الجميع وتسمرت العيون نحوه وشد القلوب إليه بما كان يفيض على لسانه وعلى قسمات وجهه من غيرة وحماس.

وعندما تكلمت عن موحد: قال أحمد شاه رئيس حكومة المجاهدين المؤقته أنه فتى ذلك اللقاء التاريخي.

نحو بروان: وأعد موحد قافلته وبدأ يجهزها ولم يرد له أبو الحسن طلبا طمعا منه أن يكون لهذا الشاب دور في توحيد صفوف بروان وانسابت الكلمات على لسان موحد: إن كتب الله لي الشهادة وشفعني في أحد من خلقه فسأقول له: إن أول مسلم اشفع فيه هوأبوالحسن المدني.

القافلة: وسارت قافلة الإيمان ومعها مائتا جمل محملة بكل شي وحاد الركب فتى الفرسان -موحد- وسبقت الأخبار من المنافقين إلى القيادة الشيوعية في كابل وانطلق الطيران محموما يصب جام غضبه على هذه الجمال وبدأ يطاردها بين السفوح والهضاب والوهاد والشعاب.

وبدأت الجمال تتساقط ويتفجر ما عليها من ذخيرة ويحترق ما فوقها من متاع, وموحد يواكب القافلة تحت الحمم المتساقطة والشهب المنقضة ويصر على المواصلة وأخيرا وصل موحد إلى مركز بروان (جاري كار).

أسد فرائسها الأسود يقودها أسد تصير له الأسـود ثعلبا

وبدأ نشاطه الجهادي واستلم إمارة المنطقة وبدأ بالتعليم والتوحيد.

محور العمل ومحط الأمل: كان موحد في نظر الجميع قطبا متعادلا لا يمكن أن تلتف حوله القلوب, وأملا أن يجمع الله حوله النفوس وكانت الوحدة بينه وبين القائد شفق (في بجرام) والقائد فتحي وعلى أيدي الإخوة العرب.

وكان يطمع أن يمتد به الأجل حتى ينظف المنطقة من الجواسيس وعيون الدولة المنافقين الذين نجحوا -إلى حد ما- في الإيقاع بين الإخوة المجاهدين وغدت سيارة (الجارود) لا تتوقف عن الحركة ولا تكف عن التنقل تذرع بروان من شرقها إلى غربها والعيون تتابعها أينما سافرت لأنها بإذن الله صارت محط الأمل في لم الصفوف وجمع الكلمة, وكان موحد والجارود عمودين صلبين بارزين في هذه المحاولة التي هي خير من نوافل الصلاة والصيام وهي إصلاح ذات البين, (لأن فساد ذات البين هي الحالقة لاأقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين).

واستمر موحد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في داخل معسكره بدأب لايعرف الملل وهمة لاتعرف الكلل, مع محاولة جادة في المنطقة لإزالة الخلافات التي أظهرها المنافقون.

الحتف مع الفتح: وبدأ موحد يعد الخطة لفتح المنطقة المحيطة وإزالة القواعد الشيوعية منها, ولابد أن يقود المعركة بنفسه ففتح ثلاث قواعد وبعد الفتح أصابته قذيفة هاون كانت فيها نفسه ولقي فيها حتفه.

يزدري الأعادي في سماء عجاجة أسنته في جانبيها الكواكب فتسفر عنه والسـيوف كأنما مضاربها مما انفللن ضرائب

هول النبأ: ونزل النبأ على قلوب المجاهدين سواء في الجبهة أو في خارجها نزول الصاعقة.

فعلق المهندس حكمتيار وهو يتلقى الصدمة بالنبأ المزلزل وقال: ما أحببت أحدا في الدنيا كموحد وددت لو فقدت أبنائي فداء لموحد.

وسرى النبأ سريان النعي في يوم عرس, وتداعت الأحزاب لتأبين الفارس الذي ترجل وتوسد التراب.

صيامه وقيامه: يقول أنس رضي الله عنه: ما كان أبو طلحة يصوم في عهد رسول الله ص فلما توفي رسول الله ما رأيت الدخان في بيته نهارا قط فقد كان أبو طلحة يفطر من أجل الجهاد وإذا كان في المدينة ما كان يفطر .

وهكذا موحد في بيشاور: يقول أبو الحسن المدني: كثيرا ما كان يزورني موحد في بيشاور, وما أذكر أنه ذاق طعاما في بيتي نهارا بسبب الصيام ونام ذات ليلة في بيتي فراقبته فقام من الليل طويلا ثم صلى بنا الصبح فكنت أحس أن القرآن غض طري يفهمه ولومن كان أعجميا.

لم يدخل مدرسة شرعية ولا عربية ومع ذلك فقد كان يتقن العربية ويتكلمها بطلاقة.

هاجر وعمره (31) عاما أيام داود ومنذ ذلك الوقت بدأ مسيرة العرق والدم يتجرع الغصص ويتكبد المرارة وبقي يحمل راية الجهاد حتى سقط في التاسع عشرمن رمضان شهيدا , وقد كان سبب الفتوح أن الشيوعيين أعدوا العدة للإحتفال بالعيد العاشر للثورة في السابع من ثور فآلى على نفسه أن لايسمح لهم بالإحتفال وأن يؤرق عليهم أجفانهم وأن يحرق عليهم بيوتهم, فنسق مع المجاهدين في المنطقة وفتح المراكز المحيطة ولقي الله في رمضان وندعو الله عزوجل أن يجمعنا به مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

ومضى موحد وترك على درب اليتم الطويل زوجة وولدا وبنتا يتقلبون بين فكي اليتم والفقر وبين حجري الجوع والنوى.

لهم الله هؤلاء أشبال الشهداء وأبطال غد العزة والسناء.


 


 


 


 


 


 


 


 

الشهيد خالد علي القبلان (أبو الوليد)

أقبل الصيف واشتدت ضراوة المعركة واضطرم أتون القتال وبدأت الساحة تشهد سقوط الشهيد تلو الشهيد ونحن اليوم امام كوكبة من فرسان المعركة ودماء الشهداء هي التي تمد هذه الكلمات التي نكتبها وتعطيها حيوية وحرارة ونبضا ومضاء وسناء, ويحلوللقلم ان يكتب عن الشهداء لأن دماءهم هي التي تخط تاريخ الإسلام عبر المراحل التاريخية.

ليس في موطني الكبير عظيم يستحق الثناء غيـــــر الشهيد

أ و إمام يقودنـــــــــا لجهاد في رحاب الأقصى لدحر اليهود

في صباح هذا اليوم كنت متوجها نحو قاعدة عبد الرحمن المصري الشهيد في (باري) وعلى الطريق التقينا بأخوين عائدين من القاعدة فانتحى بي على جانب الطريق (أبو سعد النجدي) وأسر في أذني أن الأخ أبا الوليد قد استشهد بالأمس الجمعة في الساعة الثانية والنصف في (42/11/8891م) فأجبته قائلا : هنيئا الشهادة.

وهذا الخبر جعلني أغذ الخطى نحو القاعدة, ووصلنا القاعدة وتلقانا الأباة الصيد من أبناء يعرب ولسان حالهم يقول:

قد هجرت الفراش غير جزوع ومن الشوك قد اتخذت غذائي

أرقب الفجر في الظلام وأرجو عبقري السنـا كريم الضياء

وسألناهم متلهفين عن أحوال أبي الوليد فطفقوا يحدثوننا قصصا وكأنها أوصاف لرجل من القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخير.

قالوا كان يختار حراسته من الثانية عشرة إلى الواحدة ليبقى بعدها قائما حتى الفجر وقلما ينام بعد الحراسة إلا إذا كان مرهقا.

وفي ليلة الجمعة حرس في موعده المحدد وبقي قائما حتى الفجر وكان ينازعنا دائما على الأذان ثم أذن الفجر وصلينا وقرأ اذكار الصباح ثم اختار قذائف الهاون وانطلقنا -نحن الثلاثة- (أبو سعد النجدي, وأبو دجانة الريمي الصنعاني, وثالثنا وهو الشهيد أبوالوليد).

وطيلة الطريق كانت شفتاه تتحركان بالقرآن والصلاة على النبي ص, وعندما وصلنا بادرته قائلا أتممت سورة الكهف فأجابني: بالإيجاب.

لقد كتب الله الخاتمة التي نحسبها طيبة في هذه الساعة المباركة إذ اعتاد الإخوة أن يبادلوا المركز الشيوعي القريب القذائف وبينما كان خالد يهم بايقاف المعركة لهذا اليوم استعدادا للغد, وإذا بقذيفة الموت تأتيه لتكون حياته الأبدية.

فموتي في الوغى عيش لأني رأيت العيش في أرب النفوس

صيام خالد: لقد عرف خالد بكثرة صيامه للنوافل فكان يصوم الإثنين والخميس والأيام السته من شوال والأيام البيض من كل شهر (الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر).

موقف الوالدين: ومن البركات أن تكون والدته ممن يشجعه على الجهاد وترسل الرسائل بهذا الشأن.

مولده ودراسته: لقد كان (الرس) في القصيم هو البلد الذي رأى فوق أرضه النور, وبعد دراسته الثانوية التحق بجامعة الملك سعود في الرياض بكلية الهندسة -قسم العمارة- ولكن نفسه عافت حياة الترف والتقلب على الفراش الوثير وضحى بالرسوم الجافة التي لاتفارق لوحة الدرس, وأصبحت كميات الحديد والإسمنت أبغض المسميات لمسامعه.

يتردد على المسجد فلا يسمع الحديث الذي يعزف عن أوتار قلبه فصار يسائل نفسه:

أين السيوف التي في كف معتصم صالت على البغي من فرس ورومان

فلم تجبني من القعقـاع نخوته ولم أجد في جموع القوم شيباني

وأخيرا قرر أن يطلق الجامعة ثلاثا لارجعة فيها فانطلق وهويردد:

الرأي رأيك يا مــدافع فانطقي واحمي الذمار

الشهيد مازن ملوش (أبو عمرو المكي) -مؤذن الجامعةـ:

وهكذا صو ح السكن الجامعي في الكيلو (6) في جدة من شاب رافع الهامة.

تتوج رأسه قبعة أفغانية لا يخلعها في المنزل ولا بين حجرات الدراسة.

وافتقد مسجد السكن ذلك الصوت الندي الشجي الذي كان ينطلق مع انبلاج الفجر, وكأن جدرانه تهمس في أذن السامعين

ناح قيثاري الحزين فحنت لصدى النوح قاسيات الصخور

بلبلي ضاق بالنشيد فولى وتخلى عن عشه المعمور

نعم إن مازنا يقوم الليل ويجاور في الحرم المكي طيلة شهر رمضان, يسمع ترتيل القرآن من فم الحذيفي والسديس وعلي جابر, ولكنه لا يستعذبه تلك العذوبة التي كانت تترك حلاوتها في قلبه أيام إن كان في أرض الجهاد, نعم يتحدث عن الجهاد الأفغاني ولكن شتان شتان بين الأقوال والأفعال.

حقا إنه لا يدع مقاما يقوم فيه لله إلا ويقفه وينكر المنكر, ولكن سورة التوبة تقض عليه مضجعه وتؤرق عليه أجفانه, إن آيات القتال تأبى عليه أن يقعد بين النساء والأطفال, شأنه شأن المقداد بن الأسود عندما رآه أحد التابعين جالسا على تابوت -طاولة- أمام أحد الصر افين في حمص وقد زاد جسمه عن التابوت فسأله مستغربا: ألا تقعد هذا العام? فأجاب المقداد: أبت البحوث (التوبة ) أي رفضت سورة التوبة القعود.

الخروج: لقد راع مسؤول قسم التسجيل في جامعة الملك عبد العزيز انسحاب الطلاب وبهذا العدد الملفت, ومما هاله انسحاب مازن من الفصل رغم أنه لم يبق له سوى ساعات قليلة حتى يأخذ شهادة الهندسة فنصحه وجهد في النصح ولكن المحب عن العذال في صمم.

إن قلبه في أفغانستان مع حبيبه الجهاد:

ما بال عينيك قد أزرى بها السهد كأنما جال في أجفانها الرمد

أمن فراق حبيب كنت تألفه قد حال من دونه الأعداء والبعد

في حي النزهة في مكة: واشتاق حي النزهة -الذي ضم هذا الشاب منذ نعومة أظفاره- إلى طلعة هذا الشاب.

لقد كانت ملامحه معروفة لأبناء هذا الحي, فكم من منكر أوقف سيارته ليزيله على يديه, وعرفه الحرم المكي عابدا مجاورا معتكفا وخاصة في أيام رمضان ولربما اعتكف الشهر كله.

حدثني أبو حمزة المؤذن: دخلت ذات ليلة في السحر مسجد السكن لأسبق إلى أذان الفجر فوجدت مازن ملوش قد سبقني إلى المسجد يقوم الليل ينتظر الفجر أن ينداح.

ويواصل أبو حمزة: كان اسم مازن يتردد على ألسنة الطلبة الجامعيين وكان في أعماقي رغبة أن أجمع بين الأسم والصورة حتى رأيته في ذلك ليوم.

كان صامتا ولكن صمته يبذ الناطقين, وفي صدرة مرجل يغلي حسرة على هذا الدين الذي تتناوله معاول الأعداء من كل جانب, ويتناوش أشلاءه الأقارب والأجانب.

كان يحن لصليل السلاح ودوي المدافع ودمدمة الرصاص وهدير الطائرات.

ويتلفت مازن في الأرض فلا يرى شعبا رافع الرأس مشمخر العرنين يناطح السحاب سوى الشعب الأفغاني الأبي.

مجلحين ولا يلوون قد ملئوا عزا ودونهم العوصاء والكود

الرخصة: وقبل أن يغادر مازن الجامعة كتب كلمة كانت كلماتها الشهب الحارقة وعلقها على لوحة السكن وأوجرت كلماتها القلوب فتركت فيها مجلا (رملا) من الصعب أن يندمل.

ووصل إلى صدى ليوم اويومين ثم كتب الله له أن يشارك في قافلة متجهة إلى الشمال إثر أبي عمر وفي الشمال حمله أبو عمر ومبلغا من المال معه وكان يتجول بين الجبهات وعرفه العرب والأفغان لا يحل في مكان إلا ويترك فيه أثرا طيبا .

يدخل الجبهة لأيام ويرى بأم عينيه حاجتهم ثم يتوجه إلى السوق ويشتري لهم الطحين والسكر والأرز ثم يغادرها إلى غيرها وانتشرذكره وشاع اسمه بين المجاهدين وبقي مازن كما هولا يدع منكرا إلا ونبه إليه, وبقيت عبادته وصيامه وقيامه, وتقبل من الناس واحتل حبه شغاف القلوب.

وقد يسر الله له الأمور بتقواه -كما نحسبه ولانزكي على الله أحدا- (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا) (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا).

والكلمة التي تحيا إنما تقتات قلب إنسان حي وتصل إلى أعماق القلوب لأنها خرجت من القلوب.

أما الكلمة التي تخرج من الفم فإنها تولد ميتة والناس لا يتبنون الأموات.

وحانت شعوب (المنية): وعندما حان الأجل خرج مازن بمجموعة من المجاهدين ليقوم بجانب عمله الجهادي بمهمة أعظم وهي الأصلاح بين بعض الفئات المجاهدة ودخلت المجموعة مسجد القرية وعلم بعض أعداء الله بهم ودخلوا عليهم المسجد وقتلوهم.

وسرى النعي في قواعد المجاهدين, ونزل الخبر كالصاعقة على قلوبهم وحق لهم أن يقولوا:

يا عين جودي بفيض غير أبساس على كريم من الفتيان أباس

صعب البديهة ميمون نقيبته حم ال ألوية رك اب أفراس

أقول لما أتى الناعي له جزعا أودى الجواد وأودى المطعم الكاسي

صرخة بقلم/ الشهيد أبي عمروالمكي (مازن ملوش):

قال الله تعالى: (قل إن كان آبائكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)0

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين, أما بعد:

فهذه الصرخة لك يا أخي المسلم العزيز, لك وليس لغيرك00 نعم لك أنت يا صاحب اللحية الطويلة00 يا من ترتاد بيوت الله في كل يوم00 إنها صرخة الجهاد والتي تدعوك للمشاركة فيها, إنها فريضة قد فرضها الله عليك0 إن الجهاد في أفغانستان اليوم أصبح فرض عين على كل مسلم, كالصلاة والصوم وسائر العبادات0

أخي الحبيب: راجع نفسك وتأكد من ايمانك, قبل فوات الآوان, واعلم أن الإسلام ليس صلاة وصوما وحجا فقط, ولكن قول وعمل, وعقيدة وتطبيق وإخلاص وجهاد0

أخي: إن المعركة في أفغانستان لا تحتمل ترددك وبعدك عنها أكثر من هذا, إلا تعلم ماذا أعد الله للمجاهدين في سبيله من جنات النعيم, ومرافقة للإنبياء000هل زهدتم في الجنة وما وعدكم ربكم به ورضيتم بدنيا فانية ملعونة ملعون من فيها إلاذكر الله أوعمل صالح00 أخي: ان ندائي لك من باب الرحمة والشفقة عليك لأنك سوف تسأل في يوم القيامة عما قدمت لهذا الجهاد0

فماذا تجيب إذا سئلت عن ذلك? أخي الكريم00 لا زالت الفرصة بين يديك سانحة بأن تلتحق بصفوف المجاهدين على قمم أفغانستان, فان أبواب الجنة مفتحة هناك تدعوك فلا تبطئن وتأتي بأعذار واهية وتبقى مع المتخلفين وتتركها لغيرك0

أخي00 أرجوك00 أرجوك00 أن ترحم نفسك وتستجيب لربك, وترفع عنك أقنعة الجبناء فإنك سوف تموت يوما ما ولكن شتان بين أن تموت في منزلك وتحت مكيفك0

وبين أبنائك وفوق فراشك, أو تموت مجاهدا مرابطا شهيدا حيا عند ربك, إنك يوم العرض تود لو كنت من المجاهدين وهذا هورسولك ص يقول: (والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل) هذا قول رسولنا وقد غفر له ماتقدم من ذنبه وماتأخر0

أخي لقد أمهلك الله ولم يقبض روحك حتى الأن فأنتهزها فرصة في أداء واجبك الذي فرضه الله عليك وأعط ربك من وقتك ماتشكر به نعمه عليك0

إن الوضع في أفغانستان يحتاج إلى وجودك بين المهاجرين والمجاهدين فلا تبخل عليهم, بذلك وانفض عنك ثياب الكسل والوهن, والبس رداء إلاسلام الحقيقي وكن من جند الله00 أخي ليس بالضروري عندما تذهب إلى أفغانستان أن تدخل جبهات القتال ولكن هناك أعمال وأمور أخرى تستطيع أن تقوم بها في معسكرات المجاهدين00 كأن تساهم في تعليم أطفال المجاهدين00 أخي هناك أعمال كثيرة جدا تحتاجك فلا تقف ساكنا جامدا أو تتركها لغيرك من الصليبيين والكفرة من أعداء الله, المهم يا أخي تثبت وجودك بين إخوانك هناك00 أخي00 لقد قال رسول الله ص: سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله, فأذهب واسع هناك مع إخوانك مؤديا واجبك مروحا عن نفسك من عناء الدنيا وثقلها وأخيرا أقول لك يا أخي أن بوابة أفغانستان مفتوحة الآن لك ولغيرك من قبل أن تغلق فتندم ولا ينفع الندم00 أقول لك ياأخي أن تقرأ هذه بقلب المؤمن الصادق المنفذ لأوامر الله وأن تختبر إيمانك وتؤدي ما أمرك الله به00

وفي الختام0 أرجو أن تفكر في الأمر جيدا وتضعه نصب عينيك وتذكر بأن الجنة حفت بالمكاره, والنار حفت بالشهوات0 وأدعوالله أن يجعلك من جنده المجاهدين في سبيله لرفع كلمة: لا إله إلا الله لتكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا, وما هذه الصرخة إلا لأني أحبك في الله0


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

الشهيد أبو فهد المكي


 

ملت النفس الرمال المالحة على شاطيء جدة, ومناظر السفن القادمة والمغادرة من الميناء تثير فيك إيحاء عميقا في مسارب النفس وهي تثير أشجانا تجعل النفس ضارعة خاشعة وهي ترهب من تلك المرحلة الأبدية التي لاعودة منها.

فهل من سفينة آمنه توصلني إلى شاطيء السلام إلى دار السلام عند الملك العلام?

إن منظر البحر يبعث في الحنايا شجى وشجوا إلى بحر الدماء الذي جرت فوقه بارجة العزة والكرامة فوق نجود أفغانستان ووهادها.

هنالك روابط متينة وحبال غليظة تشد أبا فهد إلى الأرض وتربطه بالوظيفة وهي الزوجة والوليد الصغير.

وعلى شفاه صغارنا عذبت دنيا مــن الآمال تدخر

في كل ثغر مــن براعمنا روض من الأحلام يزدهر

ولكن لنا في قصة سعيد بن المسيب عبرة (خرج سعيد وقد كبر في السن وذهبت إحدى عينيه وهو عليل فقيل له: انك عليل: فقال: استنهض الله الخفيف والثقيل فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع).

وقرر أبو فهد أن يغادر البلد الحرام ويترك الطفل والأهل والعيال وجاء إلى مكان الإعداد وأعد نفسه ثم رابط في معسكر (جهاد والي) في خوست -بكتيا- وهنالك إصابه مجل(دم ل).

الرؤيا: خلال وجوده في المستشفى في بيشاور لعلاج الدمل رأى الملائكة تحمله في نعش وتدخل به الجنة فاستبشر خيرا واستيقظ وهو يضحك.

مشاركته في المعارك: رابط فترة بين الكماة الأفغان وبين الشم الغطارفة العرب, وحالهم وهم من حول القائد الشهيد عبد الرحمن المصري وكأنهم يتغنون بشعر كعب بن مالك:

أنا بنو الحرب نمر يهـا وننتجها وعندنا لذي الأفغـــان تنكيل

يمشون تحت عمايات القتال كما تمشي المصاعبة الأدم المراسيل

دخل في عملية في باري وفتحوا المركز وغنموا (71) كلاشنكوف وأسروا (25) أسير.

إلى بروان: ومع زيد الخير (أحمد قاسم العراقي) الذي ترعرع في أمريكا كأمير للمجموعة يسير أبو فهد والبشر يطفح على وجهه والأمل يحدوه أن تصدق رؤياه في المستشفى.

وهناك كان له القدر بمرصد وكان على موعد مع الشهادة في معركة أفغانستان التي توجت جبين البشرية بالشرف والعزة.

الشهيد على قدري صالح الجومري:

إن سماحة النفس وبساطة النفس والتواضع مع الأنفة والعزة والرجولة تعتبر سمات مشتركة بين الإخوة اليمانيين عامة.

وقلما أرى يمانيا إلا وينفتح له قلبي وتنبسط له أساريري وقديما وصفهم ص: أتاكم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوبا فالأيمان يمان والحكمة يمانية .وأنت تراه يجمع إلى الرقة والعزة ومع التواضع الشجاعة, ويحق لليماني أن يقول:

أنا لمن قــوم أفنى أوائلهم قيل الكماة إلا أين المحامونا

فإذا عز النصير للضعفــاء رأيت اليماني هو المنـافح

والمنافح (شديد الدفاع) وتراهم مطاعين في الهيجا مطاعيم في المحل.

وشهيدنا من بلد الصنعاني ومن مواليد (2691م) ورغم وجود ثلاثة من الأفراخ الزغب إلا أن داعي الجهاد وخوف التفريط بفريضة أوجبها رب العزة على الناس وقد دفعته لترك الدنيا وزهرتها والزهد في الزهد في الزوجة وصبيتها, وقدم إلى أرض المعركة, ويفتقده الصغار ولعل الصباح والمساء يذكرهم بذلك الهمود الذي يحمل خيمتهم ويظللهم إذا اشتد القيظ ولفحت الهاجرة ويدفئهم إذا صردت الأنواء واشتد الزمهرير ويطول الإنتظار وكأنهم يرددون مع مالك بن الريب:

تقول ابنتي لما رأت طول غيبتي فراقك هذا تاركي لا أباليــا

وبعد أن أتم الإعداد توجه إلى ولاية قرب كابل تسمى (لوجر).

في اللوجر: وهناك حيث الظل الظليل والهواء العليل والثمار الدانية فوق مياه نهر سرخاب يقيم شهيدنا وبجانب الأخ القائد الذي ينتزع حبه من أعماق القلوب (سيد محمد حنيف) العالم المجاهد الداعية -كما نحسبه ولا نزكي على الله أحدا- وقرب المعلم عبدالله الذي ما انفك يعطي الجزيل من تدريباته للعرب خاصة, وتحلو الحياة في هذا الجوبين إخوة كرام وبين أشجار المشمش والتوت حيث نصب المجاهدون خيامهم, ومن هذا الوادي الجميل تنطلق العمليات في أعماق الليالي.

وهذا الوادي قريب من مديرية محمد آغا التي يمر من وسطها الشارع الواصل بين كابل وغزني, وتعتبر العمليات على هذا الشارع من أجرأ العمليات وأشدها نكاية على العدو, والمجاهد وهو يقابل الدبابة إنما يضع في حسبانه أنه يعيش لحظاته الأخيرة.

أشم كأنه أسد عبوس غداة بدا ببطن الجزع غادر

ولقد كتب الله لي أن أزور هذه المنطقة ورأيت حطام الدبابات والآليات على جانبي الشارع التي تشهد بأن أعداء الله يذوقون وبال أمرهم وهذه بعض آثار هزائمهم, والدبابات التي لا تستطيع المرور إلا بصعوبة بالغة وأما الجنود فلا يمكن أن يسيروا على الشارع.

منه تظل سباع البر ضامزة ولا تمشي بواديه الأراجيل

ولا يزال بواديه أخــو ثقة مطرح البز والدرسان مأكول

قذيفة الوداع: وفي يوم الجمعة (8/7/8891م) يصمم المجاهدون أن يقتحموا مراكز الشيوعيين ويأبى (على) إلا أن يكون بينهم, ووثبت الأسود وافتتحت المركز في الساعة الواحدة والنصف ليلا وانسحبوا بسلام وقد أطلق على المجاهدين أثناء انسحابهم قذائف الهاون فأصابت عليا شظية في قلبه أسلم روحه للحمام -الموت- مباشرة واستشهد حالا :

ألا إن عينا لم تجد وسط لوجر عليك بجادي دمعها لجمود

وحمل الجثمان على القلوب المكلومة, وسالت جراح قلب علي فأنكأت جراح إخوانه وفي جوانب وادي سرخاب يرقد الليث رقدة الأبد في الحياة الفانية.

وأما دموع الحزن التي ستصبب من مقلتي زوجتك وبناتك فهي عبرات الحزن والسرور حزن الفراق المؤقت حتى تشفع لهم - ان شاء الله - ويلتقون بك أن تقبلك الله في الجنة, وسرور الشرف الخالد الذي سجل على جبين الزمن وفي أوضا صفحات التاريخ الإسلامي الحديث.

فالعين بعدهم كأن حداقها سملت بشوك فهي عور تدمع

الشهيد عبد العزيز عبد الصمد(الماليزي):

هذا دم جديد سرى في عروق الأمة المسلمة في كافة أنحاء الأرض وبدأت الحياة تدب في أوصالها وصارت ليوث الله تقبل من كل عرين وتنفر من كل عريس (عرين).

في كراتشي في جامعة الدراسات: الحر شديد وعلى الشاطيء في كراتشي حيث ترتخي الأوصال ويطول النوم ويكثر التثاؤب, ويسيطر الملل والسأم على النفوس إلا أن صليل السيوف وقعقعة السلاح استهدت بطلنا وحرمته لذيذ المنام.

وسار إلى الجهاد, يحدوه الطمع في الجنة وثواب الرباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل), وهو يطمع أن يموت أو يقتل وإن مات في الرباط أو قتل فإنه يموت شهيدا ولا يختم على عمله كل ميت يختم على عمله إلا من مات مرابطا ومن مات مرابطا يأمن الفتان -سؤال القبر وعذابهـ0

وفي أرض الإعداد: أعد نفسه وأتقن السلاح الذي سيشهره في وجه أعداء الله ثم توجه إلى وردك وميدان وهناك:وقد عريت بيض كأن وميضها حريق ترقى في الإباء سريعا

القيام في وردك: وفي وردك قام بالمركز الجهادي رمضان وكان يعلمهم القرآن الكريم.

رؤى مباركة: وقد رأى عبد الرحمن السندي في المنام هاتف يقول: إن بينكم شخصا اسمه عبد العزيز سيستشهد ! وكان عبد الرحمن لا يعرف عبد العزيز فتساءل: أيكم اسمه عبد العزيز فقال: أنا فقال له: أنت ستستشهد -إن شاء الله- لأني رأيت هذا في المنام وتكررت الرؤيا مرة أخرى مع عبد الرحمن.

حالة الروس والشيوعيين: إن الروس وعملاءهم يعيشون حالة نفسية أسيفة يرثى لها فهم في رعب شديد.

ينتظرون أية طلقة تطلق عليهم بعد إعلان معاهدة جنيف, يود المجرم لو يفتدي بأخيه وأمه وأبيه وصاحبه وقائده (ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه).

فتح ميدان: وصمم المجاهدون على اقتحام ميدان عاصمة وردك التي تبعد ثلاثين كيلومترا فقط من القصر الجمهوري, ويكتب الله للأخ عبد العزيز الإشتراك في تحرير أول ولاية بكاملها من أعداء الله, وكان نصرا مؤزرا وغنائم عظيمة وفتحا كبيرا .

نغادرهم تجري المنية بيننا نشارعهم حوض المنايا ونشرع

وفي صبيحة يوم الشهادة قال عبد العزيز لأبي عاصم التبوكي: أنا أحس أني اليوم سأستشهد -والله أعلم- وحقق الله بشرى عبد الرحمن له: ففي (91/ 11/ 8041هـ) وأثناء المعركة أصابته شظية من قذيفة دبابة فجرح وبقي حيا تسع ساعات وتلا سورة البقرة بكاملها ما بين الجرح والشهادة ! ثم أسلم الروح.

وصيته: ووجدنا طي أوراقه وصية يقول فيها (أعطوا متاعي لأميري في الجهاد ليتصدق به واعطوا سلاحي لأخي عبد الوهاب ليواصل به الجهاد وانصحوا أبي أن يخرج من الحزب الوطني إلى الحزب الإسلامي).

كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعين لم يغض ماؤها عذر

الشهيد هاني أحمد رشيد (أبو زهير):

أمير المركز الإسلامي -إسلام آبادـ:

كان عمر رضي الله عنه يدعو ربه: (اللهم أرزقنا شهادة في بلد نبيك) رواه البخاري, وكان الصحابة رضي الله عنهم يعجبون كيف يرزق عمر الشهادة وهو في المدينة ولكن الله -عز وجل- علم صدق عمر وشوقه الشديد لمنازلة الكفار وملاقاة الحتف بين الصفائح والعوالي ولقد هم عمر رضي الله عنه أن يخرج ليقود الجيش وينازل بنفسه كسرى ابرويز لولا أن الصحابة رضي الله عنهم ضجوا ورفعوا عقيرتهم في وجهه: كيف تترك المدينة والمسلمين بدون من يدبر أمورهم.

وكتب الله لعمر الشهادة في محراب النبي ص تصديقا لبشرى رسول الله ص له قبل أعوام وهو واقف مع أبي بكر وعمر وعثمان فوق أحد فاهتز أحد فقال ص: (أثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان).

ونحن الآن مع أخ حبيب ستبكيه الجامعة الإسلامية ويندبه بحري الدموع المركز الإسلامي في إسلام آباد وستودعه قلوب الكثيرين من أبناء فلسطين الذين كتب لهم أن يولدوا في الكويت.

ما كنت أتصور أن يسبقني بتناول كأس المنية وهو غض في عمر أولادي, ومع دوامه في الجامعة الإسلامية.

إلا أنها درجات يهبها رب العالمين لمن شاء من عباده (وأن في الجنة لمائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله), وما أظنه استحق هذه الدرجات العلا -إن كان ربه تقبل شهادته- إلا كما نحسبه ولا نزكيه على الله, بالحياء الذي يعتبر سجية مجبولة مع فطرته وبالخلق الرفيع الذي تميز به.

وقد روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله ص من أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: تقوى الله وحسن الخلق وسئل من أكثر ما يدخل الناس النار قال: الفم والفرج) حسن صحيح, وعن عائشة مرفوعا : أن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم أبو داود.

الحديث أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وان كان محقا , وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه صحيح رواه أبو داود, وفي البخاري الحياء خير كله .

قليل الكلام, كثير الحياء لا يكاد يرفع طرفه في المتكلم أغضاء وأدبا , صامت لا يتكلم إلا بقدر, إن خالفك صمت وان وافقك أوما ايماء يهمس لا يكاد يسمع جليسه, كلامه في وجهه المشرق ابتسامة لايملها الجليس ولا يعافها الكال.

كان هاني هوالمركز الإسلامي, تنبيك إشراقة الحياء عن أدب جم رفيع وعن تربية رفيعة نرجو الله أن تكون في ميزان أهله يوم القيامة.

جسد في إسلام آباد وروح ترفرف فوق أفغانستان.

كنت أرى الشباب يعيشون فراغا نفسيا حادا بين أشواق مجنحة تطير إلى المعركة بآشجانها وشجوها وأشواقها وبين واقع ثقيل من رغبة الأهل وضغط الواقع الإجتماعي الذي يزن بموازين الجاهلية من مال وأوراق جامعية.

وكانوا في الجامعة يخففون من حدة هذا الصراع باغتنام فرصة سانحة يطفئون فيها نار الجوى ولهيب الأشواق في جبهة قريبة أومعسكر دان وكأن الواحد منهم يخاطب نفسه:

إلى كم ذا التخلف والــتواني وكم هذا التمادي في التمادي

وشغل النفس عن طلب المعالي ببيع الشعر في سوق الكساد

العطل الصيفية: كان ينتظر العطلة الصيفية بفارغ الصبر ليروي ظمأه للجهاد ويروي غليله ويطفىء صداه فكنت اراه كثيرا في عرين الليوث أوبيشة الأسود حيث العتاق الجرد تعلك اللجم تنتظر دورها لتنطلق إلى أرض الجهاد.

فلسطين والإنتفاضة: وكانت آخر مرة أراه فيها في تنظيم المؤمنين وقد قدم مع صحبة مجموعة من التمثيليات والأناشيد وذلك قبل عيد الأضحى بفترة وجيزة ورغم أنه لا يعرف القرية التي تعتبر مسقط رأسه في عتيل من قرى طولكرم إلا أن هموم فلسطين أطرقت عينه السهاد والمسجد الأقصى يكاد يقض على مضجعه الرقاد وتعتبر منطقته حوضا من أحواض الزيت الفلسطينية إذ تمشي في طريق طويلة وعلى طولها ترافقك الأشجار التي تنبت بالدهن إذ لا تكاد ترى الأرض وجدائل الزيتون يلثم الصبا أفنانها مداعبا فتعطي الجو رونقا عجيبا من الجمال الأخاذ والإعتدال الساحر.

من طولكرم إلى عتيل مرورا بشويكة ودير الغصون فسقيا لتلك المناظر وواها لتلك المناطق التي لها في أعماق فؤادي كل حنين وشوق ولكم سلكت بنفسي هذه الطريق الجميلة.

في المركز الإسلامي في إسلام آباد: كان لهاني دور طيب وأثر فعال في التقاط كثير من الشباب الفلسطيني الحائر الضائع بين شعارات اليسار الثورية وبين معاناة التشريد والجحود التي جعلته يقف على حافة الهاوية يائسا وفي ذلك المركز البسيط وقرب الجامعة كم رجع إلى الله من هذا الشباب المتهوك (المتحير) الذين في سكرتهم يعمهون ورده إلى جادة الصواب وطريق الحق بإعادة الثقة إلى قلبه بهذا الدين العظيم كمنقذ وطريق للنجاة والآن كيف تواجه المركز الساهم الحزين الشاحب بعد فقد ليث العرين.

أتعرف الدار عفـار سمها تدمي بها عبرة الثاكل

سألتها عن ذاك فاستعجمت لم تدر ما مر جوعة السائل

خاتمة المطاف: وتوجه إلى قندهار حيث تلهب المعارك وفي إحدى المعارك في سبين بولدك قرروا اقتحام مركز من مراكز الشيوعيين وألقى الشيوعيون السلم وغنم المجاهدون كل ما في المركز, وقيدوهم بالأغلال, وبدأ المركز القريب يلقي بحممه على المجاهدين ووقعت قذيفة قرب أبي زهير فأصابت منه مقتلا وهو بين يدي ربه قائما في صلاة الظهر في يوم التورية (8) ذي الحجة (8041هـ) الموافق (02/ 7 / 8891م) في هذا الموطن الذي تستشرف له النفوس وتتطاول له الأعناق.

موطن الشهادة التي نرجو الله أن يكون قد تقبلها فتكون روحه في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش: وأن للشهيد عند ربه سبع خصال: يغفر له مع أول دفعة من دمه ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويلبس تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما عليها ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين ويشفع بسبعين من أهل بيته).

ونرجوالله أن لا يحرمنا من الشهادة في هذا السبيل ويلحقنا به في الصالحين:

بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل

على ليث عزيز حين قالوا أهاني ذلك الرجل القتــيل

في وداع الشهداء:

وفي وداع الشهداء نقول لأعيننا:

هلا بكيت على الكرام بنـــي الكرام أولي الممادح

كبكا الحمام على فروع الأيك في الغصن الجوانح

من يبكيهم يبكي على حـــزن ويصدق كل مادح

شمط وشبان بهاليـــــــــل مغاوير وحاوح

مردا على جـــــرد إلى أسد مكـالبة كوالح ويلاق قرن قرنــه مشي المصافح للمصافح

ولقـــد أصاب قلوبنا مجل على جلب قــوارح

وصية إلى أولياء الشهداء:

يا أم الشهيد لاتجزعي بل افخري بإبنك بطلا شهيدا وفارسا فريدا , ونرجوا الله أن يتقبل شهادته فيكون لأهله شفيعا يوم القيامج ولا تجزعي فأمثال ابنك مفخرة للأجيال ونبراس للفتيان.لاتقتلي النفس إذ حانت منيته

في طاعة الله يوم الروع والبأس

وأما شقيقاته: فلهن أن يرفعن رؤوسهن اعتزازا ورفعة ولا تسكبن عبرات الواله الفاقد بل افرحن فرح الحبور الوافد الواجد.

أما الوالد الكريم: فهنيئا لكم هذا الليث الهصور الكاسر الذي نكل بأعداء الله, وعرفنا بكم وبالعائلة جمعاء من خلال جهاده واستشهاده, وابنك من هؤلاء الذين يطلبون الموت مظانه.

فج يكاد صهيل الخيل يقذفه عن سرجه فرحا بالغزوأوطربا

فافخر ولا تجزع وابعث إخوانه ليسلكوا جادة العزة وجدية الفخار.

ولولا أنهم خير منا ما اختارهم الله قبلنا وتركنا نتجرع حسرتنا ولا ندري ما خاتمتنا, فاللهم أحينا سعداء وأمتنا شهداء واحشرنا في زمرة المصطفى ص.

وصية الشهيد أبي زهير:

هذه هي وصية العبد الفقير إلى ربه هاني أحمد صالح, فأوصيكم بتقوى الله فإنها جماع الأمر كله وأوصيكم باتباع نهج المصطفى ص والسير على خطاه0

لقد آمنا بالجهاد سبيلا هذه الفريضة التي غفل عنها المسلمون اليوم إلا من رحم ربي فتراهم هائمين على وجوههم وقد أصابهم الخنوع والذل وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا وأن أعداءنا قد شبعوا كلاما وشجبا وتنديدا واستنكارا , ولن يسكتهم ويكسر شوكتهم إلا الدماء التي هي طريق استرداد العزة والكرامة المسلوبتين ولن تقوم لنا قائمة إلا بهذا البذل وهذا العطاء00وبعد فهذه وصيتي لوالدي الكريم فأوصيك والدي بأن تكون منفذا لأوامر الله ومجتنبا لنواهيه وأن تتقي الله في إخواني وأخواتي0

وأوصيك يا والدتي بأن تهتمي بأولادك كل اهتمام وتربيهم التربية الحسنة وتتقي الله في نفسك وفي أولادك وأرجومنكما أن تسامحاني علي أي تقصير بدر مني0

وأقول لكما أن الله أعزني بالجهاد في سبيله أيما عزة وأنني والحمدالله ما سعدت كما سعدت في هذا الجهاد المبارك الذي هوجهاد الأمة الإسلامية ليس مقتصرا على شعب من الشعوب وأنه لا يعرف الحدود الجغرافية التي اختلقها الإستعمار بمساعدة الأنظمة العميلة فافرحوا أيما فرح واسعدوا أشد سعادة إذا بلغكما خبر استشهادي وأسال الله أن يجمعني معكما في الجنة علي كل شيء قدير وبإلاجابة جدير وإنه نعم المولى ونعم النصير00

الشهيد (62/6/8891م)


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

الشهيد عبد الله المحارب


 

يعود بي شريط الذكريات إلى (4891م) كنت ذات يوم في بيتي وكنت آنذك اسكن في إسلام آباد وإذا بعبد الله يقرع الباب ففتحته فوجدني مع بعض الأخوة منهمكين في التفكير في قضايا مهمة فوقفت أمامه والحياء يسبغ وجهي لونا من الحمرة واستحيت أن أقول له: (وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا) بسبب انشغالي وكذلك لم أقل له أن يدخل, عانقته فبادرني قائلا : لعلكم في شغل فأجبته: بلى فقال: اشتقت اليك فجئت خصيصا لأراك وقد رأيتك وقفل راجعا إلى بيشاور.

هكذا كنا ثم قست قلوبنا, كنا أسرة واحدة, قلبا واحدا , انظر إلى هؤلاء الشباب كأنهم أبنائي بل أحب إلي من أبنائي - علم الله - ينشرح صدري إذ أرى أحدهم ويضيق صدري بالبعد عنهم.

الكبير في هذه الأسرة أب والصغير ابن والقرين أخ وهكذا, وكنت من البداية حريصا على أن أجنب هذا التجمع الجهادي المبارك مغبة الوقوع فريسة الأحقاد, أو السقوط في هوة التعصب الحزبي والمذهبي أو الإقليمي.

ومراد النفوس أصغر من أن نتعادى فيه أو نتفانى

ثم أقبلت بعض الصدور تحمل أحقاد السنين, وتنموبما يثقلها من خلافات الهوى والشح المطامع والإعجاب بالرأي, فقذفت كل ما تحمله عن بلادها من مرارة الإختلاف في أحضاننا فتغيرت بعض النفوس, وفسدت بعض القلوب, وتنكر بعض الأخوة لإخوانهم.

هكذا كنا: يقطع عبد الله المحارب مائتي كيلومترا ليراني, فيبل شوقه ويطمئن قلبه ثم يعود إلى بيشاور.

كان عبدالله من السابقين الأوائل إلى ميدان القتال ولقد كان على الفطرة التي فطر الله الناس عليها, شاب نشأ في طاعة الله, لم تدنس فطرته بهوى, ولم يفسد قلبه بدنيا.

يعيش عيش ذلك الأعرابي رث الهيئة الذي سمع أبا موسى الأشعري يروي عن رسول الله ص: إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف) فقال: يا أبا موسى آنت سمعت رسول الله ص يقول هذا قال: نعم فرجع إلى أصحابه فقال: اقرأ عليكم السلام ثم كسر جفن سيفه فألقاه ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل مسلم.

منذ خمس سنوات وهو يتردد بين أرض المعركة ورياع قومه يأتي إلى ساح الأبطال فيخوض غمار النزال ويشبع نهمه ثم يعود إلى بلده يجمع ما استطاع ويستنهض الهمم ويستثير العزائم ويقبل موقرا بالأموال وما جادت به كرام النفوس ثم يوصلها إلى المجاهدين ويعيش بينهم فترة ثم يرجع وهكذا دواليك.

الفتوى: كنت أراه بين الحين والآخر, قال لي ذات مرة: لقد رأيت أن فتواك في فرضية العين حق وأنه لا إذن لأحد على أحد, ثم عقب قائلا وهل أطلعت على رأي الشيخ ابن تيمية (ج/82ص853): (فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجب على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين, كما قال الله تعالى: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) كما أمر النبي ص بنصر المسلم وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال أولم يكن وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة والمشي والركوب كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد).

فقلت في نفسي: لم يعلم الأخ عبد الله أني نقلت هذا في كتابي (الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان.

في -آرغنداب- من مديريات قندهار: واختار عبدالله ساحة قندهار لتكون ميدانا لنشاطه وقندهار معروفة بأنها أرض منبسطة ويعتبر القتال فيها أشق ما يواجه المجاهدين على أرض أفغانستان.

وفي غرة ذي الحجة سنة (8041هـ) بينما عبد الله يعيش انتصارات المجاهدين ويشعر بمنة الله العظيمة على هذا الشعب الكريم, وانحسار الكفار وأهله وخزي الإلحاد ودحره.

وفي معمعان القتال وبين دوي المدافع ودمدمة الرصاص, أصابت عبد الله شظية لم يستطع أن يتكلم بعدها سوى أنه كان يشير بسبابته إلى السماء وبلغت الحلقوم وشخص البصر وأسلم الروح في ميدان طالما حلم أن يشهد منيته فيه.

وما أجمل أن نردد مع أبي تمام في وداع عبد الله:

فتى كلما ارتاد الشجاع من الردى مفرا غداة المأزق ارتاد مصرعا

وما كنت إلا السيف لاقـــى ضريبة فقطعها ثم انثنـــــى فتقطعا

وقد أرسل لنا الشيخ عقيل العقيل مدير مؤسسة الحرمين للأيتام في كويتا على حدود قندهار بهذه الرسالة بعد استشهاد الأخ عبد الله رحمه الله.

في أول ذي الحجة (8041هـ) سقط على أرض قندهار الأخ عبد الله بن محمد المحارب فروى بدمه الطاهر أرض البطولة والجهاد.

لقد كان لقائي الأول بذلك الشاب الفتى في أواخر رمضان سنة (4041هـ), في الرياض حيث أبدى رغبته في الإلتحاق بصفوف المجاهدين, وفي ثاني أيام عيد الفطر من نفس السنة كنا نلحق ومعنا بعض الأخوة الشباب إلى مطار إسلام آباد.

التحق -رحمه الله- بصفوف المجاهدين في جاجي حال وصوله وبقي ثمانية أشهر متواصلة عاد بعدها للسعودية ثم تزوج وانتقل إلى المدينة المنورة.

ومن يومها انقطعت أخباره عني وعلمت أنه يتردد على أرض الجهاد بين الفترة والأخرى, يحمل ما يتمكن من جمعه من أموال يدعم بها الجهاد ويواسي المكلومين ثم علمت أنه بنى مستشفى ميدانيا صغيرا في أرغندراب في ولاية قندهار, وكنت أتوق إلى لقائه واخطط لذلك ولكن المنية اختارته قبل أن يتم اللقاء.

لقد كان -يرحمه الله- في مهمة جهادية في الداخل لتفقد أحوال المجاهدين فأصيب بشظية من قنبلة مدفع هاون سقط شهيدا -إن شاء الله- في مكانه.

وأخبرني زميله الذي كان معه أنه مات وهو يرفع أصبعه السبابة دون أن يتمكن من التلفظ بالشهادة.

وكانت تبدو على وجهه ابتسامة رضى وحبور بعد استشهاده.

وقبل الحادثة بساعات اغتسل من أحد الينابيع التي مر بها, وكان ذلك مساء الخميس ليلة الجمعة أول من ذي الحجة 8041ه- في منطقة أرغندراب.

تذكرت وأنا أنظر إلى صورته مبتسما رغبته في الشهادة وصدقه في طلبها حتى أناله الله منيته.

فهنيئا لك أيها البطل موتك في سبيل الله, وهنيئا لوالديك ولزوجتك ولبنتيك الصغيرتين, وأسأل الله سبحانه أن يتقبلك في الشهداء, وهنيئا لنا جميعا بأمثال هؤلاء الشباب الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الشهيد (سيد أحمد خليفة):

كان نسيج وحده, في عزته وأبائه ونخوته, همته تناطح السحاب, وعزيمته تطاول والجوزاء رغم أنه مشلول النصف لا يخطوخطوة إلا ويجانبه من يسنده ونصفه يعتمد على عكازه الذي لايفارقه أبدا.

من السادة الذين يعرفهم الشعب الأفغاني ويحترمه الكبير والصغير وبيته محط للقادمين ومستراح للزائرين في طيبة مثوى سيد الأنام ص وكنت تلمح في وجوه القوم الذين يردون مظافته أناسا من شتى الطبقات ومختلف المراتب والهيئات فرئيس وزراء أفغانستان وقائد الجيش وغيرهما ممن تسلموا المناصب أيام الملك ظاهر شاه كانوا إذا زاروا المدينة فغالبا ما يعرجوا على البيت الذي يعتبر كأنه جزء من جدول الزيارة.

كان (مياجل خان) من علماء أفغانستان البارزين الذين لهم صلات وثيقة بالسادة في المدينة المنورة, وقد أحب والد (سيد أحمد) لأبنه أحمد أن يشب على حياة الفروسية ويترعرع بين لمعان الأسنة وبريق الخفي (الرمح) وضوء المشرفي (السيف).

أرسله إلى أفغانستان صغيرا وعاش فيها كأنه من أبناء هذه العائلة الكريمة التي كان لها شرف السبق في إعلان الجهاد ضد تراقي سنة (8791م) وعندما أدرك الحنث زوجوه أحدى بناتهم, وتزويج الأفغان للعرب أمر غريب لأنه من الصعب جدا أن تخرج البنت خارج قبيلتها, ولكن تزويجهم لأحمد كان شرفا أثيلا ومجدا رفيعا يريدون كسبه لأنه من النسل الشريف حتى ينالوه ولو من جهة المصاهرة.

صلة سيد أحمد بالجهاد: أفغانستان جزء عزيز من قلب أحمد وقد تزوج منها امرأتين كانت إحداهما أم أسامة, ولقد شهد في أفغانستان من الأحداث الضخام التي جعلت تاريخ أفغانستان يكون قسطا وافرا من ثقافته وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاه الشباب هنالكا

هاجر صهره أبو الحسن المدني (وائل جليدان) بأسرته إلى أرض الجهاد, وأم الحسن هي ابنة سيد أحمد ثم لحق بوائل جمال بن أحمد مع إسرته.

وفتح الأبواب ليطفئ سيد أحمد لهيب الأشواق للجهاد خاصة وأن الجهاد فوق الأرض الحبيبة التي درج فوق رباها ونشأ بين نجودها وأوهادها, وقسم دهره شطرين: شطرا للمدينة المنورة التي تأخذ نصف قلبه ولبه, وشطرا لبيشاور وأفغانستان التي سلبت النصف الآخر.

كنت أجلس إليه ويفتتح الحديث, عن أفغانستان وطبيعة الشعب الأفغاني وطراز العيش فيه, ويحدثك عن مصرع نادر شاه سنة (3391م) وقد كان أحد الشهود في الحفل الذي تحول مأتما في يوم عرس, ويحدثك عن الحفاوة البالغة التي كان يحظى بها أثناء زياراته لأفغانستان وعلى المستويين الشعبي والرسمي, وكل هذا راجع لحب الأفغان البالغ للنسب الشريف الذي يمت إليه سيد أحمد, قضايا كبيرة وخلافات ضخمة ما استطاع أحد أن يحسم فيها سوى السيد الشريف القرشي الذي لايستطيعون التعقيب على رأيه وقوله لما له من مكانة رفيعة في قلوبهم.

زيارة الوداع: وكانت الزيارة الأخيرة خالصة للرباط والله أعلم, ولم تخالطها نية زيارة الرحم (أم الحسن) فلقد قضت الفترة الكبيرة بين العيدين في بيت أهلها بالمدينة, ثم رجعت قبل عيد الأضحى بقرابة شهر فرافقها والدها مع والدتها طمعا في أجر الرباط.

وأقبلت الأيام الأولى من ذي الحجة (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام) وذات صباح وبعد صلاة الفجر وإذا بجرس التليفون يدق فأجبت فردت علي (أم جمال) زوجة أحمد وقالت قل لأبي الحسن (وائل) أن يمر علينا في المستشفى فقرعت عليه الباب المجاور وأخبرته ثم توجهت أنا ووائل وزوجه أم الحسن لزيارة سيد أحمد فإذا بآثار الجلطة التي ألمت به في الهزيع الأخير من الليل قد زالت ورقيته بالأدعيه المأثورة ثم ودعته وكان مستريحا وكانت النظرة الأخيرة التي حظيت بها منه في هذه الحياة وفي الساعة الرابعة مساء جاء ابني إبراهيم وأسر في أذني توفي سيد أحمد فخرجت رأسا إلى بيت أبي الحسن في جواري فرأيته مسجى مغطى بقماش أبيض وقرأت قرب رأسه سورة (يس)0

الدفن: وتشاورت مع أبي الحسن في مكان الدفن وكنا بين أن ندفنه في مقبرة الشهداء في بابي قرب بيت سياف, بجوار يحيى سنيور وأبي عبد الحق وبين أن ننقله إلى المدينة ليدفن بين الصحابة في البقيع.

وكنت أخشى أن يتغير لونه لأنه توفي يوم الجمعة ساعة الإستجابة بعد العصر ولن يصل إلى المدينة إلا في منتصف ليلة الأحد, وقضى الله أن لا نجد ثلاجة للموتى في بيشاور وبقي الجثمان ليلة السبت ويوم السبت وفي مساء السبت نقلناه بالطائرة.

دهشة جميع الحاضرين في المدينة: ولشد ما كان تعجب الجميع عندما كشفوا عن وجه سيد أحمد وهم يتوقعونه قد انتفخ وازرق لونه وإذا به كالنائم محمر الوجه لايمل الناظر إلى وجهه وودع الجميع المهاجر المرابط وألقوا عليه نظرات الوداع وسارت الجنازة إلى البقيع وووري الجثمان بين الرهط الكريم من سلف هذه الأمة.

ونرجو الله عز وجل أن يكون قد تقبل رباطه وهجرته, وفي الحديث الصحيح: من وضع رجله في الركاب فاصلا فوقصته دابته فمات أو لدغته هامة فمات أو مات بأي حتف مات فهو شهيد وإن له الجنة .


 


 

شهداء يوم التروية


 

رغم أن الدبابات لم تعد تستطيع السير فوق الشوارع في جميع أرجاء أفغانستان هلعا من قذائف ليوث الجهاد ولم يعد بإمكان أي كتيبة من كتائب الجيش الأحمر أن تظهر في سهل ولا جبل, وحرم على طائرة هليوكبتر أن تحلق في سماء أفغانستان جزعا ورعبا من صواريخ المجاهدين.

والإنتصارات متوالية, ورايات الظفر ترفرف فوق معظم الوهاد والنجود ومعنويات المجاهدين تناطح السحاب في عنان السماء, وعزائم الكفار خائرة منهارة يحسبون كل صيحة عليهم, كما عبر عنها جندي روسي راجع من الميدان وعلى شاشة التلفاز الروسي: (عندما نسمع صيحة الله أكبر نبول على ثيابنا), وفي كل يوم جديد من الإنتصارات التي تشبه الأحلام ومن انهيارات الكفار (فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب, يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) وكانت تذكرة عظمى للمؤمنين كما قال الله -عز وجل- معقبا على الآية السابقة (فاعتبروا يا أولي الأبصار).

وسقطت, تخار, وكندز, ووردك, وباميان, وغزني, وقندهار, وسمنجان, وجلال آباد على وشك السقوط.

رغم هذا كله إلا أن الله يكرم بعض عباده بالشهادة ويختارهم إلى جواره, ألقت طائرة قذيفتها مشركة فيها صواعقها تنتظر من يتجمع حولها لتنفجر بجمع من خيار الأخوة, ففازوا بما جاؤا من أجله ووصلوا إلى الغاية التي لها يطمحون, في الثامن من ذي الحجة (8041هـ) منهم:

الشهيد المهندس أشرف بدوي السيد (صديق المصري):

يا كوكبا ما كان أقصر عمره وكذا تكون كواكب الأسحار

وهلال أيام مضى لم يستدر بدرا ولم يمهل لوقت سرار

عجل الخسوف عليه قبل أوانه فمحاه قبل مظنة الإبدار

واستل من أترابه ولداته كالمقلة استلت من الأشفار


 

ولد اشرف سنة (1691م) وكان متفوقا في جميع مراحل التعليم وأنهى الثانوية ليدخل جامعة الإسكندرية في قسم الهندسة المعمارية ونال البكالوريوس منها عام (4891م) وحصل على الماجستير من جامعة هادفارد بواشنطن سنة (8891م), وسجل للدكتوراه في الهندسة, ولكنه يسمع عن أنين الثكالى وبكاء اليتامى وآهات الأيامى فتقض عليه مضجعه وتثير في أعماقه أشجانه فيسلو الدنيا بمغرياتها ويهجر عاصمة الشيطان ببريقها ووميضها يترك واشنطن بما فيها ويقبل على الجهاد وماذا على الشباب أن يردد وهومتوجه إلى أرض المنون التي تصنع الأبطال:

وإني لنزال بكل مخوفة كثير إلى نزالها النضر الشزر

فأظمأ حتى ترتوي البيض والقنا وأسغب حتى يشبع الذئب والنسر

ويا رب دار لم تخفني منيعة طلعت عليها بالردى وأنا الفجر

أقبل إلى أفغانستان وكله أمل أن يشبع لوعته بمصافحة العوالي ويروي حرقته لمعاطاة الصفائح (السيوف), ودخل جور غيل الليوث وبيشة الضراغم يتدرب على الوان العدة وكان بين إخوانه مثال المسلم رفيع الخلق, عال الهمة, واسع القلب والصدر, وكما حسن الله خلقه فقد حسن خلقه, وكان شفيفا لطيفا بإخوانه.

وفي يوم التروية مضى أشرف إلى الله ونأمل من الله أن يكون قد عوضه عن شهادة الدكتوراه التي يدخل بها المصانع الأمريكية بشهادة يدخل بها جنات (تجري من تحتهم الأنهار دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين).

وقد وصلنا من والد الشهيد رسالة بعد علمهم بنبأ استشهاده, جاء فيها: (كان أشرف طوال مراحل حياته مثالا طيبا للشاب المسلم الصادق المتمسك بدينه المبتسم للحياة ابتسامة الواثق بربه المتسامح الكريم, ذو القلب الرحيم المليء بالعطف والحنان والحب للجميع, ناهيك عن اسمى درجات الرحمة والبر بالوالدين والأخوة والأقربين, وكان كما حسن الله خلقه فقد حسن خلقه.

اقتضت مشيئة الله تعالى لولدي الصديق أشرف أن يؤدي فريضة الحج عام (7041هـ), وكان آخر عام هجري في حياته حتى يرزق الشهادة مستكملا لأركان دينه الخمسة.

نسأل الله تعالى نحن الصابرين المحتسبين أمه وأباه وأخواته وذويه والأقربين أن يوفقنا لصالح الأعمال لنكون أهلا للدرجة العالية الرفيعة التي أوصلنا إليها شهيدنا الصديق أشرف وأن يجمعنا به شفيعا لنا عند ربنا في مستقر رحمته.

والله غالب على أمره والنصر للإسلام والمحق للكفار, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.والد الشهيد صديق المصري

بدوي السيد بدوي

الشهيد خالد مصطفى المصري -أصغر شهيد عربي في أفغانستانـ:

في حجر والده في إسلام آباد نبت وترعرع, ووالده مولع بحب القنا والبنادق عمل والده مراسلا لجريدة الإتحاد الظبيانية وممثلا لها في إسلام آباد, ووجد في أرض باكستان بغيته, نهم القراءة لايمل ولا يكل خاصة في عالم الشعث الغبر الذين يأبون الضيم ويأنفون المذلة.

يرابط كثيرا ويصطحب أبناءه معه ويربيهم على شظف العيش وخشونة الحياة, فتراه في بابي أو خوست يحمل في يمينه سلاحه متأبطا تحت ذراعه الآخر إبنا من أبنائه وتعجب وأنت ترى هذا الغلام غض الإهاب, لين العظام كيف يعيش فوق أرض تقذف بحمم براكينها وتحت سماء تمطر الأرض بشهبها وحديدها ولا ريب أن يشب هذا الشبل على محك المحنة ونار المعاناة, منذ سبع سنوات وأنا أراه لا يكاد يهدأ وابنه لايتجاوز التاسعة وكم من شاة سبقت أمها إلى المذبح.

الشهادة: وفي يوم التروية كان من بين الذين أصابهم الحادث المروع وأودى بحياته.

مكالمة من لندن: وبقيت أمه دون أن تعلم حتى مر قرابة شهر عليه واتصلت بها شقيقتها من لندن وفي منتصف الليل ولم يكن في البيت غيرها وقامت من نومها ترد على التلفون وإذا باختها تهدئ من روعها وتعزيها وتذكرها بأن الموت جسر لابد أن يمر عليه كل حي ففجعت ولا تكاد تصدق فالتقطت بعض أنفاسها واستطاعت أن تجمع بعض الكلمات التي جمدت على شفتيها فقالت: متسائلة عن زوجها أن زوجها في الرباط منذ فترة وفي جبهة أخرى ولا ترى منه إلا الخيال:ـ

طواه الطوى حتى استمر مريره فما فيه إلا العظم والروح والجلد

الطوى: الجوع, استمر مريره: استحكم

قالت: أقتل مصطفى?

فأجابت أختها: لا إنما هو وليدك خالد.

فخارت رجلاها وسقطت على الأرض مغشيا عليها ولم تستيقظ إلا في اليوم التالي:

وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض

وهكذا مضى خالد في زهرة عمره وهو ابن السادسة عشرة بعد وقد ذكرت بشهادته استشهاد عمير بن أبي وقاص أصغر شهيد في بدر.

وهكذا قطفت هذه الوردة في لمح البصر وحرمنا شذاها ليعبق عرفها (ريحها الطيب) بين رياحين لا تذبل ولا تذوي -إن شاء اللهـ.

إن يحتقر صغرا فرب مفخم يبدو ضيئل الشخص للنظار

إن الكواكب في علو محلهـــا لترى صغارا وهي غير صغار

موسى دامني البلوشستاني:

في إيران ومن زاهدان وفي قرية من مضافاتها كان مسقط رأس موسى, أنهى المرحلة المتوسطة ونشأ نشاة دينية في بيت ملتزم بالإسلام, ولذا لم يطق الإستمرار في المدارس الحكومية فانتقل إلى مدرسة دينية ينهل منها العلم والآدب, ويشبع نهمه للمجد وهو غاية الأرب0

ولكنه كان يخشى أن يؤخذ للتجنيد الإجباري حيث يزج به في معركة ليس فوقها راية واضحة ولاهدف جلي,راية عمية يخشى أن تكون ميتتة تحتها ميتة جاهلية على الحدود العراقية الإيرانية0

الهجرة: ولذا فقد أزمع الهجرة إلى باكستان ليواصل شربه من هذا المعين العذب يتمثل في المصادر الرئيسية للتشريع في هذا الدين, ووصل كرا ي, ودخل (دار العلوم الإسلامية في كراتشي), وقسم وقته بين دروس يتلقاها في هذا المعهد الإسلامي العتيد وبين أرض يطبق عليها ما تلقاه من مبادئ وقيم ومثل, فتسخن الكلمات بحرارة المعركة, وفي أتون القتال تصفو النفوس وتشرق الأرواح وتصقل القلوب.

فيوما في الذخيرة من سلاحـــــي ويوما في الذخيرة من تـــلادي

الرحلة الأخيرة إلى أرض المعركة: كانت الأيام تمر ثقيلة فوق مقاعد الدراسة لأن قلبه يضطرم شوقا لأرض الأبطال وعرين إلاسود, وما أن أقبلت العشر الأوائل من ذي الحجة حتي ينطلق موسى بصحبة عشرة من أتراب الدراسة -وهكذا خلسة- يتسللون من بين حجرات الدراسة حتى يضعوا أنفسهم بين أحجار الرحى التى تطحن الحديد والبشر0

عش عزيزا أوزمت وأنت كريــم بين طعن القنا وخفق البنـــود لا كما قد حييت غير حميـــــد وإذا مت مت غير فقيــــــــد

وسار موسى الشاب المتواضع الذي يخالط إشراقة وجهه شيء من الحمرة, فتى قلما تسمع له نبســــة0

مشغول بعيوب نفسه (وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس) قلما تراه عابس الوجه أو مقطب الجبين, دائم الإبتسامة يأسرك منه تواضع جم وخلق أخاذ, وقلب كبير يضم بين حناياه آلام أمة وآمال جيل0وكانت الخاتمة في جور في يوم التروية: ويصمت الجميع بذهول يشده العقول لصاعقة النبأ التي نزلت على القلوب فأحرقتها ويتحول الدرس النظري الذي يلقيه الأستاذ إلى درس عملي فيه العبرة والذكرى والعبرة وكل لسان يلهج بما في أعماق قلبه من حب وثيق لهذا الراحل المعلم الذي ترك بصماته في حنايا النفوس وعلمها أن الحياة الحقيقية هي حياة الفرسان من خير معاش الناس رجل أخذ بعنان فرسه يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار اليها يبتغي الموت مظانه صحيـــح0

عبد الله عبد الوالي الذهب (أبو عمر اليماني):

ما رأيت شبيها لفطرة أهل أفغانستان مثل أهل اليمن ويكاد القطران يتشابهان بأصالة فطرة الأبناء وطبيعة الأرض وإلالتفاف حول العلماء ووضع النصوص موضع الجدية والتنفيذ, تراهم في الخمسينات يرتدون البزة العسكرية ويحملون البنادق ويسابقون الشباب في تسلق الجبال, بل في الصعود إلى أعالي المجد0

وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام

روح الشباب, وهمة الفتيان, وعزيمة لا تعرف الكلل0

عمري بروحي لا بعد سنيـن فلأسخرن غدا من التسعيـن

عمري إلى الستين يجري مسرعا والروح ثابتة على العشرين

وهكذا فقد التقيت في ذرى الجبال وبين الغابات والأدغال نماذج من أهل اليمن رأيت الغبيسي وأبا فارع, وكم يهزك أن تعلم أن غيلان أبا فارع أول من يقبل إلى الجهاد من أهل اليمن والإيمان والحكمة رغم أنه في العقد السادس من عمره0

ويعجبك أهل اليمن بإبائهم وأنفتهم وعزتهم وقبولهم للمنايا دون إعطاء الدنية في دينهم كذاك أهل أفغانستان0

ونفس تعاد العار حتى كأنــــــــه هو الشرك يوم الروع أو مثله الكفر

وتكاد النغمة العذبة تتحد على لسان حال اليماني والأفغاني:

هو الموت فاختر ما علا لك ذكره فلم يمت الإنسان ما حبي الذكر

ولا خير في دفع الردى بمذلة كما ردها يوما بسوأته عمرو

أقبل عبد الله: من بين الذين أقبلوا مستجيبين لرب العزة وهم يرتجفون من التهديد الرعيب من فوق السبع الطباق:

(قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين)

(التوبة)

وهو في الأربعين من عمره تاركا والدة ليس لها إلا الله ثم السهاد والأرق والبكاء والقلق على الفراق0

من منطقة رداع, ولكنه نزيل صنعاء, شاب وقور جاد كثير الصمت لايعرف منه تجاه الناس اساءة ولاتراه إلا في حلق العلم تارة وأخرى بين دروس تحفيظ القرآن يتتبع الندوات والمحاضرات, وله في القلوب منزلة وصمته يضفي على مكانتة مهابة واحتراما 0

في معسكر التدريب: وفي داخل المعسكر وجد نفسه, وانبسطت أساريره وبدأ يعبر عن ارتياحه الكبير ببعض النكات التي قلما كان تسمع منه من ذي قبل وكأنه وجد التفسير العملي (عليكم بالجهاد فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم) حديث صحيح.

وفي يوم التروية مضى إلى الله وترك أما في صنعاء تكابد الليل مع نجوم السماء ولو كانت تعلم الأدب والشعر لقالت.

فإذا نطقت فأنت أول منطقي وإذا سكت فأنت في أضماري

أخفي من البرحاء نارا مثلما يخفي من النار الزناد الواري

وأخفى الزفرات وهي صواعد وأكفكف العبرات وهي جواري

(الزناد الواري: المشعل المشتعل, الزفرات: التنهدات, العبرات: الدموع, البرحاء: الشدة).

فهنيئا لك هذه الخاتمة التي نرجو الله أن يتقبلها وأن يجمعنا بكم وبهشام الديلمي.

الشهيد تيسير دخيل الله ابن سالم الربيع (الفاروق):

كثير الصمت لأنه حكمة, قليل الكلام (الصمت حكمة وقليل فاعله), كثير الذكر وهذه صفة المجاهدين (يا أيها الذين آمنوا اذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكرو الله كثيرا لعلكم تفلحون), فأما الشهادة فهي عشيقته التي يهواها ولا يفتأ يردد ذكرها على لسانه.

اتصل بي والده يستفسر عن استشهاده فبشرته بشهادته ودعوت الله أن يكون شفيعا لوالده.

وقلت: أمثال ابنك تفخر بهم الأمم وتحيا بهم الشعوب ونرجوا الله أن نلقى هذه النتيجة صادقين مقبولين.

رؤيا صادقة: وقبل استشهاده بساعات في يوم الجمعة قال: أتمنى أن أستشهد بقذيفة طـائرة وصدقه الله, وقد كان له دور في التوجيه والتربية الإيمانية والروحية بالإضافة إلى أنه كان مثال الجندي المطيع ولقد كان لغيابه أثر على نفوس الكثيرين.

لك الله أيتها الأم الرؤوم وهنيئا لك شهادة أبنك لو تكلمت العبرات في مقلتيك لقالت:

قصرت جفوني أن تباعد بينها أم صورت عيني بلا أشفار

وتلهب الأحشاء شيب مفرقي هذا الضياء شواظ تلك النار

(أشفار: أهداب ورموش, الأحشاء: الأمعاء, المفرق: مقدم الرأس, شواظ: لهب)0


 

إلى اللقاء في الجنة :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ثم الحمد لله رب العالمين وصلاة وسلام على نبينا محمد الأمين وعلى صحبه وآل بيته أجمعين, أما بعد:

إلى أبي وأمي مع خالص التحية والسلام (سلام عليكم ورحمة الله وبركاته).

اكتب لكم هذه الورقات وأنا بإذن الله في عداد الشهداء بين يدى الله الذي قال: (ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله آمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون).

أرجو أن نكون في مقام كريم عند رب العالمين في جنة الفردوس.

أبي وأمي: أوصيكم بتقوى الله سبحانه وتعالى والتمسك بدين الله لادين الناس فإن الله لايرضى من الناس إلا ما قد من عليهم ولو كثر عملهم بدون تشريع من الله فهو عليهم وليس لهم0

أرجو أن تفهموا أن المصير إلى جنة أو نار لا ثالث لهما00 يعني إما رضى الله وإما غضبه فليس النار فقط للكفرة بل وأيضا للمقصرين في أمور دينهم0

لقد أنعم الله عليكم بالعيش الآن تأكلون وتشربون وتنامون, ولديكم فضول أموالكم ابذلوها في سبيل الله بضاعة, وخذوا الجنة ثمنا لها, واسعدوا أن يكون المشتري منكم هو الله عزوجل الذي وهبكم الحياة السعيدة الهانئة وأسبغ عليكم نعم الأمن والصحة ورزقكم المعيشة الواسعة0وقد قال الله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)0

ومن أصدق من الله وعدا للمجاهدين في سبيل رفع راية الجهاد وإعلاء كلمة الله حيث قال: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين). وجزاكم الله خيرا .

إبنكم تيسير (الفاروق)

إلى اللقاء في الجنة0

الشهيد أبو الدحداح الليبي:

صوام قوام, يصوم الإثنين والخميس, يتفجر حماسا ويتطلع إلى مهمة يقوم بها, مولع بالحراسة, وفي الحديث الصحيح: حراسة ليلة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود , مطواعا لأميره, رؤوف بإخوانه يحدب عليهم ويحنو عليهم, قلما وجد أحد إخوانه واجما ساهما إلا وسارع في سؤاله عن سبب حزنه, لسانه رطب بذكر الله ما زال لسانه يلهج بالذكر والدعاء منذ إصابته حتى وفاته (يقول: لا إله إلا الله. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا).

وجد في الجهاد متنفسا عميقا بعد الضيق الشديد والكبت الخانق الذي كان يعانيه تحت حكم الطاغوت.

وقد كان مع أمثاله مرجلا يغلي ويهدر قائلا :

فإن عشت فللطعن الذي يعرفونه وتلك القنا والضمر الشفر

وإن مت فالإنسان لا بد ميتا وإن طالت الأيام وانفسح العمر

وقد مضى إلى ربه وكان يأمل أن يرى راية الإسلام ترفرف فوق أفغانستان وفوق ربوع بلده ونرجو الله أن يتقبله في الفردوس الأعلى وأن يلحقنا به هناك.

الشهيد محمد أحمد الحنق (أبو حفص اليمني):

في بيت الحنق قرية من قرى أرحب اليمنية ولد محمد ونشأ نشأة بسيطة متواضعة, وعندما شب وجاوز الحنث, فتح بقالة يعيش منها, ولم يحظ بدراسة عالية ولا بثقافة واسعة ولكن بقيت لديه الفطرة الطيبة.


 

قصة قدومه للجهاد: أعلن عن محاضرة في صنعاء للأستاذ عبد الوهاب الديلمي تحت عنوان (قصة شهيد) وذلك بمناسبة استشهاد ولده هشام الديلمي, ولقد كان محمد بين شهود المحاضرة فخرج منها وقلبه ينبض حبا للجهاد وشوقا للإستشهاد, وردد قائلا (لقد انتزعت الدنيا من قلبي)والموت آت والحياة نفائس والمستغر بما لديه الأحمق

فلا بد من الصدق مع الله, وطلاق هذه الدنيا ثلاثا لارجعة فيها ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم إصبعه في أليم فلينظر بم يرجع صحيح موضع صوت أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها صحيح.

بداية التنفيذ: أقبل إلى دكانه (بقالته) فباعها بأرخص الأثمان وأصبح ينظر إليها كأفعى يضعها في جيبه فألقاها بعيدا.

وأقبل إلى الجهاد قبل عشرة أشهر, وأعد في مخيم التربية والتدريب ثم إلى الرباط في المأسدة بين الثلوج التي تجمد الماء الساخن على الوجه ومكث ستة أشهر هناك (نرجو الله لنا وله القبول).

من المأسدة إلى خوست: ثم انطلق إلى خوست ورابط في باري ثم أصبح أميرا لها.

الشهادة: طال الإنتظار للقاء الحور العين, وتاقت نفسه للنزال ولعل وراءه اللقاء, وأعدت عملية للهجوم على معسكر العدوفي يوم السبت (22) محرم (9041هـ), وكان لابد أن يكون محمد في مجموعة الإقتحام.

وأغدو ولوان الصباح صوارم واسري ولوان الظلام جحافل

وإني جواد لم يحل لجامــــه ونصل إيمان أغفلته الصياقل

فإن كان في لبس الفتى شرف له فما السيف إلا غمده والحمائل

(صوارم: سيوف, الصياقل: الحدادون, الحمائل: حاملات السيف وعلائقه, جحافل:جيوش, لبس: خفاء)

الخاتمة والمسك: وجائت قذيفة تحمل معها المنايا, وأصيب شقه الأيمن وبدأ ينزف ويتلو القرآن من سورة التوبة وفاضت روحه, وكانت الدماء تسيل من جرحه والعرف (الشذي) الطيب يفوح من دمائه اللون لون الدم والريح ريح المسك.

ويشهد أبو العاص الحاربي وأبو الصادق الصنعاني وصلاح الدين الحنق أنهم تنسموا الرائحة الطيبة من دمائه الزكية, ويشهدون على ذلك ربهم.

رسالة من أبي حفص (محمد أحمد الحنق) إلى والده:

(ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتا بل أحياء ولكن لا تشعرون, ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من إلاموال وإلانفس والثمرات, وبشر الصابرين).

ويقول تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال افترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين) (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم إلاعلون ان كنتم مؤمنين) وأسأل الله تعالى أن أكون ممن شملتهم هذه الآية وأدعو الله أن تشملكم أنتم أيضا وأن يتقبلنا عنده إنه كريم رحمن0

والدي العزيز: تحية إسلامية, سلام الله عليكم ورحمته وبركاته, وبعد:

فاعلم يا والدي أنني أحبكم كثيرا لأنك رجل عرفت قدر نفسك وعرفت حقارة هذه الحياة, وإنها ليست باقية فقد قدمت في سبيل الله أحد أبنائك وأرجو أن تقدم من بقي منهم ليكونوا لك ذخرا عند الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم, واعلم والدي أنك أصبحت رجلا ليس كالذين يحبون أن يبقى أبناؤهم في الشوارع وفوق حطام الدنيا ولكنك أردت والحمد لله الذي وفقك لأن ترى هؤلاء الضعفاء أين يجب على الأب أن يضع ولده واعلم ياوالدي أن هذه الحياة ليست بدار قرار فلا تفكر فيها فإنك زائل منها مهما طال العمر (كل شيء هالك إلا وجهه) وأطلب منك يا والدي المسامحة من كل خطأ بدر مني نحوك في زمن جهلي وإن شاء الله أن يشفعني الله في أحد فأجعلك منهم إن شاء الله, ثم حذار من أن تصدقوا لنفاق الناس ولولمهم, ومن سمعتموه يقول شيئا فاحثوا في وجهه التراب وأما والدتي التي أعلم أنها كذلك من المؤمنات اللواتي لا يخفن في الله أحدا , وكوني يا والدتي عند حسن الظن فمهما بقينا هنا في هذه الدار نأكل ونشرب وفقط, فلابد لنا من نهاية وخروج إلى الدار الآخرة فإما إلى الجنة وإما إلى النار, ولا تنسي أنك سترينني في الجنة إن كنت من الصادقين حيث لا موت فيها ولا فراق بعد ذلك0

وأوصيك بالصبر والصلاة وطاعة الله إلى أن تلقي الله ولاتصدقي قول أحد0

وأخيرا أطلب ممن يعرفني من إخواني أن يسامحوني ويدعوا لي وأن يواصلوا جهادهم أينما كانوا ولايفتروا فالحياة جهاد في سبيل الله فلا تجعلوها في سبيل الشيطان وأنتم أعلم بذلك مني والسلام عليكم يا أبي, والسلام عليكم يا أمي, وعلى إخواني أجمعين0

وأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه0

ملاحظة: إذا استشهدت قبل الحج فأرجو من والدي أن يحج عني وإذا لم يستطع فأحد إخواني في الله الذين لهم قدرة0

أخوكم وولدكم: محمد أحمد الأرحبي المكنى (أبو حفص الأرحبي)


 


 

عادل الوريك (خلاد)


 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده , أما بعد:

لكل اسم من مسماه نصيب فهو خلاد, أي خل د ذكراه بتسطير تاريخه بدمائه وهو قد خل د في أسرته روح الجهاد وأحيا عبادة القتال, وصدق رب العزة (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) ولقد عب ر عن هذا أبو الطيب:

فقتلي في الوغي عيشي لأني رأيت العيش في أرب النفوس

واقتبس منه شوقي قوله:

ففي القتلى لأجيال حياة وفي الأسرى فدى لهم وعتق

حياته: من مواليد مدينة الخبر سنة (0931 هـ) بالمنطقة الشرقية فقد اهتصرته يد المنون في عمر الورود.

ويحدث عنه أستاذه أبو مصعب (رياض الحقيل) قائلا : (عجب ربك من شاب ليس له صبوة) كما في الحديث. فلقد عرفته منذ سنوات وما علمت عنه إلا كل خير, عرفته منذ نعومة أظفاره وهو يتردد بين المكتبات والمراكز الإسلامية الصيفية وأنشطة التوعية وغيرها في المدارس, وكان من رواد المسجد والمسجد رياضه ومستراحه فمع الشباب في المسجد يتعلم دين الله من كتاب وسنة وثقافة إسلامية , وكنت تجده بينهم في رحلات الحج والعمرة.

وكان يجلس مع إخوانه من الشباب في أحد المساجد صباح كل خميس ويقرأون القرآن على قراءة أحد المشايخ (الخليفي , باجابر , المنشاوي) وكانوا يتبارون بنداوة الصوت وجمال المخارج, كان ذا صوت ندي رقراق جميل خاصة في تلاوة القرآن.

أما الأناشيد فكان يجيدها ويحدو بها زادا في وقت السفر أو لطرد السآمة والملل. وكان يداوم على درس صحيح البخاري عند أبي مصعب يواظب على الحضور, يشارك في المناقشة , يسأل ويجيب , ويذكر بالصحابي ابن عباس رضي الله عنهما في كثرة سؤاله وفهمه الثاقب, وقد س ئ ل ابن عباس رضي الله عنهما عن سر وصوله لهذا الشأن من العلم فقال: (بلسان سؤول وفؤاد عقول).

النفير إلى الجهاد: كان قلبه يشتعل شوقا إلى الجهاد وقد زار الجهاد ذات مرة فلما رجع منعه أهله, فأجهد نفسه في المحاولة بالترغيب والترهيب لأهله حتى تمكن من الذهاب.

ويرجع أخرى ليحرض إخوانه على الجهاد فيمنعه أهله من الذهاب , وهنا استمات في إرضاء والده واستعطافه عل ه يرق لهذا القلب الواله الدنف المعلق بالجهاد وأخيرا أذن له والده.

قافلة بروان: ولما سمع بقافلة للمجاهدين متجهة نحو بروان فرح فرحا شديدا لأنه علم أنها للجهاد وللتربية على العلم الشرعي, وبدأ ينتظر ولكنه ما أطاق الإنتظار في بيشاور فصار يتردد بين الجبهات والمعسكرات, فترى الكتاب قل ما يفارق يده ويقرأ على الشباب من التفسير والحديث والكتب العامة , ولم يكن يدع الكتاب حتى في الطريق, وكان حريصا على أتباع الس ن ة والتنبيه إليها مع إخوانه ومع القادة.

الأيام الأخيرة: وقبل استشهاده بيوم وفي الجبهة في (ليجا) -خوست- يأتي أحد إخوانه الكبار ويستشيره في البقاء في ليجا للإشتراك في العملية أو بالذهاب إلى بروان فأمره بالإستخارة.. ويفعل ثم يقول: قد نويت البقاء هنا وودع إخوانه في قافلة بروان قائلا : (يا إخوة إني أحبكم في الله. يا إخوة والله ما تعلمون معنى المحبة والأخوة في الله إلا في مثل هذه المواطن).

وبعد هذه الكلمات الجميلة بيوم فقط وفي يوم الجمعة وبعد الصلاة.

الشهادة في ساعة الإستجابة: من السنة ترقب ساعة الإجابة يوم الجمعة في آخر ساعة من النهار وفي هذه الساعة بالضبط بدأ يزحف نحو مركز العدو الذي لا يبعد أكثر من مائة إلى مائة وخمسين مترا وكان أميره بجانبه فقال للأمي: (نحن الآن في ساعة الإستجابة) وبعدها بقليل وإذا بلغم ينفجر تحته فتمزق الجزء الأسفل منه وبقي الجزء الأعلى, وبقيت الورقة التي رسم عليها موقع العدو في جيبه.

منظر يؤنس بقبول الشهادة: وفي صباح اليوم التالي جاء إخوانه إليه وكان مشهدا يأخذ بمجامع القلوب, خلاد مجندل فوق الثرى, اصبعه المسبحة تشير إلى السماء بالشهادة, وثغره باسم, لدمه رائحة طيبة كالمسك كما شهد بهذا أبو حبيب أمير مجموعته وآخرون.

نرجو الله أن يتقبله في الصالحين وأن يجمعنا به في الفردوس الأعلى.

إبراهيم جلاجل (أبو محمد السعودي):

سبقوا رغم صغر سنهم, اصطفاهم رب العزة رغم أن مسيرتهم الجهادية قصيرة وعمرهم على الطريق المرير غرير, ألا أن الاصطفاء من رب الأرض والسماء ولا يرتبط بعمر ولا عمل, إن القلوب الصادقة هي الجديرة بالإستجابة من علا م الغيوب الذي ينظر إلى هذه القلوب والأعمال.

وكلما أفضت زمرة صافية إلى خالقها ودعتها القلوب وهي تردد:

إن كنتم ظعنا فإن مدامعي تكفي مزادكم وتروي العيسا

(ظعنا: راحلين, العيس: الإبل).

نبكي على أنفسنا وليس على من ودعنا لأنا نعلم أن الله إذا تقبل شهادتهم فقد قدموا إلى خيرالآخرة لموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها صحيح, وكل واحد من هؤلاء يعيش بكليته في عالم الآخرة, مع الحور في الجنة.. في روضات الجنات, ليس عنده هم سوى التفكير في الشهادة و من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو مات على فراشه صحيح.

ونرى الواحد منهم يناطح بهامته سحاب السماء ويشمخ بهمته حتى يطاول الجوزاء.

أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت وإذا نطقت فإنني الجوزاء

منذ عام وهو يعيش في أرض الجهاد إلا أنه عاد لزيارة أهله وللعلاج.

العودة: إن الجهاد مهوى الأفئدة وقل ما استعذبت طعمه نفس مؤمنة وأطاقت فراقه, قد يعيش في جو آخر, وتفتح له الدنيا أبوابها , ولكن الروح تبقى معلقة بالجهاد ويبقى شبحا بين أهله وذويه, لايلذ بطعام ولا يهنأ بمنام, جفونه مؤرقة لاتكتحل بالنوم هادئة إلا تحت دوي المدافع وقصف الطائرات ويبقى الحنين إلى أرض النزال يقض مضجعه.

الرؤيا: رأى وهو بين أهله الجنة ونعيمها فطارت روحه إلى أرض الجهاد ثم تبعها جسده وقد ألهمه الله العمل وحبب إليه النوافل خاصة الذكر والصلاة فكنت لا تفتقده إلا وجدته قائما يصلي أو فاتحا لكتاب الله يتلو أو ذاكرا , وكما قال أبو الدرداء: (إنما تقاتلون بأعمالكم) فقد بدأ يعد الأعمال التي بها يقاتل أعداء الله ويقابل وجه الله.

الشهادة: وفي يوم الجمعة (82) محرم سنة (9041هـ), كانت هنالك معركة حامية الوطيس في أحد مراكز قندهار , وبعد المعركة أوى إبراهيم الجلاجل مع أخيه أحمد بن عبد الله بن صالح الخليفي القطري إلى مكان فأغارت الطائرات عليهم فاستشهدا ومضيا على الطريق اللاحب إلى الله فنرجو الله أن يتقبلهما ويلحقنا بهما في الصالحين.

أسد الرحمن المصري:

في مقتبل العمر وزهرة الشباب ونضارة العمر وفورة الصبا يقبل أسد الرحمن إلى أرض الجهاد كان مشرق الوجه , نير الجبهة , يقبل إلى بشوق عجيب قائلا : كيف حالك يا والدي, عرفته يذوب شوقا إلى الجنة.

قال لأصحابه قبل أن ي ستشهد: (إن أعظم شئ يقدمه لنا الشيخ عبد الله هو: الطريق إلى الجنة) أجسادهم على الأرض وأرواحهم معلقة بالفردوس.

وصدق رسول الله ص: لروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها ولقاب قوس أحدكم من الجنة أو موضع قيد -يعني سوطه- خير من الدنيا وما فيها ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا , ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها البخاري.

كيف لا تهفو النفوس إلى الحور والفردوس? إن نفوس الشباب كالخيل التي تعلك اللجم تريد أن تنطلق من أزمتها , إنهم يترقبون الشهادة ترقب عزيز غائب سيقبل.

يستعذبون مناياهم كأنهم لا يخرجون من الدنيا إذا قتلوا

عرفت أسد الرحمن في صدى, وأم رته على خيمته رغم صغر سنه, كان ينتظر تكليفه بأي عمل.انه متعطش للعمل , مندفع يتفجر حيوية ويتدفق حماسا , وأنهى تدريبه وكان هذا قبل عام ونيف تقريبا , ثم انتقل إلى جاجي ورابط فيها, وبدأ يبحث عن قافلة ذاهبة إلى الشمال. وانطلق معها ليروي غليله بالجهاد, ومكث فترة هنالك, ثم عاد ولكنه لايكل ولا يمل, ولايستقر ولا يهدأ.

وكان الشيخ تميم العدناني يحب هذا الشاب حبا جما لتواضعه وشجاعته وأدبه وحيائه.

إلى خوست: وترامى إلى مسامعه المعارك الساخنة في هذه المنطقة فيمم شطرها وألقى رحاله فيها, يشترك في العمليات التي لاتنقطع , فلا تكاد المنطقة تخلو من دوي القذائف وصليل السلاح وهدير الطائرات, وأزيز الرصاص.

وأقبلت شعوب (المنية): وجاء اليوم الذي أعده الله لملاقاته, وخطط الشباب لافتتاح مركز شرس طالما آذى المجاهدين وكبدهم خسائر. وقرر جند الله اقتحام هذا المركز, ورسموا خطة الهجوم وكان أسد الرحمن من الليوث التي أعدت للإقتحام وهو لا يطيق أن يشترك إلا في الصفوف الأولى, إنهم يريدون أن يستشهدوا لتحيا الأمة, ويقتلون لتعيش الأجيال بدينها وإيمانها, إنهم يهزون الدنيا ليستيقظ السادرون في نومهم.

فتى كلما ارتاد الشجاع من الردى مفرا غداة المأزق ارتاد مصرعا

وما كنت إلا السيف لاقي ضريبة فــقط عها ثـم انثنى فتقط -عا

واقتحم الشباب المركز (البوستة) وبعد أن تم الفتح أصيب أسد الرحمن, ومضى إلى الغاية التي أقبل من أجلها وجاهد لتحقيقها, ونرجو الله أن يكون قد أجاب دعاءه وصدق عليه بشرى رسول الله ص:: ...وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة البخاري.

اللهم أحينا سعداء وأمتنا شهداء واحشرنا في زمرة المصطفى ص.


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

شهداء قطر الثلاثة


 

إن الشيخ تميم العدناني كالغيث المبارك حيثما نزل أفاد -نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا -, ويجده الشاب واحة يأوى إلى ظلها من لفح الجاهلية, ويراه الشيخ الطاعن في السن طاقة تتفجر حماسا فيعيد الشباب إلى روحه, وهو يرى في الشيخ الكبير أبا وفي القرين أخا وفي الصغير ابنا , ولكم رأيت الشيخ تميم (أبا ياسر) وهو يبكي إذ يودع الشباب إلى الجبهة وهو يقول: والله إنهم كأولادي أو أشد حبا . كان عصام (تحسين) أحد الشباب الذين نفروا في سبيل الله فيقول: هذا ابني عصام وليت لى ابنا مثله.

وقد حل الشيخ تميم في السعودية فأيقظ الشباب وأحيا في أعماقهم فريضة الجهاد, وأصبح الجهاد الأفغاني حديث السامر في الجزيرة عموما وفي المنطقة الشرقية خاصة.

ثم رحل الشيخ إلى قطر فأصبح الجهاد هو اللحن الحبيب لمجالس قطر ومنتدياتها, وهو النشيد العذب على ألسنة شبابها وديوانياتها وبدأ الشباب يفدون إلى الجهاد تباعا وإن كنت أنسى فلا أنسى في هذا المجال محمد عبد الله صديقي الذي كان له شرف السبق من طلاب أمريكا ومن شباب قطر فنرجو الله أن يكون ممن س ن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة وهذا الشاب أضحى مثالا لكل من أراد أن يحذو, ونموذجا لمن أراد أن يقلد أو يقتفي -نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا - وشهداء قطر هم على التوالي:

أحمد عبد الله صالح الخليفي (أبو يوسف):

إيه ياقندهار, كم ضمت جنباتك من جثث الأطهار, وكم حامت فوق ملاجات وبولدك ومطارك من أرواح الأخيار, بيداؤك القفراء أصبحت خضراء بالدماء. رمالك الجافة أضحت ندية بذكريات الكماة الأباة.

أسرته: بين خمسة إخوة شب أحمد, وهو من الشباب الذين نشأوا في طاعة الله, المسجد مراحه ومستراحه, وروحه وريحانه, فتعلقت روحه ببيت الله وكتابه, يرتاد المسجد ويواظب على الصلوات الخمس فيه, كان بارا بوالديه وهذا فرض رباني أملاه عليه دينه.

الجهاد وإقباله عليه: يحدث عن قدومه إلى الجهاد قائلا : (سمعت أن الشيخ تميم يحدث في مسجد الوكرة عن الجهاد فذهبت مع أصدقائي وكنا في الذهاب نستمع الأغاني وبعد الدرس تأثرت كثيرا وعاهدت الله على الذهاب إلى أفغانستان).

وذات مرة قال أحد طلبة العلم لأبي يوسف ممازحا أو كنت تسمع الأغاني? فرد عليه: لقد سمعت محاضرة واحدة عن الجهاد فنفرت في سبيل الله, وأما أنت فطالما حدثت الناس عن الدين والجهاد ولم تنفر إلا الآن.

صفاته وسماته: كان كثير الصمت, يحب خدمة إخوانه في الجبهة ولايناقشهم, مشغول دائما بقراءة القرآن, كتب في رسالة باللغة العامية لوالديه يقول فيها (يابا يا أم ه اصبروا أنا أشفع لكم يوم القيامة -إن شاء الله- ترى الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته).

من رسائله:

كتب إلى إخوته في الفريج:

شباب ماض إلى الرب يرضيه, وشباب قاعد اللعب يلهيه, إن الحل لا يكون إلا بالجهاد فألحقوا أنفسكم ولايفوتنكم قطار الشهادة في سبيل الله اللهم هل بلغت اللهم فاشهد.

وكتب في رسالة ثالثة: لعبد الله الماجد -صديقه- على ظهر بطاقة تحمل صور أطفال من أفغانستان يقول له فيها: (أطفال يجاهدون وشبابنا يلعبون, أخي عبدالله انفر إلى هؤلاء الأطفال الصغار في العمر والجسم ولكن عقولهم وقلوبهم أكبر من عقول وقلوب شبابنا الضائع اللاهي المضيع لدينه ودنياه والذين لايفكرون إلا في الأكل والشرب والسيارات فانظر الفرق)!

الشهادة: معركة شديدة في قندهار أوى بعدها أبو يوسف (أحمد عبد الله) مع صديقه إبراهيم جلاجل السعودي فقصفت الطائرات المكان ففاضت روحاهما إلى الله -عزوجل- في (82) محرم سنة (9041هـ.) في السابع من سبتمبر سنة (8891م).

استقبال أهله لاستشهاده: يقول والده :(كنت سعيدا باستشهاد ابني لأنه شرف كبير, وقلبي حدثني بوفاته قبل أسبوع)!

شعاره: من أفغانستان إلى فلسطين, وكان يتمنى الشهادة في فلسطين أو بخارى.

صلته بالمجاهدين: كان محبوبا لدى المجاهدين وقد كان القائد يوكل إليه بعض المهام, وكان شجاعا حتى إنه ذهب إلى مركز الشيوعيين وحده.

يزور الأعادي في سماء عجاجة أسنته في جانبيها الكواكب

لتسفر عنه والسيوف كأنمـــــا مـضاربها مما انفللن خرائب


 

أحمد عبد الله البيوك (الفلسطيني القطري):

شاب يحب الفروسية, تمرس بألعاب الرياضة, خاصة سباق الضاحية, نشأ وترعرع في منطقة الوكرة, ومسجدها أضحى يعد في السنتين الأخيرتين خلية نحل لا يحط فيها سوى العاملين لجني العسل للأمة الإسلامية. وأحمد بطل رياضي في نادي الوكرة أنهى الشهادة الثانوية وسافر إلى أمريكا. بعد أن سمع ما سمع عن الجهاد, ولم يطق الحياة في أمريكا وصار يبحث عن طريق الجنة وذات يوم وإذا بأحد أصحابه يأتيه ب- ( يزا) إلى باكستان وطارحت روحه قبل جسده لترفرف فوق أرض الأبطال وعلى ذرى جبال المجد والعز.

رسالة لأبيه: كتب رسالة إلى أبيه يودعه فيها قائلا : (حضرة الوالد العزيز: منذ زمن طويل وفكرة الجهاد تراودني فهي اسمى شئ باستطاعة الإنسان أن يقدمه إلى دينه وربه وأهله. أرجوك يا والدي أن لا تغضب علي.. لم أعد أستطيع التركيز في الدراسة بعد محاولات متكررة لما أراه في فلسطين وأفغانستان من ذل وضرب وإهانات وما خلقنا الله لنعيش أذلاء بل خلقنا لنعيش أعزاء.

أحمد بين المجاهدين: وجد أحمد نفسه في الحياة التي كان يرسمها في ذهنه, العزة لحمتها والمجد سداها من خير معاش الناس رجل آخذ بعنان فرسه كلما سمع هيعة أو فزعة طار إليها يبتغي الموت مظانه .

والعز في صهوات الخيل مركبه والمجد ينتجه الاسراء والسهر

النوافل: يحدث عنه على عبد الله صديقي قائلا : كان يقوم الليل, يحافظ على الجماعة ويحث عليها, خدوم لاخوانه, يحضر لهم ماء الوضوء.

ولم تشغله المعركة أن يرسل إلى أهله يوصي أخواته بالحجاب.

شهادته: في معركة اشتد ضرامها, ورفرفت المنايا فوق أبطالها, امتشق أحمد قاذفه الصاروخي ال- (آر. بي. جي.) وبين زغردة الرصاص ودق طبول القذائف انطلق أحمد وماله لاينشد.

محرمة أكفال خيلي على القنا وداميـــــــة لباتـــــها ونحورهــــــا

حرام على أرماحنا طعن مدبر وتندق منها في الصدور صدورها

وتتناثر القذائف حوله واختطفت إحداها روحه إلى خالقها.

وهناك في سبين بولدك ثوى أحمد البيوك بعد أن بقي دمه ينزف ثلاثة أيام بنجيع رائحته كالمسك. وأراه إخوانه إلى مثواه الأخير بجانب هاني الشيخ الفلسطيني الذي كان يعيش مع أهله في الكويت.

هكذا يا أبناء فلسطين: تفرقتم في البلدان ولكن ضمكم حب الشهادة والشوق إلى الجنان, فهنيئا لكم ونرجو الله أن نلتقي بكم في الفردوس الأعلى.

حسن العوضي:

كان يرى الإعداد فرضا وإن كان في قطر, فلا بد من تعلم الفروسية في ناديها, وقد شجعه والده على الجهاد في سبيل الله وكان والده وإخوانه من أكبر العوامل على دفعه للنفير ولطالما لهج لسانه بالدعاء أن ييسر الله له سبيل الجهاد ثلاث حق على الله عونهم الغازي في سبيل الله... .

فالموت أعذر لي والصبر أجمل بي والبر أوسع والدنيا لمن غلبا

(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا).

عشق الشهادة: كان كثير الحديث عن الشهادة ولقد فجرت شهادة أبي يوسف القطري (أحمد عبدالله صالح الخليفي) في قلوب كثير من أبناء قطر ينابيع الشوق والحنين إلى الشهادة, وأصبح حديثهم عن أحمد حافزا يدفعهم إلى الإمام ولذا كان يلح على القائد (الأمير) أن يسمح له بحضور عملية ضد الروس وأخيرا أذن له, فانطلق يتسلق قمة المجد:

ولا تحسبن المجد زقا وقينة فما المجد إلا السيف والفتكة البكر

وبعد العملية الناجحة على مركز العدو عاد المجاهدون إلى المركز فجاءته المنية بقذيفة هاون على طريق العودة ولعلها العودة هناك بإذن الله:

فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيمولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم

فيا بائعا هذا ببخس معجل كأنك لاتدري ولا أنت تعلم

فإن كنت لاتدري فتلك مصيبة أو كنت تدري فالمصيبة أعظم

مثال المتعلم المجاهد (خالد زبير):

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

لم أر باكستانيا في حيويته ونشاطه, وفي سمته ودله, وفي أدبه وحيائه, شاب درس العلم الشرعي على يد مشايخه, ثم انتفض يريد أن يزيل عن نفسه وعن إخوانه ركام السنين من غبار الذل, وعجاج الجاهلية.

صدره يغلي كأنه المرجل, ففي أعماقه آلام أمة طالما غطت في منامها وفي آهاته الحرى وزفراته المحرقة انعكاس لجراح عميقة تعتمل في طياته.

يجلس إليك فلا ينبس ببنت شفة, يغضي حياء وهو يصغي إليك لايحب الثرثرة ولا اللغو, ولا يحب أن يشغلك عما بين يديك من عمل. ان كانت لديه حاجة ماسة جاءك وعرض قضيته دون مقدمة ولا تذييل, ثم يهب كأنما لدغته أفعى, أو ألهب ظهره سوط, ويمضي ولا تراه يمشي متلكئا ولا متباطئا .

عرفته في صدى: كان مع مجموعة من إخوانه, في زاوية من زوايا المخيم, يعرف موعد الدرس بعد الغروب, فيتكبدون عناء تسلق الجبال, رغم زمهرير الشتاء وانهمار المطر, ثم ينسلون دون أن يحس بهم أحد , وفي غلس الظلام يتحدرون إلى مستقرهم ومهجعهم.

إلى الأورغون: وانطلق إلى الأورغون مع إخوانه وما لهم لا ينشدون مع أبي فراس:

لا تحرز الدرع عني نفس صاحبها ولا أجير ذمام البيض واليلب

ولا أعود برمحي غير منحـطم ولا أروح بسيفي غير مختضب

وتجمع حوله مجموعة من الإخوة الباكستانيين تحسب الواحد منهم أسدا , وأخذوا يقدمون الشهيد تلو الشهيد حتى وصل شهداؤهم إلى العشرين وهم بين خوست والأورغون وغزني, وقد تعلقت أرواحهم بالقائد المعروف أرسلان رحماني, العالم الرباني المجاهد الذي كان له قصب السبق من بين إخوانه العلماء في الدخول إلى معمعان المعارك, والذي رويت عنه كثيرا من الكرامات التي حصلت معه وأودعتها كتاب (آيات الرحمن في جهاد الأفغان).

والحق أنها أرواح و الأرواح جنود مجندة, ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف فروح خالد بصفائها التقت مع روح أرسلان بنقائها ونفس خالد بوضوحها وجدت طريقها إلى نفس أرسلان بصدقها.

وألقى رحاله بين خوست والأورغون, وبث رجاله كالليوث يغدون ويروحون وجرح مساعده عبد الرحمن بعينه ثم عاد بعد أن عالج عينه وواصل خوض غمار المعارك.التحريض على القتال: وكان يختطف من وقته ما يستطيع فيه أن يدعو إخوانه الذين تركهم يدرسون ويدر سون في المعاهد الشرعية إلى الجهاد ويستحث خطاهم إلى أرض موطن الجلاد. إذ أصبحت أفغانستان بجهادها روحه وريحانه , ويهصر في هضابها من شبابه ريعانه.

كنت ذات مرة في مهرجان جهادي في كراتشي والناس ينتظرون خالدا فأقبل كعادته كأنما ينصب من عل وألقى كلمته ثم غادر.

شجاعة كتيبته: والتف حوله شباب له أن يردد معهم لحنه العذب:

سأطلب حقي بالقنا ومشايخ كأنهم من طول ما التثموا مرد

ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا

وطعن كأن الطعن لا طعن عنده وضرب كأن النار من حره برد

إذا شئت حفت بي على كل سابح رجال كأن الموت في فمها شهد

والحق أن شجاعة هؤلاء الإخوة نادرة وإن كنت أنسى فلا أنسى قصة أحدهم نصر الله الذي خاض معركة ضد طائرة هليوكبتر وقتل بعض أفرادها ونجاه الله رغم أن الطائرة كانت قد أعدت كمينا له ولإخوانه ولكنه خرج وجراحه تنزو دما , ورحم الله إرشاد الحق: شهيدهم وقائدهم الأول والذي سقط في أرض المعركة. وكم استشهد من هذه الزمرة الصادقة دون أن تجد قلما صادقا يذكرها أو لسانا مخلصا ينوه بها.

الشيخ سيف الله أختر: ومن الواجب علينا أن ننوه بذكر الشيخ سيف الله الذي كان له الفضل بعد الله في تجميع هؤلاء الشباب بعد أن تسلم الراية من إرشاد الحق, ورغم قلة ذات اليد, وضيق الحال فإن مسيرته المضنية ماضية, ومواصلته على درب الشوك وطريق الدم مستمرة.

فتح شرانه: وقبل شهرين كان خالد زبير في مقدمة الذين فتحوا عاصمة الأورغون وبكتيكا (شرانه), وليس هذا بجديد عليهم إذ دأبهم أن يقتحموا حصون الأعداء بين السابقين من المجاهدين, وعلى أيديهم وأيدي أمثالهم من المجاهدين وتحت قيادة (مولوي أرسلان) فتحت كل بكتيكا.

الشهادة في خوست: كان خالد رحمه الله يتنقل بين خوست وغزني والأورغون ويحاول أن يرتفع بمستوى إخوانه القتالي وقد يصل عدادهم أحيانا المئين.

وخطط خالد أن يفتتح مركزا للشيوعيين في خوست واقتحمه مع أصحابه وكان الموت له بمرصد, فقد انفجر تحت قدميه لغم فطارت إحداهما وكسرت عظام الأخرى.

وجاءني سيف الله إلى المكتب يخبرني بجرح خالد وبإصابته البالغة الخطيرة وبعدها بيومين في يوم الخميس في السابع والعشرين من يناير (9891م) جاءني سيف الله يخبرني بأن روح خالد أفاضت إلى خالقها, وعندها تركت مكتبي رأسا وتوجهت إلى مستشفى خيبر فوجدته مسج ى فوق السرير وعلى محياه تلك الإشراقة التي ماكانت لتفارقه في الدنيا ولا في الآخرة, وعلى جبينه طبعت قبلة الوداع الأخير في هذه الدار ودعوت له وفي جفوني عبرات الذكريات من خلال الشريط الطويل للجهاد الذي رافق هذه النفس.

إلى (مردان): ولم يكن لدى سيف الله أختر سيارة لينقل الجثمان إلى (مردان) بلده, وطلب سيارة إسعاف وليس لدينا سيارة وأشرت عليه باستئجار سيارة وحمل الجثمان وفي المسجد الكبير في بيشاور صل ى عليه وسار الموكب الحزين العزيز إلى هناك إلى (مردان) حيث نشأ خالد ودب وترعرع ونضج, فقد كان فيها فتى صغيرا واستشهد قائدا كبيرا وأنا أعلم أن (مردان) لا تعرف قدره ولا غيرها إنما يعلمها رب العالمين الذي أعد للشهداء منازل الجنة ففي البخاري.

(إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله مابين كل درجتين كما بين السماء والأرض) فنرجو الله أن يكون قد تقبل شهادته, ولقد ترك خالد وراءه أناسا لسان حالهم يقول:

خليلاي دون الناس حزن وعبرة على فقد من احببت مالهما فقد

تلج دموعي بالجفون كأنما جفوني لعين ي كل باكية خد

ونرجو الله أن يجمعنا به في الصالحين.


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

أول شهداء (حاشد) جمال محمد ناصر الحنيني

(أبو دجانة اليماني)


 

مابالك يا أرض أبي موسى تدفعين بفلذات أكبادك إلى الوغى? وما شأنك تجودين بصفوة أبنائك إلى أتون القتال; أتريدين أن تراهني بلاد أبي حنيفة على السبق? أم تودين أن تزاحمي أرض الطالقاني على المجد والسؤدد?! يا أرض حذيفة إن تكاليف العز غالية فهل أعددت لدفع الضرائب; يا بلاد أويس القرني إن أثمان الرفعة والسناء باهظة فهل لك طاقة بدفع عد لها?رويدك يا ابنة المجد ويا وريثة السؤدد فالطريق طويلة والأثمان غالية والتكاليف عزيزة.

لا جرم أنك تعتبرين شهادة أبنائك مفخرة لك في سجل الخلود وترتلين مع السابقين واللاحقين: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) وكأنك تحدين مع المنشدين لحنا عذبا لكل فتى من أبنائك الذين تزفين إلى الحور:

كأنك بالفقر تبغي الغنى وبالموت في الحرب تبغي الخلودا

واليوم نقف وقفة المودع لابن عزيز من أنجالك, هنا في أرض الفخار بين أطنان الحمم وبراكين النار, على مشارف قندهار إنه ليث خرج من عرين أكبر قبيلة يمنية من حاشد إنه جمال محمد ناصر ولقد انحدر من دوحة المجد ومن مركز حاشد من (خمر) بلد الشيخ عبد الله الأحمروقد أقبل مودعا الدعة, تاركا النعيم والرفاهية.

وحين أقبل على معسكر التدريب, كان النشاط سمة بازرة له, ووجد مكانه بين إخوانه العرب في مأسدة الأنصار, وهناك الشباب الذين يتوافدون إلى الوغى كأنهم في أعراسهم:

فتدفقت جند العقيـــــــــدة أنهـرا في كل ســــاح

زهوا بألسنة الكفـــاح وبالبطولات الصحاح

وحداؤهم قرآن عنـــوان الهداية والفلاح

قالوا لئن شح العطاء فنحن للدين الأضاحي

وهناك يطيب المقام, ومعالم أجداثهم, وشذى قصصهم والأنوارالتي لا زالت تخرج من قبورهم, تبعث في النفوس أشجانها. وتنكأ في القلوب جراحها, فهذا رمس (قبر) أبي حفص الأردني وذا قبر أحمد الزهراني, وهناك قبر هشام الديلمي, وذاك جدث زكريا أبي هنود. بالأمس كانوا بيننا واليوم عند ربهم -ونحسبهم ولانزكي على الله أحدا - شهداء يرزقون.

كان جادا في الجهاد: ويوصي إخوانه بالصلاة على المذهب الحنفي حتى يتسنى لهم الجهاد مع الأفغان الذين يتحسسون من مخالفتهم بسبب أميتهم (ويا قومي مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار).

رجع أبو دجانة ليؤدي فريضة الحج ولزيارة أهله في السعودية, وبدأت الإغراءات من أجل الإخلاد إلى الأرض, والارتباط بحطامها, وليس بين أيدي أهله ورقة أشد إغراء وأكثر بريقا من الزواج, وبينما كانت الخطط تحاك, والمكائد تحبك, احتال عليهم بأنه يود زيارة الرياض, وحزم حقيبة سفره ويمم شطر باكستان. وفيها يبث أشجانه لإخوانه قائلا : فررت من نساء الدنيا إلى الحور العين.

الطريق إلى قندهار: ووصل بيشاور فسأله صديقه أبو الجود أين وجهتك ياأبا دجانة فأجاب إلى كابل, فعرض عليه أبو الجود أن يذهبا سويا إلى قندهار ملاجات حيث القائد ملا عبد الغني من الإتحاد.

الإستهام إلى المعركة: وفي قندهار حيث يتسابق الشباب إلى الموت, فاستهموا ليأخذوا بعض الشباب العربي ولم يكن من نصيبه وتألم أبو دجانة, وبعد ثلاثة أيام جرى استهام آخر فكان نصيبه الخروج إلى المركز المتقدم وعند انتهاء مدته استأذن القائد أن يبقى فأبى عليه إلا الرجوع.

فانتقل إلى قائد آخر ملا عبد الرزاق حيث الإحتكاك بالأعداء أشد والمسافة أقرب, والموت أدنى من شراك النعل, وفي الملعب وعلى مقربة من مطار قندهار ربض هذا الليث.

الوسام الأول: شارك جمال في بعضها وجرح في بعضها خله أبو عز الدين وبعد يومين كلم جمال محمد ناصر كلمه الأول حيث أصابته شظايا قذيفة هاون أولاها في جبهته وأخرى قد استقرت في ظهره وبعض شظاياها في ظهر يده اليمنى. وفي الحديث الصحيح ما من مجروح يجرح في سبيل الله -والله أعلم بمن يجرح في سبيله- إلا جاء يوم القيامة وجرحه كهيئته يوم جرح, اللون لون الدم والريح ريح المسك .

الرحلة الأبدية: وعاد إلى كويتا, وفي اليوم التالي سار إلى قندهار, وحمـــــل مدفعــــه القـــاذف الصاروخي (RPG), وفي ملاجات حي من أحياء قندهار, يلاقي جمال عدوه وتدور رحى الحرب فيطلق صاروخه فيرد عليه العدو بكرينوف وكانت قد أصابته طلقة في جبينه فخر شهيدا ولم ا يبلغ الخامسة والعشرين من عمره.

وما مات حتى مات مضرب سيفه من الضرب واعتلت عليه القنا الس مر

ومضى جمال إلى الله ولكننا لانقول كما قال الشاعر وما مات حتى مات بل نقول كما يقول ربنا (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات. بل أحياء ولكن لاتشعرون).

إنهم أحياء بذكرهم, وأحياء يمدون نبتة هذا الدين بالحياة, ويروونها بالدماء, ويغذونها بالأشلاء. وأي حياة أعظم من حياة المبادئ والأفكار والعقائد والقيم وهذه لايمكنها الإستمرار بدون شلال الدم المدرار.


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

قائد كتيبة الملائكة الشهيد (عبد الفتاح ابن مولوي عادل)


 

كثيرا ما كان يطرق مسامعي طلبات الإخوة العرب الذين يودون أن يلتحقوا بكتيبة الملائكة مما جعلني أتلهف لمعرفة هذه الكتيبة وقائدها وعندما كنت في رحلة الشمال في (فرخار) في المركز التعليمي التقيت مع عشرة من الإخوة العرب وبت وإياهم وسألتهم عن وجهتهم فقالوا إلى كتيبة الملائكة وقائدها عبد الفتاح.

التسمية: ولقد أطلق بعض الجهلة من الأفغان هذه التسمية على هذه المجموعة المجاهدة بسبب العمل الجليل الذي اضطلعت به هذه الكتيبة وهو الإصلاح بين المجاهدين, هذا عدا عن الأخلاق الإسلامية التي تمسكت بها من محاربة التدخين و (النسوار) ودعك عن التزامها السنن والآداب الشرعية, ثم انتشرت هذه التسمية (الملائكة) حتى أصبحت لا تعرف إلا بها, ونحن لا نوافقهم على ذلك وهذه الكتيبة تصل إلى ثلاثمائة مجاهد تقريبا معظمهم من البخاريين المهاجرين, من بينهم أربعون حافظا للقرآن الكريم وعدد بارز منهم يفهم اللغة العربية إذ أن قسما منهم من الشباب الذين عملوا في الدول العربية ثم تركوا عملهم عندما نادى منادي الجهاد وتوجهوا نحو أفغانستان.

قائدهم: أما قائدهم عبد الفتاح فهو خريج مدرسة شرعية ثانوية اسمها (تخارستان) وقد كانت مدينة (قندز) مسقطا لرأسه وبعد أن تخرج من هذه المدرسة عمل مدرسا فيها وهذه المدارس الشرعية لها دور الريادة للعمل الجهادي في أفغانستان.

وقد كان عبد الفتاح أحد أبناء الحركة الإسلامية الأوائل فجمع بين الفقه الحركي والشرعي, وكانت أبعاد المعركة على هذا الدين واضحة في ذهنه والدور الكبير الذي ينتظر المسلم هذه الأيام من محاولة انقاذ الأمة الإسلامية التي تردت في وهدة الشهوات ومستنقع النزوات.

فانهض إذا أوفيت خطة مؤمن وصدقت نهج الفارس المتوسم

وعبد الفتاح يشبه (ذبيح الله) أسد مزار شريف وبطل بلخ وقد كان ذبيح الله كذلك خريج مدرسة شرعية ثانوية ( الأسدية) وأحد طلائع الحركة الإسلامية, وقد أدى دوره الكبير ثم مضى إلى الله العلي القدير:

فهبت على الأعداء منه عواصف وزمجر آساد وثار ضراغم

إنا الصخر لا كانت عهود تشدني إذا لم تفلق من عدوي الجماجم

ومضى عبد الفتاح على الطريق: فقد أنشأ مركزه في (فلول) بولاية بغلان وكان ميدانه من (فلول) إلى (اشكمش) في ولاية تخار إلى (قندز) والكل يحترمه ويجله أسمع الثناء عليه من كل الأحزاب, وتلهج الألسنة بذكره الحسن, وهو آخذ بعنان فرسه يطير على متنه يبتغي الموت مظانه ومالهم لا ينشدون:

يا أمة الإسلام طال بك المدى وشراعك المطوي لـم ا يخفق

فثبي لآفاق الجهاد وجلجلي مد ي شراعك في الفضاء وحلقي

وردي حياض الموت موجا دافقا يروي الزمان من الحياض الدف ق

الصبر الطويل: لقد استعلى هؤلاء القوم على شهواتهم, وطلقوا الدنيا ثلاثا , ولم يعد للفانية أي وزن في معاييرهم, إن زوجة عبد الفتاح وأولاده يعيشون في مكة المكرمة منذ خمس سنوات مع والده ووالدته ومع هذا فلم يزرهم سوى مرة واحدة, لقد شغله الجهاد عن نفسه وأهله.

إن الجهاد قد أخذ عليه مجامع نفسه واستولى على مشاعره وقلبه فخلصت نفسه من حظوظها.

شجاعته: إنه يقود المعارك ويخوض غمارها مع الليوث حوله, ولقد جرح أربع مرات, وكان له القدح المعلى في فتح (قندز) قبل شهرين ووقف أمام الشيوعيين أربعة أيام.

استشهاده: كنت جالسا عند حكمتيار فسألته عن حال الجهاد فأخبرني عن المعارك حول مطار (قندز) وأنه قد تلقى مكالمة من بشير البغلاني نقلا عن (انجنير) بشير الذي كان يكلمه من حول مطار (قندوز) تنعي إليه استشهاد القائد عبد الفتاح, مع خمسة من المجاهدين بينهم أخ عربي, وكان استشهاده في مواجهة ساخنة مع أعداء الله وبطلقات الرشاش الفردي (كلاشنكوف), ونبتهل إلى الله أن يكون قد تقبل شهادته وأن يرفع منزلته في الفردوس الأعلى وأن يجمعنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لاإله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

ضيوف الرحمن


 

الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, وبعد:

فقد مضت القافلة تتهادى على درب السلام إلى الله السلام حتى يلجوا داره دار السلام, فوثبت الليوث وانطلقت من خوادرها وعرنها, تغلي غيظا وتتلمظ جوعا , تبحث عن أعداء الله تود لو ظفرت بها لتمزق أحشاءها وتتناوش أشلاءها:

الناظرين بأعين محمرة كالجمر غير كليلة الإبصار

والبائعين نفوسهم لإلههم للموت يوم تعانق وكرار

يتطهرون يرونه نسكا لهم بدماء من علقوا من الكفار

دربوا كما دربت ببطن خفية أسد غلب الرقاب ضواري

اللهم إنه قد بلغنا على لسان نبيك ص فيما رواه النسائي وابن حبان في الحديث الصحيح أن وفد الله ثلاثة الغازي والحاج والمعتمر , فاللهم إنهم وفدك فأكرم وفادتهم, وضيوفك فأحسن قراهم ونزلهم, تركوا ديارهم ونفروا ابتغاء مرضاتك وإعلاء لكلمتك, ونصرة لشريعتك, فتقبل اللهم منهم, واقبلهم, إنهم استوحشوا صحبة أهلهم أنسا بالجهاد في سبيلك فآنس اللهم وحشتهم في قبورهم, وضاقت صدورهم بالعيش بين الخوالف والقاعدين وخفوا لرفع رايتك, فوسع اللهم عليهم قبورهم, ونور قلوبهم وقبورهم.

ولقد أخبرنا رسولك ص في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي عن أنس مرفوعا من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه, وجمع له شمله, وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه, وفرق عليه شمله, ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له فنسألك اللهم أن تجعل شمل هؤلاء المهاجرين في سبيلك, القادمين لنصرة عبادك, المسترخصين أرواحهم ودماءهم من أجل إقامة دينك في الأرض, ونضرع إليك يا ربنا أن تتجاوز عن مسيئهم, وأن تهب محسنهم مسيئهم, وأن تحفظ أحياءهم وأن تقبل شهداءهم إنك سميع قريب.

والآن يدخل قافلة الشهداء السائرة ثلة من ضيوف الرحمن:

الشهيد أبو جندل الفلسطيني(مروان شفيق عبد الجبار الوزني):

في سبتمبر (7891م) قبل عام ونصف رأيت في صدا شابا يتحرق حماسا ويتفجر بحيوية, وكنت أعطي كل يوم مجموعة من الدروس في المعسكر فسألته ممن الشاب, فقال من فلسطين قادم من الأردن وزدت استفساري, فقال: كنت أعمل في الأردن/عمان في مختبر لطب الأسنان ولقد سئمت من حياة القعود, إذ لا نفرق بين حياتنا وبين حياة السوائم, نأكل ونتمتع ونغدو ونروح ليس لنا هم سوى الطعام والشراب والمتعة مع خلو البال من الإنشغال بالعظائم, أو تعكير الصفو من البحث عن المعالي, وبقي في المعسكر فترة من الزمن حتى أتم الإعداد ليتسنى له مواجهة الجنود الحمر وعملاءهم من الشيوعيين الأفغان.

وكانت الغزوة الأولى إلى (نورستان) وهي من أقرب المناطق الأفغانية إلى الحدود الباكستانية ثم عاد وهو قلق لأنه يبحث عن جبهة ساخنة ومنطقة مضطرمة, وقفل وقد أطلق شعره كأغلب الأفغان حتى صار جمة يمس كتفيه.

وأخذ يخطط لرحلته الثانية الطويلة فكانت رحلة ننجرهار (جلال آباد) وغاب أبو جندل في أرض الرباط والثبات بين الغزو والقتال, وبين الرباط مع ليوث النزال سبعة أشهر نرجو الله أن يجدها في ميزانه يوم القيامة.

وكانت المرحلة الثالثة إلى خوست حيث رابط على خط النار الأول يهفو إلى الشهادة ويبحث عنها, يبتغي الموت مظانه, ولكن العمر قدر مقدور وغيب مسطور, وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا .تلقاهم ورماح الخط حولهم كالأسد ألبسها الأجام خف ان

صانوا النفوس عن الفحشاء وابتذلوا منهن في سبل العلياء ما صانوا

التعلق بفلسطين: كان يقلقه أمر فلسطين كثيرا , وكم فاتحني بهذه القضية قائلا : إن فلسطين تنتظرنا, فأجيبه: نرجو الله أن ينصرنا في أفغانستان ثم يفتح لنا ثغرة في فلسطين, ولكن جوابي لم يرو صداه, ولم يطفئ ظمأه, إن الجهاد فرض عين في أفغانستان وهذا ما لا يناقشني به, ولكنه يرى أن البدء بالأرض المباركة ومحاولة تطهير الأقصى من دنس اليهود أولى وأحرى, كيف لا? وهو من قضاء القدس, وانطلق لاحقا قلبه الهائم بفلسطين يبحث عن سبيل للوصول إلى أرض الإسراء والمعراج, وغاب أشهرا فوجد أن المنافذ قد أوصدت, وأن الوصول إلى قلبه المعلق ببيت المقدس دونه خرط القتاد, فقفل راجعا إلى أرض الجهاد في أفغانستان لأنه لم يستطع الحياة بعيدا عن مضارب البيض وبريق الأسنة وصهيل الجياد.

ثم كانت الرحلة الرابعة في جلال آباد, حيث اشتد لهيب المعركة واضطرم أتونها وعاد في الحادي عشر من فبراير إلى بيشاور ليرتب إلى رحلة كابل في السادس عشر من فبراير, ولكن منيته قد عاجلته برحلة الخلود الأبدية, ففي فترة الإعداد للتوجه إلى كابل حيث الضراغمة الأباة أحاطوا بها إحاطة السوار بالمعصم, وبينما كان يركب دراجة نارية مع أبي حذيفة الأردني انقلبت بهما الدراجة فصعدت روح أبي جندل إلى بارئها فورا وأغمي على أبي حذيفة, وهي شهادة -بإذن الله- ففي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والحاكم من فصل في سبيل الله فمات أو قتل أو وقصته فرسه أو بعيره أو لدغته هام ة أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهيد وإن له الجنة .

وفي الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجه من مات مرابطا في سبيل الله, أجرى الله عليه عمله الصالح الذي كان يعمل عليه, وأجري عليه رزقه, وأمن من الفتان, وبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع .

الشهيد أبو حذيفة الأردني(ياسين حمدان عبد الشقور الحمايدة):

من أكبر عشائر الأردن وفي أعظم دوحاتها نبت هذا الفرع الذي به تفخر الشجرة كلها وفي مدينة القصر من لواء الكرك كان مسقط هذا الشهيد, مشرق الوجه, تعطيه غلالة الحياء هيبة واتزانا , ويكسوه الصمت بهاء ووقارا .

تخالهم للحلم صما عن الخنا وخرسا عن الفحشاء عند التهاتر

ومرضى إذا لاقوا حياء وعفة وعند الحروب كالليوث الخوادر

رأيته أكثر من مرة تشغله الأمة بمصيرها, والإسلام ومستقبله, يريد أن يعيش لهذا الدين, وهبه نفسه, ونذره قلبه وفكره, ولذا فإن أحببت أن تراه تاليا للقرآن مترنما بالتغني به وتجويده رأيته, وإن دعوته إلى الطعام في نهار الإثنين والخميس أجابك صمته عن عبادته. وإن تلف ت حولك من ي علم الشباب أحكام الترتيل ومخارج الحروف كان بين متقدمة الصفوف, وإن أحببت أن تراه في غسق الليل قائما بين يدي ربه متهجدا فغالبا لا يخلف ظنك.

من أبناء الدعوة الإسلامية منذ حداثة سنه, تشربت روحه منذ نعومة أظفاره كراهية أعداء الله, تجده يغتنم فرصة الفراغ بين الدروس في الثانوية فيقف بين الشباب يبلغ هذا الدين ويوجه أنداده إلى الهدى ويلفت أنظار أقرانه إلى الخير.

كانت عقيدة البراء والولاء واضحة لديه فتجده وهو صغير يجمع المسامير ليضعها تحت عجلات سيارة أحد الشيوعيين في بلده, أما النصارى فحد ث عن مقته لهم كما تريد, فما يطيق لهم ذكرا , وما يحتمل لهم رؤية.

وسمع عن الجهاد فأقبل إليه يرفرف بأجنحة الشوق, وألقى عصا التسيار في مخيم لإعداد نفسه على حدود أفغانستان, وأقبل الثلاثة أبو حذيفة وأبو المعتصم وأبو صهيب ولو أنشد كل واحد منهم لقال:

يا رب إخوان صحبتهم لا يملكون لسلوة قلبا

لو تستطيع قلوبهم نفرت أجسامهم فتعانقت حبا

وكان بارزا في كل ميدان ولجه, فهو في العلم من المبرزين, وقد ترك كلية الشريعة في الجامعة الأردنية وأقبل يريد شهادة أرفع ووساما أعظم, إنه يريد شهادة تدخله الجنة ولا يريد شهادة تدخله الدنيا بشحها وضيقها.

وفي ميدان التدريب كان نشاطه ملفتا لأقرانه وكان محل إعجاب المدرب وقد تولى تدريس إخوانه في مركز التدريب تلاوة القرآن كيف لا? وهو من حملة كتاب الله ومن حملة شهادة خاصة في تلاوة القرآن وتجويده من بعض المشايخ.

وعندما وصل إلى أرض الجهاد ازداد هياما بالجهاد وتعلقا بالاستشهاد, فيكتب رسالة إلى أحد أصدقائه عبد الحي شفيق المجالي يقول له فيها: (أنا يا أخي ما نسيتك من الوداع لأني أحبك ولم أخبرك بسفري ولكن أخبرت قلبك وأنت لا تعلم وقد دعوت الله كثيرا أن يلحقك بنا حتى ترى معنى الإيمان ومعنى الحياة وعزة المسلم.. وبعد يا أخي فوالله إننا بخير وبكل نعمة ووزني (17) كغم ونحن بفرحة عظيمة.. أننا ممن اختارهم الله ليكونوا جنودا في سبيله.. وصدقني, إننا في أرض الجهاد قد عرفنا أننا في الأردن كنا نكذب على الله في العبادة وهنا أصبحنا نعرف معنى الإسلام والقرآن والأخوة وكل شيء والحمد لله).

بين ياسين وأمه: مالك يا ياسين قد أرقت أجفان أمك? وأسهدت ليلها أما ترق لدمعها الرقراق? أما تحن لقلبها المشتاق? ما بالك لا تصغى إليها وهي تخاطب صورتك التي قلما تفارق مخيلتها وكأنها تقول:

ما كنت أعرف إلا مذ نأيتم أن المضاجع مما تنبت الإبرا

يا رب ليل طويل بت أرقبه حتى أضاء عمود الصبح فانفجرا

أما ترحم مرضها وازدياد الضغط والسكر لديها; فقد كان يجيبها كلما اتصلت به لتخبره: بأن نسبة السكر تزداد لدي, بقوله: ولكن يقيني كذلك يزداد يوما بعد يوم.

وجاء الخبر بالحادث. وزرته في المستشفى وجزى الله خيرا الإخوة الذين ما كانوا يفارقونه في مستشفى الجامعة (خيبر) في بيشاور ليلا ونهارا , ووجدته مستلقيا على ظهره, ثم بحث له الأخ أبو الحسن المدني عن مستشفى أكثر عناية في إسلام آباد وقررنا نقله ولكن الطبيب لم يسمح قائلا : إن حالته لا تمكن من نقله.

وفي تمام الرابعة بعد عصر السبت في العشرين من رجب الموافق لليوم الخامس والعشرين من فبراير جاءني أبو سليم في بيت أبي عبد الله (أسامة) ينعى إلي الأخ ياسين وبأن روحه قد فاضت إلى بارئها.

ونقل الجثمان من مستشفى خيبر إلى بيت الضيافة وغس ل وكفن ثم سار الموكب المهيب إلى مقبرة الشهداء في (بابي), وفي ساحة مسجد بابي سجي ياسين ليصلي عليه العرب والمهاجرون والمجاهدون ثم حملناه إلى مثواه الأخير.

في حفرة الخلود: وفي مقبرة الشهداء وعلى مقربة من قبر والدتي شق قبر ياسين ونزلت الحفرة لأش ر ف بوضعه في اللحد, وحملته مع أبي خالد وكشف عن وجهه ولقد لفت انتباهي ثلاث كرامات له:

1- لقد رأيت إشراقة نور وصفاء عجيبا وبهاء منيرا على وجهه فما تمالكت نفسي عندما رأيت وجهه إلا أن قلت: سبحان الله.

2- لقد وجدت بدنه دافئا بل ساخنا وعهدي بالأموات أن أجسادهم باردة.

3- لقد وجدت أن جسده لين يتثنى كأنه نائم.

ووجهت وجهه إلى القبلة ثم واريناه التراب, وذرفت عيناي وأنا أرى هؤلاء الشباب المقبل على الله وكلما ودعت واحدا من أبنائي هؤلاء صغرت نفسي في عيني وقلت: لولا أن هؤلاء -والله أعلم- خير منا ما اختارهم الله واتخذهم شهداء قبلنا -كما نحسب ولا نزكي على الله أحدا .

وألقيت كلمة فوق قبره واستودعنا الله دينه وأمانته وخواتيم عمله, وهكذا مضى وهو في عمر الورود ولم ا يبلغ العشرين بعد. ونرجو الله أن يجمعنا به في الصالحين.

الشهيد أبو البراء المدني (أحمد عبد العزيز قاسم الركوز):

ما شئت أن تحد ث عنه فحد ث, هكذا بادرني أبو عبيدة قائده قائلا : هين لين, بشوش الوجه, سب اق لخدمة إخوانه من المستغفرين بالأسحار, لا يسبقه على أذان الفجر أحد, يقوم من آخر الليل, ثم يوقد سخان الماء لإخوانه, ثم يأذن الفجر ويردد ما قبل الأذان وبعده -الصلاة يا مؤمنونـ.

أما المصحف فقلما يفارق جيبه, يتلوه, هذا هو العدة والعتاد.

(يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين)

(البقرة: 251)

إذا كان غير الله للمرء عدة أتته الرزايا من وجوه المكاسب

ما لي وللدنيا ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم قام وتركها , هكذا عل م رسول الله ص أصحابه والربانيين من أمته, وأن الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة, وأنها كما روى الإمام مسلم أن رسول الله ص مر على جدي أسك ميت فقال لأصحابه أيكم يحب أن يكون له هذا بدرهم فقالوا لا أحد فقال ص: للدنيا أهون على الله من هذه عليكم .

وهكذا كان موقف أحمد, فقد جوازه فذهب إلى السفارة اليمنية لإخراج جواز جديد فامتنعوا عن إعطائه جوازا وأخبروه بأنه لابد له أن يرجع إلى اليمن للتجديد, فأعرض عن الجواز وذكره.

الإصرار على بلوغ المجد:

لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى فما انقادت الآمال إلا لصابر

لقد قدم أبو البراء إلى أرض الجهاد في معركة خوست قبل العام الماضي ديسمبر (7891م) وواصل رباطه وجهاده.

واستقر به المقام في (باري) خوست حيث خط النار الأول والمواجهة اليومية والمناوشات المتواصلة.

وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام

هيام أبي حميد اليماني: لقد أعجب أبو حميد اليماني بأحمد, وأبو حميد رجل يذهلك صبره وتتصاغر أمام إصراره فقد بلغ الستين من العمر وهو مرابط مع هؤلاء الشباب, ورغم أن أحمد لم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره إلا أنه أصبح أستاذا للجميع بأخلاقه ومربيا بخصاله وأفعاله وأصبح أبو حميد إذا أراد أن يلهج بالثناء فعلى أحمد وأصبح أحمد مضرب الأمثال, وفتى المثال في عالم الخيال لدى أبي حميد وكأنه يردد:

أهيم به حبا وودا وإلفة هيام شجيرات الحدائق بالطير

على تورغر: واتفق أحمد مع أخويه أبي خليل وآخر على أنه لا بد من غرس الراية فوق الجبل الأسود (تورغر) وأعد الراية وحملها بيده وسار نحو الجبل ووصل قريبا من مركز الشيوعيين وفر الجميع ولم يبق سوى اثنين, وألقى الإخوة الحبل الصاعق المتفجر ليفجر الألغام أمامهم, ولكن الرشاشات التي فتحت عليهم من العدو اضطرت أبا البراء أن يضع يده خارج الممر الذي فتحه الحبل الصاعق فانفجر به لغم ودفعه بعيدا فوقع في حقل ألغام وطارت قدمه ويده التي تحمل الراية ونزف, ورغم أن الأفغان رأوا جسده قد طار نصفه إلا أنهم اقتحموا حقل الألغام لينقذوه إن كان في الحياة بقية وجرح اثنان منهم وما أجمل أن نردد قول البحتري في وداعه:

ولم أر كأمثال الرجال تفاوتا لدى المجد حتى ع د ألف بواحد

ومضى أحمد إلى ربه, رافع الرأس, بعد أن أعذر إلى بني قومه أن طريق الرجال صعب وشاق, وأن الأشواك فراش طريق المجد وجادة العزة.

رحم الله أخانا أحمد ونرجو الله أن يكون قد تقبل هجرته ورباطه وقتاله وإعداده وكلها منازل أعدها الله لعباده إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله البخاري.


 


 


 


 

الشهيد أبو عبيدة السعودي (عبد الله بن مبارك القحطاني):

من نجد حيث الأصالة ورجولة البداوة, وصفاء الصحراء والبعد عن اللي والتملق والغوغاء نشأ شهيدنا.

إنما الإسلام في الصحرا امتهد ليكون كل مسلم أ س د

فآباؤه من (الخرج) من (نجد) ولكنه ولد وترعرع في شعاب المنطقة الشرقية, وقد كان قدومه لهذه الدنيا سنة 7831ه- وأنهى الدراسة الثانوية, وعمل في شركة (سابك) في (الجبيل).

قدومه إلى الجهاد: بدأت النفس تتجه إلى الله, وتبحث عن محطة تغسل فيها الذنوب وتقبل فيها توبتها وتحط عنها حويتها, وأي مكان يمكن أن تتجه إليه أعلى, وأي قمة أكثر سموقا وسموا من ذروة سنام الإسلام (الجهاد), ولقد أصبح الجهاد الأفغاني محط القلوب, ومهوى الأفئدة, وقبلة تحن إليها نفوس العاشقين للشهادة, الخاطبين للخيرات الحسان.

وبدأ النزاع بين النفس التو اقة إلى الجهاد, الطامحة في الجنة, وبين الأغلال التي تشده إلى الأرض من أهل ووظيفة وآمال, فقد وجدت في دفتر مذكراته بيتا يعبر عن الصراع النفسي بين الأشواق المجنحة وبين القيود المعوقة:

إبليس والدنيا ونفسي والهوى كيف الخلاص وكلهم أعدائي

أقبل إلى الجهاد قبل شهرين وفي مخيم التدريب أخذ قسطه من الإعداد وبدأ يحن لمقابلة الأعداء, واشترك في عملية على خط النار في خوست, وبعد أن أكرمه الله بالوقوف ساعة في القتال, وأجر وأي أجر ينتظر المخلصين, ففي الحديث الصحيح قيام ساعة في الصف للقتال خير من قيام ستين سنة .

وكان مع الشهادة على قدر: فأثناء عودتهم من العملية أصابته رصاصة وبدأ الدم ينزف وطلب كتاب الله واحتضنه, ولقد تضمخ الكتاب العزيز بالدم العزيز الذي يشهد أخوه الفلسطيني الذي كان يرافقه أنه شم رائحة المسك منه, واستنار وجهه بعد الشهادة ونرجو الله أن يتقبله شهيدا لي ش ف ع بوالديه وبسبعين من أهل بيته ففي الحديث الصحيح إن للشهيد عند ربه سبع خصال: يغفر له مع أول دفقة من دمه, ويرى مقعده من الجنة, ويجار من عذاب القبر, ويأمن الفزع الأكبر, ويلبس تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما عليها, ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين, ويشف ع بسبعين من أهل بيته .

الشهيد أسد الله الفاتح (أبو جبل المصري):

كم ألقيت يا أرض الكنانة من فلذات أكبادك في أتون القتال? وكم ودعت من الشهداء في فلسطين والقنال? إنك تفخرين بعلمائك ولكنك تتيهين زهوا بعظمائك. أما يكفيك يامصر ما أنبتت أرضك من الدعاة, أباسم الشافعي وابن حجر العسقلاني تنشدين أم بذكر العيني تطربين, أم بجيل ممن رب ى البنا وسيد قطب وصالح سرية تحلمين?

لقد حق لك أن تفخري فأنت مهوى أفئدة العالم بأزهرك الشريف, وأنشدي ما شئت أن تترنمي بدعاة دينك الحنيف, وطاولي السماء عزا بالمجد المنيف وناطحي السحاب فخرا بسيفك الرهيف.أوبة إبراهيم: في طنطا من محافظة الغربية نبت إبراهيم وعلى أرضها درج وحبا, ولكنه بقي بعيدا عمن يأخذ بيده إلى الطريق إلى الله, ويشاء الله له أن يشهد وفاة أحد أقاربه وعندما حمله بين يديه وكأنه يرى القبر والبرزخ, وتملكه الخوف الشديد من حياته التي لا تتعدى حياة السوائم من أكل وشرب ومتاع. وكانت هزة عنيفة سقط الركام من على قلبه وبدأت أجهزة الإستقبال تتلقى الأوامر الربانية.

وكان لابد من عمل جليل يمسح من تاريخه ذلك السفر الحافل بالمخالفة للنصوص, ولا بد أن يرتقي إلى قمة هذا الدين وذروته بالجهاد فوق جبال سليمان وفي صحراء قندهار والهلمند.

وفي قسم الشرطة العسكرية بباب الحديد يدخل رجل غريب طريق الجهاد إلى أفغانستان, فرد عليه الشرطة إذهب إلى السفارة الباكستانية.

وبباب السفارة الباكستانية تجري مشاد ة كلامية عنيفة بين حارس السفارة وبين إبراهيم إذ أن شهيدنا يريد إقناع الحارس بأنه يريد أداء فريضة الجهاد التي كتبها الله عليه, والحارس يدفعه بشدة من باب السفارة وأخيرا هدده بإحضار الشرطة له إن أصر على الدخول بالقوة.

ويعود إبراهيم أدراجه لا تكاد تحتمله قدماه لهول الصدمة, إنه لا يجد لجسده طريقا حتى يلحق بروحه التي أرسلها إلى أفغانستان تلثم الغبار عن أقدام المجاهدين الأبرار.

أنا عند حسن ظن عبدي بي: ولم يخي ب الله فأله, فنصحه بعض المطلعين بالذهاب إلى أرض الحرمين لعله يجد منفذا من هناك, وكانت قدرا مقدورا حتى يتم له أداء فريضة الحج ويرجع كيوم ولدته أمه ثم يمضي نظيفا طيبا إلى الله الطيب, وبسلام إلى دار السلام, وكتب الله له التيسير بالمضي إلى بلاد اللهيب والتغيير, ووصل إلى أرض الأطهار واختار أسخن الجبهات في أرض قندهار.

حالته في الجهاد: يشعر كل من عايشه في هذه الفترة أنه كان يودع الدنيا, إذ أنه يذوب إخلاصا ويتفانى غيرة لهذا الدين, ومن خلال رسائله لإخوانه وأستاذه علي تشعر أنه يتفجر حماسا وحيوية وكأنه المسؤول الوحيد عن هذا الدين, إنه وجد ضالته في هذا الدين, كان تائها في مفازة مهلكة ثم اهتدى إلى الجادة القويمة والطريق المستقيم, يكتب إلى إخوانه: (وللعلم يا أخي فإن الإنسان مهما قدم أو ضحى فلن يساوي أقل نعمة أنعم الله بها علينا... هيا يا شباب تحركوا واعلموا أننا مسؤولون أمام الله, ماذا قدمنا لهذا الدين... أخي حان الوقت كي تتيقن أن معنا ما هو أقوى من القنبلة الذرية والهيدروجينية, معنا لا إله إلا الله, لو عرفنا الله عز وجل سيكون لنا السيادة في الأرض... أخي ماهي إلا شهور وستسقط أفغانستان بيد المجاهدين ويتجه الجميع إلى فلسطين ولا بد بأن يعلم الجميع أن العزة ستكون للإسلام بإذن الله... واعلم أن أي إنسان يتجه إلى الله بقلبه -صدقني- فإن الله سيساعده وسيبارك خطواته حتى يصل إلى أرض الجهاد, إلى ساحة الشرف).

ويكتب إلى والديه: (عندما أنظر من خلفي أجدني أقرأ تاريخا حافلا بالمعاصي والذنوب في حق الله وفي حقكم, رجاء اغفروا لي زلاتي حتى يرضى الله عني توجهوا إلى الله وقولوا: اللهم اغفر لإبراهيم واعف عنه وتقبل منه ولا ترده خائبا , وسامحوني على فراقي لكم دون استئذان فما حملني على ذلك إلا نداء الله الذي لم أستطع أن أتأخر عنه).

وصيته لإخوانه في النسب وفي الدين: (أدعو الله أن يجعلكم دعاة إلى دينه, سيوفا على أعدائه, وأن يعز بكم الإسلام والمسلمين وإن يبصركم بالطريق ويمن عليكم بالهداية وأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل واتباع هدي رسولكم محمد بن عبد الله ص, والسير على منهجه فهيا إخواني أدعوكم إلى طاعة الله هيا أسرعوا قبل فوات الميعاد وارتفاع الأمواج, أناديكم من شاطئ الأمان بأعلى صوتي اركبوا قاربي فالأمواج عالية والرياح ناسفة).

من مواقفه في الجهاد:

1- كان في غرفة ضيقة في منطقة قندهار وبجانبها غرفتان والعرب يصلون ثلاث جماعات لضيق المكان فأخذ على نفسه أن يبني لهم مسجدا واسعا للمبيت والصلاة وبنى بنفسه معظم البناء وأعانه إخوانه وأصبحوا جماعة واحدة.

2- خرج حافيا إلى العملية, لم يجد ذات ليلة حذاءه فأصر على دخول العملية حافيا .

3- حمله القذائف الثقيلة, كان يحمل وحده القذيفة التي ينوء بحملها رجلان.

4- إيثار إخوانه, كان يهدي إلى إخوانه معظم ما معه وكان لا يجلس على مائدة الطعام إلا بعد اطمئنانه إلى أن إخوانه جميعا قد جلسوا, وكان يستيقظ آخر الليل ليجمع الحطب ويسخن الماء لإخوانه في زمهرير الشتاء القارس.

5- من عباداته, كان يقوم الثلث الأخير من الليل ويصوم يوما ويفطر يوما كصيام داود عليه السلام.

رؤيا ليلة الإستشهاد: رأى ليلة استشهاده أنه يسير مع أربع عرائس.

كيفية استشهاده: في (ملجات) بولاية (قندهار) وفي غرفة القومندان (القائد) عبد الرزاق أذن لصلاة المغرب, فأفطر إبراهيم وقد كان ذلك اليوم الخامس عشر من رجب سنة (9041هـ), وبعد الفطور أدت السرية صلاة المغرب وانطلقت على بركة الله وفيها اثنا عشر شابا عربيا وإبراهيم كعادته يبحث عن الشهادة فهو يزاحم الإخوة على الموت ويتقدم الصفوف, وصعد إبراهيم السلم ووقف في أعلاه حيث أطل على المراكز الثلاثة للشيوعيين وتناول قاذفه الصاروخي (R.P.j.7) وركب القذيفة في القاذف ثم أطلق القذيفة الصاروخية مع القذيفة الربانية التي تواكب القذيفة عادة من فم إبراهيم وهي قذيفة (الله أكبر) وانطلقت مدوي ة تمزق صمت الليل الساجي وتزلزل أقدام أعداء الله, وفتحت الرشاشات على المكان الذي اندلعت منه ألسنة اللهب من القاذف, وكانت الرصاصة (من كلاشنكوف أو جرينوف) التي حملت معها روحه إلى بارئها ولم يسقط عن السلم وتلقاه أخوه الذي كان يتبعه على الدرجة التالية للسلم.

ومضى إبراهيم إلى الله بعد أن علمنا درس الرجولة والبطولة والتوبة الخاشعة والأوبة المخبتة إلى الله عز وجل فنرجو الله أن يتقبلنا وإياه في الصالحين وأن يبقى إبراهيم علما شاخصا على طريق السالكين إلى رب العالمين.


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

أول شهيد من (عبيدة)

أبو رقية (حسن محمد هادي وهيط بن حنيش)


 

هناك وفي مأرب حيث شهد التاريخ حضارة سبأ وسدها الكبير.

(لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور)

(سبأ: 51)

ثم شهدت مأرب خراب السد وهجرة أبناء قيلة من الأوس والخزرج إلى المدينة المنورة بحيث أصبحوا قادة الإسلام ومعدنه وأعمدته وهيكله.

وبقيت هذه البلدة بأطلالها تحدث العبرة لأجيالها من آثار الطاعة في حياة الأمم ومن نتائج الذنوب في هدم المجتمعات ومسح المثل والقيم.

وفي هذه الأرض حطت عبيدة وضربت بجذورها واطلقت فروعها وأفخاذها السبعة وبرز من بين أفراد هذه القبيلة الكبيرة رجل يعرف بصلاحه والتزامه وأثمرت شجرة هذا الرجل ثمارا طيبة.

(ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون)

(إبراهيم: 42ـ52)

كان هذا الرجل الذي يشار إليه بالبنان في صلاحه واستقامته هو الشيخ علي العرادة شيخ عبيدة ومأرب في هذه الفترة ونبتت من دوحته الطاهرة ذرية صالحة ونحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحدا , والتزم أبناؤه خط الدعوة الإسلامية الواضح المتزن.

وحول هذا البيت نشأ شهيدنا, فقد تأثر بالدعوة الإسلامية منذ نعومة أظفاره وعرف بالتزامه ونظافة سلوكه منذ حداثة سنه, وقد دفعه والده إلى معهد (الجند) الشرعي العلمي في مدينة (تعز) وهو من أشهر معاهد اليمن وتخرج منه وعمل سنة في التعليم, وكان خطيبا للمساجد, وهناك بعض رجال القبيلة ذوو العقلية الجاهلية القبلية الذين يتحركون يتحركون بمنهج دريد بن الصمة:

وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد

وهذه العقليات كثيرا ما تجر أهل الطيب بل العشيرة برمتها إلى دمار وخسار بسبب النخوة الجاهلية والعصبية القبلية, وقد كان هؤلاء يعيبون على حسن محمد هادي أنه لا ينصر قومه ولا يحمي ذمارهم في خلافاتهم التي تنبعث من الهوى, وتؤجج نيرانها الشهوات الخفية والنزوات الداخلية.

قال أبو طارق بن الشيخ علي العرادة: ما عرفنا على هذا الشاب منذ صغره إلا خيرا .

وقدم إلى الجهاد وهو يسمع أخبار هشام الديلمي وسبع الليل (أحمد الأحمدي) وأبي محمد اليماني وغيرهم من شهداء اليمن فأقبل مع كثير من إخوانه الذين يحدوهم على الطريق نداء الجنة وأحاديث الشهادة, ففي الحديث الصحيح أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا, أولئك يتلبطون (يتمرغون) في الغرف العليا من الجنة, يضحك إليهم ربهم, فإذا ضحك ربك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه .

وفي الحديث الصحيح أفضل الشهداء من سفك دمه وعقر جواده .

ووصل أبو رقية, ونال تدريبه في معسكر التدريب ثم ترامى إلى مسامعه أنباء سرية حمزة المتجهة إلى فارياب بقيادة أبي الجنيد البغدادي, وهذا القائد تعجب من حماسه واندفاعه وتلمس ورعه وتقواه -كما نحسبه ولا نزكي على الله أحدا - وقد تخرج أبو الجنيد من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وكأنه نذر نفسه لخدمة هذا الدين في ميادين الجهاد وكم نجاه الله من مآزق خطيرة ومهالك كثيرة من أيدي زبانية النصيرية في سورية التي ألقته سبعة أشهر في زنازينها وهي تستجوبه حتى تحصل على اعتراف بكلمة واحدة وهي أنه كان في أفغانستان , ونجا مرة أخرى من أيدي المخابرات الفرنسية التي كادت تسلمه إلى جلاوزة الطاغوت في بغداد, وأقبل إلى الجهاد وألقى عصا الترحال بين قوم يفخر بهم الزمن وتعتز بهم الأمة الإسلامية وحط رحاله بين شعب لسان حالهم ينشد:

محرمة اكفال خيلي على القنا محللة لباتها والقلائد

وأورد نفسي والمهند في يدي موارد لا يصدرن من لا يجالد

وتوجهت سرية حمزة إلى فارياب بقيادة أبي الجنيد البغدادي تحت قيادة إخوانهم الأفغان وبحراسة سلاحهم ومر وا بوردك وكادوا يسقطون في أيدي الشيعة أسرى وأنجاهم الله عز وجل, بعد معركة بين الشيعة وبين المجاهدين.

وصول السرية إلى فارياب: ولدى وصول السرية فارياب بدأ التحريض على القتال بين المجاهدين الأفغان يتصدر صفوفهم الإخوة العرب المتعطشون للشهادة, ودارت رحى المعركة, واحتدم القتال, وأخذت الطائرات الروسية تتابع خطوات الإخوة العرب تقصفهم أن ى حلوا, وتضربهم حيث ارتحلوا, وبدأت الفتوحات تتوالى, وصارت الدولة الشيوعية تذيع في إذاعاتها أن العرب جاءوا ليفسدوا المنطقة وينشروا الوهابية, ويذكوا نار العداوة بين القوم الواحد مما يؤدي إلى قتل النساء والأطفال, وذات يوم وفي معركة مشرفة حيث المواجهة بالسلاح الخفيف.

ونضربهم هبرا وقد سكنوا الكدى كما سكنت بطن التراب الأساود

وأصابته رصاصة في صدره وأرسل أبو الجنيد يستشيرنا فيم يصنع بأخويه اللذين أصيبا ولم يستشهدا مباشرة ولكن الله -عز وجل- كتب لهم الشهادة ومضيا إلى بارئهما.

فهنيئا لحسن شهادته, وهنيئا لعبيدة ابنهم وفتيانهم, وهنيئا لأهل الشهيد فرطهم على الحوض وشفاعته بهم, إن كان الله تقبل شهادته كما نحسب ولا نزكي على الله أحدا .

الرسالة التي بعث بها الشهيد أبو رقي ة قبل استشهاده لنشرها في(الجهاد):

إلى القاعدين والمثبطين لعزيمة الشباب المتعطش للجهاد في سبيل الله, إلى المخذلين المتخاذلين في كل مكان وإلى الذين لا يجدون ما يسلون به أنفسهم إلا الاستهزاء والسخرية من الدعاة المجاهدين الصابرين المصابرين ونهش لحومهم الحرام واتهامهم بقصور العلم والفهم وعدم الفقه واتهامهم بالأخطاء حتى في صميم العقيدة, إلى الباحثين عن المعايب المفتشين عن المثالب بدلا من إصلاح حال الأمة ومجابهة أعداء الدين, إلى من اهتم بالأقوال ونسي الأعمال, إلى المرجفين والمشككين في جهاد المجاهدين الصامدين في وجه الباطل, إلى هؤلاء جميعا . أسوق هذه الأبيات من قلب موجع بفعلهم متألم من صنيعهم راثيا لحالهم راجيا أن يصححوا نظرتهم نحو العلماء والمجاهدين وأن يسلكوا طريقا أصوب وإلى الحق أدنى وأقرب.

أيا من يثبط سير الجهاد ويستهتر بحماة الثغور

ألا تنتقد نفسك الخاطئة وتخشى عقبى هذا الغرور

تحقق ما يبتغي الحاقدون على الدين يا ويح أهل الفجور

إذا كان دأبك سب الدعاة فماذا عملت ليوم النشور

سل الروس إن شئت عن بأسهم وسل عنهم في امتداد العصور

ودع عنك ماقد يغيظ الأفاضل ودع عنك رجم الحصى والصخور

ودع عنك حربا يريد الأعادي لها بيننا أن تظل دهور


 


 

في الشهادة والشهداء


 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, أما بعد:

فقد ضرب هذا الشهر رقما قياسيا في الشهداء خاصة بالنسبة للإخوة العرب فقد أشر العقرب حتى اليوم على العدد (43) والمعارك لا زالت محتدمة حول جلال آباد وخوست وأصبحت سيارات الإسعاف لاتفي بالحاجة المطلوبة إذ ضاقت سيارات لجنة الدعوة والهلال الكويتي التي حازت قصب السبق في الوقوف أمام الزحف الصليبي في الميدان الصحي عن القدرة على نقل كل الجرحى, وامتلأت أسرة مستشفى الفوزان والهلال الكويتي من المصابين, وأبواق سيارات الإسعاف وأضواؤها لا تكاد تكف عن الهدير والبريق, وما بين عشية كل يوم أو ضحاه صرنا نودع عزيزا أو أحبة يمضون حاملين معهم مهجنا وقلوبنا.

إن التفسير الإسلامي للتاريخ يقوم على أساس أن للإنسان غاية في هذه الحياة وهي الإستخلاف.

(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة)

(البقرة: 13)

واشترط رب العزة شرطا لهذا الإستخلاف وهو:

(فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى)

(طه: 321ـ421)

والتاريخ البشري في المنظور الإسلامي هو تحقيق المشيئة الربانية من خلال الفاعلية المتاحة للإنسان في الأرض بقدر الله وبحسب سنن معينة يجري الله بها قدره في الحياة الدنيا.

والتاريخ من جهة أخرى هو سعي الإنسان لتحقيق ذاته كلها لا البحث عن الطعام فحسب (كما هو التفسير المادي الماركسي للتاريخ) ولا المتاع والسيطرة والإستحواذ (كما هو التفسير الليبرالي للتاريخ).

وإنما هو تحقيق كل ما يشتمل عليه الإنسان من طاقات وقدرات وتطلعات وأشواق إلى جانب الضرورات القاهرة والرغبات القريبة, ومحاولة نقل المبادئ التي يعتنقها الإنسان والعقيدة التي يحملها بين جوانحه إلى واقع حياتي وأحداث يومية.

أي محاولة تحويل الكتاب والس نة والآيات والأحاديث والنصوص إلى سلوك إنساني وأخلاق ومعاملات تمشي على الأرض يراها الناس فيرون الإسلام, وهو تاريخ الفرد والجماعة في ذات الوقت من خلال تشابكهما الذي لا ينتهي وتدافعهما الذي لا يقف عند حد.

والتاريخ الإسلامي أكبر شاهد على تهافت التفسير المادي والليبرالي للتاريخ, إذ أنه حصل خلال نصف قرن أن فتحت نصف المعمورة آنذاك واستمرت الدولة الإسلامية بضعة عشر قرنا مصونة بالحق الذي جاء به هذا الدين محمية بالسيف الذي بعث به سيد المرسلين.

لقد حصل التحول التاريخي في هذه الفترة المعجزة من التاريخ دون أن يحصل أي تغيير في وسائل الإنتاج ولا تبديل في مصادر الإقتصاد والدخل.

وشاءت إرادة الله -عز وجل- أن تنزلق أقدام الدب الروسي على سفوح الهندوكوش والتقى أحد العملاقين الضخمين في الأرض -الإتحاد السوفياتي- ويدعمه حلف وارسو مع شعب فقير أعزل أمي لا يملك من حطام الدنيا شيئا , وكان التفسير المادي الماركسي يوجب أن تنهزم القوة الرجعية الدينية أمام القوى التقدمية, لأن الدين أفيون ومخدر لمشاعر الشعوب وأنه علق تمتص دماء الشعوب.

إلا أن التفسير المادي الماركسي للتاريخ قد بان زيفه وتعري زيغه وظهر أنه سراب خادع قد استهوى به فراش الأمم التي احترقت بجحيم الشيوعية باسم التقدم وانقاذ العمال والبرليتاريا والديالكتيك.

لقد كانت الشيوعية لعنة صبت على البشرية فأذاقها الله الويلات على أيديها بظلمها وبذنوبها (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير).

أقول: هزمت الشيوعية وأصيبت بقاصمة الظهر وبدأت تعاني من أزمات داخلية وقلاقل وتمزقات في أعماقها برزت بعض مظاهرها في أذربيجان وتاجكستان وجورجيا (النصرانية).

وستشهد السنوات القادمة والله أعلم تحولات خطيرة في الشيوعية ولعل نهايتها قد أزفت وعاد الحنين مرة أخرى إلى الجن الذي هربوا منه إلى الكنيسة ورجالها والكلام في هذا الكلام يطول.

صناعة التاريخ: وتاريخ الأمم إنما يجري بقدر من الله على أيدي أفذاذ يسطرون بدمائهم ويشيدون بمواقفهم وصلابتهم أمجاد الأمم وحصون عزتها وقد بدت صناعة التاريخ الإسلامي جلية في أفغانستان, فبدأت معاقل الإسلام حديثا ترتفع ولكن بالجماجم لا بالحجارة والطوب, وكان المجاهدون الأفغان جزءا من قدر الله لهذه الأمة التي بدأت تنهض من كبوتها وتستيقظ من سكرتها وترتفع من مستنقع وهدتها وارتكاسها.

والأمم تحرص على كتابة تاريخ أفذاذها لتربية مقبل أجيالها, وبناء الناشئة من أبنائها على القيم التي ضحى من أجل غرسها أبطالها وقممها.

وأفضل طريقة لتربية الأجيال هي تدريسها تاريخ أمجادها من خلال سير مصلحيها وقادتها وأبطالها, فنحن نتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم ونقتبس من النور الذي جاء به, ونسير على هدي أصحابه ونقتفي أثرهم ؛أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده«.

وكلما كانت الأمثلة شاخصة حية, وأحداثها ساخنة جديدة فإن وقعها في القلوب يكون أعمق, وأثرها في النفوس وتوجيهها أشد وأقوم, وذلك لأن الشواهد الحاضرة دوافع ومحركات للقلوب أن تشابه وتباري لأن نداء الأعماق من القلوب ينادي بقوة هذا شاب مثلكم يعيش كما تعيشون ولفته البيئة التي لفتكم وضمه الجو الذي يظللكم, فما باله قد سبقكم? أو ليس بإمكانكم أن تسلكوا كما سلك وتسيروا كما سار?

الخيار الصعب: وكثيرا ما نواجه ونحن نفتح وصايا كثير من الشهداء بمشكلة أنهم يحرجون علينا أن لا نكتب عنهم كلمة فقد كتب سعد الرشود: لا أسمح لمجلة الجهاد ولا للبنيان المرصوص أن تكتب عني كلمة.

وأبو دجانة (عادل فارس) أوصى بأن لا يكتب عنه شيء.

وأبو مسلم الصنعاني أوصى بأن من كتب عنه شيئا فهو حجيجه يوم القيامة.

وساءلت نفسي كثيرا : وهل يحق لهم أن يمنعوا الناس أن يتكلموا عنهم بخير, إن هؤلاء أصبحوا جزءا هاما وشريطا حي ا من تاريخ هذه الأمة, فليس لأحد أن يقص شريط التاريخ المشرف بحجة أن صورته وردت فيه أو ذكره مر خلاله, إن دماء هؤلاء الشهداء قد روت شجرة هذا الدين وسطرت بأحرف من نور تاريخ هذه الأمة, فكم ستحرم الأجيال لو أخفي تاريخ النماذج المشرقة والقمم السامقة من أبناء هذه الأمة ابتداء بأبي بكر والخلفاء الأربعة والصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين والأبطال الأفذاذ أمثال سعد ومصعب وحمزة والقعقاع وعاصم والمقداد والنعمان وعكرمة وخالد وأبي عبيدة.

وكم ستخسر الأمة من رصيدها الثر الذي يكون المعين العذب الذي تنهل منه الأجيال عبر العصور.

لم تعد سير هؤلاء الصادقين ملكا خاصا يورث من قبل ورثته, أو مالا يوصي به إلى جهة خيرية ويصرفه كما يشاء, لقد خرجت سيرهم وقصصهم من ملكهم الخاص إلى رصيد أمة تحيا بذكرى أفذاذها, وتعيش أجيال مقتفية الجادة القويمة التي قضى عليها أسلافها وأئمتها.

لقد أوصى كل واحد بأن لا يكتب عنه بعدا عن الرياء, واختفاء عن مواطن الضوء إلى الظل, وذلك حرصا منهم على تمحيص النية وتقرير الإخلاص فمضوا بإخلاصهم وصدقهم وثوابهم.

وكم يحز في نفسي أني لم أكتب عن سعد الرشود ذاك الذي كنت إذا جلست إليه أشعر أنني أمام قمة شاهقة وعملاق ضخم مع أنه في ثقافته لا يتعدى الثانوية العامة.

والآن واجهنا أبو مسلم الصنعاني بوصيته التي تعني تمزيق صفحة وضاءة من تاريخ الأمة الإسلامية الحديث وقطع جزء من الشريط الحي الذي يحفه البهاء وينيره السناء وتكون له المهابة اطارا جميلا فريدا .

إن الكلام عن الشهداء فرض من رب العالمين لأنه جزء من التحريض على القتال الذي افترضه الله على كل مسلم ؛فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين«.

ولو علم الشهيد كم سيسوق الله له من الخير ويصله إلى قبره من الثواب بذكر قصته لأمسك عن الوصية.

فكم من القلوب الميتة أحيتها قصص الشهداء, وكم من الشباب قد وفدوا إلى الجهاد بقراءة قصة شهيد, وكم من تائه رد إلى الله وكم من فاسق آب إلى ربه بها:

ففي القتلى لأجيال حياة وللأسرى فدى لهم وعتق

إن هؤلاء الإخوة ينسون أنه (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة).

كم نفع الله بوصية الشهيد عبد الوهاب بن صالح الردة الغامدي?

فعندما سمعت بوصية أبي مسلم (عبد الله النهمي) قلت سأكتب عنه وعندما نلتقي بين يدي الله سأقول لله (يا رب إن عبدك هذا عبد الله النهمي يريد أن يحرم الناس الخير بعدم الكتابة عنه, ويريد أن يمنع الأمر بالمعروف والتحريض على القتال بمنعه لنا أن نكتب عنه) ولذا فإني سأبدأ به:

أبو مسلم الصنعاني (عبد الله النهمي):

أي مسجد في صنعاء لم يسمع عن أفغانستان من فمك? وأي امرأة من الصالحات لم تنزع حليها تبرعا بعد سماعها عن الجهاد موعظتك? أي شاب من اليمن لم يعرفك ممن عادوا إلى الله مع تيار الصحوة الخاشعة? أي عالم من العلماء في بلدك لم يشعر بالخجل ولم يطرق حياء إذا قابل صورتك أو واجه طلعتك فيا عبد وإن أوصيت: (من كتب عني كلمة فأنا حجيجه يوم القيامة).

فكيف لا نكتب عنك, وهل يستطيع صاحب العطر أن يمنع الشذى أن ينتشر في الآفاق? ويضوع بأريجه الطيب في الجو?

أتريد أن تكف الألسنة عن ذكر الخير ونشر البر! وإذا طفحت القلوب بالمحبة وأفعمت بالإعجاب فمن ذا الذي يمسكها أن تعبر عن إعجابها أو محبتها? إن لم نكتب عنك في الجهاد فكيف تمنع إخوانك في اليمن أن يسطروا بالمداد الممزوج بالدموع والأسى عن ذكرك?

بائع الليمون: زارني ذات مرة في بيت أبي عبد الله في جدة وكنت مزمعا على زيارة أخ عزيز فأحب أن يرافقني فقلت له: لو غيرت ثوبك حتى لا يظنك الناس بائع ليمون قلتها هازلا فضحك ملئ شدقيه وكنت كلما لقيته غالبا يبادرني القول: كيف الليمون?

وإن صمتت البنيان عن التشرف بذكرك وتزيين صحفاتها بصورتك فكيف يمكنك أن تسكت ألسنة الذين عايشوك في الجهاد في قندهار وجاجي وخلدند وخوست وننجرهار وجلال آباد? إنك حاولت ولكنك تحاول عبثا .

يا لائمي في الهوى العذرى معذرة مني إليك ولو أنصفت لم تلم

محضتني النصح لكن لست أسمعه إن المحب عن العذال في صمم

طلائع الجهاد: لقد كان عبد الله من أوائل الذين قدموا إلى أرض الجهاد يرافقه الشيخ غيلان أبو فارع في الخمسينات من عمره, وحل وا في كتيبة بدر واشتركوا في الجهاد داخل أفغانستان, جاء غيلان يحمل ماله ولم يثنه كبر السن ولا عظم الثروة أن يقبل بنفسه إلى الجهاد, وكانا يحملان مبلغا طيبا من المال الذي جادت به نفس غيلان مع ما جمعوه من الصالحين والمحسنين.

ومكث عبد الله فترة ليست قليلة في الجهاد ثم عاد إلى اليمن ولم يكن آنذاك ترتيب للعرب ولا معسكرات ولا بيوت ضيافة إذ لم نكن قد أنشأنا مكتب الخدمات بعد.

ولكن النفوس التي تتذوق حلاوة الجهاد ليس من السهل عليها أن تعود إلى حياة رتيبة لا ترتفع الإهتمامات فيها عن نوع الطعام وشكل اللباس وأحسن حالاتها الدراسة في كتاب ديني في مسجد من المساجد أو داخل غرفة مقفلة.

وبدأ الحنين إلى أرض النزال يعاوده ويشده ويؤرق عليه أجفانه ويقض عليه مضاجعه فعاد مرة أخرى ورابط في جبهات مختلفة, ثم أفتى له بعض الأحبة والمتعلمين أنه لابد أن يدرس العلم الشرعي حتى يكون عالما داعية, وهنا بدأ يراوده أمر ملازمة كتب العلم مع خدمة الجهاد, وجمع المال له, والقيام بحملة إعلامية له والذود عن حياضه, والذب عن جنابه.

في كلية الشريعة: وفي السعودية ألقى عبد الله عصا ترحاله ودخل الكلية وبدأ ببناء نفسه علميا , ولقد كان الكتاب لا يفارقه في المعسكرات فكثيرا ما كنت أجده يحمل كتاب الأذكار للنووي وبعض كتب ابن القيم كالوابل الصيب أو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي.وحيثما حل إما أن تجده واعظا يلقي دروسه أو مستمعا مصغيا يلتقط أطايب الكلام كما يلتقط أطايب التمر أو تاليا لكتاب الله -عز وجلـ.

وكنت تلمس فيه الورع -نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا - وكثيرا ما كان يتكلم عن الآخرة, عن عذاب القبر وعن النار والجنة.

فكان الشيخ عمر سيف متخصصا بوصف الجنة وحورها وقصورها وغرفها وكان عبد الله النهمي يكاد يكون متفردا بالتذكير بعذاب القبر وأهوال القيامة.

العودة إلى الجهاد:

وقبل سنة ونيف تقريبا ألقيت محاضرة في جدة في مسجد الأمير سلمان وسج لت المحاضرة بالفيديو واستمع عبد الله النهمي إلى المحاضرة قال: فسمعتك تقول فيها: (الجهاد الأفغاني سوق عقد وكاد ينفض ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر) قال فهزتني هذه الكلمة وعزمت على تطليق الجامعة ثلاثا لا رجعة فيها.

وشد عبد الله النهمي رحاله وأقبل إلى الجهاد وتوجه إلى صدا حيث تمسك به أبو برهان يريده أن يكون داعية عنده, ثم شده أبو عبد الله إلى المأسدة حيث يعظ ويوجه, ثم تردد بين جاجي (المأسدة) وخوست.

ثم إلى قندهار: وتسابق أبو عبد الله وأبو الحسن على النهمي فكل يريد أن يشده إلى جهة فأبو عبد الله يدفعه للذهاب إلى قندهار لأنها خالية من داعية ناضج يلتف الشباب حوله وحرص على إرساله ولو لمدة أسبوعين, وأما أبو الحسن فيود لو يأخذه معه إلى كابل ليكون رفيق درب الجهاد, وفاز أبو عبد الله بإرساله إلى قندهار.

إلى جلال آباد: وعاد النهمي من قندهار إلى ننجرهار حيث اشتعلت النار وزاد الأوار واضطرب الخضم وحمي الوطيس. وهناك كانت رحلة الخلود وبينما النهمي في هجوم على مطار جلال آباد الذي شهد على أسواره وداخل ساحاته حصاد الرؤوس واندحار الكفر:

لما تحكمت الأسنة فيهــــــم جارت وهن يجرن في الأحكام

فتركتهم خلل البيوت كأنما غضبت رءوسهم على الأجسام

وكانت المنية تنتظره على الأسوار وكان ذلك يوم السبت (81) شعبان سنة (9041هـ) الموافق (52) مارس سنة (9891م) بينما كان يتلو القرآن أثناء الهجوم جاءته قذيفة الهاون فأصابته شظية في رأسه فنال ما كان يتمناه وحاز الشهادة ونرجو الله عز وجل لنا وله القبول, وأن يكون قد أذن لروحه أن تكون في حواصل الطيور الخضر التي تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش.

الدعاء الجميل: كان النهمي يردد في دعائه: (اللهم لا تجعل ذنوبنا سببا في حجز الشهادة عنا), ولعل الله قد استجاب دعاءه ولب ى أمنيته وحقق رغبته.

وصايا الشهيد (أبي مسلم الصنعاني) إلى أهله وذويه:

إلى الأهل والإخوان: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.. أما بعد:

فهذه وصيتي أكتبها بخط يدي في يوم الجمعة من شهر شعبان في السادس عشر منه من السنة الهجرية ألف وأربعمائة وتسعة هجرية.

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ص, وبعد:

فهذه وصيتي أكتبها بخط يدي امتثالا لقول النبي ص: ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده فأقول: أوصي أهلي وإخواني في الله تعالى بتقوى الله تعالى والجهاد في سبيله, قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون) وأن يضعوا حديث رسول الله ص نصب أعينهم والذي نقله إلينا أئمة الحديث عن الصحابي الجليل عبادة بن الصامت وهو يوضح ما بايع عليه خير القرون النبي ص قال عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- بايعنا رسول الله ص, على السمع والطاعة, في العسر والي سر, والمنشط والمكره, وعلى أثرة علينا, وعلى أن لا ننازع الأمر أهله, إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله تعالى فيه برهان, وعلى أن نقول بالحق أينما كنا, لا نخاف في الله لومة لائم متفق عليه.

وأوصي إخواني في الله المجاهدين إذا من الله علي بالشهادة في سبيله -مع أني لا أستحق الجرح في سبيل الله تعالى فضلا عن الشهادة- ولكن هذا من باب إحسان الظن بالله عز وجل (أنا عند حسن ظن عبدي بي).

فأوصي إخواني في الله أن يدفنوني في مكان استشهادي وأن لا أنقل إلى باكستان وأن لا يرتفع قبري عن الأرض مقدار شبر.

وأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

وأوصيك أبا عبد الله (أسامة بن لادن) أمير الإخوة العرب أن تمنع أن ي كتب عني في مجلة سواء الجهاد أو البنيان أو تنشر صورتي, ومن خالف ذلك فأنا حجيجه عند الله تعالى, وسلام الله عليكم ورحمته.

إلى أفراد العائلة:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وأصحابه ومن والاه وبعد:

والدي الكريم ووالدتي الحبيبة وأخي الشقيق وأختاي الشقيقتان.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد فإن الله تعالى فرض علينا الجهاد في سبيله تعالى كمثل فرض الصلاة والصوم والحج قال تعالى (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لاتعلمون) فمن فضل الله سبحانه وتعالى على المسلمين أن فتح لهم باب الجهاد في أفغانستان المسلمة بعد سنوات طويلة من انقطاع هذا الخير, وعندما د عي المسلمون للجهاد ضد أعداء الله الملاحدة الذين ينكرون وجود البارئ سبحانه وتعالى فلبى من لبى هذا النداء.

فالله يعلم أنني أتيت إلى أفغانستان بقناعة واطمئنان سائلا الله تعالى أن يغفر لي ذنوبي الكثيرة بذهابي إلى أفغانستان للجهاد في سبيله.

فيا والدي ووالدتي.. لا تجزعوا إذا وصلكم نبأ استشهادي فهو أجلي كتبه الله تعالى علي قبل أن أخرج من بطن أمي قال النبي ص: ويؤمر الملك بكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد وقال تعالى (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير).

فالله الله أن تتبرموا من قدر الله فأنا أبرأ إلى الله تعالى من النياحة وشق الثياب والدعوى بدعوى الجاهلية وإذا جاء الخبر افرحوا واسألوا الله تعالى أن يتقبلني في الشهداء الصادقين فإن النبي ص يقول في الأشياء التي تعطى للشهيد في سبيله تعالى للشهيد عند الله سبع خصال يغفر له في أول دفعة من دمه ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر وي حلى حلة الإيمان ويزوج باثنين وسبعين زوجة من الحور العين ويشفع في سبعين إنسانا من أهله فأكثروا من الدعاء لي بالقبول عند الله حتى يحقق الله البشرى وأنا أعدكم إن تقبلني في الشهداء ويرضى عنكم أن أشفع في المقدمة في أبي وأمي وأولادي وزوجتي وإخواني... إلى أن يشاء الله.

يا أمي لا تبكي علي بل افرحي واحمدي الله أن ابنك لم يمت على فراشه ولم يمت تحت عجلات السيارات بل لقي الله تعالى كما تمنى الرسول ص: والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا فأقتل فادعوا لي ولا تقولوا يوه لو بقى عندنا ولم يذهب إلى أفغانستان لما وقع له شئ فهذا لا يجوز لأن الأجل بيد الله والموت متى يريد الله فاللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.

واكتبنا اللهم في عداد الشهداء يا رب العالمين.

وصية إلى العم صالح:

إلى عمي الكريم صالح بن صالح فاضل حفظه الله ورعاه..آمين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أكتب لك هذه الرسالة أو الوصية من تحت أزيز الرصاص وأنا متوجه إلى إحدى العمليات في جلال آباد بعد صلاة العصر من يوم السبت السابع عشر من شعبان فأوصيك أولا ونفسي بتقوى الله تعالى والعمل بطاعته والتزود للدار الآخرة والإكثار من قراءة القرآن والإكثار من ذكر الله وأداء الصلوات في أوقاتها في المسجد وقيام الليل والتفقه في دين الله تعالى.

وأوصيك بأولادي خيرا بأن تربيهم تربية إسلامية فأنت بعد الله تعالى خليفتي فيهم فإذا كبرت سميه فزوجها لمن يتقي الله وكذلك مريم وعبد الرحمن إن استطعت أن تحفظه القرآن فلك من الله الأجر والمثوبة.

وإلى ملتقى إن شاء الله تعالى في جنات عدن عند مليك مقتدر

إلى زوجتي:

زوجتي الكريمة سلام الله عليك ورحمته أنا أعلم بأنك إن شاء الله تعالى لن تجزعي عندما تعلمين باستشهادي إن شاء الله تعالى لأنك كما أحسبك تعلمين أنه قضاء الله وقدره فاسألي الله تعالى أن يتقبلني في الشهداء وأوصيك بسمية ومريم وعبد الرحمن خيرا فجاهدي فيهم تؤجري وأوصيك بالإكثار من ذكر الله تعالى ومن قراءة القرآن وأداء الصلوات في أوقاتها وقيام الليل والابتعاد عن المجالس التي تشغلك عن ذكر الله تعالى وابتعدي عن رؤية التليفزيون وسماع الراديو والتي فيها التمثيليات واشتغلي بما يقربك من الله تعالى.

زوجتي الكريمة: يقول تعالى (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين).

فكلنا سيموت فأسعد السعداء من يتقبل الله شهادته ويخرج من الدنيا والله تعالى عنه راض.

أخيرا إن استطعت أن تكثري من زيارة الوالدة والوالد فلك أجر ذلك وتصبرينهما فوالله إن تقبلني الله في الشهداء فليست مصيبة وأنا ظني بالله سبحانه وتعالى خيرا أسأل الله تعالى أن يجمعني بك في الجنة وأن يجعلك ممن أشفع فيهم.

أخيرا استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه, وآمل منك المسامحة.

زوجك المقصر في حقك

الفقير إلى الله: عبد الله بن محمد النهمي (أبو مسلم)

الخميس (61) شعبان (9041 هـ), (32) مارس (آذار) (9891م)

ملاحظة: (حذف من الوصية الأشياء المتعلقة بالتركة وبعض الأمور البسيطة الخاصة).


 


 


 


 


 


 


 

أبو اليسر (علي عبد الفتاح)

أمير الجماعة الإسلامية بمحافظة (المنيا) في مصر


 

قضى شيخ المنيا:

أي بيت في (المنيا) لم يسمع باسمك? وأي شاب في المحافظة لم يفخر بذكرك? وهل بقي للطاغوت شرطي لم يقتف أثرك ويجد في طلبك? ماذا صنعت مع إخوانك حتى اختفت الخمور والمشروبات الكحولية في ساحة (المنيا)? لقد سددت الأبواب على النصارى الذين يتاجرون بعقول الناس ببيع الكحول.

وماذا عن المناظرة التي جرت بينك وبين المفتي ووزير الأوقاف? اللذين هزما أمام قوة الحق التي تهز الأركان وبثبات الكلمة الطيبة التي تأخذ بمجامع القلوب, لقد سج لت المناظرة على شريط الفيديو والكاسيت فسرت بين أيدي الناس سريان النار في الهشيم.

لقد كانت المناظرة يوما مشهودا حضره جمع غفير وخضم متلاطم من جماهير الناس وعندما شعر المفتي بالهزيمة خرج عن طوره وبدأ يهذي قائلا : (ليت الدولة تقتلكم كلكم نحن نستجدي الخبز من أمريكا وأنتم تقولون: جهاد وأمر بالمعروف!).

أي درك هبط إليه العلم بهؤلاء? أو تصدق أن هؤلاء ورثة الأنبياء? وماذا أصابهم من ضياع حتى وصلوا إلى هذا المستنقع الآسن من حطام الدنيا?

(واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون)

(الأعراف: 671)

(إن الذين يكتمون ماأنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم)

(البقرة: 951ـ061)

قال قتادة والربيع: المراد ب- (اللاعنون) الملائكة والمؤمنون.

وقال مجاهد وعكرمة: هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم, وجاء في حديث حسن رواه ابن ماجه عن البراء بن عازب أن رسول الله ص قال عن (اللاعنون): دواب الأرض انظر تفسير القرطبي 2/681 .

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما

ولكن أهانوه فهان ودنســــوا محياه بالأطماع حتى تجهمـــا

آمنا برب الغلام: وبعد هذه المناظرة برز الأخ علي عبد الفتاح وذاع صيته, والتف الناس حوله قائلين (آمنا برب الغلام).

المطاردة: وهنا رأت الدولة أنه لابد من تصفية الشيخ علي أو إلقائه في غياهب السجون ردحا من الزمن, فهموا في طلبه وجدوا في أثره وبدأوا يعتقلون كل من له صلة به حتى أنهم قبضوا على قرابة خمسمائة شخص ولكن أن ى لهم بقبضه? وغي ر وزير الداخلية مدراء الأمن الواحد تلو الآخر حتى غي ر أربعة لفشلهم في القبض عليه.

وبدأت صحف المعارضة تتندر هازئة بالدولة متحدية إياها أن تلقي القبض على الشيخ علي.

ولم ينم في الليل قرابة ستة أشهر حتى لا يؤخذ على حين غرة.

نصراني يؤويه في بيته: وذات ليلة داهم النظام الحي الذي يربض فيه هذا الأسد فقفز من منزل إلى سطح منزل مجاور فرأى كوة في السطح فأراد أن ينزل منها وإذا بصاحب البيت يضع له كرسيا ويقول له: (انزل يا شيخ علي) وإذا به بيت نصراني وطمأنه النصراني وقدم إليه التحية فاقتحم البوليس الدور كلها دون هذا البيت لأن صاحبه ليس مسلما .

السجن من (1891مـ4891م): بعد مقتل السادات أودع علي وإخوانه السجن وعلى أثر أحداث أسيوط والمنيا ثم خرج (4891م) فلم يعودوا إلى بيوتهم بل إلى المساجد يعاهدون الناس على مواصلة الطريق وعادت الدعوة من جديد إلى المنيا.

محلات الخنا وحانات الليل والراح (الخمر): علم الشيخ علي أن شاحنتين محملتين بالخمر في طريقهما إلى المنيا فأعد لها كمينا مع إخوانه وعندما مرتا بدأ يطحنها حتى إذا آذن الفجر بالبزوغ كانوا قد حطموها عن آخرها, وأخذوا يهاجمون محلات الخنا والرقص, وصار الشعب كله عيونا للشيخ علي فحيثما وجدوا محلا يخالف الشرع دلوه عليه فيجهز عليه.

مساجد الرحمن والخلافة والجهاد: وأصبحت هذه المساجد محط أنظار الناس ووثق الناس بالشيخ علي وإخوانه حتى صاروا يدفعون لهم زكاة أموالهم وفطرهم فكانت الشاحنات تصطف ببابها لتحمل المواد الغذائية والألبسة وتدور على الفقراء وكم من مرة صودرت وسجن الشباب من الحكومة.

وأخيرا وصل إلى أرض الجهاد في أفغانستان, وأخذ يعد نفسه للقتال, خطبت الجمعة ذات مرة وبعد الخطبة جاء وجلس بجانبي ولفت نظري إلى نقطة في الخطبة فأحببته منذ اللحظة الأولى التي رأيته فيها دون أن أعرف الرجل, ثم عاد إلى مصر وحاول أن يدخلها ولكن اغلقت دونه الأبواب فجاء بأهله من الأردن وعاد إلى أفغانستان.

هنيئا لك يا أبا مسلم (الصنعاني) إني اغبطك على هذا المكان وليتني ادفن بجوارك هذه عباراته كلما مر على جدث (قبر) عبد الله النهمي الذي أحبه بملء قلبه وكأنه يقرأ قدره المسطور إذ أن أبا مسلم دفن قرب جلال آباد. بعد استشهاده في (51) شعبان الماضي.

وفي السادس من رمضان سنة (9041هـ) كان أبو اليسر على حافة الخندق بجانب راجمة الصواريخ (بي.إم 21) وكان غالبا يذكر إخوانه بقول الله عزوجل (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) ويذكر قول ابن القيم فيها: ما أرى الحياة إلا بالجهاد, وبينما كان يقرأ القرآن جاءت نازعة الأرواح (قذائف الهاون) فأصابته شظية فاستشهد على الفور وإخوانه بجانبه في الخندق وبعد لأي تساءلوا أين أبو اليسر فخرجوا وإذا به مسج ى, ومضى ابن الثلاثين عاما بالشهادة الكبرى لا شهادة الأدب العربي الورقة التي يحملها من الجامعة.

بهذا الجسد الفارع طولا , المفتول عضلا , الذي أرهب الدنيا في حياته وهزها باستشهاده, وهكذا مضى شيخ المنيا فسلام عليه يوم تقدم وتأخر الناس ويوم ضحى وجبن الناس ويوم باع وضن الناس.

هو الشجاع يعد البخل من جبن وهو الجواد يعد الجبن من بخـــل

لقد رأت كل عين منك مالئهـــا وجربت خير سيف خيرة الدول

وقد كان علي شاعرا وكتب في السجن أنشودة عذبة عن القدس ولحنها بلحن جيد جميل, وقد سمعت الشباب المصري ينشدها واسمها (لبيك ياقدس الحبيبة كلنا نفدي الحمى)

كلمات الوداع للشعب الأفغاني المسلم البطل: بهذه الكلمات النابعة من صميم فؤاده ودع الشعب بهذه التحية:

دقات قلبي تهتف بحبكم وبحب الخنادق والبنادق.

نعم أنتم شعث مغبرون ولكن قلوبكم رقيقة وهي أقرب إلى الرحمن من أهل المدائن والعواصم.

أحبتي أهل الرباط أنتم ما نسيتم; أتعرفون من يذكركم? يذكركم المستضعفون ويهتفون أصبح للإسلام مجاهدون وعندما يسأل اليتيم أمه الثكلى عن أبيه ويلح في السؤال ويقول: متى رجوع أبي أو متى الذهاب فعندها أنتم الآمال (بعد الله) ترجى, أنتم الأسد الغضاب, وعندما يشتد ليل الظلم ويطول نستشرف الفجر بين قسمات جباهكم المغضبة.

(ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)

(التوبة: 23)

وأرجو الله أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى.

الراكب المهاجر الشهيد (عابد الشيخ محمد):

صفوة الدعاة قد قبضوا, وخيرة القوم قد ذهبوا في هذا الشهر, وجلال آباد تقول: هل من مزيد لوقود معركة الإيمان, ألم ترتو ياأرض ننجرهار من دماء الأطهار, أما يكفيك ما ابتلعت من جثث الأطهار? كفاك.. كفاك فقد أخذت فلذات الأكباد ومهج الأرواح.

رحل أبو مسلم.. ثم تبعه عابد... وبعد عابد بيوم واحد اختطفت يد المنون علما ثالثا وهو أبو اليسر (علي عبد الفتاح)

كم من العيون ستبكي عليك يا عابد? وكم من أرض ستستغفر لك? أهي بلوشستان التي تمت إليها أصلا ونسبا ? أم الكويت التي درجت على أرضها وترعرعت بين جنباتها? أم قطر التي تخرجت من جامعتها من ذا الذي لا يعرف هذا الفتى الذي درس في معهد الإيمان الديني في الكويت? ومن ذا الذي دخل كلية الشريعة في قطر ولا يسمع بهذا الضرغام?

كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعين لم يفض ماؤها عذر

أي عين لا تبكيك ممن رأوك? أي لسان لا يلهج بالثناء عليك بالخير ممن خبرك?

وهكذا كتب الله لك هذا التطواف الطويل في أرض الخليج حتى يعرفك الكثيرون الذين أراد الله بهم الخير لعل الله يحيي بذكرك موات القلوب وينقذ بسيرتك كثيرا من ضلال الدروب.

الدراسة: ودخل كلية الشريعة في قطر وتخرج منها (5891م) وهو في الرابعة والعشرين من عمره ثم عمل مدرسا في مدارسها, ولكن نفسه تأبى عليه أن ينعم تحت هواء المكيفات وأبناء دينه يحصدون بنار الرشاشات وأطفالهم يموتون في حر الصيف في بيشاور بمعدل مائة يوميا أحيانا وأن ى لأسد أن يقبل العيش مقيدا بالأصفاد في حديقة الحيوانات ويعرض على الناظرين? لابد أن يحطم القيود ويعود إلى غيله (عرينه) حيث الضراغم والأسود.

وتزوج عابد وقدم إلى أرض الجهاد سنة (7891م) بعد أن سبقته فروع الشجرة الطيبة (أشقاؤه) زاهد (مدير لجنة الدعوة) وخالد (المهندس خريج أمريكا) ودق أطناب خيمته على باب الشيخ سي اف وأصبح ظله الذي لا يفارقه وطيفه الذي لا يباعده.

وعمل في البنيان المرصوص وعندما تذوق حلاوة الجهاد لم يطق الصبر بعد أن طفح الكيل فوجه رسالة عتاب جميلة إلى مشايخه الذين تلقى العلم على أيديهم, وكانت لفتة موحية معبرة تحت عنوان: (عفوا شيخي) مع أدب جم, ومشاعر فياضة مفعمة بالعاطفة والحب.

في خنادق القتال: وكلما اشتدت المعارك وزاد ضرامها وشد إليها الشيخ سي اف الرحال تجد حوله من أركانه الذين لا يفارقونه خالد وعابد ويلحقهم أحيانا زاهد.

وقد سعدت بخالد فترة آخر معركة ضخمة في جاجي بضعة عشر يوما , وكنت اسميه السكرتير فكان يستمع إلى القرآن وقد حاولنا أن نطبق منهج الصحابة في تلاوة القرآن (فمي بشوق) أي ختمة في مدة أسبوع أولها: من (الفاءـالميم) الفاتحة إلى المائدة, والثاني من (مـي) (المائدة- يونس) والثالث (يـب) (يونس إلى بني إسرائيل) الرابع (بـش) (الإسراء -الشعراء) الخامس (شـو) (الشعراءـوالصافات) السادس (وـق) (والصافاتـق) السابع (قـالناس).

الشهادة: وأخيرا إلى جلال آباد وفي هجوم على المطار حيث انطلق الخمسة عابد, وأبو الفضل (أبو طارق) اليمني, وأسامة الأزبكي, وصخر الصخري, وسراقة الشرقاوي.

وأراد العرب أن يتقدموا الصفوف فضن بهم القائد خالد (أسد يقود الحرب بقدم واحدة) فقال: العرب يتأخرون عن الأفغان جميعا وسار خمسون من المجاهدين الأفغان وبعدهم جميعا وفي نفس الطريق سار الخمسة ولكن الحذر لا يغني من القدر فعثرت قدم صخر بخيط للغم مشرك (مجموعة ألغام مربوطة مع بعضها) فانفجر اللغم وسقط عابد ولفظ روحه لتوه وجرح الجميع عدا أسامة فكله جراح.

أبنت الدهر عندي كل بنت فكيف وصلت أنت من الزحام

جرحت مجرحا لم يبق فيــه مكان للسيوف أو السهـــــام

وحمل الجرحى الثلاثة (أبو طارق, وسراقة, وصخر) أما الأخيران فقد قضيا نحبهما على الطريق ودفنا في ننجرهار (جلال آباد). وأما أبو طارق فقد وصل مستشفى الفوزان (مكسور الساق مهشم العظام ساقا وساعدا ) وكنت الساعة الثانية عشرة ليلا في المستشفى وإذا بأبي الفضل (أبوطارق).

مشهد عجيب من الصبر والرجولة: وحول الناقلة التي ينام عليها أبو الفضل (أبو طارق) اليماني اكتنفناه مجموعة من أطباء المستشفى والدكتور عبد اللطيف وأبو حفص (زاهد: شقيق عابد) فسألته ماذا وراءك يا أبا طارق? قال: لغم أصابنا فاستشهد عابد, ومن عابد? قال القطري الذي أصله من بلوشستان وعاش في الكويت, ونظرت إلى وجه زاهد وقد جمدت الدموع في عينيه والكلمات على شفتيه, وكأن الأمر لا يعنيه فاستلمت الكلام أأنت رأيت عابدا بنفسك قد استشهد? قال: نعم لقد قضى على الفور أمامي ورأيت معنى الحديث الصحيح مفسرا على وجه أبي حفص (زاهد) (إن الله ينزل الصبر على قدر المصيبة والمعونة على قدر المؤونة).

على مقبرة الشهداء: وفي اليوم التالي الثلاثاء (6) رمضان شيعت جنازة عابد بموكب, وحرس الشرف مصطفون, والشيخ سي اف لا يتمالك نفسه من البكاء وعبراته تهطل سبلا , وكذاك محمد ياسر والجبانة (المقبرة) غاصة بالمجاهدين عربا وأفغانا وودعه محمد ياسر بكلمة ثم الشيخ سي اف ثم تكلمت, وهكذا مضى عابد وترك زوجته وطفليه -صهيب أكبرهماـ:

يقول صهيب لما رأى طول رحلتي سفارك هذا تاركي لا أباليا

ومع الخالدين رحل الراكب المهاجر وصاحبته القلوب ونرجو الله أن يجمعنا به في الصالحين.

بلال المأسدة (محمد خلف الصخري):

في الطائف نشأ وترعرع وعندما بدأ أبو عبد الله (أسامة بن لادن) إنشاء مأسدة الأنصار أقبل إليها شاب اسمه أبو حنيفة وأعجب بها أي ما إعجاب وأرسله أبو عبد الله داعية لها, وكان أبو حنيفة يسكن الطائف فأول من استرعى انتباهه شباب الطائف فعرض الفكرة على مجموعة من الشباب فأقبلت مجموعة في عمر الورود كان من بينهم صخر (بلال المأسدة) ولقد كانت السنة الأولى التي أنشئت فيها المأسدة جد قاسية على النفوس لقد بدأ أبو عبد الله مسيرته في المأسدة في الشتاء وكانت الثلوج تغطي الجبال ولا تستطيع وقت الضحى أن تخرج إلى الشمس الساطعة لأن برودة الجو أكبر بكثير من حرارتها.

الإستخارة في الحرم النبوي: صلى (صخر) ركعتين في الحرم المدني واستخار وانشرح صدره للقدوم, ولقد كانت النقلة بعيدة والخطوة واسعة والفرق هائلا بين كلية الحديث في الجامعة الإسلامية/المدينة المنورة التي كان يدرس فيها صخر وبين جاجي, سواء في الجو أو في الطعام.

وكانت بداية موحشة لأنها ابتدأت بمجموعة من الشباب ولذا لم يمض عليه كثير وقت حتى ضاقت نفسه واستوحشت للأهل والخلان فغادر المأسدة وعاد إلى الطائف ولكن أن ى له أن يجد لذة الحياة الحقيقية وحلاوة العيش? أيجدها في قطعة لحم? أم في سيارة فارهة أو نزهة على الهدى مع بعض الأصحاب?

لقد أضحت الحياة في نظره فارغة لا يجد فيها تلك الحلاوة التي تذوقها في الجهاد, وشتان شتان بين حياة في ذروة سنام الإسلام يستروح أرج الحياة الطيبة, ويتنسم شذاها الأخاذ النفاذ وبين حياة أرقى ساعاتها الروحية الجلوس إلى كتاب إسلامي مع بعض الأحبة, إنه الفرق الهائل بين من يأكل العسل بنفسه وبين من يجهد نفسه في قراءة مجلد عن فوائد العسل وطعمه ولذته.

عاد صخر مرة أخرى وواصل المسيرة مرة أخرى مع ليوث مأسدة الأنصار وعندما كثر الشباب العرب أصبحوا يواجهون صعوبة المرور على الطرقات العامة المؤدية إلى المأسدة فكنا نخفي أنفسنا بأنواع الألبسة الأفغانية وعماماتهم الضخمة ونحاول أن نتعلم بعض الكلمات التي يمكن أن تموه على البوليس الباكستاني الذي يتلقى الأمر تلو الأمر أن يضيق على العرب ويمنعهم من المرور بعد تلك الضجة الكبرى التي يدير رحاها اليهود ويحذرون الغرب والشرق من مغبة إحياء الجهاد الإسلامي فوق أرض أفغانستان.

ومرت علينا سنتان شديدتان كنا نواجه عنتا كبيرا حتى نتخطى نقطة البوليس.

وتزداد العقبات إذا كان ضابط المركز شيعيا أو شيوعيا أو قوميا أو من الأحزاب اللادينية, وكلما هدأت ضجة علينا أثارت السفارات العربية ضرام نار المعركة علينا, وكنا نمشي الأميال في الجبال حتى نتخطى نقطة بوليس.

مقارنة: وكنت أرى الفتاة الفرنسية أو الأمريكية وهي تمر آمنة مطمئنة على هذه النقط البوليسية ولو م ست بأدنى سوء قامت الدنيا وما قعدت تتولى سفارتها في إسلام آباد المرافعة ضد باكستان أمام المحافل الدولية وغيرها, هذه وظائف السفارات الغربية, أما السفارات العربية فوظيفتها التضييق على العرب ومطاردتهم مع الاستخبارات الباكستانية وبوليسها.

دعاء صخر: ومهما أخفى صخر نفسه فلونه شاهد عليه فكان إذا اشتدت به الأزمة وأرجع من الطريق رفع يديه إلى السماء قائلا : (اللهم افتح جهادا في منطقة كالسودان أو الصومال من ذوي البشرة السوداء حتى أجاهد معهم وإذا جاء إخواني العرب هناك يذوقون ما أذوق الآن).

إلى قندهار: وذهب إلى قندهار حيث سخونة الحديد وضرام النار ومكث فترة ثم عاد.

إلى مثواه الأخير: وفي جلال آباد وقرب المطار يتوجه مع عابد الشيخ وأسامة الأزبكي وسراقة وأبي الفضل اليماني نحو عملية, فقال لهم خالد (قائد من تنظيم يونس خالص): العرب لا يتحركون إلا في الأخير وسار أمامهم خمسون أفغانيا واصطدم صخر بخيط اللغم وانفجر اللغم وأودى بحياة الثلاثة (عابد, وسراقة, وصخر) وكسرت قدم أبي الفضل, وهكذا مضى صخر مع أصحابه إلى الله -عز وجل- ونرجو الله أن يتقبلنا جميعا في الصالحين.

فدتك الخيل وهي مسومات وبيض الهند وهي مجردات

(مسومات: معلمات بيض الهند: السيوف )

سراقة (سعد خالد الخالدي):

من القبيلة التي تعرف صولتها وشجاعتها وأصالتها العرب, هناك في المنطقة الشرقية في (الثقبة) حيث الرجولة الأصيلة والفطرة السليمة وكأن بعض القوم يردد لسان حالهم:

وإني لمن قوم كأن نفوسهــــــم بها أنف أن تسكن اللحم والعظما

وبعد معركة المأسدة رمضان سنة (7041هـ) التي أسفرت عن نصر باهر مؤزر تنزل من السماء أصبحت الجموع تفد أفواجا للجهاد وضاقت طاقاتنا عن الإعداد والتوجيه في معسكرات التربية في صدا وغيرها بدأ سراقة مسيرته وكان محبوبا لدى إخوانه إذ لا تكاد الابتسامة تفارقه.

إحساس داخلي: وقبل فترة أعطى حمزة -أحد إخوانه المجاهدين- بذلته وأخذ بذلة حمزة, وقال: حتى يتذكر أحدنا الآخر بعد استشهاده خاصة بعد أن استحر القتل بالشباب العرب في جلال آباد.

وفي نفس الوقت وفي الأيام الثلاثة الأخيرة التي سبقت استشهاده كانت والدته تتصل يوميا ببيشاور تريد أن تسمع صوته فجاءها نعيه وكان وقع الخبر على نفسها شديدا فوقعت في الحال هي ووالده إذ لم يحتملا صدمة النبأ المروع فنقلا إلى المستشفى.

أحنو عليك وفي فؤادي لوعة وأصد عنك ووجه ودي مقبل

لقد هالها خبر الإستشهاد وإن كان فيه عز الدنيا ومقام الآخرة الأمين -إن تقبله الله- كما نحسب ولا نزكي على الله أحدا .

وإذا طلبت وصال غيرك ردني وله إليك وشافع لك أول

لقد هزها الحدث المزلزل وحق لها لأن سراقة لم يكن شخصا عاديا لقد كان شخصية قيادية ورجلا في زمن عز فيه الرجال, ولقد كان أميرا لمنطقة ثمر خيل ولكنه ألح على أبي عبد الله بالتقدم إلى خط النار الأول ودفعه أبوعبد الله وضن به, وكما جاء في الأثر قول الرسول ص لأبي بكر: يا أبا بكر أشم (أغمد) سيفك ومتعنا بنفسك), ولكن الأسود لا تطيق القيود, وكيف ترضى أن تبقى قيد أميال عن أتون مضطرم فهي تتفلت وتلح وترجو وتأمل من الأمير أن يفلتها لأنها لا تستطيع إزاء المعارك المحتدمة صبرا .

تلقاه يقطر سيفه وسنانه وبنان راحته ندى ونجيعا

وهكذا سار إلى مثواه الأخير في جلال آباد وفي مقبرة الشهداء العرب على بوابة خيبر (طورخم) دفن سراقة بجانب صخر وأبي مسلم الصنعاني.

أبو بدر الحربي (خالد بن معلا الأحمدي الحربي):

لا رجوع إلا بفتح كابل أو الشهادة: في البيت المضياف الذي لا يخلو من ضيوفه صيفا ولا شتاء , عائلات وأفرادا, في بيت أبي الحسن المدني الذي يجاورني تعرفت على شاب أسمر اللون, صادق اللهجة -كما نحسبه ولا نزكي على الله أحدا - وفي الخيمة التي أقامها أبو الحسن المدني (وائل جليدان) لنصلي بها تعرفت على أبي بدر وكان قد حضر مع صديق له مع زوجيهما للجهاد وقضى إجازته ثم عاد بعد أن فاتحني بإمكانية قدومه إلى أرض الجهاد وأطلعني أن زوجته جامعية بإمكانها أن تقوم بدورها في تعليم اليتيمات, فقلت له: في الأمر سعة وحيهلا ونرجو الله أن ييسر كفالة أسرتكم.

وعاد أبو بدر إلى بترومين حيث يعمل ولكن الحياة لا طعم لها بعد أن تذوق حلاوتها الحقيقية وبدأ الصراع للقدوم في أعماقه وانتقل النقاش واحتد في بيته بين والده الذي يضن به عن الموت كما يحسب وبين نفس وثابة تواقة للجهاد.

وجاء الفرح: ألقيت محاضرة في مسجد الشعيبي وإذا بكهل يأخذ أبا بدر بيده ويسألني أمام الناس: هذا ابني يريد أن يترك زوجته وابنتين ويذهب إلى الجهاد وأنا غير راض فما حكم الشرع في هذا? فقلت: (لا استئذان في فروض الأعيان) فلا تستطيع منعه شرعا والآن تعين الجهاد في أفغانستان. فقال الوالد: إن كان رأي الإسلام هكذا إذن نسكت.

وجاء أبو بدر مرة أخرى: ودخل معسكرات الإعداد ثم عاد إلينا ووجدناه شابا ناضجا إذ أنه من مواليد سنة (3731هـ) فعمره في السادسة والثلاثين فجعلناه مشرفا على إخوانه في بيت الضيافة الذي يستقبل القادمين لتوجيههم إلى الإعداد والجبهات.

وبدأت التلفونات ترد إلينا من زوجه وأمه وأهله يودون لو يفتدونه وراجعته فقال: (دعك من هذا) وكان يكرر كلمته (لا رجوع إلا بعد فتح كابل أو الشهادة).

وجاءت معارك جلال أباد: ودخل المعركة مع ستة من العرب في جمع غفير من الأفغان بقيادة مولوي محمد فاروق من الجمعية ودمر المجاهدون ست دبابات وأثناء الزحف على المطار جاءت نازعة الأرواح (قذيفة الهاون) فأصابت أبا بدر وأبا الدرداء المطو ع, أما أبو الدرداء فقد قضى لتوه وعلى الفور وأما أبوبدر فبقى على قيد الحياة.

شجاعة أبي عائشة: وخاطر أبو عائشة اللبناني بنفسه وحمل أبا بدر وطلب الماء لأن الجريح يعطش فقال له صبرا فالنهر أمامنا وفي الطريق هبت ريح طيبة فخرجت الروح, وفي الحديث (اخرجي أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان).

وقد أصبح خروج الشذى الطيب علامة لخروج الروح, قال أبو عائشة: ثم انبعثت رائحة طيبة مرة أخرى وجئ بالجثمان إلى بيت الضيافة.

مائة من العرب يقفون على نافذة الغرفة التي فيها جثمان أبي بدر يتنسمون العرف (الرائحة) الطيب الذي يعبق شذاه في الأنوف.

وأخذ أبو إبراهيم العراقي من دمه على يده وقال لزوجه شم ي فشمت رائحة عجيبة طيبة.

وسار الموكب يوم الثلاثاء في (12) مارس سنة (9891م) نحو مقبرة الشهداء في بابي (قرب بيت الشيخ سي اف) ووضعته بيدي في القبر وقد لاحظت إشراقة صفاء عجيبة على وجهه مع أنه أسمر داكن (يميل إلى السواد).

وعدنا وبقي الدم الذي على قطيفته ينضح طيبا وبعد خمسة أيام ذهبت إلى الرياض لإلقاء محاضرة عن الجهاد الأفغاني فأخذت القطيفة معي وشم ها أهل الرياض.

فآمل من الله أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى وقد اتصلت بأهله وبوالده فكان وقع المصاب عليهم كبيرا إلا أن والده قال لي (لن أفتح بيتا للتعزية) بل للتهنئة.

فرحمه الله ونرجو الله أن يبارك في زوجه وبناته وأن يجبر مصيبة زوجه ويبدلها خيرا منه, كما ورد في الحديث الصحيح عن أم سلمة رضي الله عنها.

أبو الدرداء (إسماعيل عبد الله محمد المطوع):

تبكي على الأنصل الغمود إذا أنذرها أنه يجردهــــــا

لعلمها أنها تصير دمـــــا وأنه في الرقاب يغمدهـــا

أطلقها فالعدو من جـــــزع يذمها والصديق يحمدهـــا

تنقدح النار من مضاربهـا وصب ماء الرقاب يخمدهـــا

إذا أضل الهمام مهجتــــه يوما فأطرافهن تنشدهــــا

أبيات أبي الطيب تصدق على كثير من الشباب المقبل على الله المندفع إلى الموت الحريص على الشهادة, تشغله الخاتمة الطيبة ودخول الفردوس يبكون عندما تردهم عن المعركة, يتبرمون بك إذا منعتهم من اقتحام الأهوال وصدق رسول الله ص : إن سياحة أمتي الجهاد صحيح رواه أبوداود والحاكم.

وكيف تستطيع ردهم عن أرض المعركة والرسول ص يقول: قيام ساعة في الصف للقتال خير من قيام ستين سنة .

قال أبو الدرداء القصيمي: ادفنوني عل الطريقة الإسلامية وفي موضع مصرعي, يحمل الثانوية العامة, وكان يردد: (الجامعة بعد الجهاد).

وكانت شهادته في الثالث عشر من شعبان (9041هـ) الموافق (02/3/9891م) مع أبي بدر الحربي في الساعة الثانية والنصف ظهرا .

أبو حسام السوري (رضوان ابراهيم المرعي الحموي):

قليل من جماعة التبليغ هم الذين أقبلوا على الجهاد ولكن هؤلاء الذين وفدوا إلى الجهاد نفعنا الله بهم كثيرا , أدب رفيع جم, طاعة عجيبة للأمير, إقدام على الموت, ع ف ة وترفع وزهد وتواضع, صمت معب ر, وكلام مؤثر فنرجو الله عز وجل أن يكثرهم في أرض الجهاد لأن أثرهم بالغ في النفوس سلوكا وإخلاصا وأدبا -نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحدا -.

لا يعرفون الجدل ولا يحبون النقاش قلوبهم مقبلة على الجهاد, والحق أن ي جد معجب بجماعة التبليغ بنواح كثيرة ونرجو الله أن يعينهم على سد الثغرات والنقص من نواح قليلة باقية. ونبتهل إلى الله أن يسوق إلينا مجموعات كبيرة منهم إلى الجهاد.

وشهيدنا هذا من جماعة التبليغ: كان يتميز سلوكه اليومي في البيت بيقين بالغ مع أولاده فيمرض ابنه فيأتي بالعسل ويقول هذا علاجه فيقول له ابن رواحة -جاره- أرسله إلى الطبيب فيقول له: (فيه شفاء للناس) ويستعين بما ورد في الأحاديث للتطبيب كالعسل والقرآن والأدعية المأثورة.

منبته: ولد شهيدنا سنة (7591م) في خان سيحون من أعمال حماة ونجا من الموت بأعجوبة في أحداث حماة يوم أن دمرها النصيريون سنة (2891م) وقتلوا من شيوخها وأطفالها ونسائها وأبنائها حسب تصريح أحمد أبو كورة مدير الهلال الأحمر الدولي (اثنين وأربعين ألفا ) بالأسماء.

قدومه إلى الجهاد: مكث تسع سنوات في جماعة التبليغ ثم استشار أمير جماعة التبليغ في الأردن فأذن له, وعمل في المشروع التربوي الصحي في داخل أفغانستان ومكث ثلاثة أشهر في غزني يعمل في القسم التربوي ثم انتقل إلى البنيان المرصوص ليعمل مصورا ومراسلا للمجلة. وكان يصور والكلاشنكوف في كتفه.

معارك جلال أباد: في (21/3/9891م) نزل إلى جلال آباد وكان مع الشيخ تميم العدناني واشترك في عملية اقتحام مركز للشيوعيين وف تح المركز ولكن الله عز وجل كتب له أن أصابته رصاصة فكانت فيها منيته.

وشهد الكثير له أن دمه كانت تنبعث منه روائح المسك والعطر فرحم الله أبا حسام لقد مضى إلى الله وخل ف وراءه زوجة وسبعة أطفال, وكانت وصيته (لا ترجعوا أهلي إلى سوريا وليبقوا في أرض الجهاد).

والحمد لله لقد تم أسر الشيوعي الذي قتله وتم تنفيذ الإعدام بالشيوعي ونرجو الله أن يخلفه ابنه الأكبر (حسام 21 عاما ) في الأسرة وأن يكون خير خلف لخير سلف سيما وأن حساما يحفظ عشرين جزءا من القرآن, ونرجو الله أن يجمعنا في الصالحين.

عبد الرحمن الإماراتي (محمد عبد الله راشد زايد):

أول شهيد من الإمارات.

إذا رجعت إليكم فافعلوا بي ما بدا لكم: هكذا كان جوابه للعقيد الذي جاء يهدده بوجوب الرجوع إلى الإمارات لأنه كان يعمل في السلك العسكري فألقى البزة العسكرية وأقبل إلى الجهاد يريد أن يطبق يوما واحدا ما تعلمه في الجيش عبر السنين, إذ أنه رأى أن الجيوش في العالم الإسلامي لا يتعدى عملها الروتين اليومي المكرور الممل ولا تؤدي أكثر من مراسم الإستقبال والتوديع.

أما الجهاد الذي أسس الجيش من أجله فلم يذق طعمه قط ولا يحلم به أبدا .

قدم إلى الجهاد قبل سنتين وطو ف في معظم أرجاء أفغانستان يبحث عن الشهادة من خير معاش الناس رجل آخذ بعنان فرسه يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار إليها يبتغي الموت مظانه .

وصل إلى حدود روسيا فجاهد في بلخ (مزار شريف) وجوزجان وفارياب ومكث في الشمال قرابة ثمانية أشهر ثم عاد وذهب إلى غزني وقندهار وغيرها من الولايات.

طريقة استشهاده: في يوم الإثنين الثاني عشر من رمضان (9041هـ), الموافق (71/4/9891م) كن ا في جلال آباد وعلى مقربة من المطار, فسمعنا في الصباح أصوات الرصاص بأنواعه فسألنا فقالوا عملية للمجاهدين على المطار, واشتدت غارات الطيران على المنطقة والشيوعيون الآن يستعملون طائرات (اليوشن) (ناقلة كبيرة تحمل تسعة أطنان طائرة كاشفة ومحاربة تستكشف ثم تقصف مباشرة تسير على مهلها في السماء ولكنها محلقة في آفاق عالية).

لقد كان عبد الرحمن أحد الليوث الذين شاركوا في اقتحام المطار فأبصر شيوعيا من بعيد فصوب على رأسه فأرداه قتيلا ويهجم عبد الرحمن (محمد عبد الله) على الشيوعي ويأخذ سلبه: السلاح ويصيح فرحا (الله أكبر قتلت شيوعيا في سبيل الله), وفي الحديث (لا يلتقي كافر وقاتله في النار), وبدأ يتغنى فرحا فقال له الأفغاني: اجلس يا أخي حتى لا يصيبك الرصاص فجلس يرقب وإذا بخمسة من حمر الشيوعية المستنفرة كأنها فرت من قسورة وأووا إلى غرفة في إحدى المرتفعات, وتوقف الأفغان عن التقدم ولكن عبد الرحمن أخذ قنبلة من أحد الأفغان وهجم كالليث الغاضب عليهم وفتح فتحة القنبلة وألقاها عليهم ثم اقتحم عليهم حصنهم ليجهز عليهم وإذا باثنين من الشيوعيين مختبئين خارج الغرفة ففتح أحدهما رشاشه على عبد الرحمن فأصابته في صدره (5ـ8) رصاصات فاستشهد في الحال:فلسنا على الأعقاب تدمي كلومنا ولكن على أقدامنا ينزف الدم

فرحم الله عبد الرحمن, ولقد كان لي نصيب رؤيته في المطار في أول رمضان إذ قدم ابن عمه معي من دبي إلى بيشاور فنزلا إلى جلال آباد, ونرجو الله أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى.

عوض المالكي (عبد الله عزم الله):

رن جرس التليفون وإذا بصوت فتاة تستفسر مني عن شهادة عبد الله قلت ومن تكونين أنت? فقالت شقيقته ثم قالت والدي يريد أن يكلمك: فقلت لهم شرف عظيم أن يتقدمكم إلى الله أحد أبنائكم يكون فرطا على الحوض ويشفع لسبعين منكم إذا تقبل الله شهادته وقرأت على والده الحديث: إن للشهيد عند ربه سبع خصال: يغفر له مع أول دفعة من دمه ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن الفزع الأكبر ويلبس تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما عليها ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين ويشفع بسبعين من أهل بيته .

فرد والده (أتشرف بهذه الشهادة).

حياته: في السابعة والعشرين من عمره, رجع إلى الله قبل ثلاث سنوات وهو بين أربعة إخوة وثلاث أخوات, ونشأ في بيت بسيط متواضع وهو من بني مالك ولكنه عاش في الطائف بجانب والده الذي يفتح بقالة في منطقة الشهداء التي ضمت إليها شهيدنا عبد الله عزم الله.عمل في التجارة الحرة ما بين الرياض ومكة, يصوم تطوعا , استشهد في جلال آباد بقذيفة طائرة, فنرجو الله أن تكون روحه في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش.

أبو سهل المكي (إبراهيم بن مرجي عائد السهلي الحربي):

في أم القرى وبجوار البيت العتيق ولد إبراهيم وعاش فترة بعد سن الحنث مع شباب مكة ثم رجع إلى الله فعمل مطوفا بالبيت الحرام وأخيرا استهوته العذراء المصون التى حمى عرضها ببحور الدماء, لقد هام في حبها كما هام غيره, وجذبته بجمالها الأخاذ ورونقها الساحر, إنها أفغانستان التي ساح المسلمون حبا بها.

إلى (بابي) -عند الشيخ سي اف- ثم إلى قندهار حيث مكث قرابة أربعة أشهر عند قاري عبد العزيز فتعلم على الأسلحة الخفيفة ثم عاد إلى بيشاور وقلبه يحدثه أن يعود إلى مكة ليرى أمه وأباه خاصة ولوالدته في قلبه حنين لوضعها الخاص.

ولكن أن ى له أن يفارق أرض الجهاد والرباط في رمضان? أو يقدم صوت الحذيفي والسديسي وعلي جابر على قعقعة السلاح وبريق الأسنة ودوي المدافع وأزيز الطائرات فاختار جلال آباد ومعركتها وكأن هاتفا يتغنى باسمه:

يلذ لأذني سماع الصليل ويبهج نفسي مسيل الدما

ونفس الشريف لها غايتان ورود المنايا ونيل المنـــى

في جلال أباد: وهناك حيث المنايا تتوارد على الشباب من كل ناحية, جلس إبراهيم بجانب خيمة يتلو القرآن والطيران الذي أصبح شبحا رهيبا خاصة الأنواع الجديدة (إليوشن) الناقلة ذات حمولة التسعة أطنان.

ومرت الطائرة وألقت قذيفتها وانتزعت شظية من شظاياها روح ابراهيم ونرجو الله أن يجمعه بجده إبراهيم عليه السلام مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .

وفي مقبرة الشهداء في (باب خيبر/طورخم) يثوي هذا البطل بجانب أخويه عبد الله النهمي وعلي عبد الفتاح.

أبو عبد الله الجزائري (مجاهد بريك):

غادر الجزائر منذ ست سنوات وتوجه نحو قبلته في الحجاز ومكث هناك وفي سوريا هذه السنوات ولكنه كان يحس بأنه لا طعم لهذه الحياة التي لا تتجاوز اهتماماتها لقمة الغذاء وقطعة الكساء وكانت تترامى إلى مسامعه أخبار الجهاد في أفغانستان وتقض عليه مضاجعه, ويشعر بتأنيب الضمير في الأعماق وأخيرا حطم القيود وسار إلى بلاد الأسود.

في فرخار: التقيت به مع مجموعة عربية يقودها أبو الحسين البصري وكان لقاء ممتعا مع أحمد شاه مسعود وقد ألقوا عليه مجموعة من الأسئلة وبتنا تلك الليلة في المركز التعليمي في فرخار وفي الصباح ودعتهم وكان اللقاء الأخير في هذه الدنيا.

إلى عبد الفتاح أمير كتيبة الملائكة: وسارت الكوكبة إلى عبد الفتاح حيث الكتيبة التي نذرت نفسها للإصلاح بين المجاهدين مع نظافة في السلوك وطهارة في الأخلاق, وسر الجميع بعبدالفتاح وظلوا معه.

عملية عسكرية: ولقد كان مركز عبد الفتاح محط أنظار طائرات العدو فلا يكاد يمر يوم دون أن تصبحه بغارة أو تمسيه بهجوم وحشي, وذات يوم جرح أحد الإخوة بالقصف فهرع إليه مجاهد (وكثير من الأسماء لها من مسمياتها نصيب).

وأورد نفسي والمهند في يدي موارد لا يصدرن من لا يجالد

محرمة اكفال خيلي على القنا محللة لباتها والقلائـــــــد

(أكفال: مؤخرة, القنا: الرماح, لباتها: نحورها)

هرع مجاهد لينقذه وإذا بالقذيفة الإنشطارية (العنقودية) تتنزل من الطائرة وكانت تحل معها شعوبا (المنية) واستشهد رحمه الله في الحال ونرجو الله -عزوجل - أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى.

أبو عمر المدني (ماجد عبد العزيز المغربي):

وهكذا اختار ماجد طريقه فلم يأنس بمكة رغم الأنس الذي تشيعه في الجو نفحات البيت العتيق ورغم وجود إخوانه فيها ولم يرتح لجو بيشه مع تلك النسمات الباردة التي تختلف في مناخها عن بقية الجزيرة عدا أن أباه يعمل فيها, إنه مستوحش من الحياة بين الأحبة والأهل ولا غرو في هذا فقد هامت روحه هناك مع قصص الأبطال وسير الذين يصنعون التاريخ من جديد بدمائهم وأرواحهم, على مشارف كابل وفي أوهاد بغلان وفي أنجاد بروان وحطم الأصفاد, ومزق الأغلال وأقبل إلى أرض الأبطال والنزال.

كان شخصية تبدو عليه ملامح القيادة فاستلم قيادة ماني كانداو, وفي زيارته الأخيرة لأهله حاولوا أن يقيدوه بأغلال الدنيا ويوثقوه ببعض اغراءاتها فعرضوا عليه سيارة وزوجة ووظيفة وكأن لسان حاله يجيب (ياقوم أنتم في واد ونحن في واد).

في جلال أباد: وجاءت الشهادة قرب ثمرخيل على مشارف جلال آباد في يوم عزيز على المسلمين حيث فتحوا مناطق واسعة وأذل الله فيه الكفر وأهله.

وكان معه أبويونس السعودي وأبو طارق اليماني أمير برو ومنير المدني وهداية الله الكردي وقد شهدوا أن وجهه كان مستنيرا مشرقا بإشراقة الشهادة -إن شاء الله- ولا نزكي على الله أحدا وأنهم شموا من دمه رائحة المسك.

وفي (برو) مركز العرب ثوى ماجد تحت التراب ولم يمت لأن ذكره لا زال بين الأحياء ولعل الله يتقبل شهادته (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون).

وكانت شهادته في اليوم الأول من شعبان سنة (9041هـ) الموافق للثامن من مارس سنة (9891م) فرحمه الله رحمة واسعة وتقبله في الصالحين.

من صفات أبي عمر المدني الإيثار والحق أن الإيثار صفة تجدها في كثير ممن وفدوا إلى الجهاد لأن أرواحهم معروضة على الرحمن أفيبخل بما دونها.. لقد رتب ذات مرة عملية ضد أعداء الله واتصل باللاسلكي واطمأن على سير المعركة, وكان يحمل مدفع (28) وبجانبه صاحبه الذي يحدث عنه وكانت العملية في (ماني كانداو) وبعد أن وضع القذيفة في المدفع أخرج يده ليضغط على الزناد فأصابته رصاصة في يده ولم يكن في الموقع سوى بغل واحد فقال صاحبه: قدمته لماجد ليركب فرفض إذ كان بجانبه جريح آخر فأركبه على البغل ومشى ماجد ساعتين حتى وصل المركز الخلفي (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون).

عكرمة الجزائري (بيبي عبد المالك):

في بيت عالم من علماء الجزائر ولد شهيدنا وماذا تكون التسمية, لقد جاء الإسم من وحي الكتب التي يدرس بها والده, ويتبع فقهها ويدرس تعاليمها في المسجد فكان الإسم على اسم إمامهم وفقيههم مالك.

كان ذا قامة فارعة وعضلات بارزة, عنده ولع شديد بالمطالعة, ومن أحب ساعاته أن يخلو بكتاب في زاوية من زوايا بيت الضيافة حتى لا يزعجه أحد ويقطع عليه خلوته وحبال تفكيره.

عبادته: كان صواما قواما , كثير التعبد والتنفل, ففاتحه بعض إخوانه بأمر النافلة قائلا له مقالة ابن عمر رضي الله عنهما عندما رأى مجموعة من الصحابة والتابعين يتنفلون في السفر فقال: (لو كنت مسبحا لأتممت الفرض).

قال عكرمة: رأيت رسول الله ص في المنام فصافحني ثم قال: ياعكرمة أتريد الشهادة? فقلت: نعم فقال: لا تغب, فسألت أحد العلماء عن تعبير الرؤيا فقال لي: أي حافظ على النوافل والسنن التي التزمتها.

ملاحظة: أما بالنسبة لصلاة النافلة في السفر, فالسنن المستحبة كصلاة الضحى وقيام الليل فقد ثبت عن رسول الله ص أنه كان يصليها في السفر.

أما السنن الراتبة (المؤكدة) فقد ثبت عن رسول الله ص أنه ما كان يدع الوتر ولا سنة الفجر في سفر ولا حضر.

وأما سنة الظهر القبلية, فقد ثبت عن البراء بن عازب في رواية أبي داود الحسنة قال: خرجت مع رسول الله ص ثماني عشرة مرة فما كنت أراه يدع ركعتين إذا زالت الشمس قبل صلاة الظهر.

أما سنة المغرب فقال النووي: إنها داخلة في صلاة الليل وقيامه.

التدريبات: كان عكرمة شابا ناضجا فكان مهتما بنفسه وروحه فيكثر العبادة لتقويتها وتغذيتها ويقوم الليل لإشباعها وإسعادها, ومهتما بعقله فكان الكتاب خير جليس له وكثيرا ما كان يجلس إلى أبي يحيى المصري ويسأله ويستفسر عن بعض الأحكام, وكان مهتما بجسده تدريبا
وتمرينا فكان يأخذ دورة للملاكمة.

كان رحمه الله جادا لا يمزح بل يهاب إخوانه أن يمزحوا معه, ويبكي أحيانا عندما يقرأ القرآن, وكان يوصي إخوانه (إياكم والمثبطين والمرجفين) لا تسمعوا لهم.

دراسته: تخرج من كلية الهندسة المعمارية.

في الجهاد: سلمه الإخوة إمارة جاجي ثم ذهب إلى قندهار وأقام في غرفة (أوطاق محمد أيوب) ثم دم ر العدو الغرفة وقطعت يد مالك, ثم قرر القائد بناء غرفة أخرى بعيدة عن أنظار العدو وخلال أسبوع كانت الغرفة الجديدة قد أقيمت وقد أسهم مالك في بنائها اسهاما كبيرا .

القتال في قندهار: والقتال في قندهار شرس ورحى الحرب طاحنة دائرة فقد قرر القائد عبد الرزاق إقامة غرفة (أوطاق) على بعد ثلاثين مترا من الشارع العام وبعدها بدأ تصيد السيارات المارة.

وعلى مقربة من الغرفة إذا بسيارة جيب تقف فأمر عبد الرزاق بضربها فحمل عكرمه قاذف ال- (RPJ) وصعد فوق الغرفة وضربها وإذا بالنيران تتصبب على الغرفة ومن جميع الأسلحة وانهمرت القذائف بأنواعها على المجاهدين حتى كانت طلقات العدو تدخل من الفتحات الخاصة التي يطلق منها المجاهدون.

وسرعان ما دخلت طلقة من رشاش شلكا (32) ملم وأصابت رأس عكرمة وانفجر الدم كالشلال يتصبب من رأسه وبعد ساعتين أسلم الروح, ودفن هناك بجانب أخيه أسد الرحمن.

لهفي على فئة رزئناهم أشاوسة جحاجح

وهكذا يمضي الركب إلى الرحمن وهاتف الدرب يحدو.

(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم)

(آل عمران: 961ـ371)

أبو سياف المصري (جمال رشدي عبد الغفار):

البساطة وسلامة الفطرة هي الطابع البارز في شخصية جمال, وقد عمق الريف المصري هذه البساطة وأضفى عليها الرجولة والنخوة والإصرار.

دراسته بسيطة لم يتلوث بأدران المدنية ولم يغرق بأوحالها, درس في معهد للخطوط ثم دار مع عجلة الزمان فألقت به في عمان حيث عمل خطاطا , أما إسلامه فذاك الذي رآه من أمه وأبيه إلا أنه كان يقطع في الصلاة أحيانا , وفي الشركة التي يعمل بها جمعه الله بأحد إخوانه الملتزمين وما زال يسلك إلى قلبه كل سبيل لعله يسير في سلوكه على الخط الإسلامي أو يلتزم في سلوكه بالنهج القرآني ثم كتب الله له الهداية على يدي هذا الشاب.

مجلة الأمة (قبل اغلاقها): وقرأ في مجلة الأمة مقالا عن الجهاد الأفغاني وقد هزته روعة الجهاد وشدة منظر الليوث الأفغان بلحاهم وأسلحتهم التي تزين أكتافهم وعيونهم التي تقدح شررا فتعلقت روحه بالجهاد وصار شبحا مع الخطوط التي يخطها لقاء لقمة العيش وأما روحه فهي هائمة مع الأسود سارحة بعيدا ولن تعود فلابد أن يلحق بها.

في حالة البعد روحي كنت أرسلها تقبل القوم عني وهي نائبتي

التأشيرة الباكستانية: وبدأ يسعى لأخذ التأشيرة الباكستانية التي صارت تضاهي في صعوبتها ومرارة الحصول عليها تأشيرة الدول البترولية أو الغنية بل أشد.

وعبثا يحاول جمال وهو يذرع الشوارع متنقلا بين السفارتين الباكستانية والمصرية والكل يصده ويرده.

وعندما رأى صاحبه الملتزم الذي دله على الله حرصه على الذهاب إلى أفغانستان للجهاد صار يحاول أن يثنيه عن عزمه أو يفتر همته المتوثبة للإنطلاق إلى ذروة سنام الإسلام وكذلك صاحب العمل بدأ يشككه بهذا الجهاد ولكن لسان حاله يقول لهم:

لا تعذليه فإن العذل يولعــــه قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه

جاوزت في نصحه حدا أضر به من حيث قدرت إن النصح ينفعه

فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا من عنفه فهو مضنى القلب موجعه

وعندما رأى صاحب العمل حاله وإصراره رق لحاله ورأف به وصمم أن يساعده في أخذ التأشيرة وبقدر من الله أن المالك متزوج باكستانية فأخذ زوجته مع أبي سي اف إلى السفارة بعد أن اشترى تذاكر ذهاب وإياب, وقال للسفارة بأنه يريد زيارة أهل زوجته مع هذا الرجل.

ونال التأشيرة وطار فرحا بها وأخذ يرقص بها في الشارع طربا كالمجنون, أما التذكرة فكانت من إمام المسجد الذي يصلي فيه.

إلى باكستان ثم مصارع العشاق: تدرب جمال في معسكر صدى ثم صمم على الذهاب إلى مصارع عشاق الحور وكان الكلام عن الحور يشغله كثيرا حتى إن وصيته بدأها: (عندما تفتحون هذه الوصية أكون مع الحور العين ياعيني على الحور العين).

إلى قندهار مقبرة الأبرار وأرض العز والفخار وإلى أوطاق (غرفة) محمد أيوب آغا (أوطاق الشهداء), والتقى مع أسد الله المصري وهما من منطقة واحدة فالبطلان من طنطا من قريتين متجاورتين.

كان صاحب نكتة حاضرة ومرح كثير فملأ الجو الذي يعيش فيه أنسا وغابت رهبة الموت ووحشة المعارك الضارية بهذه الروح المرحة المنطلقة مع سجيتها المعبرة عن الحب للإخوة الذين حوله, فأصبح حديث الأفغان والعرب وأضحى مع أسد الله يمثلان قطبي الرحى بالنسبة للغرفة.

ومضى أسد الله إلى ربه فشده الأمر إلى الله وبدأت الجدية لفترة تظهر عليه, ورأى أن الشهداء الماضين إلى الله معظمهم صوامون فجد بالصوم فكان في أواخر أيامه يصوم الاثنين والخميس.

وأخذ يتنقل من موقع إلى موقع جادا في طلب الموت يلقي بنفسه في غمار المعارك المضطرمة:

فصبرا في مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع

واستشهد عكرمة وجمال لا زال ينتظر الشهادة.

وفي اليوم التالي لاستشهاد عكرمة وفي نفس المكان خاض معركة فأقبلت منيته بقذيفة اختطفت روحه وجرحت أخاه أبا أنس اليماني جراحا بالغة.

مضى أبو سي اف خاطا بدمائه أسطرا في سفر الخلود, خلود المبادئ التي تروى بالدماء, وغاب شبح أبي سي اف ولكن روحه ترفرف فوق إخوانه الذين عايشوه ولم ينسوه وأنى لهم بنسيانه? وكيف لهم أن ينسوا قرآنه الذي كان يقرأه بصوت كبار المقرئين عبد الباسط والمنشاوي, فكان يقرأ القرآن أحيانا فيسمعه بعض الإخوة فكأنما يسمع للمنشاوي ولكبار القراء.

وصيته لوالده: (في وصية لوالديه يقول: أوصيكم بمتابعة الجهاد لأنه عزة المسلمين وأرجو منكم أن تصبروا ابتغاء مرضاة الله إذا كتب الله لي الشهادة كما أوصيكم بتربية إخواني تربية إسلامية وتعليمهم أمور دينهم وأن تعلموهم القرآن وأن تلبسوا أخواتي البنات الزي الشرعي وعندما يكبرن -إن شاء الله- تزوجونهن لمجاهدين).

فإلى رحمة الله يا أبا سي اف ونأمل أن يتقبلنا ربنا في الصالحين.

أبو أحمد (عبد الله أحمد أحمد حكمي):

شاب سعودي بسيط مكث سنة ونصف سنة يتردد بين الجبهة والسعودية وكان في فترته الأخيرة بين رجب وشعبان مترددا أيقضي شعبان عند أمه أم في خنادق القتال وأخيرا صمم أن يتصل بالشيخ ابن باز وحاول ولم يوفق في الإتصال, وكان بجانبه أخ سوري يدعى أبو ريان يثق به ويس ر إليه بخاصة نفسه فافضى إليه بما يدور في خلده فنصحه بأن يتوجه معه إلى قندهار وتوجه الإثنان مع أخ ثالث لهما وهو أبوعبيدة السوري.

توجه الثلاثة إلى (جكنري) وكان ذلك في يوم الثلاثاء غرة شعبان حيث حطوا رحالهم في (بيري غند) قرب المطار, وفي اليوم التالي كانت عملية مرتبة مابين الظهر والعصر فأخذ الإخوة أماكنهم في رأس الجبل مع إخوانهم الذين يصل عدادهم خمسة عشر شخصا , وكأن الدبابات قد صوبت فوهات مدافعها إلى هؤلاء الإخوة وجاء الأمر بإطلاق النار على العدو ثم أمر بإيقاف الضرب فتناول عبد الله مصحفه وأخذ يتلو, وفجأة أظلم الجو وتناثر الغبار على إثر قذيفة دوت بينهم وصمت الجميع في ذهول مربك, إذ دفن الجميع بالتراب المتناثر وبعد دقيقة نهض أبو ريان ينفض عن نفسه الغبار مع ضحكة عالية ويتفقد نفسه ليرى الجراح, ووجد نفسه مع أخيه أبي عبيدة سالمين من الجراح.

وهناك وبجانبهم كان المصحف الذي تطاير غلافه وبجانب المصحف غطاء الجمجمة الذي أودت به شظية كبيرة وعلى مقربتها كان أبوأحمد (عبد الله) مجندلا بجراحه وقد لفظ روحه مباشرة مع انفجار القذيفة.

وعلى طريق الخلود يمضي مع الركب عبد الله, ولا سبيل لإيقاف هذا الموكب السائر إلى الله فقد عرف طريقه إلى خالقه وغايته وهدفه, إنها نفس السكة التي سارت عليها قاطرة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون).

وترامى إلى مسامع الدكتور المربي الذي كان يعقد لهم جلسة القرآن الصباحية أن أبا أحمد قد مضى إلى ربه فعلق قائلا ؛ويتخذ منكم شهداء« ويبدو أن الله عز وجل قد نظر إلى صفاء نفسه وطيب سريرته فاختاره إليه, إنهم تلاميذ القرآن أهل الله وخاصته.

فنرجو الله عز وجل أن يمن علينا بحياة السعداء وخاتمة الشهداء والحشر مع الأنبياء عليهم السلام.


 


 


 


 


 

ليت قومي يعلمون


 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, وبعد:

فقد حمي الوطيس واشتد الضرام, وتأجج أتون القتال, وأقبل الشباب من كل حدب وصوب يستعذبون ورود المنايا, ومالهم لا يقبلون على حوض الحمام إذا كان في الحمام الجنة, هي كأس لابد أن يشربها فلتكن هذه الكأس على هذا الطريق الذي يوصل إلى دار السلام. إن هولاء الشباب من صفوة أبناء هذا العصر, هجروا زهرة الدنيا التي أقبلت عليهم, فاكبت على أقدامهم فركلوها وخرجوا ركضا إلى الله بغير زاد إلا التقى وحب المعاد, ما ضاقت عليهم الدنيا حتى جاءوا وألقوا بأنفسهم بين براثن الموت وشهب المنايا, ماعضهم الجوع بنابه وماهربوا من قبضة طاغية, ولا طفقوا في الأرض ينتجعون الرزق والكلأ وما هجروا بلادهم طمعا في إكمال دراستهم الجامعية, ولا بحثا عن وظيفة في شركة أو متجر أو مصرف, ليس شئ من هذا كله.

إنهم خرجوا ابتغاء مرضاة ربهم -كما نحسب ولانزكي على الله أحدا - يؤدون فريضة القتال ويسعون للصعود رقيا لكسب أعظم الآمال وهو دخول الجنة برضا الكبير المتعال كم من هؤلاء الشباب كان وحيد أبويه, وترك أمه طريحة الفراش بجلطة أو غيرها لمجرد سماعها أن ابنها قد نفر إلى الجهاد في سبيل الله, كم من الأمهات قد غبن عن وعيهن لمجرد سماعها أن ابنها في أفغانستان, لقد بلغني أن والدة ياسين عبد شكور الحمايدة لا زالت في صدمتها منذ أن بلغها شهادة ابنها ولا زالت لا تستطيع أن تعرف من يقف أمامها, وبلغني عن الشهيد سراقة أن أبويه قد سقطا مشلولين لمجـرد تلقـي نبـأ الشهادة.

ولا يعلم إلا الله كم يعاني هؤلاء الشباب من آلام بسبب مواقف أبائهم ومشايخهم وكم يتخطون من حواجز أمنية وجغرافية, وكم يلاقون من عنت وهم ينتقلون من قطر إلى قطر طمعا في نيل تأشيرة باكستان للوصول إلى أرض الجهاد, ولك أن تسطر من قصصهم أسفارا نفيسة وملاحم غريبة, وفي مستشفى الهلال الأحمر الكويتي أحد إخواننا الجزائريين الذين كانوا يعملون في فرنسا فاجلس إليه ليحدثك عن الغرائب التي واجهها حتى وصل إلى أرض باكستان, فمن فرنسا إلى تركيا إلى سوريا ومكث في سوريا ستة أشهر بين المخابرات والسجون والمساجد والسفارات, لا يجد مأوى ولا طعام ولا تأشيرة وأخيرا إلى إيران ثم السير من إيران إلى باكستان على الأقدام ويزج به في السجن في باكستان قليلا ثم يخرج إلى أن وصل إلى أرض المعركة وأصيب بكسر في قدمه.

وعندما يقبل الشاب من بلاد العرب يرثي لحاله بعض المشفقين المتعقلين. ويسر لخروجه ذوو النظرة العميقة البعيدة, ويفجع بفراقه أرحامه وبعض معارفه, ويحزن بعض الدعاة لمغادرته مكانه شاغرا وقد كانوا يعقدون الآمال على وجوده في بلدته هناك.

ولكن خروجه كان خيرا للجميع: أما من ناحية أهله وأرحامه فكم رد خروجه من المصائب عن البيت, وكم من العذاب رده عن ذويه ومنطقته بنفيره في سبيل الله, وكم من الدعاة الجدد قد اجتذبهم إلى دعوته دون أن يعلم شيوخه وأساتذته.

إن قصة هذا الشهيد قد انتهت في نظر أهله وأصحابه على مشارف جلال آباد برصاصة أودت بحياته ثم دفن تحت صخرة من صخورها أو في مغارة في جبل من جبالها, وهنا اسدل الستار على آخر فصول المسرحية ولكنهم لا يعلمون.

لا يعلمون كم من الخير صبه الله على أهله بشهادته وكم من الرزق والعافية سيق إليهم بسببه لا يعلمون كم خبأ الله له في عالم الغيب من أفراد تهتز بقصته وترجع إلى الله بمعرفة سيرته وتحيا قلوبهم بذكره وترتبط بالله من خلال نفرته.

لا يعلمون أنه مع أمثاله يحيون فريضة غابت عن واقع المسلمين منذ عهد بعيد, ويروون بدمائهم شجرة هذا الدين حتى لا تجف عروقها أو تذوي أغصانها.

لا يعلمون أن التمكين للمؤمنين في الأرض إنما يكون بجهود أمثال هؤلاء المخلصين هدية من رب العالمين وتفضلا من خالق الناس أجمعين.

لا يعلمون أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد قضى نحبه في أعماق سجن القلعة سنة (827 هـ) وبعد ستة قرون ونيف يخرج الله البترول في منطقة تأثر به علماؤها فيعيدون طباعة كتبه وتوزيعها على العالم حتى لا تكاد مكتبة إسلامية في الأرض تخلو من كتبه وأصبح ابن تيمية الشيخ المقتفى والمثل الرائع الذي يحتذى على نفس الطريق الذي سار عليه سيد المرسلين ص ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

إنهم لا يعلمون أن سيد قطب قد مضى إلى الله بإعدامه في غرفة مظلمة في سجن الإستئناف في القاهرة ولا يعلم أهله حتى الآن مكان قبره, وقد ظن الدعاة أن استشهاده خسارة كبيرة للدعوة الإسلامية وإذا باستشهاده دفعة قوية لموكب الدعاة, ولم يكن تفسير في ظلال القرآن قد طبع في حياته سوى طبعة واحدة وفي عام استشهاده طبع سبع طبعات حتى أصبح أصحاب المطابع النصرانية إذا أشرفت على الإفلاس نصحه بعض صحبه أن يطبع كتب سيد لينقذها من الإفلاس.

إنهم لا يعلمون ولو نطقت أرواح الشهداء لقالت: (ألا ليت قومي يعلمون).

الشهيد عوض بن علي (ابن مبخوت العرادة):

شيخ من شيوخ عبيدة مأرب.

قبل ثماني سنوات عرفته في بيته في مأرب مع مجموعة إخوانه..ليوث تتلمظ التفت تحت سقف واحد, تربية إسلامية رفيعة, أدب جم, رجولة وحياء, كرم وإباء صمت العقلاء ونطق الحكماء, يتكلمون بقدر كلاما كأنه عد الجوهر واللآلئ, وعلى سجيتهم قاموا وذبحوا شاة أو اثنتين إكراما لي, ثم خرجنا قبيل الغروب خارج مأرب وأخذوا يشيرون إلى المنطقة التي صدوا بها هجوم الشيوعيين القادمين من الجنوب, وهم كأبناء قبائل تقتضي الرجولة أن يكون السلاح جزءا من حياتهم وكل واحد منهم كأن لسان حاله يتغنى:

أأطرح المجد ع ن كتفي واطلبه واترك الغيث في غمدي وانتجع

والمشرفية ما زالت مشرفة دواء كل كريم أو هي الوجـــــع

وودعت هذا البيت الذي علق به قلبي ثم عدت.

ومرت الأيام وذات يوم كنت في بيت الأخ أسامة بن لادن في جدة وإذا بعوض يدخل وسلمت عليه وكان ذلك في فترة الحج, ثم عدت

والنفوس التي تعتاد خوض المنايا يصعب عليها أن تقبع في الزوايا وترامى إلى مسامعه أخبار الجهاد في أفغانستان وأزمع السير إلى جبال العزة فيها وأقبل إليها زائرا مع الشيخ عبد المجيد الزنداني سنة (4041هـ) ثم عاد وتعلق القلب بما يشغله عن الأهل والولد.

وتلفت الميدان هل من طارق هل من صلاح

ويقول هل من ضيغم عن طهر أمته يلاحي

وأقبل أبو طارق تاركا وراءه أولاده وأحفاده واستقر به المقام في مأسدة الأنصار وكان قد مر علي في صدا, وألفت نفسه جو البطولة والفداء, وارتاح قلبه للحياة بين الضراغم واطمأنت نفسه للحياة تحت ضجيج المعارك وصليل السلاح وقعقعة المدافع ودوي الطائرات وأزيز الرصاص.

وأخذ يتردد بين خوست وبين جاجي وبعد فتح تشاوني انتقل إلى خوست حيث تجمعت سرية أو أكثر من الإخوة العرب.

إلى جلال أباد: وبدأنا نوزع اخواننا العرب على المناطق الساخنة ذات المعارك الضارية واخترنا لكابل أميرا ولبروان وكابيسا وبقيت جلال آباد فقال أبو عبد الله: أنا أقترح الأخ أبا طارق اليماني أميرا فارتاحت النفوس لاختياره.

وتوجه أبو طارق إلى جلال آباد وحل في قرية (برو) وتجمع حوله ثلة من أرقة القلوب وذوي الحكمة من أرض أبي موسى الأشعري, وزرتهم مع الدكتور أبي عصام هناك وفرحنا بهم وكم كان سرورهم بنا عظيما في السابع والعشرين من رجب (9041هـ) الموافق, (5) مارس سنة (9891م) وبتنا ليلة عندهم ثم عدنا في اليوم التالي, ولقد كان غبطة أبي عصام بهؤلاء الليوث جد عظيمة.

فتح (ثمرخيل): وفي نفس اليوم الذي غادرنا فيه بدأت المعارك على "ثمرخيل" وكان لهؤلاء الشباب دور طيب في فتحها وترى أباطارق يزمجر بين هؤلاء.

أسد فرائسها الأسود يقودها أسد تصير له الأسود ثعالبا

وافتتح المجاهدون منطقة واسعة وغنموا غنائم كثيرة.

وانتقل أبو طارق: ونقل أبو طارق سريته إلى خط التماس مع العدو, ووصلت قرب جلال آباد في العاشر من رمضان وعلمت أن أبا طارق في المقدمة.

وفي اليوم العشرين من رمضان جاء أبوطارق من خط النار الأول لأخذ بعض الحاجيات والأسلحة ورأيته فقال لي: إن كتابتك عن أبي رقية تثير علينا الناس. فأبو رقية ليس من فخذنا إنما هو من فخذ آخر ومدحك لوالدي يثير حفيظة اليساريين والقوميين علينا وحبذا لو لم تكتب عنا فقلت له: اجتهدنا فإن أخطأنا فمنا ومن الشيطان وإن أصبنا فمن الله.

ثم جلس إلى أبي عبد الله وقضى حاجته وأخذ لوازمه ثم أراد أن يسير فافتقدني وكنت أجلس في المغارة فجاء إلي وودعني وكانت هي اللحظات الأخيرة التي ودعته بها في هذه الحياة يوما الحادي والعشرين والثاني والعشرين من رمضان (الأربعاء والخميس)

وقد خاض المجاهدون ومن بينهم الإخوة العرب معارك شديدة في هذين اليومين وفتح الله عليهم خمسة مراكز من مراكز الكفر منها مركز قوي وأصبحت الدبابات تفر من المجاهدين ومئات الكفار قد أطلقوا سيقانهم للريح هربا بحياتهم ولحق بهم المجاهدون يطاردونهم

فتدفقت جند العقيدة أنهرا في كل ســـاح

تزهو بألوية الفداء وبالبطولات الصحـــاح

وتقول إن شح العطاء فنحن للدين الأضاحي

وجلاؤها القرآن عنوان الهداية والفـــــلاح

والنصر يجنى بالدماء وبالعناء وبالصفـاح

ويرى أبو طارق وهو في مجموعة الحماية هذا المنظر فيطير قلبه ليلحق بهؤلاء المجاهدين الذين يطاردون أعداء الله ويستأذن المرة تلو المرة أن يشبع نهمه ويشفي غليله من هؤلاء الكفار, وأخيرا أذن له أبوعبدالله, وانطلق أبوطارق كالهزبر يحمل مدفعه الصاروخي على كتفه R.P.J وأمامهم ثلاث دبابات هاربة.

أو تصدقون أن الدبابات هاربة والليوث تطاردها?

(سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين)

آل عمران: 151)

وبعد أن تيقنت الدبابة الثالثة أنها قد تجاوزت مرمى المدفع استدارت وأطلقت قذيفتها وجاءت القذيفة في نحر أبي طارق, واستشهد في الحال مع اثنين من إخوانه الأفغان وج رح أربعة من الأفغان, وهكذا وفي شهر واحد نفقد عمودين من أعمدة الجهاد ومن بلد واحد.

لقد فقدنا أبا مسلم الصنعاني الداعية (عبد الله النهمي) وفقدنا عوض بن علي مبخوت العرادة قمة من القمم, وفي نفس الشهر سار على الطريق علي عبد الفتاح وعابد الشيخ محمد.

وجاء الخبر باللاسلكي وتساءلت عن اسم الشهيد فقالوا: أبو طارق فذرفت عيناي ودار حوار الأماني بين الأرواح:

وهمت على خدي الدموع فقلت ياروحي وراحـي

هلا رحمت قلوبنا فعدلت عن هذا الــــــرواح

فأجابني البطل المسجى هازئا بي باقتراحـــي

كفكف دموعك ليس في عبراتك الحرى ارتياحي

هذا سبيلي إن صدقت محبتي فاحمل سلاحــي

فبه إلى القدس الوصول وللكرامة والنجـــــاح

وإني لأرى من خلال الشهداء الذين يتساقطون على دروب المجد مصداق الآية الكريمة (ويتخذ منكم شهداء) فالشهادة اختيار واصطفاء واتخاذ واجتباء والموت لا يتعلق بخطر والسلامة لا ترتبط بحذر, إنما هو اختيار رب العالمين لصفوة عباده المخلصين.

ونرجو الله أن يكون قد تقبله في الصالحين وأن يجمعنا به في الفردوس الأعلى, وأبتهل إلى الله عزوجل أن يلهم والده وأبناءه وأحفاده وأخواته الصبر والسلوان وأن يجبرهم في مصيبتهم وأن يعوضهم خيرا .

الرؤى في استشهاده: لقد رأى عدة إخوة أباطارق وبشروه بالشهادة, وكان أول من رآه أبو مسلم الصنعاني (عبد الله النهمي) وبشره بالرؤيا.

وكذلك حدثني أبو أحمد الآنسي قال: رأيت إحدى وعشرين امرأة جميلة في قصر من القصور ونادى مناد هذه النساء للمجاهدين فقلت في نفسي: أختار أجملهن ولكني رأيتهن جميعا كأنهن خلقة واحدة لا تستطيع تمييز واحدة عن الأخرى, وبدأت النساء يخترن أزواجهن فتقدمت واحدة واختارت أبا طارق.

ورآه أبو عبدالرحمن المأربي في قصر كبير فدخل عليه أبو عبدالرحمن ومجموعة فأقبل عليهم أبو طارق في قصره وقدم لهم ألوانا من الفاكهة والطعام وفجأة دخلت القصر امرأة جميلة فبدا أبو طارق وكأنه يستعجل الضيوف بالخروج ليجلس مع زوجته.

ورأى عبد الجبار الشرقي في منامه -وهو في جلال آباد- مجموعة من أهل اليمن فسألهم عن أبي طارق فقالوا: استشهد أبوطارق.

رائحة المسك: وشهد لي الإخوة الأربعة اليمانيون الذين رافقوه في المعركة وبعد الإستشهاد إلى مثواه الأخير في "بابي" أن رائحة المسك كانت تعبق بأريجها فتعطر الجو وهي تنبعث من جسده.

الشهيد أبو حامد الغامدي (عبد الواحد حامد آل حمدان الغامدي):

الساعة الثالثة تقريبا قبل الفجر رن جرس التلفون فهببت من نومي لأرد عليه وإذا بصوت متهدج يقطعه البكاء ويقول: معذرة لإزعاجك فما كنت لأزعجك لولا أني أريد الاستفتاء في أمري, لقد انتهت محاضرة الشيخ تميم قبل قليل وسألته في أمر قدومي فأشار إلي بالقدوم رغم أن أمي تحمل في طيات قلبها جلطة قد تودي بحياتها لأول هزة ووالدي يجري السكر في دمائه عاليا مقلقا .

إلا أن استشهاد أخي أبي حامد ومحاضرة الشيخ تميم قد جعلتني أزهد في الحياة, ومن تكون يا أخي? فأجاب إنني أبو سليمان الحضرمي ولكني تركت كلمة حضرمي حتى لا يشم منها رائحة القومية الجاهلية المنتنة, فأنا (أبو سليمان المهاجر).

وأخذ أبو سليمان يعدد على التلفون مناقب -أخيه في الله- عبد الواحد الغامدي فقال: جمعني الله وإياه في شقة واحدة في سكن الحرم الجامعي عمارة (8) شقة (203), وكان في الغرفة الرابعة فكان يطلب مني أن أترك باب البلكونة مفتوحا ويعتذر أنه قد يحتاج من ثلاجتي في الليل كأس ماء باردة أو حبة فاكهة ولكن الحقيقة غير ذلك, فقد كان إذا هجع الناس في مراقدهم وانتصف الليل وتجاوز إلى الواحدة قام أبو حامد وتوضأ وبدأ صلاته وكان طويل القيام فكنت أراه ركعته قد يمتد بها الزمن ثلث أو نصف ساعة, فهو قو ام صو ام, وممن تعلم قيام الليل? لعله من أحد أساتذته أو زملائه العابدين في قسم الدراسات الإسلامية في جامعة الملك عبد العزيز, ولعله من أحد مشايخه في الباحة التي كانت مسقط رأسه وعلى أرضها درج وقضى لبانة شبابه أو لعل أحد أشقائه الذين يعملون في الرياض والطائف قد أثر عليه بسمته ودله وسلوكه أما والده فقد مضى إلى الله -عز وجل- منذ فترة.

وفي جلال أباد: وفي العشر الأواخر وأثناء الفتوحات المؤزرة كنت في مغارة على مقربة من المعركة ترامى إلى مسامعي صوت أبي الزبيرـوالله أعلم- على اللاسلكي الذي يتابع أخبار المعركة قائلا : لقد استشهد أبو حامد الغامدي, وهكذا مضى على الطريق أسد من أسود الله يسطر بدمه التاريخ الإسلامي ويمهد بتضحيته الطريق إلى المجتمع الإسلامي الذي تنعقد الآمال على الله لإقامته من جديد.

الشهيد أبو أحمد الجزائري (فوزي بن علي):

في بيت القائد (ملا تاج محمد) في العاشر من شوال سنة (9041 هـ) حيث ذهبت مع لفيف من الإخوة الأحبة لزيارته إثر إصابته وإذا بمجموعة من الإخوة الجزائريين الذين نعموا بصحبته في أرض الجهاد يكتنفونه وإذا بحضرة بلال -أخ عربي قد أصيبت رجله يفتح كيسا صغيرا من ورق البلاستيك وفيه قطعة قماش مضمخة بالدماء, طلب منا أن نستنشق اريجها العطر ونتنسم شذاها العبق ثم قال على مسمع من إخوانه الذين شهدوا شهادة فوزي: (هذه دماء فوزي), لقد كانت رائحة زكية فاستأذنته لآخذها إلى البيت حتى يستروحوا أريجها الطيب وأخذتها إلى البيت وشمتها النساء, كان هذا بعد استشهاد فوزي بتسعة عشر يوما , ثم قال بلال: لا بد أن يشم أهل الشهيد هذه الرائحة.

فمن هو فوزي? من الوادي, ذلك المكان الذي أقبل منه صفوة أبناء الجزائر, وتجد كوكبة الفرسان الجزائرية التي قذف بها الوادي إلى أتون معركة الإسلام في أفغانستان من خيرة الإخوة أدبا ورجولة وحياء وطاعة.

ولذا فإني أسميه (وادي أبي ابراهيم) وحق لنا أن نسميه كذلك, إذ كان هذا الليث الذي ني ف على الخمسين طليعة قومه إلى الجهاد وعاد إليهم والرائد لا يكذب أهله فبدأت الأسود تنطلق من عرينها -الوادي- وتقبل على أرض (سرخ رود) وكابل وقد تعرفت في صدا على شاب اسمه (أبو علي) من الوادي وكنت عندما أتحدث عن قضية فقهية يرد علي بالفقه المالكي فسميته (أبو علي المالكي) وأنهى أبو علي دورته وتوجه إلى شكردرا على مشارف كابل حيث تحتدم المعارك ويصطلي بنيرانها غلظ الرقاب من الأسود الضواري, وشرح الله صدر أبي علي للاستقرار هناك حيث أصبحت المنطقة وبعد سنة تردد اسم أبي علي وأصبح قريبا إلى قلوب القادة (ناصر, وأنور, وتاج محمد, ووسيل) ومحورا يتحرك بينهم وأقبل أهل الوادي إلى واد آخر (انتقل أهل وادي سوف الجزائري إلى وادي السكر الأفغاني) لأن شكردرا تعني - وادي السكر- والتفوا حول أبي علي الذي نضج مع حرارة المعركة وضخامة التجربة فأصبحت وأنت تجلس إليه كأنك تجلس مع رجل في العقد الخامس من عمره لما تسمع من حكمة القول وحسن التصرف وأدب المعايشة مع الأفغان والعرب.

دراسته: كان فوزي كما يصفه صديق العمر ورفيق المسيرة -حذيفة الجزائري- خارق الذكاء حاضر البديهة وقد عرف بهذه الصفة بين أقرانه حيث كان الملجأ للكثيرين من أنداده الذين يعيشون في معهد العلوم الدقيقة في (عنابة) فكانوا كلما أعضلت عليهم مسألة رياضية توجهوا إليه ليجدوا حلها.

أمر يحزنني: ومما يحز في نفسي ويؤلمني أن العقليات الرائعة والأفذاذ ممن من الله -عز وجل- عليهم بنعمة الذكاء يتوجهون لدراسة الهندسة والطب والصيدلة, أما دين الله الذي يدرس في كلية الشريعة فيشكو إلى الله أبناء الدعوات وأصحاب الحركات الذين يتجهون إلى الكليات العلمية التطبيقية -الطب والهندسة- ويتركونه ولا يدخل كلية الشريعة أو أصول الدين سوى الذين أوصدت في وجوههم كل الكليات ولم يبق أمامهم سوى دراسة الإسلام.

إن دين الله أولى بهذه العقليات, وأجدر أن يدرسه هؤلاء الأذكياء لأننا بحاجة إلى عناصر قوية فتية ذكية شجاعة مضحية حتى تحمل دين الله, وتستنبط أحكاما شرعية جديدة تواجه بها المعضلات العصرية والمشكلات الحاضرة على ضوء الكتاب والس نة لا أن تبقى محصورة بين دفات كتاب ألف في القرن السادس الهجري -فقط- دون أن تتعداه أو تتخطاه لقد فطن أعداؤنا من الشيوعيين والبعثيين والقوميين إلى دراسة العلوم الإنسانية من التاريخ والتربية والإجتماع وعلم النفس والآداب وعادوا يستلمون توجيه هذه الكليات ليصوغوا عقول الأجيال على أعينهم ويوجهوها على أهوائهم, أما أبناء الحركات الإسلامية فالواحد منهم يعيش مع الإسمنت والحديد والمبضع والمريض ويقضي طيلة حياته أمي التفكير بعيدا عن الغوص في أعماق هذه الشريعة الغراء أو العيش مع الأجيال الذين يشكلون قاعدة المجتمع وأساسه, فهلا ننتبه ونوجه خيار أبنائنا إلى دراسة دين الله وشريعته.

نشأته: ولقد كان رحمه الله منذ نعومة أظفاره مقبلا على الله, مشعلا من مشاعل العمل الإسلامي, وعمودا من أعمدته منذ مرحلته الثانوية, فحيثما يحلو لك أن تشاهده رأيته, فمن حلقة المسجد, إلى احتفال الحي بذكرى إسلامية, إلى المعارض الإسلامية الجامعية, ودعك عن الندوات والدورات الفقهية والأصولية, وكانت الدراسة في السيرة وحياة الصحابة تملك عليه مشاعره وتشده بكليته إليها.

تخرجه: وتخرج فوزي من قسم الرياضيات, وأصبحت الأماني المعسولة تشغل والده لإرساله إلى فرنسا للحصول على الدكتوراة ليعود أستاذا جامعيا مرموقا .

يقول أبو عاصم الجزائري -أحد رفقاء درب الجهاد من بلده- زرته ذات مرة بعد التخرج وبدأ والده يحدث عن مخططاته من أجل صياغة مستقبل الورود لابنه فوزي وأنه سيرسله إلى فرنسا فابتسم فوزي وأسر في أذني قائلا: (أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد) وكأنه يقول لوالده: يا قوم نحن في واد وأنتم في واد.

لقد كان التفكير في الجهاد يأخذ من وقته كل مأخذ, ويشد نفسه بأحاسيسها وأعصابها ما وراء الأوراس إلى الهندوكوش, إنه يتابع الخطوات التي تبني حياة الأمم بمسيرتها لقد كان يعيش مع الجهاد ومجلة الجهاد وأعلام الجهاد في أرض العزة والأمجاد.

ويحدث عنه أخوه حذيفة الجزائري فيقول: ولقد كان الصدق والجدية من معالم شخصيته البارزة فتراه يقلب الأمر من جميع وجوهه حتى إذا وقر في أعماقه أنه الحق التزمه وبذل له حشاشة قلبه وعصارة نفسه.

محاولة القدوم: وكانت المحاولة الأولى للقدوم من خلال مصر فاشترى تذكرة إلى مصر لعله يحصل على تأشيرة باكستان منها بعد أن فشل في الحصول عليها من الجزائر:

المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار

وعاد إلى الجزائر ورأى أن منح التأشيرة من خلال جماعة التبليغ سهل ميسور, فارتدى الثوب القصير, وأقبل عليهم يبيت معهم في المساجد, ويخرج معهم في الجولات حتى استطاع أن يحصل على التأشيرة الباكستانية إذ كانت التذكرة تونس -موسكو- إسلام آباد.

مع إخوانه في أرض الجهاد: أقبل فوزي إلى أرض الجهاد وكان يأسر إخوانه بخلقه الرفيع وشعوره الرقيق وابتسامته الحلوة وحديثه العذب, يدخل إلى قلبك لأول لقاء, ولا تزيدك الأيام به إلا حبا, ولا المخالطة إلا اعجابا واكبارا فكيف إذا طلعت على عباداته وعرفت أنه يصوم الإثنين والخميس وبقية النوافل ولا يفوته ورده القرآني ولا أذكار الصباح والمساء إلا لماما .

فمن صدا إلى ذات الصواري إلى ميرانشاه وخوست وأخيرا إلى شكردرا.

يد المنون وفوزي: ولقد حاولت يد المنون أن تختطفه ثلاثا هكذا بدأ بشير الجزائري يحدثني عنه:

أ- أولها على الطريق إلى شكردرا حيث تعرضت القافلة إلى قصف شديد وانهمر الرصاص مطرا يشق حجب الظلام بألسنة لهيبه وتفرق القوم وتأخر فوزي قليلا لقضاء حاجته وعاد إلى الطريق ليجد نفسه وحيدا .

غريب من الخلان قد ند صحبه وقد أقبل الأعداء واحلولك الليل

ووقف فوزي في وحشة من الليل وغربة من الأهل وجهل من المكان فلا أنيس ولا جليس.

وافتقده إخوانه العرب في القافلة فاستوقفوها وعادوا يبحثون عنه فوجدوه وكأنه يسائل الليل والنجوم:

يا ليل الفجر متى غده أقيام الساعة موعده

ب- المرة الثانية في الصراع مع الموت: وصل فوزي إلى شكردرا واتصل بتاج محمد واستقر به المقام عنده وزاد شجاعة إلى جرأة فالتقت غيرة الإيمان وحماس الشباب وتقليد القادة الأخيار, أما تاج محمد فقد عرف بجرأته النادرة وشجاعته الغريبة:

أسد دم الأسد الهزبر خضابه موت فريص الموت منه ترعد

لقد حدثوني عن شجاعته وهو يسمع قالوا: حاصره الأعداء وهو في بئر مع مجموعة من مجاهديه وأخذ الأعداء يطلقون عليه القنابل من باب البئر وهو يصيح بهم من الداخل استسلموا خير لكم.

وعندما مر بهم الأخ عبد الله أنس وأبو هاجر سمع أعداء الله بهما من المركز القريب على مرمى الرشاش والكلاشنكوف فأخذوا يرمونهما بشتى أنواع الرصاص فأخذ تاج محمد مكبر الصوت وخرج وصاح بهم: إما أن تكفوا أو أهجم الآن عليكم فخرس الرصاص فورا .

ولنرجع إلى فوزي, لقد كان مع ثلاثة من إخوانه يتعلمون الرماية على قاذفة القنابل التي غنموها من العدو (نارنجاك) فرماهم العدو بقذيفة فانفجرت فأصابت لبة (نحر) فوزي شظية فقطعت شريان العنق وبدأت الدماء تتدفق فأقبل بشير وأخذ إبرته وخاط مكان الجرح فقال فوزي لبشير الجزائري وهو يعالجه يبدو أن شعوبا (المنية) قد أقبلت ولكن الله نجاه وعاد للجهاد.

جـ- ولم تخطئه الثالثة: في اليوم السادس والعشرين من إبريل (9791م) ذكرى الإنقلاب الشيوعي وبدأ الشيوعيون يحاولون الاحتفال وقد قدموا الإحتفال يوما عن الذكرى خوفا من ضربات المجاهدين فجاءت سبع عشرة دبابة نحو مركز ملا تاج محمد فلبس فوزي لأمته وأخذ عدته ثم هجم مع القائد عليها فحطموا ثلاثة وأصابتهم شظايا قنبلة فجرح تاج محمد واستشهد فوزي لتوه ودفن بعد أن دفن الكثيرون قلوبهم في لحده وأصبح فوزي حديث الساحة ونشيد سامر المنطقة, فنرجو الله أن يجمعنا جميعا به في الفردوس الأعلى.

أهل (الوادي) يكتبون للمجاهدين تفاعلا مع استشهاد أبي أحمد الجزائري:

بسم الله الرحمن الرحيم

من أفغانستان إلى القدس:

الحمد لله رب العالمين خص بالحياة الشهداء من المجاهدين ورفع مراتبهم في جنات النعيم وشفعهم في سبعين من الأهلين, وجعل للشهيد في كل قلب أبيض بالإيمان محبة خاصة ولو كان ممن بعدت به الديار وانقطع دونه العمران من المجهولين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له رغ ب في الشهادة والإستشهاد والذود عن حياض المسلمين أين كانت, وأشهد أن المبعوث رحمة للعالمين نبي الله ورسوله, إمام الانبياء وقائد المجاهدين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا , أيها القادة الفضلاء أيها المجاهدون الأعزاء أيها المتطوعون بالمال والدماء نحن من ولاية الوادي إذ نقدر فيكم هذه الروح الجهادية العالية حق قدرها ونلمس منكم بعثا لعزة الأمة الإسلامية التي طال نومها, فبلغ بالذين أذهبوا أنفسهم عليها حسرات درجة اليأس (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاء هم نصرنا) فأنتم غيث هذه الأمة المرتقب وسلاح من ظن أنه أحيط به وسفينة النجاة من شبح الغرق المحدق0 إخواننا على أرض الجماجم والأشلاء والدمار نزف إليكم من ولاية الوادي عامة وأسرة الشهيد أبي أحمد(فوزي بن عبد الرحمن بن علي) خاصة نزف اليكم تحية الإسلام ونقول لكم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وحياكم الله من رجال أعادوا لهذه الأمة عزتها وأذهبوا عنها ذلتها وكربتها ومسحوا عن جبينها العار الذي لحقها, وبيضوا بعد الاسوداد وجهها وكذ ب الله على أيديهم مزاعم الشيطان وأتباعه من أن الدولة الحمراء لا تهزم فهزمت على الأيدي الشاحبة والبطون الضامرة والأقدام الحافية, بالاسلحة القليلة وبالإيمان الذي في قلوبهم أرسى من الجبال وأثبت فنصركم الله عليهم, وعض الحاقدون على الأنامل من الغيظ وظنوا أنهم مع الفئران قد أحيط بهم وصدق الله العظيم إذ يقول: (وإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم) فهذا الذي حدث نحمده سبحانه وتعالى على ذلك. إخواننا على أرض الجهاد المبارك في أفغانستان لكم هز استشهاد ابننا البار (فوزي بن علي) ولاية الوادي بأسرها, ولكم أحدثت هذه الشهادة من تغيير في النفوس وتعاطف قوي من عامة الناس, الأباعد والأقارب, ولكم اكتشف القائمون على أمر الدعوة من جهل الناس بالقضية بل بقضية الجهاد والإستشهاد, ولكم عرف العوام أفغانستان المجاهدة من وراء شهادة أخينا فوزي حتى أن من العجائز من تعجبت من الجهاد والشهادة وقالت فيما مفهومه لقد خرجت فرنسا من الجزائر وانتهى الجهاد, ولكم أذعن لهذه البشرى الجليلة المرجفون بالدعوة في المدينة وغيرها, ولكم شوقت شهادة أخينا فوزي كثيرا ممن سمع به فأحب الشهادة حتى لكأنني رأيت جماهير الشباب كلها تمنت لوكانت فوزي, وتذكرت قصيدة شاعر الجهاد في الجزائر مفدي زكرياء في أول شهيد جزائري في بداية الثورة الجزائرية (4591م) أحمد زابانا فبعد أن حكم عليه العدو بالإعدام, قال فيه وفي إخوانه قصيدة طويلة منها هذان البيتان:

يا زبانا ويارفاق زبانــــــــــا عشتم للوجود دهرا مديدا

كل من في الارض أضحى زبانا وتمنى أن يموت شهيـــدا

أيها القائمون على أرض الجهاد والإستشهاد, لكم لاحظنا من صبر أعطاه الله لهذه العائلة المشرفة فغصص البكاء تخنقنا والدموع تنهمر من أعيننا, وعبد الرحمن أبو الشهيد يربتنا وبالكلام يشجعنا على الصبر والثبات, كل ذلك من فضل ربي إن فضله كان علينا كبيرا0

أيها القائمون على أرض الجهاد والإستشهاد لايسعنا إلا أن نبلغ لكم السلام جميعا ونقول لكم إنكم ما رميتم إذ رميتم ولكن الله رمى واعلموا أنه ما حالفكم النصر إلا بقدر ما كان هواكم تبعا لماجاء به الرسول ص, فعضوا على ذلك بالنواجذ ولو لم يعترف بكم أهل الارض جميعا , ولو عاداكم أهل الأرض جميعا , ولو أن تعضوا على أصل الشجر والحجر وأعقاب البنادق حتى يدرككم الموت وأنتم على ذلك0

وأخيرا نسأل الله لكم النصر المؤزر المعجل لإقامة خلافة الله في الأرض التي طالما تحطمت النفوس في غيبتها, ونسأله جل وعلا أن ينصر إخواننا المجاهدين في فلسطين وأفغانستان وفي كل مكان يذكرفيه اسم الله, ونستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أهل الوادي - الجزائر

الشهيد عبد القادر (عز الدين بلحواجب):

هكذا يمضي الخبر أحيانا دون أن تعلم تفصيلاته, جاء الخبر أن طائرة روسية قد ألقت قنبلة على خيمة فقتل فيها اثنا عشر عربيا , فكم من قمم هدمت, وكم من أمل كبير طعنت? هذا لا يعلمه إلا الله الذي يخلق ما يشاء ويختار, والحق أن الفقدان والخسارة في ميزان البشر أما رب العزة الذي فطر هذه النفوس فهو الذي يدبر الأمر ويقدر ويعلم أين الخير? فأحيانا يكون القتل خير كبير للأمة:

ففي القتلى لأجيال حياة وفي الأسرى فدى لهم وعتق

وللحرية الحمراء بــاب بكل يد مضرجة تـــــــدق

مضت القذيفة بأرواح هؤلاء إلى الله ونرجو الله أن يكون ربها قد تقبلها ووصلت إلى حواصل طيور خضر في الجنة تسرح حيث تشاء ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش.

ومن بين هولاء الوافدين على الله عبد القادر, ابن الجلفة (البلدة الجزائرية) التي شرفت باحتضانه وحظيت تربتها بأقدامه وطاب نسمها بأنفاسه, ولقد استبشرت وهادها بقدومه إلى هذا العالم سنة (5691م), وحلت الأفراح على بيته خاصة وهو أول ضيف ينجبه رحم أمه على هذا البيت, وهذه البلدة (الجلفة) في قمة جبال الجزائر (الهضاب العليا الغربية).

نشأته: تعرف على الإسلام من خلال الدعوة الإسلامية وأقبل بنهم كبير يلتهم الكتب الفكرية الإسلامية فاطلع على عظمة هذا الدين وجدارته بقيادة الحياة, وأحقيته بالهيمنة على حياة الناس, فبدأ يعمل لهذا الدين ومن أجل هذه العناية, ثم وجد أن الطريق الحقيقي الجاد لإعادة دين الله إلى الحياة هو الجهاد فهو أقصر طريق وأقوم جادة, وقد ترامى إلى مسامعه أخبار الجهاد الذي شر ف الله به الأمة الإسلامية ورفع هامتها وأعلى جبهتها, فقرر أن ينتقل من ذروة الجزائر إلى ذروة سنام الإسلام.

ولكن هنالك عوائق كثيرة وعلى رأسها الدراسة الجامعية في كلية الزراعة في جامعة (تيارت) فلقد أنهى السنة الثالثة وبقيت سنة التخرج ونيل الشهادة ودخول السلك الحكومي ولكن هنالك شهادة أخرى تنتظره تدخله جنة عرضها السموات والأرض, واختار الآجلة على العاجلة ويمم شطر أفغانستان.

مناقبه: كان شابا متزنا , قليل الكلام, دائم الفكرة, غزير العبرة, وقورا صامتا حتى قال له أحد إخوانه أثناء السفر لقد فقدت حقيبتك يا عبد القادر فرد باطمئنان أراحني الله منها.

وصل إلى معسكر التدريب في صدا ثم توجه نحو خوست لقد كان حادي الأرواح يهتف في أعماقه: بلاد الأفراح بلاد الأفراح.

وأخيرا وصل إلى جلال آباد حيث تمتد براثن الموت لتختطف النماذج والأفذاذ وجاءت القذيفة التي نقلته مع إخوانه إلى رب العالمين.

أثر استشهاده في نفوس أنداده وأقرانه: لقد أثرت شهادته في نفوس إخوانه ممن عرفه من قبل.

يقول مرزوق: (لقد كنت وإياه نتنافس في القدوم إلى أرض الجهاد وذات يوم وإذا بأحد الموسرين يس ر في أذني أنه على استعداد لتجهيز أربعة غزاة فأعلنتها في جلسة وإذا بعبد القادر يأتي ويهمس في أذني أنا أحدهم, وقطع تذكرة عن طريق ألمانيا وأخيرا جاء الله بنا إلى أرض الجهاد وسبقنا عبد القادر إلى الله.

ويقول مرزوق: (لقد أمضيت معه أربع سنوات تغمرنا المحبة الإيمانية وتهتز أعطافنا فرحا بالاخوة الإسلامية).

وكنا كندماني جذامة برهة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

فلما تفرقنا كأني ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة معـــا

وأهدى إليه إخوانه الذين صاحبوه الدراسة الجامعية مرزوق ومنصور وعلال وأبوالصديق هذه الأبيات قائلين: (نهدي هذه الأبيات كما نهديها إلى والديه راجين أن يستبشرا بهذا الفوز العظيم عند رب العالمين):

فالجراحات تملأ الأرض عطرا فاخجلي من أريجها يا أزاهر

يا دماء الشهيد أنت عبيري وقصيدي ونشوتي والمشاعر

كل عهد عن الجهاد تعامـــى هو في منطق الأخوة خاسـر

وكتبوا أبياتا أخرى يزفونها بشرى إلى روحه:

فإذا هوى منهم شهيد هللت حور الحســـان

يلقينه بالراح والريحان في غرف الجنان

ويقولون: ولقد عاهده إخوانه الذين أتوا معه أنهم سوف يواصلون الطريق حتى يكرمهم الله بإحدى الحسنيين:

أبطالنا الذين صاغوا الفجر بالدماء

إنا على طريقهم نجدد الولاء

لنصرة الإسلام لدعوة الإسلام لدولة الإسلام

الشهيد أبو الخير اليماني (مرشد حمادي محمد مقبل):

على الورقة التي تضمخت بدمه أثناء الشهادة وجدنا هذه الأبيات:

ومهاجر في الله ودع قومه لم يلتفت يوم الفراق وراء

ألقى ثقال الأرض عن أكتافه ورمى الهوى لما أراد سمـاء

ومضى كأن الأرض لم يولد بها يوما ولم يعرف له رفقــاء

تتزاحم الدمعات خلف جفونه فيردهن تصبرا وابـــاء

مستجمعا أسراره في صدره أط الفؤاد لثقلهن ونــــاء

لولا اليقين لما أطاق بقاءها بين الضلوع ولا أطقن بقاء

هذه الورقة التي عبقت عطرا بدمائه كما يشهد بذلك صاحبه أبو البراء القرشي الذي رافقه آخر رحلة قبل أن يمضي إلى الله, ولقد كان في آخر اللحظات يمسك بيد أبي البراء وينظر إليه مودعا فلقد كانت بينهما مودة عميقة ومحبة وثيقة.

أقول: يشهد أبو البراء القرشي وأبوعمرو الحبشي أنهما تنسما من دمه عطرا عبقا وشذى قويا طيبا .

نشأته: منذ صغره فقد أباه فاضطر أن يخرج إلى السعودية بحثا عن مصدر رزق له ولأمه فودع بلده (إب/تعز) وتوجه نحو السعودية وأخيرا وجد أن الحياة لا طعم لها ولا معنى إذا كانت غايتها عمل من أجل البطن والفرج (الزواج) فلا عذر للنفس بالقعود وقد رفعت راية الجهاد من جاجي إلى نهر جيحون, فأي حجة يقدمها بين يدي رب العالمين بالتقاعس عن النفير في سبيل الله.

وجاءت الساعة التي اختارها الله له ليدع الأرض التي يحس أن حياته فيها سبهللا لا ترتفع عن الطعام والشراب واللباس ويقبل إلى الأرض كل دقيقة فيها حياة جديدة, نومها عبادة, وروث حصانه وبوله حسنات في ميزانه يوم القيامة وأقبل على الله بكليته وأعصابه وقلبه ونفسه.

الرؤى والإرهاصات: إن كير الجهاد يذهب غشاوات القلوب وغبش النفوس وكدرها وغواشي الروح ووضرها, فتصقل النفوس وتصفو القلوب وتشف الأرواح وترفرف بأجنحتها وأشواقها.

أخلاق مرشد وتصرفاته كانت أخلاق مودع, كلماته وحبه لإخوانه فإذا خاطب أحد إخوانه افتتح كلامه بعبارة ودودة (ياأخي الحبيب), وإذا أحس أن كلمة واحدة كانت ثقيلة على نفس أخيه أقبل إليه معتذرا متأسفا , يؤثر إخوانه على نفسه وتضفي التجربة على كلامه حكمة واتزانا , كان عذب الحديث, حلو الإبتسامة, رقيق العبارة فلا تراه بين إخوانه إلا مبتسما .

تراه إذا ما زرته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله

ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائلـــــه

وكان يترقب الشهادة ويعد لها عدتها, والنفوس عندما تقبل على الله يقبل عليها, وإذا أحبت لقاء الله أحب الله لقاءها, وإذا اصطفى الله عبدا ألهمه العمل الذي يكون تقدمه لقدومه على الله.

كان رقيق الصوت بالقرآن يحاول أن يقلد الأخ الحبيب أبا هاجر أو الشيخ عمر عبد الرحمن فكان صوته يرقق القلوب, وكان الأمير يقدمه للصلاة خاصة التراويح.

من كلماته: يقول أبو عمرو اليماني: سمعته يقول: قال الله عز وجل (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) فكيف سميت نفسي أبا الخير? فقال أبو عمرو: لعله على سبيل التيمن.

من رؤاه: رأى ذات مرة في المنام حدائق جميلة وفي داخلها نساء ذوات جمال رائع قل نظيره فقال الأخ السامع في نفسه: لعلها ارهاصات الشهادة.

مبشرات يوم الشهادة: يقول أبو عبيدة اليماني: لقد خرجت معه صبيحة اليوم الذي استشهد فيه وفجأة استوقفني قائلا إني أشم رائحة الجنة فهل تشمها ياأخي; فقلت: لا أشم شيئا فقال أبوالخير: أما أنا فأشمها.

ويقول أبوالبراء القرشي: خرجت مع مرشد (أبي الخير) يوم الشهادة إلى شلال قريب فذهب إلى الشلال ومكث طويلا وهو يغتسل فعندما عاد قلت له يا أخي لقد أبطأت علينا فقال: أريد أن ألقى الله والحور العين وأنا نظيف.

ويقول أبو أحمد السعودي: في الليلة التي سبقت شهادته (ليلة العشرين من رمضان) بقي حارسا ست ساعات وملء الليل تكبير وقرآن ولم يذق طعم النوم:

على الهضبات فرسان وعند الحور تحنان

وملء الليل قــــرآن إذا هتفوا به لانوا

فدمع العين رقراق

وهبت ريح الجنة: وفي ذلك اليوم قامت معركة بين المجاهدين والكفار في (لجا) وأخذ أبوالخير دوره على السلاح الثقيل (الدوشكا) وكان معه عبد الكريم الأفغاني فأراد عبد الكريم بعد العصر أن ينصرف فقال أبو الخير: مهلا ياأخا الإسلام لعل أحدنا ينال شهادته ويمضي إلى الله ولم تمض على الكلمات سوى دقائق معدودات وإذا بقذيفة هاون فأصابته إحدى شظاياها وكان المنظار بيده يرقب مواقع الرصاص من العدو فألقى المنظار جانبا ثم جلس جلوسه للتشهد ورفع يديه نحو السماء مبتهلا مخبتا أن يتقبله الله واختفى صوته تدريجيا إذ أن دمه كان يتدفق بغزارة وبقي على هيئة التشهد حتى أقبل الخل الوفي (أبو البراء القرشي) بسرير لينقله عليه ووضعه عليه والدم يتدفق والعطر يعبق شذاه في الأنوف ويضوع (ينتشر) بعرفه فيطيب له الجو.

وبقيت المسبحة تشير إلى السماء بالوحدانية وأراد أن يودع أبا البراء الوداع الأخير فأخذ بيده وصار يودعه بنظراته كأن لسان حاله يقول: سفر طويل فأريد أن أمتع نظري منك حتى نلتقي عند الله.

ووصل المستشفى في ميرانشاه وكانت روحه قد أفضت إلى خالقها ودفن حيث أوصى فقد أوصى أن يدفن حيث يقتل وأن لا يعلى قبره ورأيت وصيته على الورقة التي تعطرت بدمه: (أوصي أن لا تنشر صورتي في المجلة, وعمامتي وبدلتي السوداء لأبي دجانة اليمني),

من وصيته: وقد سطر وصيته في الحادي والعشرين من شعبان سنة (9041هـ) قبل شهادته بشهر تماما , ومما جاء فيها: (إخوة الإيمان والإسلام أحبتي في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أكتب هذه الوصية عسى الله أن يكرمني بالشهادة في سبيله وأوصيكم اخوتي في الله بتقوى الله تعالى والإخلاص في كل عمل تفعلونه ومواصلة هذه الفريضة العظيمة التي كتب الله فيها عزنا ومجدنا فإن تركناها كتب علينا الذل والمهانة كما أشار إلى ذلك الحبيب المصطفى ص في قوله: ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا وهذا ما أصاب الأمة الإسلامية في هذا الزمان ولعل الله أراد بها الخير أن هيأ لأول شرارة من الجهاد أن تشعل في أرض أفغانستان فادعو الله تعالى أن لا تنطفئ هذه الشعلة بعد اشعالها بدماء إخوة أفاضل والأمل فيكم كبير إن شاء الله تعالى).

وهكذا رقد هذا الليث في جدثه على مقربة من المستشفى في ميرانشاه ليلة الحادي والعشرين من رمضان ولعلها أول ليلة استراح فيها بعد مسيرة مريرة طويلة ملؤها الشوق والشوك والغصص والعذاب والحلاوة والإستعذاب, ومضى إلى الله بعد أن علمنا الكثير الكثير ونرجو الله عز وجل أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى ذلك الفوز الكبير.

الشهيد أبو الليث السوداني (الصادق الهادي عبد الله):

من بلدة نيالة في السودان, كان يدرس الزراعة في ليبيا وقطع دراسته في السنة الثانية وتوجه إلى بيشاور ليلتحق بصفوف المجاهدين:نماذج أحيت في النفوس معانيا تزف إليها الحور أغلى التهانيا

نسمع قصصهم فتحيا بها قلوبنا, ونعيش معهم ونخالطهم فنشعر أننا مع صنف جديد من البشر اصطفاهم الله ليجددوا دينه ولإحياء شريعته, وتعيد إلينا صورة ذلك الجيل الفريد الذي يعبر عنه أنس رضي الله عنه قائلا للتابعين :(إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله ص من الكبائر).

وتذكرنا حساسيتهم ومحاسبتهم لنفوسهم بقصة سيدنا علي رضي الله عنه عندما جثم على صدر أحد الكفار لقتله فبصق الكافر في وجهه فقام عنه سيدنا علي وتركه فعندما سئل علي عن سر تركه قال: (كنت أريد أن أذبحه ونيتي خالصة لوجه الله فخشيت إن قتلته الآن أن يكون للنفس حظ).

كتب عنه أبو النور قائلا : لقد أقبل أبو الليث إلى الجهاد قبل ستة أشهر وتدرب وكان أبرز مناقبه:

1- كثرة النوافل والطاعات.

2- التحري الشديد بشؤون الحلال والحرام.

3- الدماثة في الخلق والأدب في المعاملة والمودة العميقة التي يحس بها نحو إخوانه.

4- الإهتمام الشديد بإخوانه.

أبو يحيى المقدسي قدمه لنا فقال: كان أبو الليث رحمه الله تعالى من أهل القرآن والعبادة والذكر دائما يتلو القرآن أو يسبح, يذكرك منظره بالصحابة الكرام, قمة في التواضع ودماثة الخلق, ترى النور في وجهه الأسمر المليح, إذا عاملته في الجبهة أحببته وتشعر بالإخلاص في كلامه والتفاني في حبه لإخوانه وخدمته لهم وحرصه على نصحهم بالحسنى, دائما يغتنم المجلس ليذكر إخوانه فينفعهم أو ينتفع بهم.

عرفناه في الجبهات المتقدمة في خوست عند القائد عبد المنان يسأل كثيرا عن فلسطين وطريق الوصول لها. جاء إلى بيشاور وكان يستعد للسفر إلى كابل وودعناه ليذهب إلى نهرين مع الإخوة الماليزيين.

الأفق الرفيع الذي احتله: لقد كان أبو الليث يعيش في قمة سامقة بخلقه وسلوكه وليس أدل على ذلك من الرسالة التي سطرها إلى أبي يحيى في (71) شعبان (قبل شهادته بشهر تماما ).

الأخ الفاضل أبا يحيى حفظه الله: تحية من عند الله مباركة طيبة, كما يود قلب أخ فارقكم وفي نفسه شئ من (حتى) وكان يوميا يفكر في أن يصلح ما حدث (وكلف يمني نفسه) حتى استعد للسفر وهكذا حتى غادرت الديار تحية تلبس ثوب السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أخي.. كان أول لقاء لقاء تلك الخيمة التي تشكو النسيان في خوست ثم سرنا سويا إلى بيشاور وفي الطريق تعرفت على ثلاثة إخوة لعب الجهاد بقلوبهم فأحببت أن يكون لي إخوة كذلك ثم في بيشاور التقينا مرات كان آخرها في مسجد سبع الليل. ولعل السؤال المهم الآن: ما الفائدة من كل ذلك? إني كإنسان تغمرني الذنوب إلى رأسي, أتصرف تصرفات كثيرة لا معني لها.. قبلا لم أكن أهتم لذلك ولكن الآن بعد أن نسيت عقلي فيجب أن أفكر قبل كل شئ أفعله وبعد كل شئ فعلته. أخي أحسب بأن علاقتي بك تسوء أحيانا ولعلي أكون سببا في ذلك منك مسامحة تغفر لي خطاياي التي ارتكبتها في حقك ليست ذلك بك تدعو لي في خلواتك بالتوفيق, وكل ذلك خشية أن أقف يوما أمام الله فيسألني عن حق عبد مجاهد لما أضعته, وقد بين لنا في كتابه أن الذلة هي ما يصلح لمعاملة المسلمين فيما بينهم, بينما العزة هي ما يصلح للكافرين, أخي قد يكون الموضوع عندك تافه لا يحتاج إلى ذكر ولكن عندي قد يكون ذا أهمية لأني صاحب الإثم وأنت صاحب الحق.

أخي دعاؤك في الصلوات وعسى نلتقي في مقعد صدق عند مليك مقتدر, سلامي للأفاضل عبد الرحيم وعلي وكل من يخدم الجهاد عن طريق مكتبكم وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب).

استشهاده: وجاءت الفترة التي يقضي فيها وطره, ويشبع لبانته, فما أن أوفى مدة تدريبه حتى توجه إلى كابل مع قافلة حطت رحالها على الطريق بين جلال آباد وكابل لقطع الإمدادات عن جلال آباد, وعسكروا مقابل المراكز الشيوعية التي تحمي الطريق لمرور القوافل وكانت الأحزاب الجهادية تتناوب قطع الطريق فجاءت نوبته مع حزب يونس خالص ثم انتهت الفترة وجاءت النوبة الأخرى فندبه القائد أن يرحل معه فسأل القائد: منذ كم وأنت في الجهاد? فأجاب قائد يونس خالص: منذ عشر سنوات فقال أبو الليث: أما أنا فلم يمض علي سوى بضعة أشهر معظمها في مركز التدريب فدعني أشبع نهمي فتركه وفي اليوم الموعود وفي ذكرى بدر (في السابع عشر من رمضان) كان الهجوم على معسكر شيوعي ظهرا وأبو الليث صائم فرفع رأسه من خندقه وأخذ يرشق الأعداء بوابل رصاصه, فأقبلت الرصاصة التي أصابته في جبينه ووقع أبوالليث ودمه يتدفق بشدة وأفاضت روحه إلى بارئها فحمله إخوانه من الخندق ودفنوه في أحد الجبال المحيطة بكابل, وهناك ثوى الليث أبوالليث ولم تفارقه الإبتسامة التي كانت محل دهشة الجميع واعجابهم الذين تعلقوا به حبا واعجابا في الدنيا ولعلهم يتعلقون به شفاعة يوم القيامة إذا تقبل الله الجميع في الصالحين. نسأله المغفرة والفردوس لنا ولهم أجمعين.

الشهيد عبد السلام (عبد الرحمن هادي اليماني اليافعي):

وهكذا دأب أعداء الله -عز وجل- لا يدعون مكانا إلا وقد أحالوه قفرا بلقعا ولا يخرجون من قطر أو بلدة إلا وقد ركزوا صنائعهم أو من يحافظ على حظهم الممعن في الإفساد وإهلاك الحرث والنسل, فلم تدع بريطانيا (عدن) إلا وقد ضمنت أن تواصل الطغمة الشيوعية مسيرتها في احتيال الشعب اليماني الكريم عن جادة الحق وتحويله إلى مجموعات من الطفيليات تنتظر المعونة الروسية في آخر كل شهر لتوزع على عملاء الإفساد والتخريب بحيث تضمن هذه الطغمة توفير القات طيلة الشهر ومع مضغ القات يجترون كلمات للينين وماركس يعيدون فيها ويبدئون ليطمئنوا السادة في موسكو أنهم على الطريق.

وكذلك ما تركت أمريكا (بانكوك) إلا وقد أصبحت بؤرة عفنة للجنس تقضي فيها قطعان السوائم من الشعوب وطرها, بين المخدرات والجنس (الوطر: الحاجة).

وينبت عبد السلام في هذا الجو الذي يسمى فيه عبد الفتاح إسماعيل إلها (إذ كتبت الصحف عنه يوم أن قتل: نحن لا نؤبن عبد الفتاح لأن الآلهة لا تؤبن) ولعله مثل آلهة اليونان التي تتسلى كما تقول أساطيرهم بتعذيب الإنسان وتحطيمه, وليست (أسطورة بروميثوس حامي النار المقدسة) ببعيدة إذ أن إله العلم قد عاقب الإنسان الذي اقترب ليسرق النار المقدسة ويعرف الحقيقة بأن ألقته في واد سحيق تنهشه الطيور طيلة النهار وفي الليل يعيد الإله لحمه, وجوبيتر كبير الآلهة يرقب الأمر ولكنه مشغول بعشيقته على عرش الأوليمب.

وليس ببعيد أن يسمى عبد الفتاح إلها فقد سم ي ميشيل عفلق من قبل إلها وكتبت مجلة حزب البعث العراقية لدى استقباله عند دخول بغداد (الإله العائد) وقال شاعرهم:

يا سيدي ومعبدي وإلهي حسبي ألم فتاتكم حسبي

وليس هذا بعجيب إذ كان على غرار التأليه الذي سارت عليه روما: إذ ألهت فينوس الزانية وباخوس السكير, وافروديت التي خادنت ثلاثة إلهة فولدت منهم ولدا سمته كيوبيد فأضحت فينوس عند الرومان آلهة الجمال وباخوس إله الخمر وافروديت إلهة الحب وابنها كيوبيد إله الحب.

وشب عبد السلام ليواجه صعبوات الحياة وقد ألقى على كاهله إعالة أمه إذ أن أباه كان قد أفضى إلى ربه شهيدا على يدي الإنجليز لأنه كان يقف قمة شماء أمام الإنجليزي الذي لا يشبع مطامعه شئ.

والحمد لله الذي أذل بريطانيا وأخزاها ودمرها في عقر دارها إذ أن القصور التي بناها الضباط الإنجليز على ضفاف التايمز في لندن من دماء الشعوب وعرقها لا يجدون بين أيديهم الآن نفقات صيانتها فصاروا يتخلصون منها بالبيع للقادمين من دول البترول.

لقد تربى عبد السلام في حياة كلها كد وشظف إذ أنه ما كان يأكل رغيفه إلا ممزوجا بعرق جبين أمه التي صبرت على أيتامها حتى شبوا.

وتوجه عبد السلام إلى السعودية مع صديقه عبد القوي الجعدي وألقوا عصا التسيار في نهاية المطاف في المدينة المنورة وأخذ عبد السلام يتردد على الحرم النبوي في أوقات الفراغ حيث يتلقى دروس التلاوة والتجويد على يد الشيخ عباس حتى أتقن التلاوة.وأخيرا تناهى إلى مسامعه قصص البطولات النادرة فوق جبال الهندوكوش وأخذت فكرة النفير إلى الجهاد شغله الذي يغص اللقمة في حلقه, وأخذ يتباحث مع أخيه عبد القوي حول التوجه إلى مصانع الرجولة والإباء وأخيرا , طلقا دنيا العمل في المدينة وتوجها إلى أفغانستان وابتدأ التدريب ثم شاركا في فتوحات (تشاوني) قبل عام تقريبا في عيد الفطر سنة (8041 هـ) ومكثا أربعة أشهر.

العودة إلى المدينة المنورة: ولقد كانت الخواطر التي تشغل مخيلتهم في أفغانستان هي كيفية استنهاض همم بني قومهم ليروا بأم أعينهم هزيمة الدب الروسي مثخنا بجراحه, بعد أن مرغت كرامته ومزقت هيبته, فكان القرار أن يرجعا إلى المدينة من أجل نقل الصورة المشرقة عن الجهاد الأفغاني لبني جلدتهم.

وفي المدينة المنورة: أخذ عبد السلام وصاحبه يتصل باليمانيين الجنوبيين من أبناء منطقته ويشرح لهم حقيقة الأمر وأن الشيوعية لا تعدو أن تكون نسيج عنكبوت قد مزقته عواصف الجهاد الأفغاني, وجند الشيوعية كالقطط والثعالب ولت هلعا وخوفا أمام زئير الأسود.

وإذا بعاصفة هوجاء من الإستغراب والنقد اللاذع تواجههم, بل جابههم بعض الببغاوات اليمانية قائلة: أنتم عملاء للإمبريالية, يرددون نفس الشعارات الشيوعية التي سمعوها من الإذاعة الشيوعية, وقال آخرون: أنتم مجانين.

قال عبد القوي: فوجدنا أنفسنا في واد وقومنا في واد فعدنا أدراجنا إلى أفغانستان.

الإعداد الكامل: قال عبد القوي وهنا قررنا أن نستقر في معسكر التدريب حتى نعد أنفسنا جيدا لنواجه أعداء الله على أرض أفغانستان, وفي عدن أبين, فمكثنا سبعة أشهر ثم تقدمنا إلى جلال اباد حيث تمتزج البطولة بالدماء وبالحديد.

وعسكرنا مع إخواننا العرب في خط النار الأول وتحت مرمى المدفعية ومقابل اللواء (18) الذي يحمي جلال اباد.

الشهادة: وفي العاشر من رمضان سنة (9041هـ) جاءت القذيفة التي تحمل بين طيات شظاياها الحمام وأصابت رأس عبد السلام شظية وجرح قسم من دماغه مع الدماء المتدفقة وأقبل عليه عبد القوي: فبدأ يودعه بنظراته الظامئة وكأن هذه النظرات توحي لعبد القوي آيحاء عميقا وتأخذ عليه عهدا وثيقا , كأنها تقول لعبد القوي قل لقومي من بعدي: هذا هو الطريق كأنها تقول: إن طريق المجد مفروش بالأشلاء مروي بالدماء.

تقول:

من اقتضى بسوى الهندي حاجته أجاب كل سؤال عن هل بلم

تقول:

إن ألفي قذيفة من كلام لا تساوي قذيفة أو حديد

وتقول:

شعب دعائمه الجماجم والدم تتحطم الدنيا ولا يتحطم

وتقول: إن الذين يحلمون بالعودة إلى عدن عن غير هذا الطريق إنما هم قوم غارقون في بحرمن الأوهام. وأما عبد القوي فكأن لسان حاله يرد على هذه النظرات قائلا :

يا شهيدا أرقته جنة الخلد العليـــــــــة

طبت حيا طبت ميتا صرت رمزا للقضية

وهكذا مضى عبد السلام وأخذ معه قلب عبد القوي مضى وهو في ريعان الشباب في سن السابعة والعشرين وسيبقى معلما بارزا في اليمن خاصة للسالكين على الطريق الجادين في السير إلى الله, فنرجو الله أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى آمين.

الشهيد عبد الرحمن الهندي:

في جلسة ضمت لفيفا من الإخوة وعلى رأسهم الشيخ تميم كان مدار الحديث أثر الجهاد الإسلامي في أفغانستان على الشعوب الإسلامية ومدى تفاعلها معه وتفاعله فيها وإذا بالشيخ تميم يفاجئني بخبر خر على قلبي كالصاعقة فقال الشيخ تميم لقد استشهد عبد الرحمن الهندي فقلت له أو حقا ما تقول وتبينت الخبر ووثقت منه قال نعم قلت له لقد زارني في بيتي في اليوم السابع والعشرين من رمضان مساء وأفطر مع أخوين له في بيتي فقال لقد استشهد في خوست في اليوم الرابع من شوال وجاءني ج نده وأخبروني بالقضية فحزنت لذلك كثيرا وهكذا وخلال شهرين من الزمان ودعنا قائدين من قادة حركة الجهاد الإسلامي التي يقودها الشيخ (سيف الله أختر) وقد مضى قبل قرابة شهرين ونيف خالد زبير القائد الأول للشيخ وتسلم الراية بعده عبد الرحمن وقد اكتسب دربة وحنكة خلال السنوات الثلاث الماضية.

تاريخه الجهادي: التقيت به لأول مرة في صدى مع خالد زبير وبسبب اطلاعه الشرعي كان هو وخالد يستطيعان التكلم بالعربية ولو بمشقة وكان قمة في الأدب والتواضع وكنت أحس من خلال جلساته معي أنه يتفجر حيوية ويذوب حزنا على حال المسلمين وكانوا على صلة وثيقة بي ونحاول أن نحل بعض مشاكلهم وهو مع أخيه خالد يتقدمان الصفوف إذا استعرت الحرب وحمي الوطيس واحمر الحدق فأصيب ذات مرة بشظية في عينه فحاولنا علاجه في باكستان, ولكن وقف الطب عاجزا أمام علاجها فرتب له الأخ أبو الحسن المدني جزاه الله خيرا العلاج في ألمانيا وأرسلناه إلى ألمانيا وعولج فيها ثم عاد يواصل الجهاد.

وقد ذكرنا إنه كان يتحرق على حال المسلمين في الهند في بنغلاديش لأنهم غائبون تماما عن قضية الجهاد الأفغاني وحر ض عبد الرحمن الشيخ تميم على الذهاب إلى بنغلاديش ورتب له مع الشيخ عبد المعز عبد الستار جولة في بنغلاديش, وخطب الشيخان والجموع التي أقبلت كالبحر الهادر تبايع على الجهاد وتعاهد على الإستشهاد عاد الشيخ تميم وملء جوانحه الأمل بأن المستقبل لهذا الدين وتغمره السعادة لإقبال المسلمين على هذا الجهاد العظيم.

إلى خوست الأرغون: وكان معظم جهاد هؤلاء الإخوة في خوست من بكتيا والأرغون من بكتيكا واشتركوا في فتح الأرغون وكان لهم مع الإخوة العرب القدح المعلى وقصب السبق في الظفر المبين الذي تفضل به رب العالمين.

ولقد كان الأخ عبد الرحمن يجمع بين الشجاعة والوداعة وبين العزة والتواضع وبين الأدب والترفع وعندما يأتيني ليتكلم معي يقدم لكل جملة: يا أستاذ يا أستاذ.

ويوم أن جرح خالد زبير وأدخل مستشفى خيبر, كان عبد الرحمن قد جرح معه ولكن الله اختار خالدا إلى جواره أما عبد الرحمن فقد اتصل بي وهو جريح فقلت له يا عبد الرحمن أنت تجرح ولا تستشهد مرات والناس يسبقونك إلى الجنة من الجرح الأول فقال: ماذا نصنع ياأستاذ?

اللقاء الأخير:

وقدر الله لعيني أن تكتحلا بوداعه ليلة الثامن والعشرين من رمضان وقد جاء يعرض علي مشاكلهم فقال لي: نحن الآن في خوست والأورغون حوالي ثلاثمائة ونحتاج إلى طعام فحسبت أن أقل مايكفيهم مائة ألف روبية في الشهر وطلب إلي أن أؤمن لهم سيارة فقلت له: أما الطعام فهذا ضرورة لا مناص من تدبيرها أما السيارة فلا نستطيع تأمينها لكم فدبروا أنفسكم بالمواصلات العامة وكانت آخر نظرات حظيت بها منه ومضى عبد الرحمن إلى الله وأرجو الله أن يكون قد تقبله في الصالحين وهكذا مضت القافلة من الهند إلى باكستان إلى بنغلاديش إلى أفغانستان ونام المنام الطويل في جدثه في خوست:

فدت نفسي وما ملكت يميني فوارس صدقت فيهم ظنوني

فوارس لا يهابون المنايـــــا إذا دارت رحى الحرب الزبون


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

رواد القوم


 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, وبعد:

لقد توقف القلم عن متابعة أخبار هؤلاء الأبرار, ولم يعد الوقت يسعفني لأعطي هؤلاء حقهم أو بعض ما يستحقون, قليل عليهم أن تكتب آثارهم بإطناب, ولا نوفيهم حقهم أن نقف على أبواب قصصهم سائلين وعلى أعتاب سيرهم متتبعين, إنهم أحيوا في الأمة عزتها, وأعادوا للأجيال من السلف سيرتهم, وهزوا منام الراقدين الغافلين, وما كان يمكن أن ينتبه الذين في حياتهم الروتينية سادرين بدون دفع الثمن الثمين, ودون بذل أقصى ما يستطيعه البشر, لأن القوم كأنهم في خمار وأصاب مقتلهم اللهو كأنهم صبية أغرار, وأخذ برأسهم الدوار.

كل شاب قدم من جو لاه مترف كان هزة عنيفة في أعماق بيته, وكل رب عائلة أزف إلى المعركة واقترب فكأنما نقل عائلته بكاملها إلى أرض اللهيب تحياها صباح مساء تتابع أخبارها, وتحيا أحداثها بأعصابها وأنفاسها اللاهثة, وقلوبها المتوفزة.

كنت ذات مرة في اجتماع فقالوا: لقد قرع جرس التليفون وهم يطلبونك لتجيب على مكالمة خارجية, وإذا بشاب مختلف مع أمه حول حكم الجهاد من الرياض, واحتكما إلي لأفض النزاع بينهما, وكان محل النزاع حول استئذان الوالدين للنفير إلى الجهاد, وقلت لوالدته: ليس عليه استئذان لأنه لا استئذان في فروض الأعيان.

ثم قالت الوالدة: عندنا طفل مريض نأمل أن تدعو له. كان الشاب قد حضر من قبل إلى أرض الجهاد ووالده يحتل منزلة رفيعة في وزارة الإعلام وعندما أقبل الشاب على الله, واصطلى بنار الجبهة وتقلب بين أزيز الرصاص ودوي المدافع تبعه والده ليرى مصير ابنه إذ اضطره ابنه أن يتعرف على القتال عن كثب, وكم من موسر ترك شركته أو مصانعه لأن ابنه كان قد سبقه إلى الخندق واستطاع أن ينقل السعادة الغامرة التي أضفاها جو الجهاد على نفسه إلى قلب أبيه مما جعله يتوق ليتذوق ما قد تذوقه ابنه من قبل. وكم من شهيد قد استشهد فامتشق أقاربه أسنتهم ومضوا على جادة الرائد الذي ما كذبهم, فأبو جهاد (أحمد أبو غوش) مضى إلى الله وإذا بأخيه ينتضل حسامه ويمضي على طريق العزة والكرامة, وأبو قتيبة السوري يمضي إلى الله فيأتي والده وينزل إلى جلال آباد. هي هي نفس الطريق التي سلكها سلفنا الصالح بمناراتها ومعالمها وآثارها ومراسمها, وما أجمل ما قاله إقبال ونحن إذ نكتب عن هؤلاء الغر الكماة والصيد الأباة لنرجو الله أن يجمعنا بهم يوم نلقاه. والآن مع هذه الثلة.

الشهيد أبو قتيبة (طالب عبد العزيز النجار):

من أوائل الذين قدموا إلى أرض الجهاد, شاب صغير, ولكنه فارع الطول ممتشق القد, عالي الهمة, ذو طاقة كبيرة وحركة دائبة, رأيته لأول مرة مع أستاذه أبي البراء, قد عزفت نفسه عن الدراسة لأن شيخه ومربيه, أستاذ البيولوجيا والكيمياء قد طلق المدرسة ثلاثا لارجعة فيها, فماذا ينتظر بعد أن صوحت المدرسة وتغيرت معالمها إذ غاب منها بدرها ونورها.

عجبت لأبي البراء وهو يجمع حوله هؤلاء الشباب الذين لم يصلب عودهم بعد, ولم تقرقع فوق رءوسهم, من البيت إلى المدرسة وأحسنهم حالا من داوم على حلقة الدرس التربوية, وما كنت أعلم أن هؤلاء سيكون لهم دور لا تستطيعه كبار النفوس, وأنهم سيقومون بما وقفت عاجزة أمامه الرؤوس.

ورجع بعضهم إلى المدينة المنورة, وأما أبو قتيبة فقد مضى في رحلة بعيدة شاقة.

رحلة الشمال: مضى أبو قتيبة مع من لم تضعضع هممهم نوائب الدهر, ولم تلن عريكتهم أمام أهوال الحروب, وتسلق الجبال, وخوض غمار النزال إلى بدخشان: قال لي أبو قتيبة: مشينا ستة عشر يوما كل يوم نمشي فيه ثماني عشرة ساعة نخوض في الثلوج, كنا نتمنى لشدة الآلام التي نعانيها في أصابعنا لو تقطعت أناملنا وخلصنا من برحاء الشدة, وقد كنا مضطرين أن نمشي هذه الساعات الطوال ونحن نجتاز قرى الشيعة التي لا نجد فيها سوى الخبز الجاف والشاي المر بأثمان خيالية.

وحط رحاله مع القافلة في بدخشان, وهناك وبجانب القائد عبد الودود وجد روحه وريحانه, فالقومندان عبد الودود شقيق الدكتورمحمد عمر من أبناء الحركة الأوائل, ومن طلائع الشهداء في هذا الجهاد المبارك, وعلى نفس الطريق سار عبد الودود, ومن المنهل العذب ارتوى, ومن ذات المشكاة اقتبس, فقد أسس الجبهة في بدخشان/كشم ورعاها وسهر عليها, وحرر المنطقة, فأصبح المعلم المربي, والقائد المرشد.دانت له القلوب بالمحبة, وتآلفت عليه النفوس بالإخاء فهو اللحن العذب في أنشودة الحياة لدى جنده الذين يحق لهم أن يرددوا:

حياتك حرب فلا تنشدن في الحرب أنغامك اللاهية

وإن الحياة دم عاصـــــف وليست شذى المسك والغاليــة

وما رأس مالك منك سوى دم القلب والهمة العاليــــة

وبقي أبو قتيبة ستة أشهر في الشمال, ويعود طالب من هناك بعد أن نضجت نفسه ولأول مرة ألقاه بعد الرحلة يلبس الزي البدخشي ويشد وسطه بمنطقه كما يفعل المجاهدون بالكوفية (رسمول) فظننته أحد أبناء الشمال سيما وإن سحنته تشبه أبناء درواز ويفتل, وملامحه تقارب تقاسيم وجوههم.

في المأسدة: ووجد مكانه شاغرا في المأسدة, وأصبح المرافق اللصيق لأبي عبد الله, فتراه يرافقه كالظل, يقود سيارته, ويتكفل بحراسته, ويقوم على خدمته, وما استطاع أحد أن يصبر على مشقة العمل مع أبي عبد الله مثل طالب, فتجده وفي منتصف الليالي يقوم إلى السيارة ويتحرك نحو جاجي, حتى إذا وصلها وجد أوامر تنتظره, ويعود أدراجه, لا يشكو الملل, ولا يتبرم بالعمل مهما كان ثقيلا , وكأنه يزاول هوايته, ويشبع رغبته بخدمة قائده أبي عبد الله.

اجتماعي يجلس في جلسة فكأنه يعرف أهلها منذ زمن, يعرف المداخل والمخارج وقد ورث من أهل بلدته حماة علو الهمة ودوام الحركة واقتحام الأهوال وورث من منشئه ومنبته في أرض طيبة الطيبة, أدب المجالسة وسرعة الموافقة وطلاقة المحيا في لقاء الناس ووداعهم, بشوش حيثما لقيته, أنيس أن ى جالسته, يألف ويؤلف (ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف).

من المأسدة في جاجي إلى خوست وميرانشاه: وما بين جاجي وخوست كانت الحركة الدائبة, ففي خوست كانت المعارك اليومية لمشاغلة أعداء الله, وحررت جاجي وجاوني, فانصبت الجهود على خوست وجور وميرانشاه.

رجل عمل, يقوم بكثير من الأعمال البيتية, ويصلح ما يتعطل من الآلات والمحركات والسيارات والأدوات.

فقد كان الذراع الأيمن لأبي عبد الله, وكأنه يريد أن يكون الأداة التنفيذية لما يدور في رأس قائده الذي أعجب به اعجاب المتنبي بسيف الدولة, وأحبه حب الربيع المرادي للشافعي, وكأن روح أبي عبد الله (أسامة بن لادن) تناجي روحه قائلة:

إذا ماادخرت الأماني العذاب واترعت أكوابها الصافية

ولم تدخر لك ملء العـــروق دما كدم الأسد الضاريــة

تمت ظمأ في حياة مشت على الدم عابثة قاسيــــــة

معارك جلال أباد: وبدأت نار المعارك تستعر في أرض البطولة والفخار في ننجرهار, وبرز دور العرب المهاجرين الأنصار في المعركة, وأخذ ضرام المعارك يزداد التهابا وتختطف أيدي المنون النموذج تلو النموذج, والفذ تلو الفذ.

امتدت يد المنايا فطوت صفحات مشرقة, وتركت وراءها قصصا مشوقة, وسبق المفردون فغاب أبو مسلم (عبدالله النهمي), ثم مضى أبو اليسر (علي عبدالفتاح), وتبعهم أبو طارق (عوض علي العرادة), وختاما كان المصاب بأبي قتيبة في (32/5/9891م).

الشهادة: وجاءت قذيفة الدبابة التي اختطفت معها بيد ملك الموت ثلاثا من أعز الإخوة, أبا قتيبة, وأبا خليل, ومزقتهم إربا ونقلوا إلى طورخم ودفنوا هناك بجانب السابقين من إخوانهم.

وجلس أبوعبد الله (أسامة) يحدث ثم جاء ذكر أبي قتيبة فخنقته العبرة, وفاضت عينه وفقد الكلمات, ثم عاد ليحدث فعادت الغصة ممزوجة بالعبرات, وعاد الثالثة, وانقطع الكلام وصمت الجميع. رحم الله أبا قتيبة وجمعنا به في الصالحين.

لقاء الجهاد مع والد الشهيد أبي قتيبة:

(الجهاد): نود من الوالد الفاضل أن يقدم لنا نبذة عن ولده الشهيد أبي قتيبة رحمه الله وكيف تلقيتم نبأ استشهاده?

والد الشهيد: ولد طالب رحمه الله تعالى في مدينة حماه عام (5691م), وتربى منذ أن نشأ التربية الإسلامية, جرت معه قصة وهو في الثالثة من عمره تقريبا , حيث ضرب أحد أبناء الجيران بحجر فسال دمه, ولما سألته عن السبب قال يا أبي سب الدين, فقلت له إن كان هذا هو السبب فقد عفوت عنك, وقد أنهى المرحلة الإبتدائية في حماه, ثم شاء الله تعالى أن أهاجر فارا بديني من حماه, وقد هيأ الله تعالى لي الإقامة في المدينة المنورة ومعي عائلتي وبفضل من الله كان له نصيب مواصلة تعليمه في مدينة رسول الله ص فازداد من حب الله ورسوله ومن الورع والتقوى وما أن وصل إلى الصف الثاني الثانوي وبمنتصف السنة بدأ يتكلم لنا عن الجهاد وفضائله وكان هذا كلما جلسنا على الطعام, ثم بعد أيام سأل والدته عن تركه المدرسة والذهاب للجهاد في سبيل الله في أفغانستان فأجابته بعدم الموافقة وفي اليوم الثاني وكنا أيضا نتناول الطعام قال ما رأيك ياأبي أجبته -والله على ما أقول شهيد- ما عندي مانع, وكاد رحمه الله تعالى يطير من الفرح, فترك الطعام لشدة فرحه وقال ما دام أبي موافقا فسأمضي, وفعلا لم تمض أيام قلائل حتى سار ملبيا نداء الجهاد وسافر مع بعض الإخوة المجاهدين إلى أفغانستان واستمر سنوات, وفي مساء يوم الأربعاء (91) شوال (9041هـ) ذهبت لبيت شقيقي ومعي عائلتي, وما أنا جلسنا قليلا حتى سمعت بكاء يخرج من غرفة النساء, فنهضت وسألت مابكم, فقالوا جاءنا هاتف من مجهول يخبرنا بنبأ استشهاد طالب, فقلت خيرا انتظروا نتأكد فأخذت الهاتف واتصلت ببيشاور على بيته فلم يرد علي أحد, فاتصلت بأخ يعرفه وسألته عن صحة الخبر فأجاب, نسأل الله أن يتقبله شهيدا وشفيعا لكم, فقلت: جزاك الله خيرا إنا لله وإنا إليه راجعون, ثم رجعت لوالدته وقلت لها طالب لماذا ذهب لأرض أفغانستان قالت لكي يجاهد فقلت حسنا هذا هو جاهد وأكرمه الله وأكرمنا بأن اتخذه شهيدا نحمد الله ونشكره حيث قال عز وجل (ويتخذ منكم شهداء), فما كان منها إلا أن مسحت دموعها وقالت إنا لله وإنا إليه راجعون, وأخذت أشرح لها أن نبينا محمدا ص هو إمام المجاهدين ونحن على طريقه إن شاء الله, وإنه لابد من الجهاد في سبيل الله تعالى لنصرة دينه فتغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته, وهنيئا لك يا طالب, طلبتها ونلتها إن شاء الله.

(الجهاد): لماذا جئت بنفسك إلى أرض الجهاد?

(والد الشهيد): قبل خمسة أشهر تقريبا من تاريخ استشهاده -رحمه الله تعالى- طلب مني أن أصطحب والدته وإخوته إلى باكستان, ومن ثم يأخذني لأرى أرض الجهاد والمجاهدين فوعدته إن شاء الله بالعطلة الصيفية ومضت بضعة أيام حيث اتصل بنا هاتفيا وقال حبذا لو كان قدومكم في عطلة الربيع فقلت له لا تكفي خمسة عشر يوما نظرا لبعد الطريق فقال تكفي وجزاكم الله خيرا , وفعلا حصلت على إجازة من مكان عملي عن عطلة الربيع وذهبنا إلى الباكستان وأخذني -رحمه الله تعالى- إلى عدة جبهات فدهشت وبدون مبالغة نظرت بعيني وسمعت بأذني عمليا حياة الكرام في جميع أعمالهم وحركاتهم وتصرفاتهم وبعد أن تلقيت نبأ استشهاده رحمه الله ضرب الطمع رأسي وقلت لا يكفيني أن يكون ولدي طالب شفيعا لي وإنما يجب أن أذهب لأرض الجهاد سائلا المولى عز وجل أن يكرمني بالشهادة مجاهدا في سبيل الله إنه على كل شيئ قدير.(الجهاد): تزعم طائفة من الناس أن مشاركة شباب الدعوة الإسلامية في الجهاد سيعرض الدعوة للخطر لأنهم سيتركون ثغورهم شاغرة!

(والد الشهيد): إنني أرى من الضروري جدا استمرار الدعوة الإسلامية إلى الله تعالى ولكن لا يعني هذا ترك الجهاد, فالجهاد فرض لا يترك حيث قال نبينا ص ما ترك الجهاد قوم إلا ذلوا, وإنما يستطيع الدعاة أن ينسقوا بين الدعوة والجهاد بأن يذهب للجهاد نفران من عشرة ولمدة شهرين مثلا , وعندما يعودان يذهب غيرهما, وهكذا بحيث تبقى الدعوة قائمة ويسد الفراغ الموجود بين صفوف المجاهدين وفي هذا تشجيع وتأييد للمجاهدين.

(الجهاد): ما نصيحتك للآباء الذين يمنعون أبناءهم من المشاركة في الجهاد?

(والد الشهيد): إنني أتوجه للأخوة الآباء بسؤالي: هل يهنأ الوالد إن لم ير ابنه أو ابنته ينعمان بالعيش الطيب الرغيد, وهل يهنأ الوالد إن لم ير ولده يحيا حياة سعيدة كريمة عزيزة وأي عيش وأي حياة تشبه عيش الجنة وحياة الجنة وليس الجنة فحسب وإنما مع الأنبياء والصديقين في الفردوس الأعلى, قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) وإن الشهادة خير وقاية من النار وخير ضمان أكيد للجنة بإذن الله.

وأتمنى لو كان لي أربعين شابا يستشهدون في سبيل الله, والآن أدعو الله وأسأله الإجابة أن يرزقني وزوجتي وولدي وبناتي الشهادة في سبيل الله.

ومن ناحية العمر ونهاية الأجل فالآية صريحة جدا وواضحة (فإذا أجلهم أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون).

(الجهاد): ما وصيتك للشباب المجاهد في هذه الساحة?

(والد الشهيد): أوصي إخواني وأبنائي الشباب المجاهدين أن يتوسلوا إلى الله تعالى دائما بأن يرزقهم حسن النية والثبات والإخلاص في العمل وأن يحافظوا على المودة والأخوة ووحدة الصف فيما بينهم وتناسي الخلافات المزمنة الناشئة في بلدانهم, كما أوصيهم بالاستمرار في السمع والطاعة لقادتهم والدعاء لي بأن يكرمني الله بالشهادة في سبيله.

(الجهاد): كلمة أخيرة توجهها لقراء (الجهاد).

(والد الشهيد): إخواني قراء مجلة الجهاد في هذا الوقت بالذات أرجو منكم أن تزدادوا ارتباطا بالجهاد وتأييدا له فالجهاد هو ذروة سنام الإسلام, ولا عزة للمسلمين إلا بالجهاد, وأولها جهاد النفس عندما يتغلب الإنسان على نفسه يصنع المعجزات ثم هيئوا أنفسكم لتلبية نداء الجهاد في سبيل الله طلبا لرضاه وللفوز بالجنة ومساعدة إخوانكم المجاهدين.

الشهيد أبو خليل (معتوق فارس خليف العبدلي):

ما كل من طلب المعالي نافذا فيها ولا كل الرجال مخولا

سنة كاملة لم ينزل من المأسدة إلى ترمنجل: كل من زار المأسدة يدرك عظم المعاناة التي يتجشمها المرء الذي يرابط هناك أربعة أشهر والثلوج تكسو وجه الأرض ولا يستطيع المجاهد أن يواجه الشمس في رابعة النهار لشدة البرد ولذع الزمهرير لقد عشت فيها فترة وكنا نضع المياه في أوان بلاستيكية فنقوم في صبيحة اليوم التالي لنجدها متجمدة لا نستطيع أن نصب الماء منها لوضوء الفجر.

ولذا فإن الأفغان يقسمون الجبهة إلى قسمين, قسم يقضي شهره في الرباط بينما يستجم القسم الآخر وقت إجازته بين أهله ثم يتم التبديل.

في هذا الجو الذي تتجمد فيه الأطراف بردا وتتوقف الحركة في المنطقة يقسم أبو خليل: (لن أنزل ترمنجل حتى تفتح تشاوني (القلعة)).

ويبر الله بقسم أبي خليل الذي أصبح مضرب المثل في صبره وعصاميته, ويوليه أبو عبد الله إمارة جبل قباء في المأسدة, ولكأنك تنظر إلى عطاء بن أبي رباح وأنت تنظر إليه فعطاء سيد التابعين في مكة وكان عبدا أسود أفطس, ولكن الرجال ليست بمناظرها:

همــم بلغتكــم رتبــــات كثرت عن بلوغها الأوهــام

ونفوس إذا انبرت تضال نفذت قبل أن ينفذ الأقدام

وقلوب موطنات على الروع كأن اقتحامها استسلام

في باري: وبعد أن فتحت قلعة جاوني في عيد الفطر سنة (8041هـ) وهزم أعداء الله, يمم أبو خليل شطر جبهة ساخنة, وهل أقرب وأسخن من باري? في خوست, وأصبح أميرا هناك, وألهب ظهور الأعداء بشظايا الرمي وكان الهاون هو آلة الأنغام العذبة التي يشدو على صليلها أشعاره. ويروح بدويها عن نفسه ويشبع نهمه ويحقق أمانيه:

طال غشيانك الكرائة حتى قال فيك الذي أقول الحسام

وطال المقام في باري عاما آخر يستقبل أبو خليل فيه فوجا ويودع ركبا وإذا كانت ترمنجل قد تاقت لرؤياك عاما كاملا فماذا عن ميرانشاه وأنت في باري.

من مناقبه: كان يقوم الليل, ومن سماته البارزة الحلم والأناة وسعة الصدر وكان يقول عن أبي العباس: إن هذا سيستشهد لأن عليه ملامح الشهيد.

في جلال أباد: وجاءت الأحداث الساخنة في جلال آباد, واستلم أبو عبد الله أقرب المناطق إلى العدو, وبدأ يقتحم الأهوال بما جمع الله له من أبطال, وإذا بأبي خليل يهفو إليها ويقبل عليها.

وفي (22/5/9891م) كان اليوم الموعود الذي طالما كان يجأر إلى الله بلقائه فيه. وفي ساحة لظاها يشعل الأرض نارا وشواظ طائراتها ولظى دباباتها تقشعر لهوله الأبدان, وفي هذا الجو المدلهم المكفهر ألقى أبوخليل بنفسه بين فكي الموت مع أخيه الحبيب الزاهد العابد (أبي العباس) ويمضيان إلى الله في لحظة واحدة:

فأثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها من تحت اخمصك الحشر

ومضى الزاهد, الراهب في عزلته, الفارس فوق ذروته, مضى إلى الله بعد أن علمنا الكثير من دروس الصبر والمصابرة والمرابطة فنرجو الله أن يكون من المفلحين, واستراح في جدثه في طورخم بعد معاناة السنين.

الشهيدأبو مبارك اليماني (عامر أحمد صالح الجبري):

لقد تحملت الجزيرة بشقيها الشمالي والجنوبي العبء الأكبر في تقديم التضحيات العربية الباهظة في الفتوحات التي تمت في جلال آباد وقندهار, ولقد أصبح أهل اليمن مع أهل الحجاز ونجد كفرسي رهان في ميدان الحلبة, وأهل اليمن لهم شبه كبير بأهل أفغانستان حتى صار الإخوة يطلقون على اليمانيين (بشتون العرب) وهنالك تقارب كبير وتشابه كثير بين فطرة الشعبين وطبيعة البلدين وجبالهما وشظف العيش فيهما, وزهد شعبيهما, وتحمل المكاره والمشاق, والصبر على المصائب.

ونحن الآن مع حد اد يذكرني بيوسف طلعت أحد قادة الإخوان المسلمين في فلسطين وقناة السويس إذ أن يوسف الذي أقض مضاجع اليهود في السبع, والإنجليز في الإسماعيلية نجار بسيط الثقافة ولكن الجهاد بفضل الله حو له عملاقا يهز عروش الظالمين.

نبذة عن حياة الشهيد: من مواليد (8591م) في يريم التي اشتعلت منها أول شعلة ضد الشيوعيين في سنة (0891م) ولقد قدمت يريم الكثير من الأسود الذين قضوا نحبهم على طريق هذا الدين, ولا زال البعض يخدي (يسرع) في سيره على هذه الجادة.

ولعل قدح الزناد ضد الشيوعيين في اليمن هو الذي ألهب الجيل الذي عايش ذلك الجهاد الذي حر ك النخوة والحمي ة الإسلامية في أعماق رجال اليمن, واليمن هي البلد العربي الذي قذف بأفلاذ أكباد شابت نواصيهم في الإسلام وطعنوا في سنهم دون أرواحهم التي لا تشيب إذ الجهاد حو لها إلى أرواح شباب يشتعلون حماسا فأبو حميد الذي كان يرافقني الرباط على خط النار الأول في جلال آباد في العشر الأواخر قد بلغ الستين من العمر ومن قبل رأيت غيلان أبا فارع وصاحبه وهو في العقد السادس من عمره كذلك, وهذه ظاهرة تفرد بها أهل اليمن إذ لم يأتنا من السعودية إلا الشباب الذين في مقتبل العمر وكأن اليماني وهو يمتشق سلاحه وقد أصبح رأسه ثغامة (شيبة) ينشد:

سني بروحي لا بعد سنيـــــــــــن فلأسخرن غدا من التسعين

عمري إلى السبعين يجري مسرعا والروح ثابتة على العشرين

فعامر هذا في الثلاثين من عمره, ود ع زوجته وبنتيه وولده واستودع الله أهله وأمانتهم وترك جنينا في رحم زوجته سيرى الحياة دون أن يرى له في الدنيا أبا .

ترامى إلى مسامع عامر أخبار الجهاد الأفغاني, وكانت نفسه تهفو لكي يعيش مع أسد الشرى في أجمها, ويحيا مع ليوث الغاب في عرنها, فودع مطرقته وسندانه وأقبل سنة (8891م), ومكث في الجهاد والرباط ستة أشهر تنقل فيها ما بين صدى -حيث تلقى تدريبه- وخوست -حيث شهد رحى المعارك اليومية التي ما كانت تنقطع يوما عن الضرام- ورجع إلى أهله بجسده وترك روحه هائمة بين ذرى أفغانستان, وكأن روحه تردد قائلة:

حتى رجعت وأقلامي قوائل لي المجد للسيف ليس المجد للقلم

وما كان لنفس يمن الله عليها بتذوق حلاوة الجهاد أن تنساه وتشنأه (تبغضه) وهذه نعمة يتفضل الله بها على من يشاء من عباده.

فكان هم ه أن يمهد الطريق لعودته إلى أرض القنا الردينية (الرماح) والبيض المشرفية (السيوف) ففتح ورشة الحدادة مرة أخرى ليجمع ثمن التذكرة وليترك أهله دون أن يريقوا ماء وجوههم لأحد أو يمدوا أيديهم لحاجة, ولقد كانت مجلة الجهاد التي تنقل أخبار الشهداء تقض عليه مضجعه, وتسهد عليه ليله وأجفانه ولو رآه أبو الطيب لأنشد له:

حت ام نحن نساري النجم في الظلم وما سراه على خف ولا قــدم

ولا يحس بأجفان يحس بهــــــــــــا فقد الرقاد غريب بات لم ينم

(أي إلى متى نسهر ونسير مع النجوم في الليل مع أن النجم لا يسير على خف فيتعب أو على قدم فينهك وكذلك فالنجم ليس له جفن حتى يتألم من السهر بسبب الغربة والوحشة).

ووفر مبلغا وألقاه في حجر أمرأته ثم أقبل كالهيمان الذي يزور خله والولهان الذي ينادم حب ه الغائب ووصل في رمضان, وأين يمكن أن يتوجه سوى إلى جلال آباد التي أصبحت مصرع عشاق الحور, ومحطا لآمال الراحلين إلى بلاد الأفراح, وفي طريقه إلى أفغانستان لابد من العمرة.

العمرة: ومر بالبيت الحرام وأدى العمرة ووقف في ظلال البيت يعاهد الله على الموت, وكأنه كان على موعد مع الشهادة فأقبل في رمضان إلى جلال آباد وفي (11) ذي القعدة سنة (9041هـ) الموافق (31/6/9891م) نال الشهادة التي أقبل من أجلها ثم مضى إلى ربه, ونرجو الله أن يتقبلنا وإياه ويجمعنا في الفرودس الأعلى.

أبو العباس:

سمات الشهداء بارزة في تصرفاته, ومناقب المقبلين على الله -عزوجل- بادية على مخايله, طويل الصمت, يكره الثرثرة ولا يطيق المزاح ولا كثرة الكلام, أفعاله خير معلم لإخوانه, فكانوا يستقون من آدابه قبل أن يتلقوا منه تعليم السلاح إذ كان مدربا , وكان لا يفتر عن الذكر, لسانه رطب بذكر الله.

أما عن زهده فحد ث ولا حرج فقد كنت تشتهي أن ترى عليه غير ثياب المعسكر البدلة الزهيدة الصفراء, وتراه وقد اشتد الزمهرير لا يغير هذه الملابس ومع لذع سبرات الرياح الصرصر في الشتاء يتقدم إليه أحد الإخوة ويقدم له جاكيتا ليقيه البرد فيعتذر إليه شاكرا بأدب.

كأن نفسك لا ترضاك صاحبهـــــا إلا وأنت على المفضال مفضال

ولا تعدك صوانا لمهجتهــــــــــــــا إلا وأنت لها في الروع بــــذال

ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ما قاته وفضول العيش أشغال

أما عن طعامه فكأنه يطبق الحديث الشريف "حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فثلث للطعام وثلث للشراب.. يقول عبد الجبار المصري: لقد كنا نعجب كيف يعيش أبو العباس; حتى كنا نتخيل أنه لا يأكل أبدا , ولقد كان يعطي الفاكهة إلى إخوانه.

في الدورة الشرعية: وأفرد لمجموعة من الإخوة مكان في معسكر جاور وقد أذن لهم أن يحضروا طعاما وشرابا خاصا , وذات يوم سأله عبد الجبار مازحا عن الحمام والعصير الذي اشتراه إخوانه فقال له: دعني من هذه الأشياء فإني لا آكلها ولا أعلم عنها شيئا .

ويقول عبد الجبار: لقد كان دائما لا يسير في المعسكر إلا حافيا فهو نموذج عجيب لم أر مثله قط في حياتي.

أعاذك أنس المجد عن كل وحشة كأنك في هذا الزمان فريد

وغادر جاور إلى باري حيث يلتقي الزاهدان أبو العباس وأبوخليل وبعد فترة غادرا باري إلى جلال أباد بعد أن حمي الوطيس واشتبكت الأسنة واشتجرت, وكانا على موعد مع القدر في (22/5/9891م).

ومضى أبو العباس مع أبي خليل وبقذيفة واحدة إلى الله عز وجل تجاورا في الأولى وفي الآخرة.

الشهيد أبو إبراهيم (ناصر علي حسين علي اليماني):

بعد رحيل الزاهدين العابدين (أبي خليل وأبي العباس) بيوم واحد تبعهما الزاهد العابد ناصر, لا يختلف عن سابقه في مناقبه وخصاله كنت لا تراه إلا تاليا لكتاب الله أو مطالعا في كتاب أو ذاكرا أو صامتا هو صنو أبي العباس في الزهد كثير الصيام رغم جسده الناحل الضاوي يأكل من الطعام ما تيسر ويرتدي من اللباس ما تهيأ وإن احببت أن تراه في آخر الليل فستجده بين القائمين (تتجافي جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ), كثير القيام والصيام ولوع بالقراءة شغول بالذكر قليل الطعام قليل الكلام يسير المنام كل من عايشه يدرك أن الرجل يودع الدنيا.

وحيد من الخلان في كل بلدة إذا عظم المطلوب قل المساعــــد

وأورد نفسي والمهند في يدي موارد لا يصدرن من لا يجالــد

ولكن إذا لم يحمل القلب كفــه على حالة لم يحمل الكف ساعد

وعلى قدر من الله يلتقي أبو قتيبة وأبو عبد الله العبيدي مع ناصر (أبي إبراهيم) في خندق واحد في جلال آباد وتأتي قذيفة الموت لا بل قذيفة الحياة لتأخذ الثلاثة اشلاء إلى الله (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون), فرحم الله أبا إبراهيم وليت شعري أي مدرسة هذه التي منها يتخرجون وأي مورد صاف هذا الذي من روائه ينهلون ونرجو الله عز وجل أن يجمعنا وإياهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

الداعية المهاجر


 

من زهرة الدنيا هرب, ومن فتنة الأرض -أمريكا- أقبل, وفي نضارة الشباب اهتصر, ومع نداوة الغصن اعتصر.

رأيته في المؤتمر في أمريكا في ديسمبر (8891م), وأخذ يتابعني من مكان إلى مكان, وبحجة الصحافة سمح له أن يبقى قريبا مني في الفندق يتردد فلى غرفتي, هكذا سبحان الله تعلق بي أيما تعلق, لا يود مفارقتي وعندما شارف المؤتمر على الإنتهاء بدأ يغريني بزيارة المدينة التي يقيم فيها وجاءني بمجموعة من شباب (ارلنجتون) وقالوا: عندنا أبو طارق الطي ار, ومدينتنا نشطة للجهاد كأنها خلية نحل وحق عليك أن تزورها وهي قريبة إلى (اوكلاهوما) وبالإمكان أن نسافر إليها بالسيارة, وقررت أن أسافر معهم في سيارتهم, وفي سيارة الأخ مصطفى رجب ركبت وسافرت معهم, وكانت ساعات حارة اللقاء بعد غياب طويل عن أبي طارق الذي شارك معنا وضع حجر الأساس لمكتب الخدمات, والذي كان له فضل السبق في هذه المسيرة الخي رة التي قطعها هذا المكتب.

وقرر أبو الطيب أن يطلق أمريكا ثلاثا لا رجعة فيها, وعدت إلى بيشاور, وبعد مدة وإذا بأبي الطيب يصل بيشاور, وأخذته إلى صدى, وكانت دورة الدعاة لا زالت فكرة في الأذهان, ونصحته أن يدخلها, وكان أول الداخلين فيها, إنه يريد خدمة هذا الدين, وقد آتاه الله اطلاعا على الثقافة الإسلامية, وكنت تلمح على إشراقة محياه, إشراقة الروح التي تسري في أوصاله, وصفاء النفس الذي ينعكس على جبينه, وما أجمل إشراقات إقبال في العزيمة المتوثبة.

إذا ما استيقظت روح الصقور وهبت في الجوانح والصـــدور

رأى الشبان في الأفلاك مثـوى عزائمهم وفي الأفق المنير

وأنت الصقر فابن الوكر واسكن على قمم الشواهق والصخور

في رمضان: وفي رمضان يعود الدكتور حمزة من كابل وينبئ عن حاجته إلى ممرضين مجاهدين بحيث يقوم على تدريبهم ليكونوا معه فرق انقاذ واخلاء من خط النار, وتكلمت في المسجد عن الحاجة الماسة فتفاعلت نفسية أبي الطيب واستطاع د.حمزة أن يقنعه ويرسله أمامه إلى كابل.

وفي عيد الفطر يعود أبو الحسن المدني من كابل ويخبرني عن قدوم بعض الإخوة العرب ثم نو ه أنه لمح من بينهم شابا عليه ملامح الاخلاص وتبدو صفات القيادة على مخايله وأنه رشحه ليكون أمير مجموعة دون أن يكون له به سابق معرفة.

إلى شكردره: وعند أبي علي المالكي في (كريزمير) حط رحاله, وألقى عصا تسياره, وهناك اشتعلت المعركة واستحر القتل بالمجاهدين واشتد قصف الطائرات التي تجلجل بدويها في المنطقة ليلا ونهارا وعلى مقربة من كابل حيث بدأ المجاهدون يدمرون الحزام الأمني الثاني لكابل وابتعد المجاهدون عن التبة التي استقر بها أبوعلي ولم يبق فيها سواه وخمسة من إخوانه العرب بحيث لو غادروا سقطت كريزمير بيد أعداء الله, فآلوا على أنفسهم ألا يغادروا المكان إلا جثثا ممزقة, وهنا طاب لأبي الطيب المقام ووجد روحه في لهيب الغرام ورأى على حد الأسنة طيب الجمام (الراحة).

يريك مخبره أضعاف منظره بين الرجال وفيها الماء والآل

وقد يلقبه المجنون حاسده إذا اختلطن وبعض العقل ع قال

(الال: السراب أي هنالك رجال حقا كالماء في منظرهم ومخبرهم ومنهم أشباه رجال كالسراب الذي يبدو كالماء, ع قال: داء يصيب رجل الدابة يعيقها عن الحركة, اختلطن: اشتبكت السيوف).

الخبر الصاعق على نفس محمد المشتاق: وبعد صلاة العشاء مساء (92/6/9891م) جاءني صاحبه ورفيق عمره محمد المشتاق المغربي وساءلني باستغراب أوقد مضى أبو الطيب? فشدهت قائلا من أنبأك هذا, فقال لي: أخ جزائري قادم من بيشاور سمع تقي الدين الجزائري العائد من شكردرا (كريزمير) يحدث بهذا, فقلت له: سل أبا الحسن المدني فهو في غرفة القيادة وأقبلت إلى غرفة القيادة وإذا بمحمد المشتاق قد خنقته العبرات وفي ظلام الليل لا يجد سوى دموعه الحرى يناجي بها روح أخيه أبي الطيب الذي رافقه ثماني سنوات وواكبه المسيرة من المغرب إلى أمريكا إلى صدى فرحمه الله والحقنا به في الصالحين.

وهكذا مضى الطيب أبو الطيب, وقضى الحمام الوادع بعد أن أصبح صقرا بازيا , وغضنفرا (أسدا ) هائجا, وبلمحة خاطفة افتقدناه من بيننا بعد أن بلغ بالصليل مالم يدركه غيره بالصياح والعويل والقال والقيل.

كتب عنه حبيبه ورفيق عمره محمد المشتاق ما يلي: (ولد حسن ولفي -أبو الطيب- في مدينة فاس في 3/3/4691, كان شابا تربى منذ صغره على حب هذا الدين وخدمته, فكان صواما للاثنين والخميس, قائما بين يدي الله في الثلث الأخير من الليل, لا يفوته الوتر, وكان كتاب الله لا يفارقه في سفر ولا حضر ولا يفوته ورده اليومي من القرآن الكريم مهما كانت الظروف وكان رحمه الله مداوما على أذكار الصباح والمساء, ولا ينام إلا وهو متوضئ مهما قست الظروف, ولا ينام إلا بعد قراءة سورة الملك (المنجية) مهما غلبه النوم والتعب, وكان النوم يأخذه أحيانا فيغفو قبل أن يختمها فيغالب النوم ليكمل السورة, كان شابا شجاعا لا يهاب العدا, وكان الإسلام والدعوة إليه ديدنه لا يكل ولا يمل.

كنا سويا في الثانوية وكان دائما يقوم باعطاء المحاضرات عن الإسلام ويرد على شبهات الملحدين والشيوعيين أساتذة كانوا أم تلاميذ, وبعد أن انتقل إلى المرحلة الجامعية رفض أن يدخل شعبة الدراسات الإسلامية لأنه كان يرى أن معظم الإخوة والأخوات فيها, ودخل شعبة الفلسفة وعلم النفس لأن معظم طلابها إن لم أقل (99%) منهم ملحدون, وقد كان شوكة في حلوقهم, وأدى دورا فعالا في القسم مما جعل بعض الأساتذة يحقدون عليه ويرسبونه في امتحاناته, وكان بالمرصاد للشيوعيين والاشتراكيين فحيثما سمع بمحاضرة لهم تابعهم ووقف في وجوههم. وكان رحمه الله ذا اطلاع واسع على الثقافة الإسلامية والأدبية والثقافة العصرية وكان محبا لكتب سيد ومحمد قطب وخاصة الظلال وكان محبا لكتب فتحي يكن الحركية, وعاشقا لكتب السلف الصالح كأمثال ابن تيمية وابن القيم.

كان رحمه الله عضوا نشيطا في الحركة الإسلامية يندر أن تجده دون خدمته للجماعة من الدعوة إليها أو تربية القلوب قبل العقول, وكانت له مكانة في قلوب الجميع أينما حل وارتحل بحيث كل من رآه أحبه لأول وهلة. وكان على صلة مبكرة بالجهاد الأفغاني وقد حاول القدوم منذ (4891م), وكان يكتب عن الجهاد الأفغاني في مجلة الإصلاح المغربية, وكتب بحثا مطولا عن أفغانستان الماضي والحاضر).

وقد كتب رسالة مؤثرة معبرة إلى أمه, تنم عن عمق اتصاله بالله -عز وجل- نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا , وكذاك عن علو كعبه في البيان وصلته بالثقافة الإسلامية -الكتب الحركية- فنرجو الله أن يتغمده برحمته وأن يجعله شفيعا لنا ولأمه ولأهله يوم القيامة إنه سميع قريب مجيب.

الشهيد أبو عبد الله المأربي (سالم عمر سالم الحداد):

فيناحية من نواحي مأرب/اليمن الشمالي ولد سالم, وفي بيت علم ودين وأدب, كان والده من أعلام الدعوة في منطقته, واختطفته يد المنون مخلفا وراءه خمسة عشر نفرا في أسرة يتلفتون إلى من يقوم بكفالتهم وتدبير لقمة عيشهم, فلم يجدوا سوى سالم, فكان عليه أن يشد مئزره, ويحزم أمره, ويأخذ على عاتقه أمر إخوانه وأسرته.

وبدأ سالم مع أخيه أبي سالم يجهدان في توفير حياة مهما كان الشظف طابعها, والشدة عنوانها وسمتها.

وسمع سالم وأخوه أبو سالم بالجهاد فأقبل أخوه أبوسالم وعرفته في صدى وكتب الله له أن يشترك في معركة رمضان سنة 7041ه- (معركة المأسدة) وقد قتل الله على يديه زعيم الماليشيا في المنطقة -كما ظن المجاهدون من خلال جثتهـ.

وأما سالم فقد أكرمه الله بالجهاد لأول مرة سنة (7891م) ثم عاد إلى اليمن ولكن نفسه بقيت معلقة بهذا البلسم الشافي الذي تذوقه, وقد كان مع إخوانه يتناوبون على الجهاد, إذ أن هذه الأسرة قد حظيت بتقديم أربعة من ليوثها إلى الجهاد.

وفي شعبان سنة (9041هـ) عاد سالم إلى الجهاد حيث طاحونة الحرب الدائرة في جلال آباد تطحن النفوس والأعصاب, وهناك تشتبك الردينية السمر (الرماح) مع بعض الصفاح (السيوف), وأقبل أبوسالم وزج بنفسه بين فكي الحتوف (الموت) وكأنه يقول:

سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى

فإما حياة تس ر الصديق وإما ممات يغيظ العدا

وشارك في فتح (فركند) و(دولة زي) و(قرنوسار) و(شينجر), وخلف رشاش الدوشكا ربض سالم في قرنوسار حيث تطل على الفرقة 18 التي تحمي جلال آباد, وكانت السماء ملتهبة فوق رؤوس القوم من خلال تراشق النيران فدبابات العدو, وهاوناته تصلي الإخوة العرب بوابل نيران, والعرب يرددون.

كأن جماجم الأبطال فيهم وسوق بالأماعز يرتمينا

نشق بها رؤوس القوم شقا ونختلب الرقاب فيختلينا

(وسوق: جمع وسق وهو حمل البعير, الأماعز: جمع أمعز وهو المكان كثير الحجارة: شبه كثرة القتل فيهم وتساقط رؤوسهم كأنها حجارة في مكان كثير الحجارة, نختلب: نقطع بالمخلب وهو المنجل الذي لا أسنان له, يختلينا: قطع الخلا وهو الحشيش الرطب).الرؤيا: وفي (22) شوال هب سالم من نومه يضحك والبشر بائن على وجهه كما يقول أبوصالح مثنى المأربي ثم أخذ سالم بتلابيبي وقال: أبشر فإني سأستشهد فقلت له, إن شاء الله في فلسطين, قال: لا بل في أفغانستان فإني رأيت والدي يصارعني مازحا وهو مسرور لي.

وجاءت القذيفة ليأخذ ملك الموت فيها روح سالم وأبي قتيبة السوري (طالب النجار) ومضى إلى الله -عز وجل- بعد أن ترك حسرة عميقة في قلوب إخوانه أنه نال الشهادة -كما يحسبون- قبلهم والكل يتمنى ويدعو أن يقضي نحبه على هذا الطريق, ونرجو الله أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى.

الشهيد أبو ساعد الجداوي (رضوان خليفة):

(من ميدان كرة القدم إلى ميدان صناعة الأمم).

هكذا قد ر الله أن يكون اسم الشهيد على اسم خازن الجنة ولعل روحه قد التقت برضوان على بارقـنهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا.

ما بالك يا رضوان قد طلقت الدنيا ونفرت منها كأنها البعير المبعد أو الشاة الجرباء? ولماذا حرمت جمهورك ومحبيك من رؤيتك في ميادين الكرة. مالك يا رضوان قد جفلت من رحلات النادي إلى أوربا والغرب ليروح عنك ويسري عنك همومك?

أي اختيار هذا أن تنفر من أطعمة أوربا وتعليمها, ومن الرفاهية في جدة وترفها إلى الخبز الجاف والشاي المر?

ليت شعري ماذا دهاك? حتى استبدلت الشظف بالترف, واخترت الخوف تحت القصف على الأمن والراحة الجسدية التي تعم بلدك.

ياابن الرابعة والعشرين أما فكرت في الغيد الحسان حتى تختار منهن رفيقة حياتك? من التي ستتزوجك بعد أن تركت النادي وهربت من الدنيا وأهلها إلى شعف الجبال تطلب الموت مظان ه?

إن الأماني ارتفعت والإهتمامات قد علت والروح قد شفت ورفرفت وأصبحت تبحث عن الحور العين بعد أن كانت النفس غارقة متيمة في آرام (جمع ريم) الطين ونساء الدنيا.

وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام

لقد عب رضوان من متاع الدنيا وماء بحرها فما ازداد إلا عطشا , وكأنه يعيش في أخريات أيامه مع أبيات أبي نواس:

ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم واسمت سرح اللهو حيث أساموا

وبلغـت مـابـلغ امـرؤ بشبـابـــــــه فـإذا عصـارة كــل ذـاـك أثـــــــــام

فر إلى الله, وظن أن لا ملجأ من الله إلا إليه, وأصبح يهتم بالحديث حتى كان الإخوة يطلقون عليه (الألباني الصغير) كان يفر من الشر وأهله, لا يحب النميمة ولا الغيبة, كان صواما قواما , كما يشهد له أفراد سرية حمزة بن عبد المطلب التي توجهت إلى فارياب والتي حظيت تربتها بأن تضمخ بدمه.

قدم إلى الجهاد قبل سنة ونصف وتدرب ثم ذهب إلى لوجر وأخيرا كتب الله له أن يكون جنديا تحت إمرة أبي الجنيد/أمير سرية حمزة بن عبد المطلب, وتوجه إلى فارياب أبعد بقعة في أفغانستان تقريبا عن بيشاور, وفي الطريق وقع في أسر الشيعة في باميان ولكن الله -عز وجل- قد ر أن يعمي أبصارهم عنه فلم يعلموا أنه عربي سعودي, وإلا لعضوا عليه بالنواجذ يطلبون الفدية بالملايين, كما فعلوا بثلاثة من الأطباء العرب في وردك قد أسروهم منذ سنة تقريبا وهم يطلبون الملايين لقاء إطلاق سراحهم رغم المواعيد الكثيرة التي أخلفوها.

وأطلق سراح رضوان ولحق بحبيبه أبي الجنيد وهناك توجه إلى مديرية قيصر واشترك في عملية ضد الروس, ثم اشترك بعدها في عملية (قلعة يلبيكي), وذهب بعدها إلى (اندوخوي) على حدود تركمانستان هذه المنطقة التي ترزح تحت الإستعمار الروسي وتذكرك وأنت تتنسم عبيرها بشذى المدن الكبرى التي كانت في يوم من الأيام ملء سمع الدنيا وبصرها.

خراسان: لقد كانت تركمانستان جزءا كبيرا من خراسان والتي يقول عنها ياقوت الحموي (وأما العلم فهم فرسانه وسادته وأعيانه) وإن هذه البلاد لتثير في أعماق النفس الأشجان لأن الحضارة فيها تندب أيامها الخوالي, وتركمانستان تضم سرخس (بلد السرخسي صاحب المبسوط) وبيهق (بلد البيهقي صاحب السنن الكبرى) وهذه مروـقصبة خراسان وحاضرتها(بلد عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل), وهذه آمد (بلد الآمدي: صاحب كتاب الإحكام في أصول الأحكام في أصول الفقه, وهنا ابيورد (بلد الأبيوردي الأديب محمد بن أحمد سنة (705 هـ) وهنا نسا (بلد النسائي صاحب السنن) وهذه جرجان (بلد الجرجاني النحوي الأديب, وهذه زمخشر (بلد الزمخشري صاحب الكشاف في التفسير), وأي قطر في الدنيا أخرج من العلماء أكثر من هذا القطر الذي انمحت فيه آثار الإسلام وحرم اقتناء القرآن بحيث يعد وجود القرآن في بيت جريمة تعرض صاحبها إلى الحكم بالسجن أربع سنوات, وشمال أفغانستان جزء من خراسان ثم مزقتها الأهواء السياسية والديكتاتوريات العسكرية البلشفية فقطعتها ثلاث فرق: قطعة بقيت في أفغانستان والهندكوش وشمالها وتضم هرات وكل الولايات التي تقع شمال كابل وأهم مدنها هرات وميمنة وبلخ وطالقان وفيض آباد وبغلان وبولخمري ومساحة هذه البقعة مائتا ألف كم2 (002 ألف).

وأما القطعة الثانية فهي بلاد التركمان (تحت حكم الإستعمار السوفياتي ومساحتها (054 ألف كم2) والقوزاق.

القطعة الثالثة من ولاية خراسان ضمن إيران ومساحتها مائة ألف كم2.

أما سكان خراسان فهم (21) مليونا من البشر.

1- (52,4) مليون من أصل تركي وهم التركمان والقريمنز والأوزبك والقوزاق.

2- (57,3) مليون من أصل فارسي وهم الطاجيك في أفغانستان وسكان إقليم (مازندران) في إيران.

3- (5,3) مليون من أصل مختلط من (الفرس والترك) هم البشتو في شمال أفغانستان.

4- (5,0) مليون من أصل روسي وهم المستعمرون الحكام.

أمنية تحققت: وقد كانت نفوس الإخوة العرب تهفو أن تطأ هذه الأرض الإسلامية التي غابت وراء الأسوار الحديدية الحمراء منذ بداية هذا القرن, وكتب الله لهم تحقيق هذه الأمنية وولجوا هذه الأرض وعادوا مسرورين بتحقيق هذه الأمنية الكبرى.

وكتب الله لرضوان السقوط فوق أرض الشهداء في أعز موقف, لقد كان رضوان حريصا أن يشترك في كل معركة ساخنة لعله يحظى بالشهادة, وجاء اليوم الذي يشترك فيه الإخوة في معركة على (كروان باشي) في (ميمنة) عاصمة فارياب, واشتد القتال ودارت الدائرة على أعداء الله, وتم الفتح لجند الله وجاءت طلقة في صدر رضوان ونال الأمنية الكبرى, ومضى إلى الله بعد أن تحول من (لاعب كرة هواء إلى رامي كرة نار على الأعداء) وانتقل نشاطه من (ميدان رياضة كرة القدم إلى ميدان بناء وقيادة الأمم) وقد كان كثير من الإخوة يتوقعون له الشهادة من خلال سلوكه وأعماله التي تمهد لهذا الشرف العظيم.

بشرى رسول الله ص:

ولقد رأيت حديثا ينطبق على رضوان وأمثاله ممن عادوا إلى الله بعد جاهلية ثم فرقوا (خافوا) من ذنوبهم وقدموا إلى الله فرارا إليه من ذنوبهم وطمعا في الشهادة; ففي الحديث قال ص: القتل ثلاثة: رجل مؤمن مجاهد بماله ونفسه في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل, فذلك الشهيد الممتحن في خيمة الله تحت عرشه لا يفضلهم النبيون إلا بدرجة النبوة, ورجل فرق على نفسه من الذنوب والخطايا جاهد بنفسه وماله في سبيل الله, حتى إذا لقي العدو قاتل حتى قتل فتلك مصمصة تحت ذنوبه وخطاياه, إن السيف محاء الخطايا وأدخل من أي أبواب الجنة شاء فإن لها ثمانية أبواب, ولجهنم سبعة أبواب, ولبعضها أفضل من بعض, ورجل منافق جاهد بنفسه وماله حتى إذا لقي العدو قاتل في سبيل الله حتى يقتل فإن ذلك في النار إن السيف لا يمحو النفاق , أحمد وسنده حسن وصححه ابن حبان.

(مصمصة: مطهرة ومغسلة. فرق: خاف).

الشهيد الدكتور ناصر الجزائري (حلواجي عم ار):

(طبيب القلوب والأجساد داعية الوادي).

رفيق العمر يصاحبه في لحظاته الأخيرة التي يودع بها الدنيا -تقي الدين- عاش معه في وادي الجهاد (وادي سوف), عرين الأسود, وبيشه (غابة) الفهود, وتخرج من الثانوية ودرس القطاع الصحي (فني مختبرات) وتخرج من المعهد مع أخيه أبي بشير الجزائري, وعمل في مستشفي الوادي وأصبح لامعا في مجال اختصاصه.

وفي بستان الدعوة الإسلامية كانت هذه النبتة التي نعمت بالجو الطيب, فنبتت بإذن ربها وكانت الثمار الطيبة التي فتح الله بها على المفكرين الإسلاميين في هذا العصر, قد وصلت إلى أيدي الناشئة فأنقذتهم وكان لسيد قطب رحمه الله دوره الذي أعده الله فسالت المواهب الربانية على ريشة قلمه السي ال وأعطتها بلاغة البيان وقوة السبك التي حباها الله لسي د روعة وبهاء وأمدتها بالحياة وكتب الله لسي د أن يقف تلك الوقفة الصارمة الشامخة التي ودع بها الدنيا فنفخت في كلماته الروح والحياة والنفاذ إلى أعماق قلوب أبناء الجيل, وكذاك الأمر بالنسبة للكتاب الآخرين من أبناء الحركة الإسلامية الرائدة.

وتربى ناصر على موائد هؤلاء المفكرين وفي زاوية بيته مكتبة عامرة بمثل هذه الكتب التي استحوذت على اهتمامه وكان لكتب السيرة مكانة خاصة في أعماقه, ولذا فقد كانت السيرة عنوان المحاضرات التي يلقيها في ندوات المساجد ويعلق على أحداث السيرة ويفسرها التفسير الحركي الذي يجعل أصحابه كتقي الدين أن يمتلأ إعجابا به وكثيرا ما كان يبدي دهشته وتأثره بمحاضرات ناصر وكان ناصر يرد قائلا استغفر الله.

إلى أرض الجهاد: وغادر ناصر الوادي سنة (5891م) متوجها إلى أرض الجهاد, وترك ثغرة كبيرة في الوادي وما أجمل أن يملأ هذه الثغرة أخوه (علي) ولدى وصوله أرض الجهاد عمل ممرضا في اختصاصه بجانب الدكتور صالح الليبي ثم عاد ناصر إلى الجزائر وصار يتردد على أهل الدكتور صالح بالزيارة وفاء له وحبا .

وعاد ناصر مرة أخرى إلى الجهاد وتوجه إلى (وادي سوف الأفغاني) وبدأ يزاول عمله كطبيب وذلك لقلة الأطباء ولمع ذكره مع أخيه أبي بشير هناك, وبعد ستة أشهر كلفه الأخ أبو الحسن المدني بعمل مستشفى ففرح بذلك فرحا شديدا , وزاد في فرحه وصول تقي الدين مع جمال الدين- وجمال أحد الشباب الذين أنقذهم الله على يد ناصر. وما أجمل أن يردد (لا ندري بأيهما نفرح بعمل مستشفى المجاهدين أم بوصول تقي الدين وجمال الدين) وهي أيام ثلاثة فما ارتوت الأرواح من ظمئها ولا خفف اللقاء من شوقها:

عدتم إلينا فما ابتلت جوانحنا شوقا إليكم ولا جفت مآقينا

(المآقي: جمع مؤق حجرة العين التي يتجمع فيها الدمع).

إنها أيام ثلاثة فقط يلتقي الأستاذ مع تلميذه ثم اختطفت رحى المنايا الدائرة روح جمال الدين وكان وصول الإخوة في الأسبوع الذي استشهد فيه (وسيل) -قائد الإتحاد في شكردرا- وقد كان غضنفرا هصورا في ميادين الوغى, وقد ترك في نفوس الجميع حسرة عميقة, ولذا فكان ذكره يتردد على لسان ناصر, ولا يعلم ناصر أنه بعد يوم أو يومين سيلتقي بوسيل إذا كتب الله لهما القبول وطارت الأرواح إلى حواصل الطيور الخضر في الجنة.

وجاء اليوم الموعود: حيث توجهت القوة الحكومية إلى شكردرا وفي اليوم الرابع صلى الإخوة صلاة الغداة (الفجر) وتلوا على عادتهم الورد القرآني بعد أذكار الصباح (المأثورات) وفي الساعة الثامنة والنصف جاء الخبر بوصول القوة, فهب المجاهدون إلى قمم الرواسي الشاهقة, أما ناصر فقد توجه إلى مكان الوضوء وتقي الدين يستحثه الخطى ولكن ناصرا يصر على الوضوء قبل تسلق ذرى الجبال.

وبين صيحات التكبير والتهليل التي تردد أصداءها السفوح والقمم والهضاب وأسد الله الغضاب تصلي أعداء الله بشواظ النار قبل نار الآخرة وبدأت القوة ترتد على أعقابها خاسرة وتنقلب خائبة وهي تحمل معها قتلى المعركة كلاب النار, ونفذت قذائف الإخوة المجاهدين فانطلق ناصر مع تقي الدين لاحضار القذائف وفي الطريق إلى مخزن الذخيرة وتقي الدين يهتف بناصر للإسراع وقعت قذيفة بينهما ولم يكن بينهما سوى متر ونصف فأشاح تقي الدين بوجهه وأخذ بأنفه من غبار القذيفة.

وانجلى الغبار وأقبل تقي الدين ليطمئن على أخيه ناصر وإذا بالشظايا قد أصابت منه مقتلا وحمله تقي الدين إلى المغارة وبدأ يقرأ عليه سورة (يس) وأوداج ناصر تشخب الدم الزكــي.

وقبل أن ينهي تقي الدين السورة للمرة الثالثة صعدت الروح الطيبة إلى بارئها بعد أن بلغت بمسيرتها وأشهدت وأقامت الحجة على من تخلف, فلطالما كان وهو يتفقد الساحة فلا يجد فيها الدعاة والأطباء فيقول: بماذا يجيب العلماء والدعاة والأطباء ربهم يوم القيامة عن تخلفهم عن الجهاد في سبيل الله, لقد أرسل إلي ناصر رسالة صوتية يطلب بها أن نرسل إليهم طبيبا أو دواء وقال: لقد جاءت فتاة صليبية لتعالج الجرحى فأين المسلمون?!

بل لقد سمعت أبا الجنيد بعد رجوعه من فرياب وهو يرى حاجة الساحة للأطباء, وقد نقل لنا بالصورة المسموعة: أرجل الجرحى وهي تقطع بمنشار الخشب.

أقول لقد سمعت أبا الجنيد يقول: إن هذا القطع بالمنشار مع بقاء المجاهد الجريح حيا , لقد تعلم هذا بعشرة إلى عشرين ممن قتلهم وهو يحاول نشر أرجلهم أو أيديهم.

وقال أبو الجنيد وهو يعيش أزمة الغياب المذهل للأطباء عن الجهاد: أظن أن الأطباء سينالهم عذاب شديد يوم القيامة بسبب تخلفهم عن انقاذ جرحى المعارك.

فهل يسمع نداءهم عشرات الألوف من الأطباء في العالم الإسلامي بل قد تجد البعض من هؤلاء لا يستطيع أن يعمل في بلاده بدون أجر في مستشفيات الدولة (إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون) وعند الله تجتمع الخصوم.

ونرجو الله عز وجل أن يتقبل شهادة أخينا ناصر ويجمعنا به في الفردوس الأعلى.

الشهيد جمال الدين الجزائري (رشيد الغولي):

قال أبو محمد: إني لأرى رشيدا يأكل من يد الحور العين.

من وادي الجهاد أقبل شهيدنا رشيد, وفي جنبات هذا الوادي ترعرع, ومع أترابه من أبناء الحركة الإسلامية نشأ وسار, وماهو مبرر وجود الحركة إن لم يكن الجهاد أول برامجها, وماذا ستعمل الدعوة إن لم تعد للأمر عدته وتتخذ للشأن أهبته? وماذا عساه يكون حديث سامرها وحداء ركبانها إن لم يكن حديث البيض والسمر والصفاح والعوالي والرماح والأسنة?.

ولكن من أين التذكرة? أما وقد اقتنع رشيد بالجهاد من خلال ما ترامى إلى مسامعه من مفاخر القوم في أفغانستان, ومن قصص البطولات الرائعة التي أعادت سير السلف وشجاعتهم إلى الأذهان حية قائمة شاخصة.

وليس أمام رشيد سوى أن يطلق الدراسة وينطلق إلى عمل من الأعمال مهما كان شاقا حتى يوفر من كد يمينه وعرق جبينه ما يستطيع به أن يشتري التذكرة, ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب, فإذا كان الجهاد لا يتم إلا بالوصول إلى أرض باكستان فالسعي لشراء التذكرة فرض.

وانتقل من الجزائر إلى تركيا لعله يحصل على التأشيرة ولكن أعياه الطلب ويئس من الحصول عليها من تركيا ثم غادر تركيا إلى سوريا وكتب الله له أن يحصل عليها بعد التي واللتيا وعندما وصل باكستان توجه إلى معسكر خالد بن الوليد ثم بعد أن أتم تدريبه توجه إلى خوست ثم إلى ننجرهار/جلال آباد, وكان مختصا بالرمي على الأسلحة الثقيلة وقد أحبه الأفغان حبا شديدا وقد كلفه القائد الأفغاني بالتحقيق مع الهاربين وانتشر صيته بين الشيوعيين حتى أصبحت له رهبة ورعب في قلوب أعداء الله.

وذات يوم أصاب القصف الغرفة التي يحل فيها رشيد فسقط عليه جداران وأصيب بجراح خفيفة فجاء لعلاجها فاصطحبه تقي الدين إلى شكردرا.

وهناك التقى جمال الدين (رشيد) باستاذه ناصر وكان لقاء حارا بعد غياب طويل فقضى معه أياما ثلاثة مرت كأنها طرفة عين في نظرهم لشدة الأنس وجاءت الدبابات في اليوم الثالث لتقتحم الموقع الذي يربض فيه الإخوة العرب.

واخترط جمال الدين مدفعه (28) وحمله وصوب قذيفته نحو مدرعة متقدمة فأحرقها والتكبير من الشباب العربي يدوي في عنان السماء.

وهزم القوم الذين كفروا وأصبحت صيحات التكبير الممزوجة بفرحة الإنتصار تتعالى من هنا وهناك وصار الكفر المثخن بجراحه يخلي جرحاه ونزل تقي الدين لجلب القذائف ثم عاد وفي نشوة النصر الغامرة سأل تقي الدين عن جمال الدين وعثمان اليمني فرد الأفغان لقد صعدوا إلى قمة الملجأ فصعد تقي الدين ليراهما وإذا بأفغاني يصيح: شهيد شهيد فاستفسر تقي الدين فقال: اثنان من العرب قد استشهدا, وجاء تقي الدين وإذا بجمال الدين مسجى وقد وصل إلى ربه واستراح وترك في أعماق القلوب الجراح, وحمل الشهداء وبجانب أحمد الجزائري, والقائد وسيل دفن رشيد هناك حيث امتزجت الدماء واختلطت الأشلاء في معركة هذا الدين, وحتى تبقى هذه الأجداث شاهدا شاخصا أن معركة أفغانستان هي معركة العقيدة وأن العرب جزء من تاريخ أفغانستان الإسلامي الحديث, وأنهم لبنات صالحة قد أخذت مكانها في صرح المجتمع الإسلامي الذي نتوقع قيامه في كابل إن شاء الله.

بشرى عظيمة على لسان أبي محمد الجزائري: وقد جرح مع رشيد في نفس القذيفة وأصيب بشظايا في رأسه ونقل إلى بيشاور وكانت الآلام تشتد عليه أحيانا فيغمى عليه وأغمى على أبي محمد ذات مرة فقال:(إني لأرى رشيدا يأكل من يد الحور العين).

الشهيد ياسين الجزائري (عبد رب النور حميد):

(الفار من زواج الدنيا إلى زواج الآخرة).

من الوادي وأنعم به من واد, فكم قذف بفلذات الأكباد من الليوث والآساد, فقد جاءنا من وادي سوف وثبت في أرض الجهاد أكثر مما جاءنا من الجزائر بأسرها, وحسبك من الوادي الشهيد فوزي بن علي, ولا أدع ذكر الوادي قبل أن أدعو لأبي إبراهيم.

عائلته متدينة: شب وتفتحت عيناه على براعم الصحوة الإسلامية التي عم نورها البلدان الإسلامية, وض و ح شذاها أرجاء المعمورة, أنهى الدراسة الثانوية ثم عمل في وظيفة إدارية وخطب له أهله فتاة يريدون أن يمتعوا أبصارهم برؤية أحفادهم, وتمت الخطبة وبدأت الاعدادات للزواج وقبل البناء -العرس- بقليل وقعت أنظاره على مجلة من مجلات الجهاد فاسترعى انتباهه أمر جلل, إنه الجهاد في أرض البطولة والفداء وماذا بعد هذا?

إن العلماء يفتون بفرضية العين دون إذن الوالدين.

فيا نفس أي عذر لك أمام الله بعد هذا? وهل الزواج يصلح عذرا للقعود عن الجهاد? ألم يكن أصحاب رسول الله ص يتزوجون أو يهفون للزواج? وهل منعهم هذا عن تقديم أرواحهم لنصرة هذا الدين? أسئلة تتواتر وتترادف وخواطر تتوالى وتتوارد لم يعد يستطيع, أصبح ذهنه مشغولا في هذه الخواطر التي لم يعد يملك ردها.

وجاء القرار أخيرا : وأخيرا جاء القرار الحاسم بأن تكاليف الزواج يجب أن يشترى بها تذكرة توصله إلى الجهاد, وأما الزواج فلعله يكون في الجنة بالحور العين, ألم يقل الله -عز وجل- (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين).

تأشيرة باكستان: وانطلق ياسين مغادرا الجزائر, وطفق يبحث عن سبيل للحصول على فيزا الدخول إلى باكستان فتوجه نحو تركيا ولكن وجد أن تأشيرة باكستان دونها كثير من العقبات وذلك بسبب الضغوط العالمية -التي توجهها الأصابع اليهودية- على باكستان لأن العالم كله إنما ينتفض فزعا من الشباب المسلم الأعزل فكيف إذا حمل هذا الشباب السلاح, إن الشباب المجاهد غول يطارد أعداء الله في منامهم فيقض عليهم المضاجع.

وانتقل ياسين من تركيا إلى دولة عربية وبعد جهد جهيد وقد بلغت القلوب الحناجر يس ر الله له التأشيرة وأقبل إلى باكستان وأخذ قسطه من التدريب ثم إلى أين?

إلى وادي سوف الأفغاني (وادي شكردرا: وادي السكر) وقد لقي الإخوة فيه أنسهم بعد أن يس ر الله لهم أحد إخوة الوادي (أبا علي المالكي) الذي أصبح محل ثقة جميع القادة وكأن الأفغان ضيوف وأبا علي صاحب المنزل.

وفي شكردره: استلم ياسين دبابة من الغنائم وقد كانت له معرفة سابقة بالدبابات الروسية, وأصبح يقودها ويتحرك بها في المنطقة, وقد كان يخوض غمار المعارك يحمل كاميرة الفيديو ليسجل القذائف الملتهبة والدبابات المحترقة والمخازن المشتعلة.

سنة كاملة في وادي سوف الأفغاني (وادي شكردرة): ووجد ياسين في الوادي روحه وريحانه, وأقربائه وخلانه, فاستقر بها يبحث عن الموت ليسرع من زواجه بالحور.

في كريزمير: ولشدة القتل الذي يخلفه القصف الجوي والمدفعي بكل ما أبدعه العقل الروسي من وسائل التدمير والإبادة قل عدد المجاهدين في كريز مير (قرية في شكردرا).

وأبى الإخوة العرب أن يدعوا أهل القرية لمصيرهم المحتوم وهو الإستسلام للدولة فيما لو انسحبوا, واختاروا الموت على خط الدفاع الثاني لكابل.

ولقد استحر القتل بهم, والدولة تعرف مركز العرب, والمسافة مقيسة بالمتر, والقذيفة قلما تخطئ هدفها, أو تضل مسارها.

قال تقي الدين: وشهدت مع ياسين المعركة الأخيرة وقد صو ر احداثها الملتهبة وعاد إلى البيت ليلقي الكاميرا وجاءت قذيفة الموت التي أخذت معها رجله وجاء عبد الحق الجزائري وضمد الجرح الذي يثعب دما وأتينا بالحصان الذي نريد أن ننقله عليه إلى جارليز والطريق مسيرة ليلتين, وبعد مغادرة شكردرا بساعة صعدت روحه إلى بارئها.

ومضى ياسين إلى رب العالمين, ونرجو الله عز وجل أن يتقبله في الصالحين, وأن يزوجه الحور العين, وهكذا مضيت يا ياسين بعد أن علمتنا الكثير علمتنا أنه:

إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم


 


 


 


 

الشهيد شفيق إبراهيم المدني


 

(ويح أمه مسعر حرب لو كان معه رجال):

وهكذا مضى أبطال المأسدة الواحد تلو الآخر, وابتلعت أراضي جلال آباد أسدا بعد أسد وليثا إثر ليث. وأبو عبد الله أسامة يعتصر قلبه الألم كلما ودع فلذة من كبده أصابت كبده قذيفة جديدة فانتزعت فلذة جديدة ثم مضت وتركته يتلوى ألما وقبل أن يواسي جراحه يصيبه سهم جديد بجرح عميق وينكأ عليه ما كاد يندمل من قديم الجراح, ولسان حاله يردد مع كل مسافر إلى الله -عز وجلـ.

أبنت الدهر عندي كل بنت فكيف وصلت أنت من الزحام

جرحت مجرحا لم يبق فيه مكان للسيوف أو السهــــام

مضى أبو الذهب فقال لي أبوعبد الله: ما تألمت على أحد كأبي الذهب ثم لحقه خالد الكردي فقال أبو عبد الله: ما عز علي أحد كخالد ثم تبعه عبد المنان وعبد الرحمن المصري.

وأما في جلال آباد فقد اختطفت يد المنون شلوا لأبي عبد الله وهو أبوطارق المأربي (عوض العرادة) ثم انتزعت شلوا آخر وهو أبو قتيبة وهنا كان البكاء المر ثم اهتصرت الحتوف (الموت) شفيقا فلم يعد في النفس صبر على فراق الأحبة.

أما شفيق فحد ث عنه كما تشاء -من الشجاعة والإقدام والصبر والإحتمال- فهو من أصغر الناس الذين أقبلوا على الجهاد.

قدوه: أما شفيق فقد قدم سادس ستة تلاميذ أحد الدعاة المعروفين من المدينة المنورة منهم الشهيدان أبو قتيبة وخالد الكردي, ومضوا على الطريق الشائك ينتعلون شوك الغضى ويتجرعون غصص الأكدار, ولقد واكبت مسيرتهم منذ أيامهم الأولى وكنت أشفق عليهم, غض أهابهم, وطري عودهم, والأمر أكبر منهم والحمل ثقيل على كواهلهم, -وسبحان الله- إن أبعد شئ كان يمكن تصوره هو استمرار هؤلاء الشباب على هذا الطريق الدامي الأليم, ولكنهم ثبتوا بتثبيت الله لهم, وقصرت قمم كنا نحسبها أعمدة لهذا البناء الإسلامي السامق وفجأة افتقدناهم وكل له مبرراته بترك الميدان ولكن أتقبل عذرا عند الرحمن? إن هذا من الشك بمكان.

في معسكر أسامة بن زيد: وكان أسد الله أمير معسكر أسامة بن زيد شخصية جذابة لكثير من الإخوة العرب القادمين للجهاد لشجاعته وكذلك لقرب معسكره, فنزل إليه شفيق مع بعض إخوانه العرب, وإبان وجودهم في المعسكر حصل اقتحام للمعسكر من قبل الشيوعيين وقد ولج الشيوعيون نفس الغرفة التي فيها شفيق ونجا شفيق وأبوحنيفة بأعجوبة بالغة إذ أن الله قد ر لهما الحياة وفي اليوم التالي أراد المجاهدون استنقاذ المعسكر من أيدي الكفرة, وكان شفيق من الليوث الذين انقضوا على الأعداء مع (جل الرحمن) وأنقذ المعسكر واستشهد (جل الرحمن).

وطو ف شفيق بين المعسكرات الحدودية في بكتيا وكنر, وكان والده قد قدم إلينا من أجل إرجاعه والتقيت بوالده واستطاع أن يعيد ابنه إلى المدينة.

ثم زرت المدينة وإذا بشفيق يعمل في الحرم المدني فأخذني للزيارة ولم يطل به المقام وكأنما يتقلب على الخذم (الأسنة) وكان لابد من العودة ولو بأي طريق وعاد شفيق إلى أرض الجهاد وبعد لأي قدم أبو عبد الله أسامة متفرغا للجهاد وبدأ بإنشاء المأسدة وكان دون تأسيسها عقبات وأهوال وبدأها باثنين, شفيق وآخر وكان هو ثالث الثلاثة.

وبدأت المأسدة تنمو يوما بعد يوم ولكن الزمهرير الذي احتمله الإخوة من صقيع الشتاء في العام الأول لا يحتمله إلا أفذاذ الرجال وقد كنت مشفقا عليهم أن تنزل طائرة هليوكبتر فتلتقطهم أحياء وتعود بهم إلى كابل.

معركة المأسدة: رمضان سنة (7041هـ) وقدر الله لهذا المعسكر العربي الصغير أن يواجه هجوما شرسا من الروس والشيوعيين وكتب الله النصر للمسلمين وكان للشباب العربي المجاهد -بعد الله تعالى- دور مشكور في النصر المبين.

على أكتاف هؤلاء تقوم الأمم: قال أبو الشهيد الأرحبي: لقد كنت في المأسدة ويود كل واحد منا أن يجد لحظات للراحة لشدة الإعياء الذي ينهك النفوس, في هذا الوقت العصيب رأيت شفيقا بعوده الناحل يحمل الهاون على كتفه لينصبه في مواجهة العدو فقلت في نفسي (على أكتاف هؤلاء يقوم الجهاد) فقلت (بل على أكتاف هؤلاء تقوم الأمم).

شفيق يواصل المسيرة: واستمرت مسيرة الجهاد وزاد تدفق الشباب العربي إلى الجهاد على إثر معركة المأسدة واستمر شفيق ينتقل من موقع إلى موقع جنديا مجهولا , لا يتكلم عنه أحد ولا يعرفه أحد إلا الذين يعيشون في أكناف أبي عبد الله, وعمل في خوست, ثم انفجرت براكين جلال آباد, وأقبل شفيق ولا تجده إلا في المواقع المتقدمة التي تقع على أسخن خطوط النار, وبدأ الشباب يتساقطون في ميدان البطولة والإباء وشفيق مواصل مسيرته ينتظر مصرعه وما رأيت أبيات أبي الطيب أليق بشاب عربي شهيد من شفيق:

أقل بلاء بالرزايا من القنـــــا وأقدم بين الجحفلين من النبل

أعز بني الدنيا وليث إذا انبرى كأنك نصل والشدائد للنصـل

مقيم مع الهيجاء في كل موطن كأنك من كل الصوارم في أهل

(الرزايا: الشدائد. القنا: الرماح. الجحفلين: الجيشين: أي إن الرماح أشد تأثرا بالشدائد منك. انبري: ظهر. نصل: سيف. الهيجاء: الحرب الصوارم: جمع صارم وهو السيف القاطع: أي حيثما تكون المعركة نجدك وكأن أهلك هم السيوف).

وقد كنت كتبت هذه الأبيات لشهيد عربي آخر فعندما بلغتني شهادة شفيق قلت: إن شفيقا أولى بهذه الأبيات.

والحق أن هؤلاء الشباب الذين جاءوا صغارا إلى الجهاد وشبوا على نار محنته, ونضج عودهم على لهيب أتونه, لم يعد للخوف أي مكان في حياتهم, إذ كان شفيق يصل في دوريات الإستطلاع في المراكز القريبة من المأسدة أو في جلال آباد على بعد عشرين مترا حتى يسمع حديث الجنود في المركز ولو نطق لسان الواحد منهم شعرا لقال:

سبحان خالق نفسي كيف لذ تها فيما النفوس تراه غاية الألــــم

الدهر يعجب من حملي نوائبـه وصبر جسمي على أحداثه الح ط م

(نوائبه: جمع نائبه وهي المصيبة. الح ط م: الشديدة المحطمة).

الشهادة: وفي الثالث من ذي الحجة سنة (9041هـ) الموافق (5/7/9891م) أراد الشيوعيون أن يتقدموا على مركز الإخوة العرب وقد اغتنموا فرصة نزول الإخوة الأفغان لقضاء العيد بين أهليهم وعمل الكفار خدعة فأرسلوا ثلاث دبابات على الطريق العام نحو "خوش كنبد" و(كريز كبير), فامتشق المجاهدون قاذفاتهم الصاروخية لمواجهتها, وبعد قليل بدأت الدبابات تبرز من خلال التلال المجاورة ودهش الإخوة لهذه المفاجئة فتقدم أحد الإخوة بمدفع (28) فلم يطلق, ثم تقدم شفيق على مدفع (57) وأطلق مجموعة من القذائف على الدبابات ولكنها كانت كثيرة ومتقدمة فاطلقت عليه دبابة قذيفة فأصابته وتناثرت أشلاؤه في الهواء ثم تراجع الإخوة العرب وأحرق أبوعبيدة المخازن والدبابات تطاردهم وجرح شاب وحاول الإخوة حمله ولكن الدبابات كانت جد قريبة وتطاردهم فلم يكن لديهم أي فرصة فطلب الأخ الجريح تركه وانسحب الإخوة العرب, ودخل الأعداء هذا المركز الذي أقض مضاجعهم ثلاثة أشهر متتالية لا يهدأ لهم بال ولا يقر لهم حال.

وهكذا تمزق شفيق يجمعه الله من حواصل الطير وبطون السباع (لولا حزن صفية لتركتك يجمعك الله من بطون السباع وحواصل الطير).

ونرجو الله أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى وأن يعوضنا وأهله خيرا منه.

الشهيد حبيب (محمد المشاري العرعري):

قبل سبعة أشهر وفد إلى الجهاد مع أخوين له ثم عاد الأخوان وبقي مستمرا في أرض الجهاد ليكتب الله له الشهادة فيها.

قدم أولا إلى معسكر صدا ثم إلى خلدند وعشق خلدند وأحبها حبا لا يستطيع معه مفارقتها وأتقن السلاح حتى يستطيع منازلة أعداء الله وقد أعد نفسه وروحه للجهاد.

فقد كان صواما قواما كما يقول أبو الدرداء: (قليل من العمل قبل القتال وإنما تقاتلون بأعمالكم), ولخلدند موقع متقدم على خط التماس الساخن, وكان التراشق بالهاون مستمرا متبادلا وأصابته ذات مرة شظيه في يده وعافاه الله, وقد شارك أخيرا في عملية بجانب سوق خوست وقد استشهد فيها (81) مجاهدا وعاد سالما .

وإذا الكتيبة عردت أنيابها بالسمهري وضرب كل مهنـــد

فكأنه ليث على أشبالـــه وسط الهباءة خادر في مرصد

(السمهري: الرمح. مهند: سيف. الهباءة: الغبار. خادر: أسد في عرينه. مرصد: كمين يترقب صيده).

وفي الليلة التي سبقت استشهاده كانت رماية العدو كثيفة وشديدة مما اضطر قائد المعسكر أن يسحب نصف الإخوة المتقدمين في خط النار الأول وكانت المدفعية ورشاش الشيلكا (32) ملم يصلي المجاهدين بوابل من أمطار قذائفه.

وعاد حبيب من خط النار فأصابته طلقة فاخترفت رئته وكتفه وصدره فسقط على الأرض وهو يقول لإخوانه: إني لأشعر بوخز في صدري فأرادوا حمله إلى الغرفة دون أن يعلم أحد أنه أصيب فوجدوا دماءه تسيل فنقلوه بسرعة إلى مستشفى صدى وعلى الطريق صعدت روحه إلى بارئها.

رائحة المسك: ومع خروج الروح الطيبة بدأت الرائحة الطيبة تفوح مسكا في السيارة. قال لي أحد الإخوة: ما شممت رائحة أطيب من الرائحة المنبعثة من دمه, ولقد أصاب شئ من دمه ثياب الطبيب في صدى وعاد الطبيب إلى بيشاور وبقيت ثيابه تعبق شذى عطريا , ونرجو الله -عز وجل- أن يكون طيب دمه وجرحه يوم القيامة أشد وأزكى وأنفذ وأعبق.

وبقيت كلمة أخيرة عن عرعر: فقد جاءنا إلى الجهاد من هذه البلدة الطيبة عدد كريم من الإخوة, وكان لهم أثر عميق في نفوس الذين خالطوهم سواء من القسم الذي عاد إلى عرعر أم من القسم الذي بقي يواصل المسيرة فوق أشواك الطريق الدامي ونرجو الله أن يجزيهم عنا خير الجزاء.

ونرجو الله أن يخلف على أهل الشهيد خيرا وأن يجعله شهيدا وشفيعا لهم يوم القيامة إنه سميع قريب مجيب.

الشهيد أبو رياض (محمد سعيد الزهراني):في عمر الورود مضى, وفي نضارة الشباب قضى, لم يدرك العشرين بعد. أحب أستاذه (رياض) فكنى نفسه أبا رياض, وقد صمم أستاذه أن يأتي ببعض تلاميذه ليعيش معهم في أرض أفغانستان يتلقون العلم والعمل معا ومعهم قائدهم وجاء الإخوة من المنطقة الشرقية في السعودية وقد شكلوا سرية أعدت نفسها للدخول وقد جمعوا بعض الأموال لأحياء المنطقة الأفغانية (غوربندـبروان) ببعض المشاريع خاصة مشروع كفالة الأيتام وإقامة مستشفى ومدارس.

وكتب الله لأستاذهم أن يحضر دون الدخول لحاجة الإخوة العرب لتربيته وتوجيهه ومضى الشباب في سبيله إلى غايتهم مع الجارود كبيرهم الذي قضى في العام الماضي قريبا من عام من الزمن هناك.

ودخل الإخوة بروان وصاروا يذرعونها من كوهستان إلى غوربند يريدون أن ينفذوا المشاريع التي كلفهم أصحاب الأموال بتنفيذها وبعد ستة أشهر تقريبا أراد (أبو رياض) أن يعود إلى بيشاور. وحزم متاعه مع أخوين من ليوث الله وعادوا, وعلى الطريق محطات للراحة, ويحلو للإخوة العرب أن ينزلوا في المكان الذي يتواجد فيه العرب.

محطة شكردرا: وعند أبي علي المالكي نزل في (وادي سوف الأفغاني) حيث تجمع مجموعة من الشباب الجزائري الراجع إلى الله والمقبل على الجهاد, وهذه منطقة ساخنة لا تتوقف فيها المدافع عن أمطار حممها المتصببة يوميا -تقريبا -, وكتب الله للإخوة أن يشهدوا وقعة في شكردرا ثم جاءت القذيفة التي تناولت معها أرواح ثلاثة إخوة وهم (أبو رياض, وعماد الدين, وسيف الدين).

اطلعت على رسالة موجهة إلى أهله تشف عن نفسية صافية وتنم عن قلب متجه إلى الله -عز وجل- وما أجمل القلوب التي تصفو قبل أن تغرق في مستنقع الدنيا يدنسها الحسد وينجسها الحقد, ويشوبها الرياء. نفوس طاهرة لم تفسد بعد بالأهواء ولا تعرف الالتواء يقول فيها (أوصيكم بالجهاد لأنه ذروة سنام الإسلام ولأنه -إن شاء الله- ينجينا من عذاب أليم, وإن حلاوة الجهاد لا يعرفها إلا الذي خاضها, كما أوصيكم بالصلاة والصوم والصلاة على النبي ص حتى يكون شفيعا لنا يوم القيامة.. وإلى اللقاء بكم في جنات عدن).

رحم الله أبا رياض ونرجو الله أن يجزي أستاذه رياضا الخير وأن يجمعنا به في الصالحين.

الشهيد المهندس شمس الدين الأفغاني:

أكتب عنه مع أنني لا أكتب عن الأفغان لكثرتهم ولأن وقتي لا يتسع لذلك وكان بودي أن أكتب عن القادة الأفغان لأن تاريخهم بوارق أمل كبير للأمة الإسلامية وهم نماذج نحتذي بها على الطريق لمن أراد أن يحطم قيود العبودية وينبذ أغلال الذل, وقد اكتفيت في زاوية الشهداء أن أكتب عن كثير من الشهداء العرب والذين يسعفني الوقت بالكتابة عنهم ولكني كتبت عن القائد صفي الله أفضلي لما بيني وبينه من صلات وثيقة ومحبة عميقة وعن موحد وعبد الفتاح والآن أجدني مدفوعا للكتابة عن هذا الشهيد لكثرة الثناء والإطراء الذي سمعته من أفواه الإخوة عليه.

في (درزآب) ولد شهيدنا شمس الدين, وكان همه البحث عن جبهة ساخنة يعمل بها ويقضي بها نحبه ويلقى بها ربه, فقد ترك أهله منذ خمس سنوات يطوف بين الولايات واستهوته شولكر البلد الذي أقام به ذبيح الله مؤسس الجهاد في بلخ وهناك أصبح راميا على السلاح الثقيل (الزيكويك) ثم ترك شولكر يبحث عن الموت فوصل بدخشان ثم ود عها إلى تخار وأخيرا جاء إلى بيشاور.

وفي بيشاور التقت به سرية حمزة بن عبد المطلب بقيادة أبي الجنيد وعلم أبوالجنيد أن شمس الدين مهندس أسلحة فهو يصلح معظم أنواع الأسلحة وتمسك به أبوالجنيد وعرض عليه أن يرافقه إلى فارياب لأن فيه المعهد الإسلامي (للتربية الإسلامية والعسكرية) وسار مع القافلة (علـ- م فصلا كاملا في ألمار عن العلوم العسكرية والتربية الإسلامية).

كان يصدع بالحق حيثما كان, واستقر المقام به أخيرا في مركز ميمنة عند (سيد علاء الدين) أسخن جبهة في فارياب وقد عرف عن علاء الدين الشجاعة والإقدام والنكاية بأعداء الله ويتغنى الناس بشهامته وعزته فعندما رآه أحبه كثيرا والتقت الأرواح مع بعضها وكما قال ص (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) وازدادت المحبة بينهما وأراد علاء الدين أن يربطه رباطا وثيقا بالمنطقة فعرض عليه الزواج وألح عليه وأعانه عليه قائد آخر (سيد نوران أكبر) وأخيرا كتب الله له عقد الزواج على امرأة من القوم.

ولكن الله حبب إليه الجهاد حبا ملك عليه مشاعره ونفسه, وأحب أوقاته أن يجلس إلى أنيسه وجليسه يتحدث إليه وهو السلاح الثقيل يصلحه أو يمسحه أو يجربه وكان ماهرا بإصلاح الأسلحة.

قال له أحد الإخوة العرب: لقد تزوجت الجهاد, فأجاب شمس الدين: لقد زوجوني من بنات حواء رغم أنفي.

رحلة الوداع: وفي معركة (كروان باشي) كان اللقاء مع أعداء الله, ودارت رحى الحرب وحمي الوطيس, وانطلقت الليوث الخادرة من عرينها ويحلو للشاعر أن يتغنى بهم قائلا :

إذا هم ألقى بين عينيه عزمـــــه ونكب عن ذكر العواقب جانبــــا

ولم يستشر في رأيه غير نفســـه ولم يرض إلا قائم السيف صاحبـا

سأغسل عني العار بالسيف جالبا علي قضاء الله ما كان جالبـــــا

ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت يميني بإدراك الذي كنت طالبـــا

(تلادي: مالي القديم).

وأقبلت شعوب (المنية) تنشب أظفارها وتستل روح شمس الدين ورضوان (السعودي) في هذه المعركة, ويمضيا على الطريق. ونرجو الله أن يبلغنا وإياهم منازل السابقين.

مضى شمس الدين إلى الله وهو في سن التاسعة والعشرين.

الشهيد أبو عاصم الصنعاني (عادل حسني الوادي):

بعد أن أتم حراسته في ليلة يوم الإثنين (3/7/98 91م) في مركز قباء أحد المواقع المتقدمة للمجاهدين حول مدينة جلال آباد التي قضى فيها معظم أيام جهاده, صلى الفجر ونام في خندقه.

كان القصف في تلك الليلة شديدا ومتواصلا , ففاجأته قذيفة هاون (021) ملم وانفجرت بين قدميه, وكانت أول كلمة ينطقها بعد إصابته (حسبي الله ونعم الوكيل) ثم ردد الشهادة, وبقي يرددها حتى صعدت روحه إلى بارئها راضية مرضية بإذن الله.

ولد الشهيد عادل حسني الوادي (أبو عاصم الصنعاني) في اليمن سنة (0791م) وهو ينتسب لأسرة كريمة, محافظة,.. عاش ينهل من القرآن وعلومه, ويسعى إلى إقامة الإسلام في كيانه, وأهله, ووطنه.

كان يرى العالم من حوله ظلاما دامسا ويرى أن كثيرا من الناس يعيشون في عالم الغفلة والنسيان, وفي مستنقع عبودية النفـــس والهـــوى والشيطان.

تلفت هنا وهناك يبحث عن إشراقة شمس ونور جديد وتاريخ مضئ.. فبزغ الفجر على فؤاده وظهر الدرب أمامه, عندما سمع عن الجهاد في أرض أفغانستان, عندما سمع النادي يقول: ياخيل الله اركبي وإلى الله ارغبي.

ودع أبو عاصم أسرته الصالحة وأحبته وأترابه وارتدى حلة الجهاد, وصاح بأعلى صوته لبيك يا أرض الجهاد, وهاجر بروحه وماله, تاركا كل شئ, ينشد العزة, ويطلب من الله النصر والثبات.

كان رحمه الله يلح في الدعاء والرجاء, ويكثر التقرب إلى الله ليمن عليه بالشهادة.

هكذا مضى الشهيد أبو عاصم رافعا رأسه بأعز موتة بل أعز حياة في سبيل الله, وقد ذكر الأخ أبو محمد اليمني والأخ أبو عنتر اليمني أنهما استروحا رائحة طيبة تفوح من جسده بعد استشهاده (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون).

الشهيد أبو دجانة الجزائري (عناية محفوظ/خميس مليانة):

من رواد المساجد, تربى في حلقاتها, وصقل روحه بين جنباتها, ثقافته الإسلامية صقلت من خلال هذه الحلقات, كان يتفانى في خدمة هؤلاء الذين عرفهم في بيوت الله, وقد كان شغوفا بسماع الأشرطة التي تفد إلى الجزائر من وراء البحار, وذات يوم ترامت إلى مسامعه أخبار الجهاد الأفغاني وحكمه الشرعي بأنه فرض عين, فعمل هذا الشريط في نفسه عمله وأصبح يتقلب على مثل شوك الغضى, فأقض عليه مضجعه وأرق له أجفانه وصار لسان حاله يردد:

أبرحت يامرض الجنون بممرض مرض الطبيب له وعيد الع و د

وكان لابد من التفكير بوسيلة لي لحق بجسمه روح ه التي سبقته لترتوي من نهر كابل أو هلمند أو هاري رود.

وبدأ يتردد على أبواب السفارة الباكستانية ويطرق أعتابها ويقرع أبوابها فما وجد إلا صدا وما استمع منها إلا ردا .

التضرع في الأسحار: وذات ليلة قامها وابتهل إلى الله أن ييسر سبيله وأن يلبي رغبته, فيسر الله له التأشيرة وما كاد يصدق أنه قد نالها ولو فطن قلبه لقال (حلما أرى أم ذاك طيف خيال).

لم يعد عنده أي صبر على الإنتظار فطار إلى أفغانستان بجناحي روحه قبل أن تحرك الطائرة التي تقله جناحيها.

ولدى وصوله توجه إلى معسكرات الإعداد والتدريب والتوجيه.

التنقل بين الجبهات: وبعد أن أتم تدريبه أخذ يزاول الجهاد ويتنقل بين الجبهات وينتقي أسخنها وأشدها التهابا ثم يرجع إلى بيشاور يلتقط أنفاسه ثم يعاوده الحنين إلى مواطن الشهادة وتستحثه شهادة إخوانه السابقين لمواصلة الطريق.

هوة أنقذه الله منها: وذات يوم التقى به نفر من الشباب الذين التبس عليهم أمر الجهاد وأصبحوا يتحدثون بما يهز العزائم ويثبط الهمم فتأثر أبو دجانة بهم وأظلمت صورة الجهاد في نفسه ودخل الشيطان في مساربه يسو ل له العودة إلى الجزائر, فساق الله له أحد الشباب الناضجين الذين كشف الله عن بصيرتهم وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم, (نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحدا ) ووضح له حقيقة الجهاد وحكمه الشرعي وأن المشاكل التي تعترض المجاهد على الطريق هي جزء أساسي في هذه المسيرة المضنية لا تنفك عنها لأن البلاء ملازم لطريق الأنبياء -عليهم السلام- والصديقين والصالحين (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل).

العهد الجديد:

وهنا عاهد أخاه الذي أجلى الشك من نفسه والريب عن قلبه أن ينزل إلى جلال آباد ولا يرجع منها قبل أن يتم السنة, وهناك وفوق جبل قباء بنى عناية عشه الذي كان بعد فترة نعشه, وذات يوم جاءته قذيفته التي تحمل معها منيته وسار أبودجانة إلى الله ونجاه الله من التولي يوم الزحف (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار).

ومضى كأنه يعلم الأجيال قائلا:

دع المداد وسطر بالدم القاني وأسكت الفم واخطب بالفم الثاني

فم المدافع في صد العداة لــه من البلاغة ما يزري بسحبــــان

الشهيد ضرار عيسى موسى الشيشاني (محمد منصور):

(ضرار ولا خالد له).

ولد في الأزرق -قرية في صحراء بادية الشام- فتفتحت عيناه وترعرت نفسه مع عزة الصحراء وانطلقت نفسه مع الحرية التي يعبر عنها امتدادها وسعتها

إنما الإسلام في الصحرا امتهد ليكون كل مسلم أســـد

رباه والده على الأنفة والإباء ويذكر لي قصصا في صغره تعب ر عن نفسية الشموخ التي ترفض الذل وتأبى الهوان.

ما كان يغيب عن قلبه أنه ينتمي إلى قفقاسيا فقد رحل أجداده من هناك وقاتلوا مع الشيخ شامل الداغستاني وكان يحلم أن ينتقم من أولئك الذين ألقوا بمئات الألوف من أبناء قفقاسيا في منافي سيبريا يموتون جوعا وبردا , ولقد حدثني بعض هؤلاء أن آباءهم وأجدادهم في أيام ستالين قد وضعوا في المنافي دون طعام فكانوا يأكلون أولادهم الذين يموتون قبلهم.

لقد كان الروس يدركون أن هذا العرق شرس في حروبه ولا يمكنهم أن يخضعوا لأعدائهم بسهولة حتى قال الجنرال الروسي ولعله بافلوف (لقد كلفنا القتال مع الشيخ شامل من الخسائر ما يكفي لفتح البلدان الواقعة بين مصر واليابان).

فكانت الأحلام التي تراود ضرارا أن يستعيد هذا المجد المؤثل والعز الضائع ولعل والده قد سماه ضرارا تأسيا بضرار بن الأزور بطل الفتوحات الشامية.

في الكلية العسكرية: وتوجه هذا الشاب إلى الكلية العسكرية في الجيش الأردني ودخلها ليكون الطريق الحقيقي لإشباع طموحه وتحقيق تطلعاته, وتخرج من الكلية العسكرية ضابطا في قسم الهندسة وبدأ يخدم في الجيش وقد عرف في شبابه باستقامته ونظافة سلوكه, وصار يربى مجموعات من الشباب الشيشاني على الإسلام وعلى السير على هدي المصطفى ص.

اللقاء أول مرة: وأول مرة التقيت به على صفحات رسالة أرسلها إلى بعض أحبائه في بيشاور فأدركت من خلالها طموحاته وآماله, كان يفكر في ضرب موسكو, ويحذر من خطط الروس وألاعيبهم, ولمست عمقه وكان يحدثني بأشياء قريبة من الخيال وكأنه يردد:

إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجـوم

فطعم الموت في أمر حقيـر كطعم الموت في أمر عظيم

يرى الجبناء أن الجبن حزم وتلك خديعة الطبع اللئيــم

تطليقه الدنيا: مضى على ضرار أربعة عشر عاما في الجيش الأردني ثم ترامى إلى مسامعه أخبار الجهاد الأفغاني وتيقن أن هذا هو الطريق, وكان قد وصل إلى رتبة (رائد) في الجيش ولم يبق سوى عام واحد حتى ينال تقاعده, وحاول أن يصبر نفسه ولكن أنى تطيق البقاء? فقلت له عند قدومه إلى الجهاد هلا انتظرت سنة فتنال التقاعد? فقال ضرار (العام طويل), نعم العام طويل على جسد يحيا بلا روح فروحه قد سبقته ترفرف فوق جبال الهندوكوش.

طلق الدنيا وخاف الفتنة: أقبل ضرار وحيدا بعد أن حاول إحضار زوجته ولكنها أبت عليه وتركها ودنياها وجاء بكليته إلى الجهاد, عمل في التدريب, وفي الكلية العسكرية -عند الشيخ سي اف- وقد كان ممتلئا إعجابا وحبا وإجلالا للشيخ فكان يقول: قال أمير المؤمنين -سي اف- عمل في مجلة البنيان, وفي مرآة الجهاد (ماج), وعلق على فيلم (لا عزة إلا بالجهاد), اشترك في بعض المعارك مستشارا للشيخ سي اف, كان يعد بحوثا نظرية للجهاد والشؤون العسكرية لتطبيقها في أرض الفخار وقمم المجد.

لقد كان باختصار ممتلئا بالقضية معتزا بهذا الدين, يؤلف الأهازيج والأشعار عن صلاح الدين والقادسية وحطين ويحدو بها أثناء التدريب ويلقنها الشباب: يناطح السحاب بعزته, ويطاول السماء بشموخه وأنفته.

كنت أقول له: حبذا لو قللت من تحليقك في سماء آمالك حتى تكون أقرب إلى الحقيقة من أحلامك, وكأن لسان الحال أبلغ من لسان المقال يردد:

سبحان خالق نفسي كيف لذتها فيما النفوس تراه غاية الألم

رجوع ضرار إلى الأردن: وعاد ضرار وظننته سئم الطريق ومل المواصلة وإذا به يخطط لأمر آخر فقلب الأسد الذي يطوي عليه الجوانح لا يمكنه الإستقرار في حياة هادئة رخية ممتعة, فمحال أن يتحول المرجل الذي يغلي فجأة إلى جليد قاس والجو كله ملتهب حوله.

عملية خيالية: جاءتنا الأخبار عن عملية شبه خيالية يقتحم فيها ضرار الحدود نحو فلسطين ليكمن لدورية يهودية وتقوم بينه وبينها معركة يستشهد فيها ويمضي إلى ربه رافع الرأس ناصع الجبين ولم يترك لأحد عذرا وقد أقام الحجة على الناس, مضى وقد فس ر الحديث الشريف في عالم الواقع خير الناس رجل آخذ بعنان فرسه يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار إليها يبتغي الموت مظانه .

وحيد من الخلان في كل بلدة إذا عظم المقصود قل المساعد

فنرجو الله أن يتقبله شهيدا وأن يجمعنا به في الفردوس الأعلى.. آمين.

الشهيد أبو ياسر اليمني (عبده علي فارع البحري):

يا صديقي عن أي شيء كان سؤالك, في رحاب العقل يبحث عن جواب, أتفكر في الشهيد, كيف يترك منصب الدنيا, كيف يمشي في الطريق, ليس سرا يا صديقي تركه الدنيا وأن يمشي على سادتها مشي الزهيد, هكذا فكر الشهيد, نفسه تأبى الخضوع لأي قيد من حديد, من أنا من أنت دون عز, دون حكم الله في هذا الوجود, من أنامن أنت والساحة والحمراء والبيضاء تحكم بالنار والحديد, هل ترى هذه القطرات تفترش الطريق, إنها دم الشهيد, رسمت خطا علي طول الطريق, كتبت اسما عظيما , الجهاد يا شباب المسلمين هو الطريق.

ومضت قافلة فارياب تشق طريقها علها تلحق بركب العزة أو تضيء للدرب ولو بصيصا من نور خلال هذا الجهاد المبارك.

كل منا تداعب خياله لحظات الوصول لفرياب وكلما زادت مشقات ومصاعب الطريق ازددنا صبرا وجلدا فقد مضى علينا خمسة وأربعون يوما لم ننم فيها تحت سقف أو نفترش أريكة فالسماء سقفنا والأرض فراشنا.

ورغم وحشة الطريق إلا أن الأخو ة السائدة بين أعضاء القافلة كانت تضفي عليها أمانا واطمئنانا , ووصلت القافلة بعد شهرين من السفر, استقبلتها فارياب برجالها ونسائها وأطفالها وبعد أن أخذ كل منا قسطا من الراحة تفرقنا في أنحاء الولاية وكان على أبي ياسر الشهيد (عبده علي البحري اليمني) أن يرحل إلى مدينة منسية في حدود روسيا تسمى (انخوي) لم تطأها قدما غريب منذ مئات السنين, وهناك فكر أبو ياسر في إنشاء مركز عسكري لتدريب المجاهدين حسب تخصصه فهو عسكري ومن خريجي الحربية بصنعاء ولكن الظروف لم تهيء له إنشاء ذلك المركز فيمم شطر (ميمنة) مركز الولاية ثم رحل إلى تكاب شرين حيث حط رحاله هناك استعدادا للعملية ضد أعداء الله وفعلا بدأت المعركة واشتدت رحاها وزاد ضرامها وبدأ جند الله يقتحمون مواقع الشيوعيين ومعهم أبو ياسر, يقتحمون الحصن تلو الحصن, غير أن هناك مدفعا كان يشتت المجاهدين ولم يخرس بعد وكان على أبي ياسر أن يسكته, فأخرج قنبلة من جعبته وارتفع قليلا من الخندق والمجاهدون ينظرون اليه متى يلقيها من يده ولكن أبا ياسر انخفض فجأة وسقط على الأرض مضرجا بدمه, فقد مزقت سهام الردى جسده, وهناك في أعالي تكاب شرين دفن أبو ياسر بعد أن قطع الحزن عليه نياط القلوب ولكنه دفع مهر الحور كما قال لإخوانه أثناء صعود الجبال (صبرا فإن هذا مهر الحور), (وكان معروفا بيننا بصيام النوافل في السفر والحضر).

وداعا أبا ياسر فقد عشت عزيزا وهاجرت وحيدا ومت شهيدا -إن شاء الله- ولا نزكي على الله أحدا, وداعا أبا ياسر فقد دفعت ثمنا من أثمان ركود هذه الأمة ونحن على الطريق سائرون ولن تجد منا من يخون المسيرة.

الشهيد أبو مهاجر (محمد سعد اليمني):

من وصيته:

يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها

إخواني, لقد سمعت وحضرت كيف يموت كثير من الناس فلم أجد أكرم ولا أشرف ولا أعز من الشهادة في سبيل الله )

لم يكن هذا الشهيد الشاب ممن طال بهم الزمان في الجهاد ولم يكن ممن فتحت على أيديهم الفتوحات, ولم تظهر له خوارق الكرامات ولكنه رجل نظن أنه صدق الله فصدقه.

عبر إلى الجنة بأقصر طريق.. جاور ربه راضيا بقدره بل كان متشوقا إلى ذلك, والذي يلفت النظر قصة هذا المجاهد أن لبثه في الجهاد قصير جدا, فقد اختاره الله في أول مرة يشارك فيها في عملية ضد الشيوعيين على أرض جلال آباد وفي أول لحظة وطئت فيها قدماه أرضها ومما يلفت النظر في وصيته أنها مع قصرها فإن سطورها تنبيء عن عمق إيمان صاحبها وقوة يقينه (نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا) كما تنبىء عن رزانة وحكمة قلماتتوفر لدى الشباب ممن هم أطول منه باعا , وأقدم منه في أرض الجهاد.

حاول الشهيد السفر إلى أرض الجهاد ولكنه وجد معارضة شديدة من أهله بوضع العراقيل في طريقه حتى إن إخوة له ذكروا أنه اجتمع عدد من أفراد قبيلته لمحاولة اقناعه بالبقاء لأنه صغير السن تارة أو لأنه يجب عليه أن يكمل دراسته تارة أخرى ثم بالضغط عليه ولكن كان أقوى من ذلك كله, فإصراره وعزيمته كانتا أكبر من سنه, فمكث عاما كاملا ولسانه يلهج بذكر الجهاد والشهادة في سبيل الله ولم تضعف عزيمته ولم تخر قواه, يل كان في العام التالي أشد إصرارا فحاول مرة ثانية ونجح في استخراج جواز السفر وكسر كل القيود وانطلق إلى أرض الجهاد بقلبه وقالبه فكان يردد دائما قوله تعالى (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله اموات), وقول الشاعر:

أنا لله قد نذرت حياتي وسألت الله حسن الثبات

كان شديد الحب للجهاد, ما جلس في مجلس إلا وتحدث عن الجهاد محرضا إخوانه للذهاب معه, يقص عليهم مما يسمع من أخبارالجهاد, كان أمله بالله كبيرا , تصوره للجهاد واسعا , كان يريد أن يعد نفسه للجهاد في كل مكان وليس في أفغانستان فحسب, فأكمل الدورة التدريبية على أمل أن يشارك في عمليات جلال آباد ثم يعود ليأخذ دورة أخرى ليواصل الجهاد بإعداد أحسن.. ولكن الله اختاره في أول لحظة وطئت فيها قدماه أرض جلال آباد حيث أصر أن يشارك في أول عملية يشهدها ولم يرض بغير الصف الأول فجاءت قذيفة هاون لتأخذه هو والشهيد محمد هاشم معا , إلى جنات الخلد -إن شاء الله- فاختاره ربه إلى جواره وعجل له باللقاء (ويتخذ منكم شهداء) فنعم المجاهد, فقد تمنى الشهادة صادقا فصدقه الله وآتاه إياها -نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا -.

رحمه الله رحمة واسعة فقد ترك فجوة في قلوبنا التي كانت قد تعلقت به حبا في الله والله فقد كان يحترمه جميعنا مع صغر سنه وكان كثير الإستخارة في الأمور كلها, طيب الخلق, حسن المعشر يلهج لسانه كثيرا بذكر الجهاد ومتابعة أخباره.. ناصع المحيا لا تنقطع الابتسامة عن وجهه.. مع رجولة وحزم, يصفه إخوانه بأنه أكبر من سنه.

ألا رحم الله الشهيد (أبا مهاجر) وأسكنه فسيح جناته وأنزله منزلة الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا وألحقنابه في الصالحين إن شاء الله... آمين.