فنّ التعامل مع المجتمع

(1)

فنّ التعامل مع المجتمع

فنّ التعامل مع المجتمع

    لو أردنا أن نضع لافتة كبيرة في مدخل هذا الموضوع ، فهل سنجد أفضل وأعمق وأكثر إيحاءً من اللاّفتة التالية :

    « يا بنيّ ! اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك ، فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك ، واكره له ما تكره لها ، ولا تَظلِم كما لا تحب أن تُظلَم ، وأحسِن كما تحبّ أن يُحسَن إليك ، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك ، وارض من النّاس ما ترضاه لهم من نفسك ، ولا تقل ما لا تعلم وإن قلّ ما تعلم ، ولا تقل ما لا تحبّ أن يقال لك » .

    إنّها ـ باختصار ـ تقول لنا : اجعلوا المقياس بينكم وبين النّاس أنفسكم ، فالإيجابيّ بالنسبة لها إيجابيّ بالنسبة لهم ، والسلبيّ بالنسبة لها سلبيّ بالنسبة لهم . فلو أخذنا بهذه النصيحة الذهبية ، ترى ماذا يمكن أن نحصل عليه ؟

    1 ـ  بالعمل بهـذه القاعدة نصبح العادلين ، والعدل هو غاية الانسانية كلّها ، فليس خلق أرفع وأجمل وأنفع من العدل يسود بين الناس . فأنت حسب هذه القاعدة لا تنتظر العدل يأتيك من الآخرين ، بل إنّك تبادر إليه لتكون اوّل عامل به ، وبطبيعة الحال فإنّ الخير يستجلب الخير ، وانّ العدلَ يدفع إلى عدل مثله .

    2 ـ  بالعمل بهذه القاعدة الثمينة ، نكون قد حوّلنا ساحة الحياة الواسعة من ساحة مزروعة بالألغام والمتفجرات ، إلى ساحة تكثر فيها الواحات الجميلة والخمائل النضرة ، أي أ نّها تتحوّل إلى جنّة مصغّرة .

    فحين يكون الآخرُ ـ أخاً وصديقاً وزميلاً أو أيّ إنسان آخر ـ نصب عيني .. أستذكره في غضبي ورضاي ، وأعرف ما يزعجه ـ من خلال ما يزعجني ـ فلا آتي به ، وأعرف ما يحبّه من خلال ما أحبّه وأرضاه ، فأفعله ، فإنّني أكون أحد الساعين إلى تحويل جفاف الحياة إلى جنّة وارفة الظِّلال ، تجري فيها الأنهار ، وتحلق الفراشات ، وتعبق الأزاهير .

    يضاف إلى ذلك ، أنّ هذه القاعدة ليست إسلامية فقط ، إنّها إنسانية أيضاً ، والاسلام ـ كما هو معلوم ـ إنسانيّ في كلّ ما جاء به ، فحتّى أبناء الديانات الاُخرى يدينون بهذه القواعد الأخلاقية والاجتماعية ، بل إنّ بعض أخصّائيّي علم النفس والاجتماع يدعون إلى الأخذ بها في مجال التهذيب الاجتماعي وتطوير العلاقات الإنسانية .

    يقول مدير معهد العلاقات الإنسانية الأهلي في نيويورك (جيمس بندر) : « القاعدة الاُولى التي وصفها الحكماء هي تلك التي تمثّلت في القول الخالد : أحبب لأخيك ما تحبّ لنفسك »، فهو يصدّر بها لائحة القواعد التي تساعد على اجتذاب الناس ، ويعتبرها الخطوة الاُولى والمهمّة في الطريق إلى «الشخصية الجذّابة» .

(2)

    ويقول صاحب كتاب «كيف تكسب الأصدقاء ؟! » (دايل كارنيجي) : « أظهر ما استطعت من اهتمام بالناس ، فهو ثروتك التي تزداد نموّاً كلّما أنفقت منها » .

    فهل أنّ الطريق إلى الشخصية الاسلامية الاجتماعية الجذّابة .. تلك التي تُحِبُّ وتُحَبُّ .. تحبّ الناس ويحبّها الناس .. سالكة ؟!

    بكلّ بساطة نقول : نعم .. ولكن !

    وكلمة ( ولكن ) الاستدراكية كثيراً ما تقلب الصورة ، لكنّها هنا مجرد تنبيه إلى أن الـ (نعم) تحتاج إلى جهد معين نبذله في طبيعة التعامل مع الآخرين حتّى نحسنه ونتقنه ونجيده ، تماماً كما هو تعلّم أيّة مهارة من المهارات ، ففنّ التعامل الاجتماعي شأنه شأن أي فنّ من الفنون لا يتأتّى بالتمنّي ، إنّما هو حصيلة نشاط يبذله الشاب أو الشابّة ، وقد يبدو في البداية ـ كما هو طبيعة البدايات ـ صعباً لمن لم يتعوّده ، لكنّه مع مرور الأيام وتكرار التجربة والابتهاج بحصادها الوفير ، سيشكِّل متعة نفسية واجتماعية وروحية ما بعدها متعة ، يومَ تجد أ نّك وقد فتحت أحضانك للناس من حولك لتقوم لهم : أنا على استعداد إلى أن أضمّكم إلى قلبي .. وها أنذا أفعل !!

    ستجد أنّ الأحضان المقفلة التي سبق أن واجهك بها الآخرون ، لا تلبث أن تتفتّح بمجرّد أن تستشعر صدق حبّك واحترامك لها .. فليس أجذب إلى الحبّ من الحبّ ، وإلى القلبِ من القلب ، وإلى الألفة من الألفة ، وإلى حسن المعاشرة من حسن المعاشرة . يقول حكيم مجرّب : « أصحاب العقول حسّادهم كثيرون ، أمّا أصحاب القلوب فأصدقاؤهم كثيرون » !!

    وباعتراف جميع الأمم ، على اختلاف مشاربها ، فإنّ الانسان كائن اجتماعيّ يألف ويؤلف ، حتّى أ نّه لو عاش لوحده فترة من الزمن لاستوحش ، فهو في حالي ـ السعادة والشقاء ـ يحتاج إلى من يعيش معه دمعته وابتسامته، فيبادله فرحاً بفرح وحبّاً بحبّ، وهمّاً بهمّ وحزناً بحزن .

    ومن هنا ، فإنّ مقولة «الجحيم هم الآخرون» التي أشاعها بعض أدباء الغرب قد تنطلق من واقع يفتقر إلى دفء العلاقات الاجتماعية ، ومن وطأة الإحساس بالمشاكل التي يخلقها المجتمع غير المؤمن ، ومن أجواء المنافسة غير الشريفة التي تدفع أحياناً إلى تحطيم الآخر وازاحته من الطريق بكلّ الوسائل والطّرق .

    إنّ الإنسان المؤمن الذي يتّسم باللباقة واللياقة والدماثة لا يعيش هذه النظرة السوداوية للآخرين ، فهم قد يسبّبون لنا المتاعب ، لكنّنا ـ  بشيء من الحكمة وشيء من الصبر وشيء من المواظبة  ـ نعرف كيف نجعلهم أصدقاء .


 


 

(3)

    فممّا ينقل عن الرئيس الاميركي الأسبق (ابراهام لنكولن) أن سيِّدة سمعته يثني على أعدائه ، فسألته متعجّبة : أتخصّ بهذا الثّناء أعداء تسعى إلى تحطيمهم ؟! فقال : أوَ لستُ أحطّمهم يا سيِّدتي حين أجعلهم أصدقائي ؟!

    وقبل أن يكون (لنكولن) فقد تحرّك الأنبياء  (عليهم السلام) وسيِّدهم النبيّ المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) في اتِّجاه كسر عداوة الخصوم وإحالتهم إلى أصدقاء ، وبهذا النهج أيضاً تحرّك الأئمّة والأولياء الصالحون ، حتّى لقد تحوّل الكثير ممّن يحملون الضغينة في صدورهم إلى أصدقاء وأولياء يحملون الحبّ والولاء في قلوبهم لمن ناصبوهم العداوة والبغضاء .

    إنّه مبدأ إنسانيّ عظيم ذاك الذي يواجه الإساءة بالإحسان ، فهو إذ يصرع الإساءة فيجعلها ترفس كالذبيحة حتّى تلفظ أنفاسها ، يرفع من قيمة المحسن إلى درجة العفوّ الغفور ، وذلك خلق من أخلاق الله التي يجدر بنا كمسلمين أن نتخلّق بها .

    جاء في الحديث الشريف : « افعل الخير مع أهله ومع غير أهله ، فإن لم يكن من أهله فأنت من أهله » . فبهذا الاُسلوب الأخلاقيّ الرفيع ينتقل أحدنا من درجة (العدوانيّ المحارب) إلى درجة الذين ينشدون الحبّ والخير والسلام للآخرين ، والدرجة الاُولى قاتلة بينما الدرجة الثانية باعثة على الحياة .

    وعلى هذا ، فإذا أردنا مقياس رقي مجتمع ومستوى إنسانيّته وحضارته ، فإنّنا ننظر إلى كيفيّة تعامله الاجتماعي ، فإذا كانت قواعد السلوك وآدابه تحكم العلاقات بين أبنائه فإنّنا نحكم على أنّ المجتمع يدرج في مدارج الرقي ، وأنّ أبناءه الذين يراعون قواعد السير الاجتماعي كما يراعي سائقو السيّارات قواعد السير المروري ، هم على جانب من الوعي الحضاري التواصلي الراقي .

    ويخطئ من يظنّ أنّ القواعد والضوابط والآداب الأخلاقية تقيّد الفرد وتعيق حركته في المجتمع ، أو أ نّها تتعارض مع معنى الحرِّيّة ، فإشارات المرور هي لضبط حركة السير ، وتقليل نسبة الحوادث المؤسفة ، وللحفاظ على السلامة العامّة ، لا لشلّ الحركة المروريّة ، وكذلك قواعد السلوك فإنّها تبعث على الشعور بالأمان والتناغم والتحابب وحسن المعاشرة وسعادة الجميع .

    إنّنا إذاً اجتماعيون بطبعنا ، وهذا ما أكّدت عليه أحاديث شريفة كثيرة ، منها : « من يخالط الناس ويصبر على آذاهم خير ممّن لم يخالط الناس ولم يصبر على أذاهم » ، وفي حديث آخر «خالط الناس ودينك لا تكلمنّه » ، وفي آخر « الانقباض من الناس مكسبة للعداوة » .

    فهناك إذاً دعوة إسلامية واسعة النطاق لأن نُنشئ شبكة من العلاقات السليمة الحسنة مع الدائرة الإسلامية الأوسع ، وليس فقط مع المسلمين من أبناء ديننا ، شريطة الحفاظ على تعاليم وقيم وأخلاق ديننا الإسلامي وقواعده الشرعية .

(4)

    فالذي يهرب من الناس مؤثراً العزلة ، والذي يلقي بمشاكله على شمّـاعة الآخرين ويعتبرهم «الجحيم» ويتذمّر من سوء تعاملهم وسلاطة ألسنتهم لا يريد أن يعيش الواقع ، وهو حريّ به أن يشعل شمعة أو شمعتين  بدلاً من أن يبقى يطارد الظلام بلعناته التي لاتزيح أنملة من عتمة.

    قال موسى (عليه السلام) يناجي ربّه « ربّ نجِّني من ألسنة الناس . قال : يا موسى ! أنت تطلب شيئاً لم أصنعه لنفسي » . وفي القصّة الشهيرة التي تتحدّث عن أب وابن وحمارهما عبرة لمن يريد أن يعتبر ، فكيفما تعاملا مع حمارهما لم يرض الناس عنهما ، فرضا الناس غاية لا تدرك .

    شيء واحد يمكن أن يرضي الناس عنك ، ويجعلهم يأنسون بك وتأنس بهم هو انصافهم من نفسك ومخالقتهم بخلق حسن . فلقد أتى أعرابي من بني تميم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له : أوصني . فكان ممّا أوصاه به : « تحبّب إلى النّاس يحبّوك»، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم » ، وهذا ما استوحاه الشاعر في قوله :

لا خيل عندك تهديها ولا مال***فليُسعدِ النطق إن لم يُسعدِ الحالُ

    ولذا جاءت الدعوة الاسلامية الرائدة إلى أن نكون دعاة للناس بغير ألسنتنا ، فالتقوى دعوة إسلامية ، والورع دعوة إسلامية ، والمعاشرة الطيِّبة بالتي هي أحسن دعوة إسلامية، والصدق في الحديث ، والمعاملة المخلصة ، والرفق ، وانصاف الناس وعدم بخسهم أشياءهم ، كلّها دعوة إسلامية بليغة ومؤثرة أعمقَ التأثير بما لا تستطيع أن تفعله الكلمات أنّى كانت على جانب من البلاغة .

    فلقد أثّرت صحبة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ليهودي يسكن خارج الكوفة في تشييعه له إلى حيث يسكن ، في نفسية ذلك اليهودي الذي تعجّب من هذا الخلق الذي تعلّمه عليّ (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فكان مدعاة لأن يُسلم على يديه ، وفي بعض أمثال الشعوب « الأعمال تتكلّم بصوت أعلى من الأقوال » .

    ومن المؤسف هنا ، أنّ بعض شبّاننا وشاباتنا يتّخذون أحياناً من الأمثلة والنماذج السيِّئة قدوة لهم ، فيفقدون بذلك اعتبارهم الاجتماعي بين الناس ويرتضون لأنفسهم التبعية السلبية المرفوضة والمذمومة ، فقول « حشر مع الناس عيد » هو قول «الإمّعة» الذي يقول : أنا من الناس وأنا واحد من الناس ، وقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكون المسلم إمّعة لا يعرف نجد الخير من نجد الشرّ ، فالامّعة هو أخو ذاك الشاعر الجاهلي الذي يقول :

وما أنا إلاّ من غُزيّة إنْ غوتْ***غويتُ وإن ترشد غُزيّة أرشدِ


 

(5)

    فمن بين اُصول هذا الفن (فنّ التعامل مع المجتمع) أن تكون قدوة غيرك في الخير ، وإذا كان لك أن تتأسّى فبأولئك الذين هداهم الله ، وأحسن خُلقهم ، وطيّب معاشرتهم ، ونفع بصحبتهم ، ودعا إلى الاهتداء بهديهم (أُولئِكَ ا لَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ )() .

    عن معاوية بن وهب ، قال : قلت لجعفر الصادق (عليه السلام)  : « كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس ممّن ليسوا على أمرنا ؟ قال : تنظرون إلى أئمّتكم الذين تقتدون بهم فتصنعون ما يصنعون ، فوالله إنّهم يعودون مرضاهم ، ويشهدون جنائزهم ، ويقيمون الشهادة لهم وعليهم ، ويؤدّون الأمانة إليهم » .

    وانطلاقاً من كلّ هذه المقدّمات فإنّنا سنحاول الإجابة على أربعة أسئلة تصبّ في عنوان الموضوع ، وهي :

    1 ـ  في خصوص الشخصية الإسلامية الجذّابة .. كيف يمكن أن تكون مؤثراً في الناس ؟

    2 ـ  وبشأن آداب التعامل .. كيف يمكن أن نتواصل إجتماعياً ؟

    3 ـ  وحول المنفّرات في العلاقات .. ما هي العوامل التي تفسد العلاقة وتسيء إلى الصحبة والمعاشرة ؟

    4 ـ  وأمّا بالنسبة لعيّنات من القدوة الحسنة .. فما هي بعض التطبيقات العملية للشخصية الصالحة الجذّابة الرائدة التي أحسنت التعامل مع الآخرين ؟


 

أوّلاً :  كيف تكون مؤثراً في النّاس ؟

    يكاد يكون حسن التعامل واللباقة ودماثة الخُلق لغة عالمية مشتركة ، إذ يندر أن تجد مجتمعاً ينبذ الصدق ويكره العدل ويحبّ السرقة والظلم والعدوان ، وإذا وجد مجتمع كهذا فهو مجتمع بدائي متخلِّف يعيش خارج إطار الإنسانية المتحضّرة ، فهو الشاذّ الذي لا يُقاس عليه .

    من هنا كانت المواعظ والحكم والوصايا والنصائح في مختلف الشرائع والأديان واحدة أو قريبة الشبه من بعضها البعض ، ذلك أنّ الإنسان واحد ـ وإن تنوّعت الفوارق الفردية ـ ، وأنّ مصدر الرِّسالات واحد ، وإن تعدّدت تعاليمها ، وأنّ غايتها واحدة في إنزال مكارم الأخلاق منزلة الحركة اليومية المعاشة في حياة الناس ، فليس غريباً أن تكون غاية الرِّسالة الخاتمة ما قاله الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)  : « إنّما بعثت لاُتمِّم مكارم الأخلاق » . ولذا فإنّنا سنعمد إلى ما تشابه من هذه القواعد الأخلاقية وآداب السلوك الجذّابة والفاعلة والمؤثرة في كلّ وقت وكلّ مكان .

    فمن بين طرق اكتساب اللباقة واللياقة الاجتماعية :

(6)

    1 ـ  الإبتسامة :  فهي مفتاحٌ سحريّ نفتح به قلوب الناس . فهذه الاشراقة العذبة الجميلة التي تتندّى بها الشفاه ويضيءُ بها وجه أحدنا تنطق بكلمات شاعرية شفّافة .. تقول للآخر : أنا أحبّك .. أنا أسالمك .. وأنا أريد أن أعقد معك علاقة ودّ لا تنفصم ، تنبع من القلب وتطفح بالصدق على الشفتين والوجنتين والعينين .

    إنّها ساحرة .. لأنّ الآخر ـ شاء أم أبى ـ سوف يقابلها بمثلها أو بأحسن منها ، فإذا الاشراقةُ إشراقتان ، وإذا الحبُّ حبّان ، وإذا قرار السلام قراران . ففي الحديث الشريف : « تبسّمك في وجه أخيك صدقة » .

    وفي قواعد السلوك العامّة : « ابتسم .. تبتسم لك الدّنيا ، واعلم أ نّك حين تبتسم تستخدم ثلاث عشرة عضلة من عضلات وجهك ، في حين أ نّك تستخدم (74) عضلة إذا عبست » !! فلم إتعابُ العضلات فيما لا يجدي نفعاً ، أو فيما تكون نتائجه وخيمة ؟!

    وفي هذه القواعد أيضاً : « إنّ قسمات الوجه خير معبّر عن مشاعر صاحبه ، فالوجه الصبوح ذو الابتسامة الطبيعية الصادقة خير وسيلة لكسب الصداقة والتعاون مع الآخرين . إنّها أفضل من منحة يقدمها الرجل ، ومن أرطال كثيرة من المساحيق على وجه المرأة ، فهي رمز المحبّة الخالصة والوداد الصافي » .

    فلِمَ البخلُ إذاً ؟!

    ابتسم للجميع صغاراً وكباراً ، وسترى أ نّك تحفّز الآخرين على الابتسام وتشيع جوّاً حميماً دافئاً وناعماً من الوئام ، وتبدِّد الكثير من سخام القلوب والأضغان والأوهام ، فـ « حسنُ البشر يذهب السخيمة » . والابتسامة ـ كما يقول العارفون المجرّبون ـ لا تكلِّف شيئاً ولكنّها تعود بخير كثير ، ولقد عرف عن أهل الصين قولهم : « إنّ الذي لا يحسن الابتسام لا ينبغي له أن يفتح متجراً » فالابتسامة بائع ناجح .

    2 ـ  المصافحة :  وهي تعبير حار عن انطواء قلبِ المصافح على الحبّ لمن يصافحه ، فهي لغة عالمية عاطفية اُخرى لا تحتاج إلى مترجم . فما أن تضع يدك في يد أخيك حتّى تتسرّب شحنات المودّة إلى قلبيكما فيخضلاّن بالحبّ ويرفلان بالصفاء ويغتسلان بمطر الألفة الأليفة .

    وقد ورد في الحديث الحثّ على المصافحة ، حتّى أ نّك وأنت تهزّ يد صاحبك فإنّ ذنوبكما تتساقط  كما تتساقط أوراق الخريف من أشجارها. فعن محمّد الباقر (عليه السلام)  : « إذا التقى المؤمنان فتصافحا أقبل الله بوجهه عليهما ، وتساقطت عنهما الذنوب كما يتساقط الورق من الشجر » .


 


 


 

(7)

    3 ـ  السّلام :  كلمات التحيّة بين الناس ترحيبٌ وحفاوةٌ وإعراب عن المودّة والمصافاة ، ولكنّ تحيّة الإسلام « السّلام عليكم » مشحونة بتعبير مكثّف عن ذلك كلّه وزيادة ، فهي عنوان كبير لموضوع خطير ، وهل العالمُ اليومَ وبالأمس وغداً غيرُ باحث عن السّلام ؟!

    لهذا السّبب نفهم لماذا جاء في الحديث « إنّ الله عزّ وجلّ يحبّ إفشاء السّلام » . فأنت حين تلقي التحيّة ، في كلّ وقت ، وعلى كلّ من تلقاه ممّن تعرف وممّن لا تعرف ، تكون قد نثرت أزاهير السّلام الفوّاحة في طريق الناس ، وأدخلت في قلوبهم بردها وطمأنينتها، فليس أجمل من أن يستشعر الآخر الأمان وهو يلتقيك ، وليس أروع من أن يبادلك الأمن والأمان بردّ السلام بمثله أو بأحسن منه .

    وفي قواعد السلوك العامّة ، يقول أحد الشُّعراء :

    « في كلّ ساعة من ساعات النهار

    يمكنك أن تجود بشيء

    قد يكون إبتسامةً

    وقد يكون يداً تمدّها للمصافحة

    وقد يكون كلمةً

    تقوّي بها من عزم الآخرين » !

    4 ـ  المعانقة :  إذا كانت الابتسامة فاتحة اللِّقاء المضيئة ، والسلام كلمته الباعثة على السكينة ، والمصافحة تحيّة القلب إلى القلب ، فإنّ المعانقة بثّ للمشاعر التي تعجز الابتسامة والسلام والمصافحة عن التعبير عنها . فلقد التزم (أي عانقَ) رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جعفراً الطيّار (رضي الله عنه) وقبّل بين عينيه ، ثمّ جاء حفيده جعفر الصادق (عليه السلام) ليقول : « إنّ من تمام التحيّة للمقيم المصافحة ، وتمام التسليم على المسافر المعانقة » سواء عند مغادرته أو عند عودته من السفر .

    5 ـ  للإسم في حياتنا أكثر من قصّة التسمية في الميلاد .. إنّه قريننا الذي قد يترك أثره علينا إيجاباً أو سلباً ، وهذا هو السبب الذي جعل آداب الإسلام تحثّنا على أن ننادي الناس بأحبّ الأسماء إليهم ، فإذا أحبّ المنادى إسمه الصريح ناديناه به ، وإذا أحبّ الكنية كنّيناه ، بل يمكننا أن نُضفي جوّاً من المحبّة على من اسمه (محمود) لنقول له : كم أنت محمود الخصال يا محمود ، وعلى من اسمها (زهرة) لنقول لها أنت كالزهرة تعبقين خلقاً وطيباً ، وهكذا ففي كلّ اسم لفتة طريفة يمكن الإفادة منها في تعزيز العلاقة مع الآخر .

    وفي قواعد السلوك العامّة : «إذا أردت أن يحبّك الناس ، فاذكر أسماءهم لأنّ اسم الرجل هو أحبّ الأسماء إليه ، فحين تلقى رجلاً فتعرف اسمه وتناديه به ، تكون قد قدّمت له مجاملة


 


 

(8)

لطيفة سيشكرك عليها ، ويجزيك مكافأتها ، أمّا حين تنسى اسمه فإنّه سيعتبر ذلك إهانة توجِّهها إليه » .

    6 ـ  الإصغاء والإنصات باهتمام إلى ما يقول الآخر ، خصلة طيِّبة تعبِّر عن تعاطف ودود مع المتكلِّم واحترامه بحيث نتركه يُفضي بكلّ ما لديه من دون مقاطعة . فلقد نهى الحديثُ الشريف عن أن يقاطع المسلم أخاه المتكلِّم وإلاّ يكون كمن يخدشه في وجهه . قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « مَن عرض لأخيه المسلم ـ  أي المتكلّم  ـ فكأ نّما خدش وجهه» . ذلك أنّ غاية ما يطلبه المتحدِّث أن تكون أذناً صاغية لما يقول ، فإذا ما فرغ من حديثه كان لك حقّ التعليق والتعقيب ومناقشة ما طرح .

    فعلاوة على أنّ المقاطعة لا تفسح المجال بالبوح بما في نفس محدثك ، فإنّها تجرح إحساسه بحيث قد تسيء فهمه ، بل إنّ كثيراً من الناس يودّون أن يعثروا على من يُحسن الاستماع إليهم ويشعرهم باهتمام خاصّ حتّى ولو لم يكن حديثهم على جانب من الأهمّية . يقول عليّ (عليه السلام)  : « كان لي فيما مضى أخٌ في الله ... وكان على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلّم » .

    وفي آداب السلوك العامّة : « خيرُ محدِّث هو من يستمع بشغف إلى الآخرين ، وأنّ الذي يتكلّم عن نفسه فقط لا يفكِّر إلاّ في نفسه فهو أناني ، ومثل هذا جاهل يدعو حاله إلى الرثاء ، فإذا أردت أن تكسب براعة في الحديث ، وأن يحبّك الناس فعليك أن تكون مستمعاً طيباً تشجِّعه على الكلام عن نفسه » .

    يقول أحد الحكماء : « لم أتعلّم شيئاً أبداً وأنا أتكلّم » .

    7 ـ  قد لا تعرف أنِّي أحبّك ما لم أقل لك ذلك ، أو قد تعرفه بصفة إجمالية ، لكنّك لا تعرف عمقه ومداه إذا لم اُصرِّح لك بذلك ، أو أن اُعبِّر عنه بكلمات طيِّبة ، ومشاعر دافئة ، أو مواقف مخلصة ، أو هدية ذات مغزى ، وما إلى ذلك .

    فمن المندوب إسلامياً في مجال العلاقات الاخوانية انّك إذا أحببت شخصاً أن تبوح له بحبّك ولا تكتم هذا الحبّ من أجل أن يستشعر الطرف الآخر محبّتك له فيعمل على أن يبادلك حبّاً بحبّ ، وقد تحقق كلمات الحبّ المخلصة نتائج مذهلة لم تكن في الحسبان .

    فعن جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) قال : « إذا أحببت رجلاً فأخبره بذلك فإنّه أثبت للمودّة بينكما » . وقد ورد في بعض آداب السلوك وطرق اكتساب اللباقة : « إجعل ديدنك أن تروي للآخرين ما يلذّ لهم ممّا سمعت أو قرأت ، ولا تهمل المجاملات العابرة وهي المديح المخلص الصادق .. امنح الآخرين التقدير المخلص لكلّ ما يسدونه إليك من خدمات مادِّية كانت أم معنوية فإنّ ذلك من معزّزات الثقة في النفوس ومرسّخات المحبّة في القلوب .. فثمة فرق بين التقدير والتملّق ، إنّ التقدير نقي خالص فيه صدق ، وأمّا التملّق فكذب وانتهازية بغيضة » .

(9)

    8 ـ  كلمات الشكر والتقدير تعبير جميل عن الامتنان والعرفان لمن يسدي إليك معروفاً ، بل هي محفّزات على أن تستزيده ، ولذا فإنّ من الواجب علينا أن نشكر المحسن ، ففي الحديث : « مَن لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق » . وقد جمع الله الشكر له وللوالدين في آية واحدة تدليلاً على أهمّية الثناء للمنعم ربّاً كان أم أباً واُمّاً (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ )() . وفي الحديث : « الثّناء بأكثر من الإستحقاق ملق ، والتقصير عن الإستحقاق عيّ » .

    ومن بين أساليب الشكر إبراز الخصائص الاستثنائية في المشكور ، واعلم أنّ الشكر الشخصي ، أي لكل فرد عامل ومنتج ومخلص ، أثمر من الشكر الجماعي ، وأنّ القول إنّ الجميع يقدّرون ذلك ويشعرون به ، أو إرجاع الفضل إلى شخص بعينه في إنجاز أو نجاح أو إبداع هو شكر جزيل ، وإنّ المكافأة شكرٌ وتشجيع ، والكلمة الطيِّبة التي تنضح بالثّناء والتقدير شكر ، والدعاء له بأن يثيبه الله أفضل الجزاء ، كلّ ذلك وغيره من أساليب الشكر التي يحسن بنا العمل بها إن أردنا علاقات إنسانية أجمل وأفضل وأنبل وأدوم .

    وفي قواعد السلوك العامّة : « استهلّ يومك بتوجيه الشكر للناس ، وعند الظهيرة أشكر المزيد من الناس ، وقبل أن تذهب إلى البيت في اللّيل عليك أن تشكر المزيد منهم ، فتوجيه الشكر للناس هو جزء مهم من إحاطتهم بالاهتمام والرعاية وفيه فائدة لصحّتهم النفسية » .

    9 ـ  ليس أسعد على قلبي وأرفق بنفسي من أن أجد عندك عذراً فيما أخطأت به ، إنّك بذلك ترفع عن كاهلي ثقل هذا الخطأ ، وتمنحني الثقة في نفسي ، وتعلِّمني درساً في التعامل الرفيق والرقيق والرشيق عليّ التمس لك عذراً أنا الآخر فيما أخطأت به .

    ففي الحديث الشريف : « احمل أخاك على سبعين محملاً ، فإذا لم تجد له عذراً فالتمس له عذراً » . وعن عليّ (عليه السلام)  : « لا تظنّن بكلمة خرجت من أحد سوءاً وأنت تجد لها في الخير محتملا » . ممّا يعني التركيز على الاحتمالات الإيجابية وانصراف الذهن عن أي تفسير سلبي حتّى إذا استنفدنا الاحتمالات كلّها ولم يبق إلاّ الاحتمال السلبيّ فلنبحث عن عذر نبرِّر به خطأ من أخطأ من إخواننا المؤمنين .

    وفي آداب السلوك : « اكتسب المقدرة على أن تمحو الإحساس بالنقص من نفس الشخص الآخر .. إنّ كلمة «أنت مخطئ» هي أقصر طريق لجلب العداوة » . وقد مرّ معنا أنّ هناكَ أكثر من طريقة يمكن أن نُشعر المخطئ بخطئه من دون أن نجرح إحساسه .

    10 ـ  شتان بين من يقدّر الآخرين ويشعرهم بأهمّيتهم ولا ينتقص من أقدارهم ولا يبخسهم أشياءهم ، وبين من يجعلهم موضع سخريّته وتندّره وازدرائه ، ذاك يجلب الناس ويجذبهم إليه ، وهذا ينفِّرهم ويبعِّدهم عنه . وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن السخرية


 


 


 

(10)

بالآخرين في قوله : (لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْم عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِن نِسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ )() .

    وفي الحديث الشريف : « إنّ الله أخفى أولياءه في عباده » ، فما يدرينا أنّ هذا الذي تزدريه أعيننا قد يكون عند الله أفضل وأشرف منّا . ولذا فإنّ الرواية التي تعلّمنا كيف نرتّب الناس مراتب فُضلى ليس حديثاً أخلاقياً فحسب ، بل يقدِّم لنا درساً في فنّ التعامل والتقييم الاجتماعي . فعن جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)  : « إذا رأيت من هو أكبر منك سنّاً فقل : سبقني إلى الفضل ، وإذا رأيت من هو أصغر منك سنّاً فقل : سبقته إلى المعاصي ، وإذا رأيت من هو في مثل سنّك فقل : أنا أعلم بما في نفسي ولا أعلم بما في نفسه » . فأنت في كلّ الأحوال تتهم نفسك وتحسن الظنّ بالآخرين ، فأيّة تربية ترتفع بأتباعها إلى هذا المستوى غير التربية الإسلامية ؟!

    وفي قواعد السلوك : «لا تسخر من الآخرين ولا تهزأ بهم ، بل أشعرهم بأهمّيتهم ، وإذا كنت تريد أن يحبّك الناس ، فأسبغ عليهم التقدير الذي يتأمّلونه ويتعطّشون إليه .. دعهم يشعرون بأهمّيتهم .. اختر شيئاً جميلاً فيهم وحدِّثهم عنه ، ولن تعدم ذلك الشيء الجميل ، فالناس يختلفون ويتفاوتون ولكن لا يمكن إلاّ أن تجد شيئاً جميلاً في كلّ فرد منهم إن لم يكن في خلقته ففي روحه . ولمّا كنت تحبّ لنفسك السعادة والشعور بالرضا ، فاجعل الآخرين الذين هم إخوتك في الإنسانية يشاركونك مثل هذا الشعور .. إنّ الناس ـ وأنا وأنت منهم ـ هم عاطفة أوّلاً ثمّ أصحاب منطق وعقول في الدرجة الثانية » .

    11 ـ  انظر إلى من حولك .. دقِّق النظر جيِّداً .. فسوف لن تجد شخصاً يخلو من خصلة طيِّبة أو أكثر حتّى في الذين يبدون للوهلة الاُولى خالين منها ، فلو تطلّعنا إلى الصفات الإيجابية الطيِّبة في الآخرين لاستطعنا أن نكسبهم إلى صفّنا .

    لقد نظر حواريّو عيسى (عليه السلام) إلى جثّة الكلب المتفسخة فلم يجدوا فيها سوى رائحتها النتنة ، أمّا هو فقد نظر إلى شدّة بياض أسنانه لافتاً النظر إلى هذه النقطة الإيجابية في كلب متفسخ منتن قد لا تجد فيه شيئاً لافتاً .

    وحينما أراد موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) أن يعاتب «صفوان الجمّال» على تأجيره الجِمال لهارون الرشيد الحاكم الظالم ، ابتدره ببداية طيِّبة مشجّعة : «يا صفوان ! كلُّ ما فيك حسن ما خلا خصلة واحدة » وهي تأجيره الجمال لهارون ، لكنّنا نرى كيف استخدم الكاظم (عليه السلام)أسلوباً نقدياً رائعاً ، فلقد امتدح أوّلاً محاسن صفوان الجمّة والكثيرة ، ولذا فقد بدت الخصلة الذميمة كقطرة صغيرة في بحر أو نقطة سوداء في محيط شاسع من البياض ، الأمر الذي دفع صفوان إلى أن يقول بتلهّف : وما تلك يا مولاي ؟! سعياً إلى محوها واصلاحها حتّى تغدو حسنة تضاف إلى محاسنه الاُخرى .

(11)

    ويقول عارفون بأسرار السلوك الناجح : « ينبغي أن تذكر أ نّنا مع اختلافنا نتشابه على الأقل في أمر واحد ، هو أنّ لكلّ منّا أوجه تفوّق وامتياز » .

    ويقول آخرون : « إذا أردت أن تنتقد ، فالفت النظر إلى الأخطاء تلميحاً وبكلّ لباقة » ، ففي الحديث « رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي » والهدية لاتكون إلاّ لإدخال الفرح على النفس، فكيف نهدي الآخرين عيوبهم ، ذلك هو ما نقول عنه أ نّه فنّ . ولقد عاتب أحد الشُّعراء صديقاً له ، فقال له :

إن لـم يكـن أدبـي***فخُلقُك كان أولى أن يصُدّك

    12 ـ  إنّ أقدر الناس على كسب حبّ الناس ومودّتهم وموالاتهم هو الذي يجرّ عليهم نفعاً ، ففي الحديث الشريف « خير الناس من نفع الناس »، وكلّما كانت المنفعة أكبر كان وقعها في النفس أكبر ومردودها في رصيد العلاقات الاجتماعية أوسع .

    روى عبدالعزيز القراطيسي عن جعفر الصادق (عليه السلام) قال : « قال لي أبو عبدالله : يا عبدالعزيز ! إنّ الإيمان عشر درجات بمنزلة السُّلَّم ، يصعد منه مرقاة مرقاة ، فلا يقولنّ صاحب الاثنتين لصاحب الواحدة لست على شيء حتّى ينتهي إلى العاشرة ، فلا تسقط من هو دونك فيسقطك من هو فوقك ، وإذا رأيت من هو أسفل منك بدرجة فارفعه إليك برفق ولا تحملنّ عليه ما لا يطيق فتكسره ، فإنّ من كسر مؤمناً فعليه جبره » .

    إنّ من لوازم الصحبة الصالحة أن يجد الشاب أو الشابّة فيمن يصاحبانه صحبة كريمة حميدة مباركة نافعة في اُمور الدين والدّنيا ، فلا بخل ولا مباهاة ولا منّة والصحبة لله وفي الله .

    فلكي تجتذب صاحبك وتستحوذ على قلبه ومشاعره أعنه على الارتفاع إلى مستواك وهذا ما أكّدته قواعد التعامل السليم « لاتبالغ في تقدير قيمة نفسك ، إذ أنّ من تظنّهم دونك مرتبة خلقاء عندئذ أن يضعوك أنت دونهم مرتبة ، وما تفاخر به قد ينظر إليه الآخرون نظرة شزرا » .

    ولهذا السبب قال بعض الخبراء في مجال العلاقات الانسانية : « بالتشجيع تحفّز الناس إلى النجاح ، وتجعل الشخص الآخر يحبّ ما تريد منه إذا عملت على أن تحبب له ما تريده منه ، فالطعم المناسب هو الذي يصطاد السمك » .

    13 ـ  من عادتنا ـ في الأعمّ الأغلب ـ أن نلتفت إلى الشؤون الكبيرة فقط ، أمّا اللفتات الصغيرة والتي لها أثر مهم في نفوس من نتعامل معهم ، فقد لا نلقي لها بالاً ولا نقيم لها وزناً .

    فعن جعفر الصادق (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ (إِنّا نَراَكَ مِنَ الـمُحسِنِينَ ) قال : « كان يوسّع المجلس ويستقرض للمحتاج ويعين الضعيف » . وعنه (عليه السلام)  : « ليس


 

(12)

منّا من لم يملك نفسه عند غضبه ، ومن لم يحسن صحبة من صحبه ، ومخالفة من خالفه ، ومرافقة من رافقه ، ومجاورة من جاوره ، وممالحة من مالحه » . فهذه كلّها فرص ثمينة لتوطيد أواصر العلاقة وسقاية شجرة الحبّ لتنمو أكثر وتزهر أكثر وتثمر أكثر .

    وفي قواعد السلوك : « لا تهمل اللفتات الصغيرة فإنّ لها شأناً كبيراً » .


 

ثانياً :  كيف نتواصل اجتماعياً ؟

    بعد أن اطّلعنا على بعض قواعد السلوك وآدابه من خلال الأحاديث الشريفة وما توصّل إليه الخبراء في مجال العلاقات الانسانية ، نأتي للجواب على السؤال الثاني في كيفيّة التواصل الاجتماعي .

    فثمة آداب تشكِّل جزءاً لا يتجزّأ من فنّ التعامل مع المجتمع ، على أنّ الملاحظة تقتضينا ـ قبل الدخول فيها ـ الإشارة إلى أنّ أيّاً من هذه الآداب لا يمثِّل الصيغة أو الصورة النهائية ، فما دمنا نتحدّث عن الفنّ فإنّ بامكان أيّ منّا أن يتفنّن في إضافة لمساته الشخصية الإبداعية في هذا البرنامج الإنسانيّ الجميل .


 

    1 ـ  آداب التحيّة :

    أ ـ  من آدابها أن يسلِّم الراكب على الماشي ، والماشي على القاعد ، والقليل على الكثير ، والصغير على الكبير ، والرجل على المرأة ، والابن على الأب ، والداخل إلى مكان على من فيه ، ولكنّ فنّ التعامل مع المجتمع كما يعلِّمنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الكثير من دروسه يتطلّب أيضاً أن تكون سبّاقاً إلى تحيّة الإسلام وهي ( السّلام ) فلم يكن أحد يسبق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه .

    ب ـ  ومن آدابها أن تستخدم التحيّة المعهودة في الإسلام وهي ( السّلام عليكم ) لتعبِّر بذلك عن هويّتك وشخصيّتك ، فلا يصحّ لنا كمسلمين أن نتبادل فيما بيننا التحايا الأجنبيّة في الوقت الذي لنا تحيّتنا الجميلة التي ليس لها مرادف في كلّ تحايا العالم .

    ج ـ  أن تُقبل بكلّك على صاحبك وأنت تحيّيه حتّى تشعره بحرارة تحيّتك ، ولا يصحّ أن تصافح أحداً ويدك الاُخرى في جيبك ، أو أنت متّكئ على سيارتك أو على جدار أو على شجرة ، فذلك ينتقص من قدر حبّك لصاحبك .

    د ـ  أن تردّ التحيّة بأحسن منها ، فذلك هو خُلُق الإسلام الذي لا يقابل الحسنة بالحسنة بل بأحسن منها (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّة فَحَيُّوا بِأَحْسَـنَ مِنْهَا أَو رُدُّوهَا )() . وأحسن من ( السّلام عليكم ) الرّد بـ  (وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته ) .


 

(13)

    هـ ـ  علينا أن نحيِّي النِّساء بتحيّة الإسلام أيضاً ، وأن نعبِّر عن احترامنا لهنّ بالكلمات المؤدّبة العفيفة ، ولا تجوز مصافحتهنّ لأنّ الإسلام يعتبر ذلك جزءاً من الحصانة الأخلاقية .


 

    2 ـ  آداب المهاتفة :

    صحيح أ نّك لا ترى صاحبك على الطرف الآخر في الهاتف وهو لا يراك ، لكنّ ذلك لا يعني أن تتساهل في آداب المهاتفة التي منها :

    أ ـ  السلام أوّلاً ، ولا بدّ أن تشعر صاحبك بحرارة صوتك ودفء مشاعرك كما لو كنت تتحدّث معه وجهاً لوجه .

    ب ـ  التعريف بالإسم من قبل صاحب المكالمة لأنّ بعض الأصوات قد تتشابه ، وحتّى لا تحرج صاحبك في تمييز المتكلِّم أخبره باسمك فور إلقاء التحيّة .

    ج ـ  تأكّد من الرقم الصحيح ، ومن الوقت المناسب ، وبادر إلى الاتصال ثانية فيما إذا انقطعت المكالمة سواء كنت أنتَ المتكلِّم أو كنت المخاطَب .

    د ـ  اختصر المكالمة على قدر الحاجة ، وإذا بلّغت جهاز التسجيل المرفق بالهاتف أ نّك ستعاود الاتصال فعاوده ذلك أنّ وعد الحر دين ، وأنّ المؤمن إذا وعد وفى .

    هـ ـ  استفد من الهاتف في المناسبات السعيدة كالأعياد لتوصل تهانيك وتبريكاتك إلى أكبر عدد ممكن من الأقرباء والأصدقاء الذين لا تقدر على زيارتهم ـ وإن كانت الزيارة أفضل ـ ولكنّ المهاتفة ـ كما هي المراسلة ـ نصف اللِّقاء المباشر .

    و ـ  إذا طلب جارك أو صديقك استخدام الهاتف غادر المكان ريثما ينتهي من إجراء المكالمة ، فقد تكون لديه بعض الأسرار التي لا يحب اطِّلاعك عليها .

    ز ـ  الردّ على المزعجين والمشاكسين لا يكون بالكلمات الحادّة بل بالكلام الموزون اللبق الخالي من أيّة بذاءة ، فذلك أدعى إلى منعهم من تكرار الاتصال .


 

    3 ـ  آداب الشكر :

    مرّ معنا أنّ جزاء الإحسان هو الإحسان ، وأنّ ردّ الجميل بالجميل أو بأجمل منه ، فلا يليق بي أن أقابل الحسنة بالصمت أو اللاّ مبالاة أو الجحود أو الإساءة ، ولذا كانت للشكر آداب ، منها :

    أ ـ  المبادرة إليه فور اداء الإحسان لمن أحسن فإرجاؤه يقلِّل من أثره وقيمته ، وإن كان تأجيله لسبب قاهر أفضل من إلغائه بالمرّة .

    ب ـ  تمنَّ وأنت تشكر من يسدي إليك خدمة أن تتمكّن من خدمته مستقبلاً ، واسع إلى ذلك ، فذلك هو الشكر العمليّ الذي يعمِّق المودّة ويشجِّع على مزيد من الإحسان .

(14)

    ج ـ  الشكر ليس محدّداً بشخص أو أشحاص معيّنين فهو لكلّ المحسنين مهما كانت درجات إحسانهم ، فهو كما للأب والاُم والأخ والاُخت والصديق والمعلِّم والمدير ، كذلك هو لساعي البريد وعامل البلدية والنادل في المقهى والجابي في الحافلة وحارس البناية وماسح الأحذية وغيرهم .

    د ـ  يستحسن عدم استخدام الكلمات الدخيلة أو الأجنبيّة أثناء تقديم الشكر ، فلغتنا العربية الجميلة فيها الكثير من مفردات الشكر والثناء والعرفان ، فبدلاً من أن أقول (ميرسي) أو (ثانك يو) يمكن أن أقول : (جزاك الله خيراً) أو (رضي الله عنك وأرضاك) أو (بارك الله فيك) أو (أثابك الله) ، وما إلى ذلك .

    هـ ـ  إنّ جواب كلمة (أشكرك) أو (شكراً) هو (الشكر لله) أو (لا شكر على واجب) أو (المشكور أنت) وليس (عفواً) فهي كلمة للاعتذار وليست جواباً على شكر .


 

    4 ـ  آداب الصحبة والمجالسة :

    دعت الأحاديث الشريفة إلى أن نصحب إخواننا وأصدقاءنا بالفضل بأن نفضِّلهم علينا ، وأن ننصفهم فلا يشعروا بأدنى غبن أو ظلم في صحبتنا لهم ، وأن نكرمهم فلا نكون البخلاء معهم ، وأن نحفظهم في حضورهم وغيابهم فلا نسمح لأحد بأن يتطاول عليهم أو يسيء إليهم ، وأن نبدي لهم النصيحة ، ونشجِّعهم على طاعة الله تعالى ، ونعينهم على أنفسهم بتجاوز أخطائهم وسيِّئاتهم .

    وكم هو جميل اختصار ذلك كلّه بالقول «كن عليه رحمة ولا تكن عليه عذاباً» . ومع ذلك فإنّ للصحبة آداباً ينبغي مراعاتها وإلاّ قصّرنا في حقّها :

    أ ـ  أن لا نخدع صاحبنا في أي أمر ، بل يجب أن نكون صريحين معه في كلّ شيء ، وأن لا نغشّه بل نكون أمناء في نصيحته ، وأن نتلطّف في طرحها .

    ب ـ  أن لا نكذب عليه البتّة ، وأن يكون الصدق ثالثنا ورائدنا ، فليس احفظ للصحبة وللصداقة من الصدق في المواضع كلّها .

    ج ـ  أن لا نعمل على انتقاصه مهما بدا لنا ما يدعو إلى ذلك ، فالانتقاص من الأخ أو الصديق هو انتقاص لأنفسنا ، لأنّ موقع الأخ والصديق والصاحب هو موقع النفس منّا ، وبدلاً من تعييره وانتقاصه لأعمل على استكمال جوانب شخصيّته ، فذلك أوثق للصداقة ، وأحبّ إلى الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

د ـ  إذا جلست مع صديقك فكن ليّناً معه في اختيار الكلمات المناسبة والمشاعر المعبّرة عن الحبّ والحرص فـ «اللين يؤنس الوحشة» . وقد عبّر القرآن عن ذلك أجمل وأرقّ تعبير


 


 


 

(15)

(وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ )() . فكأ نّك وأنت العزيز الكريم ذليل بين يدي أخيك ، ولكنّها ذلّة المحبّة لا ذلّة تهين بها نفسك .

    ومن متطلّبات الملاينة : المجاراة في غير المنكر ، وأن لا تتهمه فيما لا يوافقك من رأيه ، وأن لا تقوم من المجلس إلاّ بإذنه ، وأن لا تسمعه إلاّ خيراً فـ «لفظة السوء تبعث الشرّ ، والخير مقمعة للشرّ» ، وأن تشكره على حسن صنيعه .

    هـ ـ  في الحديث الشريف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) « المجالس بالأمانة » أي ليس لي أن اُفشي حديثاً أو سرّاً يكتمه صاحبي لا سيما إذا خصّني به دون غيري ، فلا يجوز البوح به إلاّ بإذنه .

    و ـ  وإذا ضمّ المجلس أكثر من اثنين فلا يليق بي أن أهمس لأحدهما بحديث لا أريد أن يسمعه الثالث ، فذلك ممّا يحزنه ويؤذيه ، فحتّى لو لم يكن الهمس يعنيه لكنّه إشعار له أ نّه غير أهل للثقة .


 

    5 ـ  آداب الهدية :

    فنّان جميل الذوق ومرهف الحسّ ذاك الذي اخترع الهدية لما لها من أثر ساحر في نفس الطرف المقابل ، فأنت حينما تهديني أيّة هدية ـ  والهدايا في معناها لا في قيمتها المادِّية ـ إنّما تقدِّم لي تعبيراً محسوساً على حبّك لي ، وكما يحلو لي أن أفرح بهديتك فإنّ لك عليَّ حقّاً أن أبادلك الهدية بالهدية .

    ولمّا كانت الهدية تعبيراً عن مشاعر لا تستطيع الكلمات إيصالها ، فإنّ لها آداباً ، منها :

    أ ـ  لا بدّ من الذوق والدقّة في الاختيار ، فاختيار المرء ـ كما يقال ـ قطعة من عقله ، فقد تكون الهدية صغيرة في حجمها كبيرة في مغزاها .. إن كتاباً ممّا يحب صديقك مطالعته قد يعدل أو يفوق لديه أيّة هدية اُخرى .

    ب ـ  كما لا بدّ من اختيار المناسبة ، ولكن قد تكون الهدية بمناسبة وقد تكون بلا مناسبة ، فعلاقتك بأخيك وحرصك على تنميتها مناسبة بحدّ ذاتها . كما أنّ تحيّن الفرص السعيدة كالنجاح أو تحقيق انجاز معين أو تخرّج أو زواج أو شراء بيت أو قدومه من سفر ، لتقديم الهدايا ، هو ممّا يعزّز أواصر الصداقة ويغذّيها . وفي الحديث الشريف « تهادوا تحابّوا » .

    ج ـ  إنّ تغليف الهدية بغلاف جميل عليه عبارات تبريك رقيقة وتمنيات عطرة أو أبيات من الشعر ، يجعل الهدية ناطقة بأكثر من لسان .

د ـ  يُفضّل أن يراعي المُهدي الفائدة العملية للهدية ، فلبعض الهدايا عمرٌ قصير ولبعضها عمر أطول ، وبعضها ذو فائدة محدودة وبعضها ذو فائدة أكبر ، فربّما كانت لوحة زهيدة

(16)

الثمن مخطوط عليها بخط جميل حديث شريف أو آية مباركة أو حكمة مأثورة تجعل من الهدية أثراً فنّياً وأدبياً خالداً لا ينسى .

    هـ ـ  لا يصحّ إطلاقاً نقد الهدية أو التقليل من قيمتها حتّى ولو كانت كذلك ، فلا بدّ من شكر المُهدي على كلّ حال واستقبال هديته المتواضعة برضىً ملحوظ . فلقد أهدى تلميذ من أسرة فلاّحية أستاذه شيئاً من الخيار في أوّل موسمه ، فتناول المعلِّم واحدة منه فكانت مرّة المذاق فاستذوقها ، ثمّ تذوّق الثانية فكانت كذلك فأكلها والطلاّب ينظرون باستغراب لعدم دعوتهم لمشاركة الأستاذ في أكل الخيار حتّى خرج التلميذ وهو مسرور بهديته لأستاذه الذي التفت إلى تلاميذه قائلاً : قد تستغربون منِّي ذلك ، لكنّ الخيار كان مرّاً ولو كنت قدّمته لبعضكم وتأفّف من مرارته لكان ذلك إساءة للتلميذ الذي كان فرحاً بهديته وقد أردت إدخال السرور عليه باستطعامي لخياره !

    و ـ  كما لا يصحّ أن تهدي ما أهدي إليك ، فقد قيل إنّ الهدية لاتُهدى، فهي مّما خصّك به مهديها فكيف تفرّط بهدية لو رآها مهديها عند غيرك فلربّما ساءه ذلك .


 

    6 ـ  آداب الزيارة :

    من الاُمور التي رحنا نزهد فيها ـ في عصر الانشغال هذا ـ وهي ذات أثر كبير في تمتين الروابط الاجتماعية هي التزاور الذي حثّت عليه أحاديث كثيرة لدرجة اعتبار أنّ من يزور أخاه المؤمن فكأ نّما زار الله ورسوله . ومن آداب الزيارة :

    أ ـ  تحديد موعدها مسبقاً والتقيّد بذلك ، فلا يجوز أن تخلف موعداً أو تتأخّر عنه إلاّ لأسباب خارجة عن إرادتك ، وإذا حصل وتأخّرت أو أردت إلغاء الموعد فلا بدّ من أن توصل اعتذارك لمن تريد زيارته بأيّ شكل حتّى لا يبقى في انتظارك .

    ب ـ  إذا زرت صديقاً أو أخاً في الله من دون موعد واعتذر عن استقبالك لظروف هو أعلم بها فـ « صاحب الدار أدرى بالذي فيه » فلا تغضب ولا تعتبر ذلك إهانة ، بل هو حقّه الذي عليك أن ترعاه .

    ج ـ  من الأفضل تحديد وقت تستغرقه الزيارة ، فقد يكون لمضيّفك مواعيد اُخرى ، أو لديه أعمال يريد إنجازها ، فإذا تركت نهاية الزيارة سائبة فقد تثقل عليه وتحرجه .

    د ـ  إذا دخلت بيت أحد أصدقائك فلا تكن فضولياً تتدخل في شؤون البيت وأهله أو تدسّ أنفك فيما لا يعنيك ، فقد لا يريد صاحب البيت أن تسأله أو تطّلع على كلّ شيء ، وهذا يقتضي أيضاً أن تحفظ عينك ولسانك فذلك من أدب المسلم الزائر المؤتمن .

    هـ ـ  يُستحسن أن تحدِّد هدفاً للزيارة، فالتواصل بعد انقطاع هدف، والمباحثة في أمر أو قضيّة تهمّ أحدكما أو تهمّكما أو تهمّ المسلمين هدف، والسعي لحل مشكلة هدف ، والأهداف بعد ذلك كثيرة فلا تدع زيارتك غرضاً للثرثرة والاغتياب وتمضية الوقت .

(17)

    وللزيارة أنواع ، ولكلّ نوع منها أدبه ، فبالاضافة إلى زيارة الإخوان هناك زيارة المريض وزيارة الجار ، وإليكم آداب كلّ منهما :


 

    زيارة المريض :

    من بين الاُمور التي تساعد المريض على الشفاء العاجل ، أو على الأقل تقلِّل من تدهور حالته النفسية بسبب أزمته الصحّية هي عيادته ، ولذا حثّ الإسلام على زيارة المريض وجعل لذلك آداباً منها :

    أ ـ  عدم إطالة الزيارة لأ نّها قد تثقل على المريض الذي يحتاج إلى فترة طويلة من الراحة ، إلاّ إذا كان المريض راغباً بالاستزادة .

    ب ـ  خصّص زيارتك للمريض في الاستماع إليه أو إلى ذويه فيما يتعلّق بوضعه الصحّي وآخر تقارير الأطباء عنه ، ولا تتحدّث عن نفسك ، فحديث المريض عن وضعه هو بمثابة متنفّس لبعض ما يعاني أو لنقل أ نّه مسكّن لبعض آلامه .

    ج ـ  من اللطف بالمريض أن تكون زيارتك له مقرونة بالهدية سواء كانت باقة ورد مرفقة بأطيب التمنيات ، أو أي شيء يدخل البهجة عليه، فهو جليس المستشفى الذي لايستطيع مغادرته حتّى يتماثل للشفاء ، وإطلالتك عليه من بعض منافذ اتصاله بالعالم الخارجي .

    استقبل جعفر الصادق (عليه السلام) في بعض الطريق عدّة من مواليه واصحابه فقال لهم : « أين تريدون ؟ فقالوا : نريد فلاناً نعوده ، فقال : مع أحدكم تفاحة أو سفرجلة أو أترجة ، أو لعقة من طيب ، أو قطعة من عود بخور ؟ فقلنا : ما معنا شيء من هذا . فقال : أما تعلمون أنّ المريض يستريح إلى كلّ ما اُدخل عليه » . وليس خافياً علينا أنّ الأشياء المذكورة في الرواية ليست إلاّ أمثلة على الهدايا ممّا كان شائعاً آنذاك ، ويمكن لنا أن نتفنّن في اختراع الهدايا المناسبة والجميلة ، فالمهم أن لا ندخل على المريض بيد خالية .

    د ـ  أن تكثر من الدعاء للمريض بالشفاء والأجر ، وأن ترفع من مستوى معنوياته ، وتشدّ من أزره ، وأن تتمنّى له الامنيات التي يتمنّاها في العودة سالماً معافى إلى أحضان أهله وأحبّته ، وأن تزيد في صبره على تحمّل الآلام فيما تحفظ من آيات وأحاديث وحِكَم .

    هـ ـ  أن تلمس جبهة المريض الذي قد يكون يشتكي الحمّى أو الصداع ، وأن تضع يدك على يده ممّا يجعله يأنس بلطفك ومحبّتك وعنايتك ، لأنّ ذلك يعني أنّ صحّته تهمك وأ نّك تتفقّده . يقول علي (عليه السلام)  : « من تمام العيادة للمريض أن يضع إحدى يديه على الاُخرى أو على جبهته » .

و ـ  لا بدّ من مراعاة تعليمات المستشفى فيما يتعلّق براحة المريض فهي أعرف منّا بما يريحه ، وإذا كان مستسلماً للنوم فمن الأفضل أن ننسحب بهدوء تاركين تمنياتنا له بالشفاء

(18)

العاجل على ورقة أو مع أهله وذويه ، ويمكن الاستيضاح منهم عمّا يحتاجه أو يحتاجونه من خدمات يمكن أن نساهم في تلبيتها .


 

    زيارة الجار :

    أوصى الله تعالى بالجار (وَالْجَارِ ذِي ا لْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ )() . وأوصى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجار وكان يقول : « ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أ نّه سيورِّثه » . والجار ليس فقط الذي داره لصق دارك ، بل جيرانك هم أبناء محلّتك أو قريتك أو الضاحية التي تسكن فيها ، ومن آداب التعامل مع الجار :

    أ ـ  معرفته :  فلا يصحّ أن أجاور جاراً مسلماً أو غير مسلم وأنا لا أعرفه ، ولا أسلِّم عليه ، ولا أزوره أو اتفقّده .

    ب ـ  مداراته :  فلا بدّ أن يأمن جاري جانبي فلا أؤذيه أو أحداً من أهله ، وإذا أصابه خير اُهنِّئه ، وإذا أصابه مكروه اُعزِّيه واُواسيه ، وإذا اشتريت فاكهة فلاُهد له وإذا لم أفعل فلاُدخلها سرّاً ، وأن اُراعي مشاعره في عدم إحداث ضجيج أو رفع صوت المذياع أو التلفاز ، وإذا تمكّنت من اقراضه في حال طلب ذلك فلأفعل ، بل بلغ الاهتمام بمشاعر الجار إلى درجة أن لا تستطيل عليه في البناء فتحجب عنه الهواء والضياء ، كما تمتد المداراة إلى رعاية أولاده وأسرته خاصّة في حال سفره .

    ج ـ  التعاون معه : بمشاركته في نقل أثاثه ، وتقديم يد العون والمساعدة فيما يحتاجه وأستطيع توفيره له ، وأن أتعاون معه في تنظيف مرافق البناية المشتركة واصلاح ما فسد أو عطل منها .

    د ـ  إشعاره بالمودّة : من خلال التسامح معه، والترحيب به، وزيارته مع بعض سكّان البناية أو المحلّة أو الحيّ ، وتقديم هدية منزلية كعلامة محبّة ، ودعوته إن أمكن إلى مأدبة ، والسؤال عنه إذا سافر أو غاب أو مرض . وإذا غادرت البناية أو المحلّة فاستسمحه وتحلّل منه .


 

    7 ـ  آداب توديع واستقبال المسافر :

    من بين وصايا لقمان لابنه : « إذا سافرت مع قوم فأكثر من استشارتهم في أمرك واُمورك ، وأكثر التبسّم في وجوههم ، وكن كريماً على زادك بينهم ، وإذا دعوك فأجبهم ، وإن استعانوا بك فأعنهم ، واستعمل طول الصمت وكثرة الصلاة ، وسخاء النفس بما معك من دابّة أو ماء أو زاد ، وإذا استشهدوك على الحقّ فاشهد لهم ، واجهد رأيك لهم إذا استشاروك » .

(19)

    وعن المفضّل بن عمر قال : دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) فقال لي : « من صحبك ؟ فقلت له : رجل من إخواني . قال : فما فعل ؟ قلت : منذ دخلت لم أعرف مكانه ، فقال لي : أما علمت أنّ من صحب مؤمناً أربعين خطوة سأله الله عنه يوم القيامة » .

    ومن آداب توديع المسافر :

    أ ـ  أن تمرّره من تحت القرآن الكريم .

    ب ـ  أن تحتضنه وتقرأ على كتفه الأيمن (إنّ الّذي فَرضَ عَليك القُرآن لرادّك إلى معاد ) وعلى كتفه الأيسر (فالله خَيرٌ حافِظاً وهُو أَرحَم الرّاحِمِين ) .

    ج ـ  أن تتمنّى له بأن تصحبه السلامة في حلّه وترحاله وأن يعود سالماً غانماً .

    د ـ  إذا تمكّنت من إيصاله إلى نقطة انطلاقه في سفره سواء المطار أو الميناء أو مركز انطلاق الحافلات أو القطارات ، فإنّ ذلك ممّا يدخل السرور عليه .

    هـ ـ  أن لا ترهق كاهله بالطلبات أو بإيصال حاجات ثقيلة إلاّ إذا أبدى استعداده .

    و ـ  أن تستفسر أخباره من أهله أو تتّصل به هاتفياً إن أمكن وأن تردّ على رسائله .

    وإذا عاد من سفره :

    أ ـ  أن تستقبله في مكان الوصول إن أمكن .

    ب ـ  أن تحتضنه بحرارة مرحّباً بكلمات الثّناء على الله بوصوله سالماً ، والاعراب عن مشاعر الشوق لرؤيته ، ففي الحديث : « من تمام التحيّة للمقيم المصافحة ، وتمام التسليم على المسافر المعانقة » .

    ج ـ  أن تزوره في بيته وأن تصطحب معك هدية ولو رمزية اشعاراً له بسعادتك بعودته .


 

    8 ـ  من آداب التعزية والمواساة :

    لا يعني فنّ التعامل مع المجتمع أن نشاطر الناس أفراحهم فحسب ، بل يستوجب مشاركتهم في أحزانهم أيضاً ، ولعلّ حاجة الحزين إلى من يقف إلى جانبه في نكبته أو مصيبته أشدّ .

    ومن آداب التعزية بمصاب أليم بفقد عزيز :

    أ ـ  المساهمة في تشييع الجنازة ، وعدم السير في مقدّمة الموكب ، وأن نسير سيراً هادئاً رزيناً وحزيناً وكأنّ المصاب مصابنا ، وأن نردّد عبارت الإيمان بقضاء الله وقدره مثل (لا إله إلاّ الله) و (لا حول ولا قوّة إلاّ بالله) و (إنّا لله وإنّا إليه راجعون) وأن نأخذ بطرف النعش ونحمله مع الحاملين ، وأن نترحّم على الميت ونستغفر له .

    ب ـ  أن نساهم في صلاة الميت ، وأن نقرأ الفاتحة على روحه .


 

(20)

    ج ـ  أن نشيِّع الجنازة إلى المثوى الأخير ، وأن نودِّع ذوي الفقيد بكلمات العزاء الحارّة من الصبر والترحّم على الفقيد ، وأن يجمل الله لأهله الصبر ويعظِّم لهم الأجر وأن يجعل ذلك خاتمة السوء والأحزان .

    هـ ـ  أن نشارك في مجالس الفاتحة التي تقام على روح الميت لنشاطر أهله العزاء .

    و ـ  أن نقدِّم ما نستطيع من يد العون لأهله حتّى يجتازوا محنتهم أو الفترة العصيبة التي تعقب رحيل عزيز عليهم .

    ز ـ  وإذا كنّا بعيدين عن البلد الذي توفّي فيه صديق أو أحد أقرباء صديق فيمكن أن نعزِّيه تعزية شفويّة بالهاتف ، أو مكتوبة في برقية أو رسالة أو فاكس . وللتعزية عبارات معروفة ومتداولة منها : (عظّم الله اُجوركم) و (أحسن الله لكم العزاء) و (إنّا لله وإنّا إليه راجعون) و (لا أراكم الله بعد اليوم مكروهاً) وغيرها .


 

    9 ـ  آداب التهنئة :

    من حق أيّ صديق علينا أن نهنِّئه بأيّ توفيق أو نجاح أو نعمة ينعم الله بها عليه ، ومن حقّنا عليه أن يفعل مثل ذلك . فتبادل التهاني من عوامل تقوية الصداقة وتغذيتها بدم جديد . فمن آداب التهنئة بالنجاح أن نزفّ للناجح أرقّ التهاني والتبريكات ، وأن نتمنّى له المزيد من النجاحات ، وأن نقدِّم له الهدية المناسبة المعبّرة عن فرحتنا بنجاحه .

    ومن آداب التهنئة بالمولود الجديد أن نحمد الله على سلامته وسلامة والدته ، وأن نتمنّى على الله أن يرزق والديه برّه ، وأن يتربّى في عزّهما ، وأن يجعله من أهل الإيمان ، وأن نقرن ذلك بهدية مشفوعة بكلمات لطيفة وطيِّبة .

    ومن آداب التهنئة بالزواج التمنّي للزوجين بالرفاء والبنين ، وأن ينعم الله عليهما بدوام السعادة والانسجام ، وقد تفي كلمة (ألف مبروك) بالغرض ، لكن للهدية إن كان هناك إمكانية لذلك تعبير أقوى .. ويستحسن سؤال العروسين عن الأدوات المنزلية التي يحتاجانها حتّى لا تتكرّر الهدايا ، وحتّى يمكن المساهمة في تأثيث بيت الزوجية كلّ حسب قدرته واستطاعته .


 

    10 ـ  آداب الضيافة :

    إقراء الضيف (أي إكرامه) خصلة حميدة كانت قبل الإسلام وشجع عليها الإسلام حيث اعتبر إكرام الضيف من حسن الخلق حتّى جاء في الحديث الشريف : « مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه » .

    ولذا فإنّ من آداب الضيافة سواء في عيد من الأعياد ، أو بمناسبة عقد قران أو زفاف ، أو شراء بيت ، أو وفاء نذر ، أو مأدبة إفطار في شهر رمضان :

(21)

    أ ـ  إظهار الترحاب الحار بالضيف واستقباله بهندام جميل ونشر جو من البشاشة والحبور ، وإجلاس الضيف في المكان اللاّئق بل وترك الخيار له في ذلك ، فذلك من حسن الوفادة .

    ب ـ  دع لضيفك حرِّيّة اختيار الحديث الذي يراه مناسباً فذلك يريحه أكثر ممّا تفرض عليه حديثاً معيناً قد لا يتفاعل معه ولكنّه يضطرّ ـ تحت المجاملة ـ أن يجاريك فيه .

    ج ـ  في حال الاستغراق في إعداد المائدة دعه يختار ما يناسبه من كتب أو صحف أو مشاهدة التلفاز أو الحديث مع أهل البيت الآخرين لئلاّ يضجر .

    د ـ  لا تتأخّر في تقديم الطعام وإن أمكن مراعاة الوضع الصحّي للضيف واختيار الصنف الذي يناسبه فذلك من تمام كرم الضيافة .

    هـ ـ  إذا قرّر ضيفك المبيت فأعدّ له فراشاً نظيفاً ومريحاً ، وحدِّد له القبلة للصلاة وكيفيّة ذهابه إلى الحمّام ، وهيِّئ له منديلاً مناسباً ، واستأذنه في الدخول عليه صباحاً . وباختصار فإنّ عليك أن تشعر الضيف أ نّه هو صاحب المنزل كما عبّر ذلك الشاعر بقوله :

يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا***نحن الضّيوف وأنت ربّ المنزلِ


 

    11 ـ  آداب الطريق :

    رغم أ نّنا لا نعرف الكثير ممّن يسيرون في الطريق العام أو على أرصفة الشوارع ، إلاّ أنّ ذلك لا يعفينا من اسقاط فنّ التعامل مع شركائنا في الطريق . فالتعامل الحسن هو مع من نعرف ومع من لا نعرف .. مع من نعرف لنوثِّق العلاقة به ، ومع من لا نعرف حتّى نمنح الحياة وجهاً إنسانياً مشرقاً .

    وقد وضع الاسلام لائحة بآداب الطريق يمكن الإشارة إلى بعضها :

    أ ـ  وأنت تسير في الشارع اخفض نظرك .. حدِّق في الأرض وفي الاتِّجاه الذي تسير فيه ولا تكثر الالتفات .

    ب ـ  وقد يعترضك في الطريق ما يعكِّر صفو مزاجك فيدعوك للخروج عن طورك .. تذكّر أ نّك في البيت كما أنت في الشارع ، فالتزامك هو التزامك.. وأدبك هو أدبك.. وخلقك هو خلقك.. فحافظ على توازنك أينما كنت .

    ج ـ  ارفع الأذى عن الطريق فالذين يمشون فيه هم إخوانك إمّا في الدين أو في الإنسانية ، وفي الحديث « لا تحقرن من المعروف شيئاً حتّى إماطتك الأذى من طريق المسلمين » .

    د ـ  أنشر السلام بإلقاء التحيّة على الجميع ـ معارف وغرباء ـ حتّى تشيع جوّاً من الطمأنينة على طول الطريق .

(22)

    هـ ـ  لا تقطع الطريق أو الرصيف بأي عارض أو حاجز ، فهو حق للمارّة جميعاً وليس حكراً عليك فقط .

    و ـ  ولأنّ الطريق حقّ الجميع فلا يجوز لك أن تبصق فيه ، أو أن تلقي فضلات العلب أو الأوساخ في قارعة الطريق ، فأي تلويث للشارع تلويث للصحّة العامّة وصحّتك منها.. ارمِ أوساخك في الأماكن المخصّصة .

    ز ـ  ساعد ذوي الحاجات في التقاط ما يسقط من بضائعهم ، أو ما يتعطّل من وسائط نقلهم.. إعرض مساعدتك على من يحتاجها خصوصاً الضرير فقد يأتي يوم تحتاج فيه إلى مساعدة الآخرين ، وحتّى إذا لم يأتِ هذا اليوم فإنّك تكون قد صنعت معروفاً .

    ح ـ  إذا كنت صاحب سيارة أوقفها في الأماكن المخصّصة، ولا ترفع صوت زمورها ، ولا تتهوّر بسرعتها حفاظاً على سلامتك وسلامة الجميع .


 

    12 ـ  أدب التعامل مع الكبار :

    للتعامل مع الكبير ـ سواء الوالدين أو سواهما من المعلِّمين والعلماء ـ أدبه الخاصّ ، فالإسلام يطالبنا كشباب بإجلال هؤلاء ، فقد ورد في الحديث الشريف « إنّ من إجلال الله عزّ وجلّ إجلال ذي الشيبة المسلم » وتوقيره لسنِّه « فإنّما حقّ السنّ بقدر الإسلام » فإذا  كان الكبير في السنّ من أهل الفضل فإجلاله إجلالان: إجلالٌ لسنّه وإجلالٌ لفضله .

    وكما أنّ معاملة الصغير تقتضي أن ترحمه وتثقِّفه وتعلِّمه وتعفو عنه وتستر عليه وترفق به وتعينه وتداريه ، فكذلك لمعاملة الكبار اُصولها :

    أ ـ  أن تترك مخاصمته وأن لا تقابل إساءته بإساءة مماثلة ، وأن تنبِّهه إلى خطئه بالتي هي أحسن ، كما فعل الحسنان (الحسن بن عليّ والحسين بن عليّ (عليهما السلام) ) حينما نبّها ـ وهما طفلان صغيران ـ بطريقتهما اللطيفة ذاك الرجل الكبير الذي لم يحسن الوضوء حيث طلبا أن يحتكما عنده ليرى أ يّهما أصحّ وضوءاً ، فالتفت إلى خطأ وضوئه من خلال صحّة وضوئهما .

    ب ـ  أن لا تسبقه إلى الطريق ، وأن لا تجلس قبله ، وأن تفسح له في المجالس ، وأن تكرمه حيثما كان .

    ج ـ  أن تبرّ به بتقدير فضله عليك وعظيم إحسانه لك ، ومجازاته يحسن الوفاء وجميل والاحترام ، ورعايته بكلّ أشكال الرعاية خاصّة الأبوين (وَصَّيْنَا ا لاِْنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً )() وهكذا المعلِّم باعتباره الأب الثاني والعلماء من المعلِّمين ينبغي توقيرهم بالقول والعمل والتكريم ، وبرّهم والاهتداء بهم . فعن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)  : « مجالسة أهل

(23)

الدين شرف الدّنيا والآخرة » . وقال لقمان لابنه : « يا بنيّ ! جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك ، فإنّ الله عزّ وجلّ يحيي القلوب بنور الحكمة ، كما يحيي الأرض بوابل السّماء » . كما ينبغي تقدير جهودهم وجهادهم واتباع نصائحهم والدفاع عنهم .

    من الآداب الأُخرى :

    إنّ قائمة الآداب الاجتماعية التي تشكِّل بمجملها (فنّ التعامل مع المجتمع) طويلة بما لا يسع حصرها هنا ، ولكنّنا نذكِّر ببعض مفرداتها الاُخرى على عجالة :

    أ ـ  عندما تستعير كتاباً ، لا تكتب عليه ، حافظ عليه من التلف أو الضّياع ، أعده إلى مصدره مع الشكر والامتنان ، وإذا أصاب الكتاب ضرر فعليك تعويضه .

    ب ـ  تقيّد بالتعليمات الملصقة في السيارات والغرف والدوائر والمكتبات والأسواق التجارية .

    ج ـ  اطلب الاذن في استخدام الأشياء غير العائدة لك .

    د ـ  لا تهمل الردّ على الرسائل فالرسالة مثل السلام تحتاج إلى الردّ حتّى ولو أ نّك تقول لصاحبها : وصلتني رسالتك .

    هـ ـ  امتنع عن التدخين في الأماكن المغلقة ، فالإضرار بالغير غير جائز لا سيما وأنّ الذي يتنشق الدخان يتضرّر ـ كما هو ثابت صحّياً ـ أكثر من المدخِّن .

    و ـ  من اللاّئق أن يأتي الاعتذار سريعاً بعد ارتكاب الخطأ حتّى ولو كان صغيراً كما في التأخّر عن موعد ، أو عن التقاعس عن أداء واجب ، مع تقديم سبب مقنع لذلك .

    يقول الشاعر :

يعيدُ التماسُ العذر للنفس روحها***ويُخمد جَمر الشرّ قبل شبوبه

عجبتُ لمن يستحي باعتذاره***وأولى به أن يستحي بذنوبه

    ز ـ  العتاب صابون القلوب .. عاتب أخاك ، ولكن ليس في كلّ الاُمور ، فلقد كتب عليّ الهادي (عليه السلام) لبعض أصحابه قائلاً : « عاتب فلاناً وقل له إذا أراد الله بعبد خيراً إذا عوتب قبل » .. أليست المعاتبة خيراً من الاغتياب ألف مرّة ؟!


 

ثالثاً :  ما هي العوامل التي تفسد العلاقة ؟

    لا شكّ أنّ فنّ التعامل مع المجتمع يتطلّب معرفتين معاً : معرفة العوامل التي تقوِّي وتنشِّط العلاقات ، ومعرفة العوامل التي تضعفها وتمزِّقها ، ذلك أنّ معرفة الجانب الثاني كفيلة في جعلنا نبتعد عن المنفّرات في العلاقات الاجتماعية ، كما تجعلنا نتحسّس استياء الآخرين من اُولئك الذين لا يراعون آداب اللِّياقة فنجتنب كلّ ما هو مسيء أو بذيء ، وبكلمة مختصرة فإن


 


 

(24)

كلّ واحد منّا هو بمثابة مرآة للآخر يرى فيها الآخرون الجانب المشرق والجانب المعتم كما يرى في الآخرين الجانبين معاً .

    وحتّى تكتمل الصورة سنضع بين يديك عدداً من المنفّرات عسى أن نحرص على تحاشيها كجزء من اجادتنا لفنّ التعامل :

    1 ـ  في كتاب الله الكريم أكثر من لفتة قرآنية لما اصطلحنا عليه بالمنفّرات ، ومنها :

    أ ـ  السخرية : وهي الاستهزاء بالآخرين ظنّاً منّا أ نّنا أفضل منهم، ناسين أ نّهم قد يفوقوننا في أشياء كثيرة ، وأنّ ما قد نسخر منه قد يكون ابتلاءً لا دخل للمصاب فيه كالأعرج أو الأعور أو الأصمّ أو الأبكم . يقول تعالى : (لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْم عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِن نِسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ )() .

    ب ـ  اللّمـز : وهو الوخز والطعن بالعيب ، وهو من أسرة المنفّرات المزعجات ، وهو أن تطّلع على عيب في أخيك فتعيِّره به ، أو تهزأ به أمام الآخرين ممّا يسبِّب له جرحاً عميقاً ، في حين أنّ الاسلام يحبّ الستر ويدعونا إلى أن نستر ما نراه من عيوب الآخرين . يقول تعالى : (وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ )() .

    ج ـ  التنابز : وهو التنادي بما يسيء لإخواننا ويكرهونه، فالألقاب الساخرة والأسماء اللاذعة ، وأدوات التخاطب المخدشة تعبِّر عن هبوط في الشخصية ، ولقد مرّ معنا أنّ الإسلام يطالبنا بأن ننادي إخواننا بأحبّ الأسماء إليهم . يقول تعالى : (وَلاَ تَنَابَزُوا بِالاَْلْقَابِ )() .

    د ـ  سوء الظنّ : وهو أن تفسِّر كلّ حركة وسكنة من أخيك تفسيراً سيِّئاً ، وهو عكس ظنّ الخير الذي دعت إليه الأحاديث التي استعرضناها، وهو كذلك كاشف عن نفس تنطوي على خبث وسوداوية فلا ترى من أفعال الناس وأقوالهم إلاّ المشين . يقول تعالى : (يَا أَ يُّهَا ا لَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ )() . وقد ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله : « إيّاكم والظنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث » .

    هـ ـ  التجسّس : فكما أنّ عدم الثقة يقودك إلى سوء الظنّ وهو عمل باطني ، فكذلك يقودك إلى عمل ظاهري وهو التجسّس والتقاط العثرات وتتبّع الأخطاء وترصّد الهفوات ، فالتجسّس هو تتبّع عورات وعثرات المؤمن . يقول تعالى : (وَلاَ تَجَسَّسُوا )() .

    و ـ  الغيبة : وهي ذكرك أخاك بما يكره ، فإن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته . وهي جهد العاجز الجبان الذي لا يقوى على مواجهة الآخرين


 

(25)

بالصراحة فينال منهم في غيابهم فهو كمن يطعن في الظهر .. وأخطر ما فيها أ نّها توسع من دائرة المطلعين على العيب ممّا يسبِّب هتك حرمة المؤمن ، ولنتأمّل في هذه الصورة المقزّزة المنفّرة والنابية عن كلّ ذوق ، يقول تعالى : (وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ )() .

    ز ـ  النميمة : وهي نقل ما يسمعه أحدنا من شخص إلى آخر ليوقع بينهما ، وهذا من سوء الطبع والسريرة ، فبدلاً من أن نعمل على اصلاح ذات البين ونقل الصور الطيِّبة عن كلّ صديق نعمد إلى تشويه صورته في نظر الآخر ، ولذلك قال تعالى : (وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّف مَهِين * هَمَّاز مَشَّاء بِنَمِيم )() . وجاء في الحديث : « من نمّ لك نمّ عليك » . وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)  : « ألا أنبِّئكم بشراركم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : المشّاؤون بالنميمة ، المفرِّقون بين الأحبّة » .

    ح ـ  هتك الحرمة : إنّ كلّ ما سبق من منفّرات تشكّل هتكاً لحرمة المؤمن التي توصف ـ حسب الروايات ـ بأ نّها أعظم من حرمة الكعبة، ولكن يضاف إليها كلّ ما من شأنه أن يسيء أو يشوّه سمعة المؤمن بحيث يسقطه اجتماعياً . يقول تعالى : (إِنَّ ا لَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ا لْفَاحِشَةُ فِي ا لَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَا لاْخِرَةِ )() . وفي الحديث : « لا تذهب بالحشمة بينك وبين أخيك .. أبقِ منها فإنّ ذهابها ذهاب الحـياء » . وفي المحـصلة يحرم إيذاء المؤمن وتحزينه وإهانته وخذلانه واحتقاره واسخاطه . يقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)  : « من آذى مؤمناً فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله » .

    ط ـ  ومن المعاول التي تهدم الاخوّة وتخرِّب بيت الصداقة : ( الشحناء ) وهي البغضاء، و ( المعاداة ) وهي اعتبار أخيك عدوّاً لك ، و ( الملاحاة ) وهي أشدّ الخصومة حتّى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : « من لاحى الرجال سقطت مروءته وذهبت كرامته » . و ( المشارّة ) وهي التسبّب في الشرّ للآخر ، و ( المشاجرة ) والشجار أوّل الخصومة ونوع من أنواعها ، و( القيل والقال ) وهو من النميمة والغيبة والتسقيط ، و ( التباغض ) الذي يقطع جسور الوصل حتّى جاء في الحديث « إنّ في التباغض الحالقة ـ ولا أعني حالقة الشعر ـ ولكن حالقة الدين » ، و (المراء ) وهو الاسلوب الملتوي في التعامل .

    يقول عليّ (عليه السلام)  : « مَن بالغ في الخصومة أثِم ، ومن قصّر فيها ظُلم ، ولا يستطيع أن يتّقي الله من خاصم » .


 

(26)

    ي ـ  إحصاء العثرات : وهي عمليّة تنمّ عن خبث واستعداد نفسي للإطاحة بالآخر من خلال احصاء عثراته وزلاّته ، وهي أشبه بما تقوم به قوى المخابرات من الاستدراج للإيقاع بالضحيّة . يقول جعفر الصادق (عليه السلام)  : « من أحصى على أخيه المؤمن عيباً ليشينه به ويهدم مروءته فقد تبوّأ مقعده من النّار » . وقد وصفته أحاديث اُخرى بأ نّه من الغدر .

    ك ـ  الهجر : قد تصل العلاقة بيني وبين أخي وصديقي إلى درجة المقاطعة المؤقتة ، وذلك أمر طبيعي في حال تعصّب كلّ منّا لموقفه ، ولكن إذا حصل وانتهى الأمر بالقطيعة فلا ينبغي أن يصل إلى درجة الهجران الكلّي أو الدائم فذلك ممّا ينافي اسلام المسلم وإيمان المؤمن ، يقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)  : « أيّما مسلمين تهاجرا فمكثا ثلاثاً لا يصطلحان إلاّ كانا خارجين من الإسلام ، ولم يكن بينهما ولاية ، فأيّهما سبق إلى كلام أخيه كان السابق إلى الجنّة يوم الحساب » .

    وفي قواعد السلوك وآدابه : « لا تنفعل ولا تجادل ولا تضغط ولا تصعّد الموقف .. إكسب الجدال بأن تتجنّبه .. انّ كلمة (أنت مخطئ) هي أقصر طريق لجلب العداوة .. سلّم بالخطأ حين تخطئ .. ولا تنتقد نقداً عقيماً يكسر القلب ويذلّ النفس فذلك أساس النكد » .


 

رابعاً : ما هي التطبيقات العملية للشخصية الصالحة الجذّابة ؟

    إنّ العيّنات التي يمكن أن تُذكر هنا كثيرة جدّاً ، فما مرّ معنا من قواعد وآداب للسلوك لم تكن مجرّد شعارات أو توصيات معلّقة في الفضاء وإنّما خضعت لتجربة إنسانية طويلة كشفت عن مدى أثرها في التعامل الاجتماعي ، ونظراً لضيق المجال سنورد بعض الأمثلة للتدليل لا للحصر :


 

    1 ـ  أمسك غضبك كما تمسك فم القربة الملآن :

    « جاء عن أنس ، قال : كنت مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليه بُرد غليظ الحاشية ، فجذبه أعرابي بردائه جذبة شديدة حتّى أثرت حاشية البُرد في صفحة عاتقه ، ثمّ قال : يا محمّد ! إحمل لي على بعيريّ هذين من مال الله الذي عندك، فإنّك لاتحمل لي من مالك ولا مال أبيك. فسكت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ قال : المال مال الله وأنا عبده ، ثمّ قال : ويقادُ منك يا إعرابي ما فعلت بي ؟ قال : لا . قال : لم ؟ قال : لأ نّك لا تكافئ بالسيِّئة السيِّئة ، فضحك النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ أمر أن يُحمل له على بعير شعير ، وعلى الآخر تمر » .


 


 


 

(27)

    2 ـ  أحسن وفادة أخيك وأكرمه .. تكسب قلبه :

    «عن أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام) قال : ورد على أمير المؤمنين أخوان له مؤمنان ، أب وابن ، فقام إليهما واكرمهما وأجلسهما في صدر مجلسه ، وجلس بين يديهما ، ثمّ أمر بطعام فاُحضر فأكلا منه ، ثمّ جاء قنبر (خادمه) بطست وابريق خشب ومنديل ، فأخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) الإبـريق فغسل يد الرجل بعد أن كان الرجل يمتنع من ذلك ، وأقسم له أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يغسل مطمئناً ، كما كان يغسل لو كان الصابّ عليه قنبر فغسل ، ثمّ ناول الإبريق محمّد بن الحنفية ( إبنه ) وقال : يا بنيّ ! لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده ، ولكنّ الله عزّ وجلّ يأبى أن يسوّي بين ابن وأبيه إذا جمعهما في مكان ، ولكن قد صبّ الأب على الأب ، فليصبّ الابن على الإبن ، فصبّ محمّد بن الحنفيّة على الابن » .

    3 ـ  أسلوب النقد الحكيم يفتح أسارير المنقود لتقبّل النقد :

    « مرّ الحسن والحسين (عليهما السلام) على شيخ يتوضّأ ولا يحسن ، فأخذا في التنازع ، يقول كلّ واحد منهما أنت لا تحسن الوضوء ، فقالا : أ يُّها الشيخ ! كن حكماً بيننا ، سيتوضّأ كلّ واحد منّا ، فتوضّآ ثمّ قالا : أ يُّناً يُحسن ؟ قال : كلاكما تحسنان الوضوء ، ولكن هذا الشيخ الجاهل هو الذي لم يكن يحسن وقد تعلّم الآن منكما » .

    4 ـ  اللّباقة في فضّ المنازعة فنٌّ يجدر أن نُحسنه :

    جرى بين الحسين وبين (أخيه) محمّد بن الحنفية كلام ، فكتب ابن الحنفية إلى الحسين : « أمّا بعد يا أخي فإنّ أبي وأباك علي لا تفضلني فيك ولا أفضلك ، وأمّك فاطمة بنت رسول الله ، لو كان ملء الأرض ذهباً ملك أمّي ما وفّت بأمّك ، فإذا قرأت كتابي هذا فصر إليَّ حتّى تترضاني، فإنّك أحقّ بالفضل منِّي، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته». ففعل الحسين (عليه السلام) فلم يجرِ بعد ذلك بينهما شيء .

    5 ـ  أعظم أسلوب في فنّ التواصل .. مقابلة الإساءة بالإحسان :

    « وقف على عليّ بن الحسين (عليه السلام) رجلٌ من أهل بيته فأسمعه وشتمه فلم يكلِّمه ، فلمّا انصرف قال لجلسائه : لقد سمعتم ما قال هذا الرجل وأنا أحبّ أن تبلغوا معي إليه حتّى تسمعوا منِّي ردّي عليه . فقالوا له : نفعل ، ولقد كنّا نحبّ أن تقول له وتقول ، فأخذ نعليه ومشى وهو يقول : (والكاظمين الغيط والعافين عن النّاس والله يحبّ الـمُحسنين ) فقلنا : إنّه لا يقول له شيئاً . قال : فخرج حتّى أتى منزل الرجل ، فصرخ به ، فقال : قولوا له هذا عليّ بن الحسين . قال : فخرج متوثباً للشرّ وهو لا يشكّ إنّه إنّما جاء مكافئاً له على بعض ما كان

منه . فقال له عليّ بن الحسين : يا أخي ! إنّك وقفت عليّ آنفاً وقلت ، فإن كنت قلتَ ما فيّ فأستغفر الله منه ، وإن كنت قلتَ ما ليس فيّ فغفر الله لك !! قال : فقبّل الرجل بين عينيه ، وقال : بل قلت فيك ما ليس فيك وأنا أحقّ به » !

(29)

    6 ـ  لا تتميّز على الآخرين .. كُن كأحدهم يمحضوك الحب :

    « كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في سفر فأمر باصلاح شاة ، فقال رجل : يا رسول الله ! عليَّ ذبحها ، وقال آخر : عليّ سلخها ، وقال آخر : عليّ طبخها ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم)  : وعليّ جمع الحطب ، فقالوا : يا رسول الله ! نحن نكفيك ، فقال : قد علمت أ نّكم تكفونني ، ولكن أكره أن أتميّز عليكم فإنّ الله يكره من عبده أن يراه متميِّزاً بين أصحابه ، وقام فجمع الحطب » .

    7 ـ  أنصف الناس من نفسك .. إعطِ لكلّ ذي حق حقّه .. تُسعِد وتَسعَد :

    « قال سوادة بن قيس للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في أيّام مرضه : يا رسول الله ! إنّك لمّا أقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك العضباء وبيدك القضيب الممشوق، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني ، فأمره النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقتصّ منه ، فقال : اكشف لي عن بطنك يا رسول الله ، فكشف عن بطنه ، فقال سوادة : أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك ، فأذن له ، فقال : أعوذ بموضع القصاص من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من النار يوم النار . فقال (صلى الله عليه وآله وسلم)  : يا سوادة بن قيس ! أتعفو أم تقتصّ ؟ فقال : بل أعفو يا رسول الله ، فقال : اللّهمّ اعف عن سوادة ابن قيس كما عفا عن نبيّك محمّد » !

    8 ـ  تعلّمتُ من الحياة .. أنّ الشتيمة تعاقب نفسَها :

    « سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلاً يشتم قنبراً ، وقد رام قنبر أن يردّ عليه ، فناداه أمير المؤمنين (عليه السلام)  : مهلاً يا قنبر دع شاتمك مهاناً ، ترضي الرّحمن وتسخط الشيطان ، وتعاقب عدوّك ، فوالذي خلق الحبّة وبرأ النسمة ما أرضى المؤمن ربّه بمثل الحلم ، ولا أسخط الشيطان بمثل الصمت ، ولا عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه » .

    9 ـ  أفضل السعي في سبيل الله.. قضاء حاجة أخيك المؤمن:

    « دخل على جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) رجل وشكا له تعذّر الكراء، فقال (عليه السلام) لصفوان الجمّال : قم وأعن أخاك على قضاء حاجته، فقام صفوان وذهب مع الرجل فيسّر الله له كراه ، ثمّ رجع صفوان إلى مجلس الإمام (عليه السلام) فسأله : ما صنعت في حاجة أخيك ؟ قال : قضاها الله . فقال (عليه السلام)  : أمّا إنّك إذا أعنت أخاك المسلم أحبّ إليَّ من طواف أسبوع في البيت الحرام » !


 

البحث في المدونة

المواضيع الأكثر مشاهدة