مدونة الدروس الصوتية والكتب في التنمية الذاتية و تطوير النفس وتعلم الأشياء المفيدة في حياتك

من أسرار السنة

من أسرار السنة

من الإعجاز العلمي في السنة النبوية


 

د. زغلول النجار

الفهرس

مقدمة    4

1- البحر المسجور    11

2- إرساء الأرض بالجبال    15

3- الأرضون السبع    18

4- المطر فضل من الله ورحمة    23

5- النجوم أمنة للسماء    27

6- انشقاق القمر    30

7- ثبات المطر    33

8- خسوف الشمس والقمر    36

9- طي السماء    46

10- أرض العرب مروجاً وأنهاراً    49

11- طلوع الشمس من مغربها    52

12- نار من أرض الحجاز    55

13- التمر    58

14- الحبة السوداء    61

15- السواك    64

16- الكمأة    67

17- حكمة التداوي    70

18- زيت الزيتون    74

19- صوموا تصحوا    77

20- ماء زمزم    79

21- الخلق بين النطفتين    82

22- العيافة والطيرة والطرق    85

23- فساد الجسد من فساد القلب    89

24- تفاعل أجهزة الجسم مع العضو المصاب    93

25- ظهور الفاحشة    95

26- الجسد يبلى ما عدا عجب الذنب    98

27- الحديد والنار والماء والملح    100

28- تحول الصحاري إلى جنات    103

29- عجب الذنب    106

30- صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته    110

31- إن الحرم حرم مناء‏,‏ من السموات السبع والأرضين السبع    112

32- نعم الإدام الخل    114

33- خلق الله آدم على صورته‏..    116

34- العدس.. أكله يرقق القلب،‏ ويدمع العين‏، ويذهب الكبر    118

35- في جسم الإنسان ‏360‏ مفصلاً    120

36- فضل الحجامة    122

37- يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب    124

38- حديث الذباب    126


 

مقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره, ونتوب إليه، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله، ونصلي ونسلم على أنبياء الله ورسله أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, ونخص منهم بأفضل الصلاة وأزكى التسليم: خاتمهم أجمعين سيدنا محمد النبي الأمين، الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الناس كافة، وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين، فنسأل الله تعالى أن يجزيه خير ما جازى نبيًا عن أمته, ورسولاً على حسن أداء رسالته, وأن يؤتيه الوسيلة والفضيلة, وأن يبعثه المقام المحمود الذي وعده, إن ربي لا يخلف الميعاد. آمين.. وبعد..

فمن أسس الإسلام العظيم: العقيدة الصحيحة, والعبادة السليمة, وحسن الخلق, وحسن المعاملة, والعقيدة الصحيحة قوامها الإيمان بالله, وبملائكته, وكتبه, ورسله, وباليوم الآخر, وهذه القضايا تقع كلها في إطار الغيب المطلق, الذي يحتاج الإنسان فيه إلى بيان من الله, بيانًا ربانيًا خالصًا, لا يداخله أدنى قدر من التصورات البشرية, وكذلك العبادة, ودساتير الأخلاق وفقه المعاملات وكلها من ركائز الدين, والإيمان بالله يقتضي التسليم له سبحانه بالألوهية, والربوبية "بغير شريك, ولا شبيه, ولا منازع, وهو التوحيد الخالص, وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى:{شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لاَ إِلَهَ إلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأولُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (آل عمرن: 18)

والإيمان بملائكة الله, وبكتبه ورسله يقتضي التسليم بوحدة الدين وهي حقيقة يقررها ربنا تبارك وتعالى بقوله:{إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ الله سَرِيعُ الْحِسَابُ} (آل عمران: 19)وقوله عز من قائل:{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(آل عمران: 85)

والإسلام العظيم علمه ربنا سبحانه وتعالى لأبينا آدم عليه السلام لحظة خلقه, وعلم آدم بنيه, وعاش الإنسان بهذا الهدى الرباني سعيدًا, محققًا رسالته في هذه الحياة: عبدًا لله الواحد الأحد, يعبد ربه تعالى بما أمر, ويجتهد في حسن القيام بواجب الاستخلاف في الأرض وعمارتها, وإقامة عدل الله فيها, حتى يلقى الله تعالى وهو راض عنه.

ولكن الإنسان فيه ميل للنسيان, وفي نفسه صراع بين الحق والباطل, وهو معرض لوساوس الشيطان, والإغواء المستمر بالخروج على منهج الله, ومع النسيان, والصراع والإغواء تفقد المجتمعات الإنسانية نور الهداية الربانية ممثلة في الدين الذي شرعه الله لعباده وهو الإسلام, وبفقدان الدين, أو تحريفه وتبرديله تفقد تلك المجتمعات الإنسانية سعادتها, تهبط في دياجير من الظلام الذي يشقيها, ويتعسها, فتشقى وتشقى الأرض من حولها.

ويظل الحال كذلك حتى يَمُنَّ الله تعالى على البشرية برسول جديد يأتيهم بنفس الرسالة ومن نفس المصدر, يَدعوهم إلى الإسلام من جديد, وظل الحال كذلك والإنسانية بين استقامة على منهج الله وانحراف عنه, في مد وجزر حتى مَنَّ الله تعالى عليها بالنبي الخاتم والرسول الخاتم، ومع الرسالة الخاتمة الإسلام في كماله وتمامه, وهي الرسالة التي تعهد الله تبارك اسمه بحفظها فحفظت بنفس اللغة التي أوحيت بها اللغة العربية, وحفظت بتفاصيلها الدقيقة كلمة كلمة, وحرفًا حرفًا, على مدى أربعة عشر قرنًا أو يزيد, وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, وذلك تحقيقًا للوعد الإلهي الذي قطعه ربنا سبحانه على ذاته العلية فقال عز من قائل:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر: 9)

هذا في الوقت الذي تعرضت كافة صور الوحي السابقة إما للضياع التام أو لقدر من التحريف الذي أخرجها عن إطارها الرباني, وجعلها عاجزة عن هداية البشرية.

ويخبرنا الرسول الخاتم، والنبي الخاتم (صلى الله عليه وسلم) بأن الله تعالى قد مَنَّ على البشرية بمائة وعشرين ألف نبي, وأن الله سبحانه وتعالى قد اصطفى من هذا الجمع الغفير من الأنبياء ثلاثمائة وخمسة عشر رسولاً، لا يوجد أثر لرسالاتهم اليوم إلا ما بقي من رسالة موسى عليه السلام وقد تعرض إلى قدر من التحريف الشديد على أيدي أحبار اليهود, وتكفي في ذلك الإشارة إلى أن هذه الأخبار لم تدون إلا بعد وفاة موسى عليه السلام بأكثر من ثمانية قرون, وأنه قد أضيف إليها العديد من الأسفار المنحولة, والقصص المكذوبة ليشتروا بها ثمنًا قليلاً كما وصفهم القرآن الكريم.

وكذلك ما بقي من آثار نبي الله عيسى عليه السلام والتي كتبت بعد رفعه بأكثر من قرن من الزمان, وبأيدي أناس عديدين من المجهولين, وفي أماكن متفرقة من الأرض وفي أزمنة متباعدة, وأنها لا تزال تُعدل إلى يومنا هذا, بين حذف وإضافة, وتغيير وتبديل, وترجمات متعارضة, ومراجعات متعددة, وانحراف واضح.

وتعهد ربنا تبارك وتعالى بحفظ رسالته الخاتمة مردُّه إلى العدل الإلهي, الذي يقتضي ألا يعذب الله سبحانه عبدًا من عباده بغير إنذار كاف. وفي ذلك يقول عز من قائل:{...... وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}(الإسراء: 15)

ولما كان سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) هو خاتم الأنبياء والمرسلين, ولما كانت رسالته (صلى الله عليه وسلم) قد تكاملت فيها كل رسالات السماء السابقة, فختمت برسالته الرسالات, وببعثته النبوات, وانقطع وحي السماء، كان لابد من حفظ هذه الرسالة الخاتمة، وإلا ما تحقق وعد الله ألا يعذب إلا بإنذار, وبإرسال رسول, وببقاء رسالة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) محفوظة بحفظ الله, فكأنه لا يزال قائمًا بيننا بشيرًا ونذيرًا.

ورسالات السماء هي هداية من الله تعالى للإنسان في القضايا التي لا يستطيع الإنسان أن يضع لنفسه فيها تصورات وضوابط صحيحة لوقوعها في دائرة الغيب المطلق الذي لا سبيل للإنسان في الوصول إليه إلا عن طريق وحي السماء, أو في دائرة ضوابط السلوك التي يعجز الإنسان دومًا عن وضع ضوابط صحيحة لنفسه فيها, وذلك من مثل قضايا العقيدة "وهي غيب مطلق"، والعبادة "وهي أوامر إلهية مطلقة"، والأخلاق والمعاملات "وكلاهما ضوابط للسلوك"، وهذه كلها من القضايا التي إذا خاض فيها الإنسن بغير هداية ربانية خالصة فإنه يضل ضلالاً بعيدًا, والذي يتأمل هذه القضايا في كتاب الله, وفي سنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) يجدها واضحة الدلالة على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق, وأن النبي الخاتم والرسول الخاتم (صلى الله عليه وسلم) كان موصولاً بالوحي, ومُعَلَّمًا مِن قِبَل خالق السماوات والأرض.

ولكن الله تعالى يعلم بعلمه المحيط بكل شيء, أن الإنسان سيصل في يوم من الأيام إلى مرحلة كالتي نعيشها اليوم, يتجمع له فيها من المعارف بالكون ومكوناته, وظواهره, وسننه, ما لم يتوافر لجيل من الأجيال من قبل, فينبهر باكتشافاته العلمية, وتطبيقاته التقنية انبهارًا يغمسه في أمور الدنيا إلى آذانه, ويصرفه عن مور الدين, وركائزه أو يشغله عنها حتى يتجاهلها, أو ينكرها بالكامل, كما هو حادث في غالبية المجتمعات غير المسلمة التي ركبها الزهو والغرور, بإنجازاتها العلمية والتقنية, ولذلك أبقى ربنا الحكيم الخبير في محكم كتابه وفي سنة خاتم أنبيائه ورسله (صلى الله عليه وسلم) من حقائق الكون, ووصف عدد من ظواهره, وسننه ما يقيم على إنسان اليوم الحجة البالغة بالمنطق العلمي – الذي يتباهى إنسان اليوم به, ويفخر بالوصول إليه – وقد سبقه كل من القرآن الكريم, والسنة النبوية المطهرة بعدة قرون "تصل أحيانًا إلى الأربعة عشر قرنًا" مما يؤكد أن القرن الكريم هو كلام الله الخالق الذي يجب ألا يعبد سواه, وأن هذا النبي الخاتم, والرسول الخاتم الذي تلقى القرن الكريم كان موصولاً بالوحي, ومُعَلَّمًا من قِبَل خالق السماوات والأرض, مما يحرك القلوب الواعية, والنفوس السوية, والعقول المنصفة إلى قبول دين الله الذي لا يرتضي ربنا تبارك وتعالى من عباده دينًا سواه, فيعود الناس – وفي مقدمتهم أهل العلوم البحتة والتطبيقية – مرة أخرى إلى الله, مُسَلِّمين بحقائق الغيب التي بدأت الحضارة المادية المعاصرة بإنكارها, وانتهت بحوثها العلمية إلى قرارها والتسليم بصدقها.

وعلى ذلك...

فإن من الأسرار المكنونة في كتاب الله, وفي سنة خاتم أنبيائه ورسله تلك الإشارات الكثيرة إلى الكون، وإلى عدد من مكوناته, وظواهره, وسننه, والتي جاءت في أكثر من ألف آية صريحة من آيات القرآن الكريم, وفي العديد من أقوال المصطفى (صلى الله عليه وسلم) والتي تسلم بأنها لم تأت لنا من قبيل الإخبار العلمي المباشر ؛ لأن الكسب العلمي قد ترك لاجتهاد الإنسان جيلاً بعد جيل, ولذلك فقد جاءت كلها في مقام الاستدلال على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق, وفي التأكيد على أن الذي أبدع هذا الخلق قادر على إفنائه, وعلى إعادة خلقه من جديد, وقد كانت قضايا الخلق والبعث – ولا تزال – معضلة العقول القاصرة, والقلوب الكافرة, وحجتهم في إنكار الخالق وجحوده سبحانه وتعالى وفي رفض الدين.

ونسلم أيضًا بأن هذه الإشارات القرآنية والنبوية الشريفة إلى الكون ومكوناته وظواهره جاءت في مقام تنبيه المسلمين إلى أهمية التعرف على خلق الله, واستقراء سننه في الكون, وتوظيفها في عمارة الأرض, وفي حسن القيام بواجبات الاستخلاف فيها, ومع هذا التسليم والإقرار تبقى الإشارات الكونية في كتاب الله, وفي سنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) بيانًا من الله الخالق, ووحيًا أوحاه إلى خاتم أنبيائه ورسله, فلابد وأن تكون حقًا مطلقًا, ولو أن علماء المسلمين اهتموا بتحقيق تلك الإشارات تحقيقًا علميًا دقيقًا, وبتقديمها إلى الناس في عصر العلم والتقنية الذي نعيشه لكانت من أنجح وسائل الدعوة إلى الله, وإلى دعوة خاتم أنبيائه ورسله, أو إلى هذا الدين الخاتم الذي بعث به هذا النبي الخاتم (صلى الله عليه وسلم) والذي لا يرتضي ربنا تبارك وتعالى, من عباده دينًا سواه؛ لأن فيها تثبيت للمؤمنين على إيمانهم, وهداية للضالين التائهين من الكفار والمشركين, وما أكثرهم في زماننا، وما أخطرهم على مجتمعاتنا في زمن الضياع الذي يعيشه إنسان اليوم.

ومصادر الدين الإسلامي هي القرآن الكريم, والسنة النبوية المطهرة التي عنيت بشرح قواعد الدين كما أنزلت في كتاب الله, وتطبيقها تطبيقًا عمليًا في واقع الناس, وتفصيلها وتثبيتها, ومن هنا كانت العناية بالسنة ضرورة من ضرورات الدين, ولازمة من لوازمه, وكان الاسترشاد بأحكامها في كثير من الأمور التي أجملها القرآن الكريم من العوامل المساعدة في تفسير هذا الكتاب العظيم, ولذلك حرص علماء الإسلام على جمع السنة النبوية, وتمحيصها تمحيصًا دقيقًا, وتبويبها, وشرحها, وصيانتها, وحفظها بمختلف وسائل الحفظ كمصدر هام من مصادر هذا الدين الخاتم.

وقد اعتنى كل من القرآن الكريم, والسنة النبوية المطهرة أساسًا بركائز الدين من العقيدة, والعبادة, والأخلاق, والمعاملات, وهي من الدين في الصميم, وكل ركيزة من هذه الركائز إذا درست بشيء من الموضوعية والحيدة فإنها تثبت لكل ذي بصيرة أن كلاً من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة, معجز في بيانه, ونظمه, معجز في تشريعه وعلمه, وفي خطابه للنفس وقدرته على تربيتها, معجز في تفاصيل العقيدة التي يدعو إليها, والعبادة التي يأمر بها, والأخلاق التي يوصي عليها, والمعاملات التي يحدد دساتيرها, كما أن كلاً منهما معجز في سرده لقصص بعض الأمم السابقة, والأحداث الغابرة، وفي تنبؤاته بالعديد من الأمور المستقبلية التي تحقق بعضها الفعل, وكل ذلك يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية, بل هو كلام الله الخالق, كما يشهد للنبي الخاتم (صلى الله عليه وسلم) بالنبوة والرسالة, وبأنه لا ينطق عن الهوى.

ثم يأتي قصص الأمم السابقة في كل من القرآن الكريم, وأقوال النبي الخاتم مما يؤكد على هذه الحقيقة, وكذلك تأتي الإشارات الكونية داعمة لهذا التأكيد بأسلوب العصر ولغته.

ونحن في محاولاتنا لفهم الآيات الكونية الواردة في كتاب الله, والإشارات إلى أمثالها في أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نحتاج إلى فهمها فهمًا دقيقًا في إطار اللغة العربية ودلالات ألفاظها وأساليب التعبير فيها, وفي أضواء أسباب النزول أو سياق الحديث النبوي وأسباب وروده, وفي أنوار النصوص القرآنية والنبوية الأخرى, وفي إطار المبادئ العامة والمقاصد الكلية للإسلام, بالإضافة إلى توظيف المعارف العلمية الحديثة في المجال الذي تتحدث عنه الآية القرآنية أو يشير إليه الحديث النبوي الشريف.

هذا بالإضافة إلى أن إبراز السبق القرآني أو النبوي بالإشارة إلى عدد من حقائق الكون وأسراره وظواهره وسننه, هذا السبق لكل المعارف الإنسانية بعدد متطاول من القرون, مع دقة علمية في التعبير وشمول وإحاطة في الدلالة, وإيجاز يعتبر ضربًا من الإعجاز, ويجعل من تلك الإشارات الكونية وسيلة من أفضل وسائل الدعوة إلى الله في زمن التقدم العلمي, والتقني الذي نعيشه والذي يتعرض فيه الإسلام والمسلمون إلى همجية كافرة شرسة, مدعومة بكل وسائل التفوق المادي, ولكنها تفتقر إلى قيم روحية عليا, وإلى ضوابط أخلاقية وسلوكية صحيحة.

فمنذ أن انتهت الحروب الصليبية بهزيمة جيوش الغرب المعتدية على أرض فلسطين, واندحارها أمام جحافل الجيش الإسلامي انصب تفكير الغربيين على الانتقام من المسلمين بمحاولة تشويه الدين الإسلامي تحت مظلة دراسته ونقده, وفي هذا الجو المليء بالكراهية, والتعصب الأعمى ضد الإسلام وأهله، ظهرت مدارس الاستشراق التي كرست جهدها في دراسة الإسلام, والحضارة الإسلامية, وتاريخ, وعادات, وسلوكيات المسلمين من أجل إيجاد ثغرات للهجوم عليهم منها, وطبيعي أن تأتي هذه الدراسات في غالبيتها بنتائج أبعد ما تكون عن الإنصاف, وعن الموضوعية, وعن الحيدة العلمية, وتأتي أعمال المستشرقين غالبًا وهي مشوبة بكثير من مشاعر الكراهية, ونزعات الغرور والاستعلاء, وفي هذه الحروب الاستشراقية حاول المستشرقون التهجم على القرآن الكريم, وعندما فشلوا في ذلك, وارتدت أسلحتهم إلى صدورهم, وجهوا سهامهم إلى السنة النبوية المطهرة, في حملة تشكيكية منظمة, كانت دعواهم فيها أن السنة لم تدون على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لنهيه صلوات الله وسلامه عليه عن ذلك؛ خشية على القرآن الكريم حتى لا يختلط شيء من السنة بتدوينه.

وهؤلاء النفر من شياطين المستشرقين يعلمون جيدًا أن السنة النبوية الشريفة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي, وهي الصلة الوثيقة بين أجيال الأمة الإسلامية, ونبيها ورسولها الخاتم وهو إمام الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وسلم)، وأن قطع هذه الصلة بالتشكيك في سنة هذا الرسول الخاتم والنبي الخاتم (صلى الله عليه وسلم) تمثل تشكيكًا في الإسلام, وهدمًا لركن أساسي من أركانه.

وعلى الرغم من وضوح الهدف من وراء هذه الهجمة الاستشراقية المغرضة –والمتسترة زورًا برداء البحث العلمي لتخفي كمًا هائلاً من الكراهية والحقد, والتعصب بالباطل ضد الحق والداعية – زورًا وبغير أدنى مادي – إلى التشكيك في حجية السنة النبوية الشريفة, وفي مصداقية رواتها, وجامعيها, وشراحها, وأغلبهم من كرام الصحابة والتابعين, وتابعي التابعين, ومن بعدهم, أملاً في إغراء المسلمين بالأعراض عن سنة نبيهم كوسيلة من وسائل هدم هذا الدين الخاتم, فإنه نفرًا من أبناء المسلمين قد انساق وراء هذه الصيحات الشيطانية المنكرة، والمؤامرات الحاقدة الماكرة فنادى بأن الدين جاء في القرآن الكريم لأنه متواتر, وفي السنة العملية؛ لأنها من حيث العمل بها في تواصل أصبحت تحقق صفة التواتر, أما عن السنة القولية فلا يلزم العمل بها, وفي هذا الادعاء الباطل افتراء على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعلى سنته, ومعارضة صريحة لمقولته الشريفة:"... فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهتدين، عضوا عليها بالنواجذ"(الترمذي، وأبو داود, وأحمد, وابن ماجه)
وقوله: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" (أبو داود).
ومخالفة صريحة لأوامر الله تبارك وتعالى ؛ لقوله عز من قائل:{وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(الحشر: 7)

وردًا لهذه الدعوة الباطلة المشبوهة اخترت في هذا الكتيب عددًا محدودًا من أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) التي أشارت إلى بعض أشياء الكون وظواهره، لإثبات صحة ما فيها من حقائق كونية, ودقة وصياغة علمية سلسة وسبق بيِّن بالإشارة إلى تلك الحقائق أو الظواهر والسنن التي لم تصل إلى إدراك الإنسان إلا منذ عقود قليلة, وقد تكلم بها المصطفى (صلى الله عليه وسلم) من قبل أربعة عشر قرنًا, وهذا السبق يؤكد جانبًا من جوانب الإعجاز في أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو الإعجاز العلمي الذي لم يسبق أن لقي اهتمامًا كافيًا من علماء الحديث, ولا من المشتغلين بجوانب الإعجاز العلمي في كتاب الله.

وهذا الجانب وحده ألا وهو الإعجاز لعلمي من جوانب الإعجاز في أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهي كثيرة, يكفي لدحض دعاوى المبطلين, وتشكيك المشككين في صدق رواة الحديث, ودقة جامعيها, والدعوة إلى إسقاط حجيتها, مع تسليمنا بأن هناك من الأحاديث الضعيف, والغريب, والموضوع, والمضطرب, والشاذ, والمردود, والمتروك, والمعل, والمنكر وغيرها من الأحاديث التي لا يؤخذ بها.

وعلماء الحديث – بصفة عامة – وعلماء الجرح والتعديل – بصفة خاصة – قد أعطوا علم الحديث من جهدهم ما أغنانا من الخوض في كلام دسه أعداء الإسلام على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) زورًا وبهتانًا, وكان علم الحديث مدرسة تعلم منها الغرب معنى التوثيق العلمي الصحيح.

وكانت الأحاديث النبوية الشريفة التي جمعتها هنا، قد نشرت بإيجاز تباعًا على صفحات جريدة الأهرام.

وطلب مني عدد كبير من الزملاء والإخوان والأبناء الذين تابعوها على صفحات الأهرام جمعها لإمكانية الاستفادة المستدامة بها إن شاء الله.

ونزولاً على رغباتهم جمعت هذه الأحاديث بسندها في هذا الكتيب الذي أسأل الله تعالى أن ينفع به, وأن يعينني على مزيد من خدمة كتابه وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، في مجال العلوم الكونية التي أفاء عليَّ فيها بشيء من العلم, وأن يقدر بي ترجمة هذا الجهد إلى لغات أخرى, وأن يعفو عن أي خطأ أو زلل في هذا العمل المتواضع, وألا يحرمني أجره, وأن يجعل ذلك الأجر في ميزان الحسنات:{يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}(الشعراء: 88, 89)

اللهم آمين آمين آمين
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

وصلى الله وسلم وبارك على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الفقير إلى عفو ربه
زغلول راغب محمد النجار

1- البحر المسجور

{ لا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إِلا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا} (أبو داود)
رواه أبو داود في سننه في كتاب الجهاد، حديث رقم 2489:
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ بِشْرٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ بَشِيرِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "لا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إِلا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا"

يروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إِلا حاج أَوْ مُعْتَمِرٌ أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا" (سنن أبي داود: كتاب الجهاد)

والحديث أخرجه أبو داود في سننه (حديث رقم 2489) في أول كتاب الجهاد, وكذلك أخرجه البيهقي في سننه (الجزء الرابع, صفحة 443) وغيرهما مرفوعًا بلفظ "إن تحت البحر نارًا, وتحت النار بحرًا"

وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (الجزء الأول، ص 131), موقوفًا على عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بلفظ: "إن تحت البحر نارًا, ثم ماءً, ثم نارًا" وذكر أن رجال إسناده ثقات.
(وقيل في الرواية المرفوعة السابقة أن إسنادها ضعيف, ولكن الحاكم في المستدرك (الجزء الرابع: ص 596) أخرج له شاهدًا من حديث يعلى بن أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن البحر هو جهنم" وقال: صحيح الإسناد؛ ووافقه الإمام الذهبي في تلخيص المستدرك على ذلك, وعليه يكون الحديث بمجموع طريقته حسنًا على الأقل, ومن ضعفه فقد نظر إلى طريقه الضعيفة وحدها نظرًا لصعوبة فهم دلالة الحديث.

فقد ذكر ابن كثير في (البداية) (الجزء الثاني ص 144 طبعة دار هجر) يقول في معنى كون البحر جهنمًا: "إن البحر يسجر يوم القيامة ويكون من جملة جهنم".

وما أروع ما جاء في كتاب (عون المعبود في شرح سنن أبي داود) للعظيم آبادي (الجزء السابع ص 167) في شرح معنى "إن تحت البحر نارًا" قال: قيل هو على ظاهره, فإن الله على كل شيء قدير.

وقال الخطابي في شرح سنن أبي داود: هو تفخيم الأمر بالبحر وتهويل من شأنه.

وذكر ابن حجر شاهدًا لصدر هذا الحديث يقويه ويرقى به إلى مرتبة الحسن, وذلك في كتابه (التلخيص) (الجزء الثاني ص 221) من حديث لابن عمر رضي الله عنهما (حديث رقم 955), وبذلك يكون الحديث بمجموعه كله حسنًا, على الرغم من عجيب ما فيه من معان علمية دقيقة لم يتوصل الإنسان إلى إدراك شيء منها إلا في أواخر القرن العشرين.

والحديث الشريف:

الذي نحن بصدده يتفق بدقة بالغة مع القسم القرآني الوارد في مطلع سورة الطور, والذي يقسم فيه ربنا تبارك وتعالى (وهو الغني عن القسم) بالبحر المسجور فيقول عز من قائل:

"وَالطُّورِ، وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ، فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ، وَالْبَيْتِ المَعْمُورِ، وَالسَّقْفِ المَرْفُوعِ، وَالْبَحْرِ المَسْجُورِ، إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ، مَا لَهُ مِن دَافِعٍ" (الطور: 1 – 8)

ولم يستطع العرب في وقت تنزل القرآن الكريم أن يستوعبوا دلالة القسم بالبحر المسجور؛ لأن عندهم: سجر التنور يعني أوقد عليه حتى أحماه, والماء والحرارة من الأضداد, فالماء تطفئ الحرارة, والحرارة تبخر الماء, فكيف يمكن للأضداد أن تتعايش في تلاحم وثيق دون أن يلغي أحدهما الآخر ؟.

وقد دفعهم ذلك إلى نسبة الأمر للآخرة استنادًا إلى ما جاء في سورة التكوير من قول الحق تبارك وتعالى:

" وَإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ " (التكوير: 6)

ولكن الآيات في مطلع سورة التكوير كلها تشير إلى أمور مستقبلية في الآخرة, والقسم في مطلع سورة الطور كله بأمور واقعة في حياتنا.

واضطر ذلك مجموعة من المفسرين إلى البحث عن معنى لغوي للفعل "سجر" غير أوقد على الشيء حتى أحماه, ووجدوا من معاني "سجر" ملأ وكف, وفرحوا بذلك فرحًا شديدًا؛ لأنه فسر الأمر لهم بمعنى أن الله تعالى يمن على البشرية كلها بأنه قد ملأ منخفضات الأرض بالماء وحجزها وكفها عن مزيد من الطغيان على اليابسة.

ولكن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نتناوله في هذه العجالة يؤكد على: أن تحت البحر نارًا, وأن تحت النار بحرًا.

والرسول صلوات الله وسلامه عليه لم يركب البحر في حياته الشريفة مرة واحدة, فمن كان يضطره إلى الخوض في أمر غيبي كهذا لولا أن الله تعالى قد أخبره به؛ لأنه سبحانه يعلم بعلمه المحيط أن الإنسان سيكتشف هذه الحقيقة الكونية المبهرة في يوم من الأيام فأنزلها في كتابه الكريم, وعلمها لخاتم الأنبياء والمرسلين لتبقى شاهدة أبد الدهر على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، وأن هذا النبي الخاتم الذي تلقاه:

" وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى " (النجم: 3)

وبعد الحرب العالمية الثانية نزل العلماء إلى أعماق البحار والمحيطات, بحثًا عن بعض الثروات المعدنية التي استنفدت احتياطياتها أو طارت من على اليابسة في ظل الحضارة المادية المسرفة التي يعيشها إنسان اليوم ففوجئوا بسلسلة من الجبال البركانية تمتد في أواسط كافة محيطات الأرض لعدة عشرات الآلاف من الكيلو مترات أطلقوا عليها اسم جبال أواسط المحيطات. وبدراسة تلك السلاسل الجبلية المحيطية اتضح أنها قد اندفعت على هيئة ثورات بركانية عنيفة عبر شبكة هيئة ثورات بركانية عنيفة عبر شبكة هائلة من الصدوع العميقة التي تمزق الغلاف الصخري للأرض وتحيط بها إحاطة كاملة في كل الاتجاهات وتتركز أساسًا في قيعان المحيطات.

وأن شبكة الصدوع تلك تصل في امتداداتها إلى أكثر من 64.0000 كيلو متر وفي أعماقها إلى 65 كيلو مترًا مخترقة الغلاف الصخري للأرض بالكامل فتصل إلى نطاق الضعف الأرضي وتوجد الصخور فيه في حالة لينة, شبه منصهرة, عالية الكثافة واللزوجة تدفعها تيارات الحمل الساخنة إلى قيعان كل محيطات الأرض وقيعان بعض البحار (من مثل البحر الأحمر) في درجات حرارة تتعدى الألف درجة مئوية, وذلك بملايين الأطنان فتدفع بجانبي المحيط يمنة ويسرة في ظاهرة يسميها العلماء ظاهرة اتساع وتحدر قيعان البحار والمحيطات, وتملأ المناطق الناتجة عن عملية الاتساع تلك بالصهارة الصخرية مما يؤدي إلى تسجير قيعان طاقة محيطات الأرض, وقيعان بعض تجارها ومن الظواهر المبهرة للعلماء اليوم أن الماء في المحيطات والبحار على كثرته لا يستطيع أن يطفئ جذوة تلك الصهارة, ولا الصهارة على شدة حرارتها تستطيع أن تبخر مياه البحار والمحيطات بالكامل, ويبقى هذا التوازن بين الأضداد: الماء والنار فوق قيعان كل محيطات الأرض (بما في ذلك المحيطين المتجمدين الشمالي والجنوبي) وقيعان عدد من البحار شهادة حية على طلاقة القدرة الإلهية التي لا تحدها حدود (ففي مشروع لاستثمار ثروات قاع البحر الأحمر وهو بحر قاعه منفتح تثور البراكين فيه ثورة عنيفة فتثرى رسوبيات ذلك القاع بالعديد من المعادن, كانت باخرة أبحاث تلقى بكباش من المعدن لجمع عينات من طين ذلك القاع, ويرتفع الكباش في عمود من الماء, يزيد سمكه عن ثلاثة آلاف متر, فإذا وصل إلى سطح الباخرة لا يستطيع أحد أن يقربه من شدة حرارته, وإذا فتح يخرج منه الطين وبخار الماء الحار في درجات حرارة تتعدى الثلاثمائة درجة مئوية. وأصبح ثابتًا لدى العلماء اليوم أن الثورات البركانية فوق قيعان كل محيطات الأرض وقيعان أعداد من بحارها تفوق نظائرها على اليابسة بمراحل عديدة.

ثم ثبت بأدلة عديدة أن كل ماء الأرض – على كثرته – قد أخرجه ربنا تبارك وتعالى من باطن الأرض, وأن الصهارة الصخرية في نطاق الضعف الأرضي ودونه تحوي كما من الماء يفوق كل ما على سطح الأرض من ماء بعشرات الأضعاف, وهنا تتضح روعة هذا الحديث النبوي الشريف الذي قدر فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم عددًا من حقائق الأرض المبهرة بقوله: "إن تحت البحر نارًا, وتحت النار بحرًا".

وهي حقائق لم يتوصل الإنسان إلى إدراك شيء منها إلا منذ سنوات معدودة, وورودها بهذه الدقة العلمية الفائقة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يشهد له بالنبوة والرسالة, وبأنه صلى الله عليه وسلم كان أبدًا موصولاً بالوحي, ومُعَلَّمًا من قِبَل خالق السماوات والأرض, وصدق الله العظيم إذ يقول في حقه:

" وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى " (النجم: 3 – 10)

فلم يكن أحد على وجه الأرض يعلم هذه الحقائق قبل عقود قليلة, وورودها بهذه الدقة العلمية في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من الأمور المعجزة حقًا, والشاهدة بصدق نيته وكمال رسالته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين, وعلى من تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا) وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

2- إرساء الأرض بالجبال

{ لما خلق الله الأرض جعلت تميد, فخلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت... }
يروى عن أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:
" لما خلق الله الأرض جعلت تميد, فخلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت...". (جامع الترمذي: باب في حكمة خلق الجبال في الأرض لتقر بعد ميدها)

رواه الترمذي في سننه في كتاب تفسير القرآن, حديث رقم 3369:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَعَادَ بِهَا عَلَيْهَا فَاسْتَقَرَّتْ فَعَجِبَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ شِدَّةِ الْجِبَالِ قالوا يا رب هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْجِبَالِ قَالَ نَعَمِ الْحَدِيدُ قَالُوا يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْحَدِيدِ؟ قَالَ: نَعَمِ النَّارُ فَقَالُوا: يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ ؟ قَالَ: نَعَمِ الْمَاءُ قَالُوا يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْمَاءِ قَالَ نَعَمِ الرِّيحُ قَالُوا يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ قَالَ نَعَمِ ابْنُ آدَمَ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا مِنْ شِمَالِهِ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ

- ورواه أحمد في مسنده حديث رقم 11805:
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَأَلْقَاهَا عَلَيْهَا فَاسْتَقَرَّتْ فَتَعَجَّبَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ خَلْقِ الْجِبَالِ فَقَالَتْ يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْجِبَالِ قَالَ نَعَمِ الْحَدِيدُ قَالَتْ يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْحَدِيدِ قَالَ نَعَمِ النَّارُ قَالَتْ يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ قَالَ نَعَمِ الْمَاءُ قَالَتْ يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْمَاءِ قَالَ نَعَمِ الرِّيحُ قَالَتْ يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ قَالَ: نَعَمِ ابْنُ آدَمَ يَتَصَدَّقُ بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا مِنْ شِمَالِهِ.

وجاء الحديث في مسند أحمد ابن حنبل بالنص التالي:
"عندما خلق الله الأرض جعلت تميد, فأرساها بالجبال".

وهذا الحديث الشريف يتفق روحًا ومعنى مع قول الحق تبارك وتعالى:
{وَالْجِبَالَ أرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ } (النازعات: 32, 33).

وقد تكرر هذا المعنى في تسع مواضع أخرى من كتاب الله العزيز (الرعد: 3, الحجر: 19، النحل: 15, الأنبياء: 31، النمل: 61، لقمان: 10، فصلت: 10، ق: 7، المرسلات: 27). مما يدل على أهميته في تهيئة الأرض للعمران:

ولفظة الأرض ترد في القرآن الكريم, وفي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدلولات ثلاث حسب مفهوم السياق, فهي ترد أحيانًا للدلالة على الكوكب الأرضي ككل, وأحيانًا ترد بمدلول كتل اليابسة التي نحيا عليها (الغلاف الصخري للأرض, وأحيانًا أخرى يقصد بها التربة التي تغطي صخور اليابسة).

وقد اختلف العلماء في فهم دور الجبال في إرساء الأرض اختلافًا كبيرًا, وذلك لأن مجموع كتل الجبال على سطح الأرض – على الرغم من ضخامتها – لا تساوي شيئًا بالنسبة لكتلة الأرض ككل، والمقدرة بحوالي ستة آلاف مليون مليون مليون طن.

كذلك فإن طول الجبال – على تعاظمها – لا يساوي شيئًا بالنسبة إلى طول نصف قطر الأرض, وذلك لأن الفرق بين أعلى قمة جبلية على سطح الأرض (وهي قمة إفرست في سلسلة جبال الهيمالايا) والتي يبلغ ارتفاعها 8848 مترًا فوق مستوى سطح البحر, وبين أعمق بقعة في أغوار المحيطات (وهي غور ماريانا بالقرب من جزر الفلبين, والتي تبلغ في العمق 10867 مترًا تحت مستوى سطح البحر).

لا يكاد يصل إلى عشرين كيلو مترًا (19.715 كليو مترًا) بينما يبلغ نصف القطر الاستوائي للأرض 6378.160 كيلو مترًا، وهنا تتضح ضآلة تضاريس الأرض بالنسبة إلى نصف قطرها, ونسبتها لا تكاد تتعدى 0.3 %

وهنا يبرز التساؤل المنطقي: كيف يمكن للجبال أن تثبت الأرض وكتلتها وأبعادها بهذه الضآلة إذا ما قورنت بكتلة وأبعاد الأرض ؟. والجواب لم يكن ممكنًا قبل أواسط الستينات من القرن العشرين حين اتضح لنا أن الغلاف الصخري للأرض ممزق لشبكة هائلة من الصدوع التي تمتد لعشرات الآلاف من الكيلو مترات وهي محيطة بالأرض إحاطة كاملة بعمق يتراوح بين 65 كم, 150 كم, فتؤدي إلى تمزيق هذا الغلاف إلى عدد من الألواح الصخرية المعزولة عن بعضها البعض بمستويات تلك الصدوع وتطفو ألواح الغلاف الصخري للأرض فوق طبقة لدنة, شبه منصهرة عالية الكثافة واللزوجة تعرف باسم نطاق الضعف الأرضي.

وفي هذا النطاق تنشط التيارات الحرارية على هيئة دوامات عاتية من تيارات الحمل التي تدفع بألواح الغلاف الصخري للأرض متباعدة عن بعضها البعض, أو مصطدمة ببعضها البعض بسرعات لا تسمح بغمرانها على الإطلاق.

وهذه الحركات لألواح الغلاف الصخري للأرض لا يهدئ من عنفها إلا تكون السلاسل الجبلية على مراحل متتالية حتى تصل إلى مرحلتها النهائية باستهلاك قاع المحيط الفاصل بين قارتين متباعدتين استهلاكًا كاملاً وذلك بدفع إحدى القارتين له تحت القارة الأخرى حتى تصطدم القارتان ضاغطة الصخور المتجمعة بينهما على هيئة سلاسل جبلية عظيمة تمتد بأوتادها لتثبت صخور إحدى القارتين بصخور الأخرى كما يثبت الوتد أركان الخيمة بالأرض, وكما قد حدث بتحرك الهند في اتجاه القارة الأسيوية, حتى اصطدمتا ونتج عن ذلك تكون جبال الهيمالايا كأحدث سلسلة جبلية على سطح الأرض, وأعلاها ارتفاعًا. هذا بالنسبة لتثبيت كتل القارات على سطح الأرض, أما بالنسبة للأرض ككوكب, فمن المعروف أنه نتيجة لدوران أرضنا حول محورها فقد تحول شكلها من كرة تامة الاستدارة إلى شبه كرة منبعجة قليلاً عند خط الاستواء, ومفلطحة قليلاً عند القطبين, وهذا النتوء الاستوائي للأرض جعل محور دورانها يغير اتجاهه في حركة بطيئة وهذه تعرف باسم "الحركة البدارية" وتعبر عن حركة محور دوران الأرض في الفضاء, وهذا المحور يترنح ويتمايل في حركات مختلفة مع حركة كل من القمر والشمس, والمتغيرات المستمرة في مقدار واتجاه قوتي كل منهما البدارية, ووضع الأرض بالنسبة لكل منهما, ويقلل من عنف هذه الحركات وجود الجبال ذات الجذور الغائرة في الغلاف الصخري للأرض (والتي تمتد في عمق الأرض بعشرة إلى خمسة عشر ضعف ارتفاعها فوق سطح الأرض) فتقلل من شدة ترنح محور دوران الأرض, وتجعلها أكثر استقرارًا وانتظامًا في دورانها حول محوهار, وأقل ارتجاجًا وترنحًا تمامًا كما تفعل قطع الرصاص حول أطر عجلات السيارات لتقلل من ارتجاجها أثناء دورانها تحت السيارة. وهنا تتضح صورة من صور الإعجاز العلمي في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: "عندما خلق الله الأرض جعلت تميد, فأرساها بالجبال"، والحديث الشريف يتفق نصًا ومعنى مع عشرة آيات قرآنية كريمة سبقت الإشارة إليها, فسبحان الذي أنزل القرآن من قبل أربعة عشر قرنًا بهذه الحقيقة العلمية المبهرة، وألهمها خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم فصاغها هذه الصياغة المعجزة (وقد أوتي جوامع الكلم) ولم يتوصل الإنسان إلى شيء من هذا الفهم لوظيفة الجبال إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين, ولا يمكن لعاقل أن يتصور أن هذه الحقيقة العلمية والعديد غيرها من الحقائق التي جاءت على لسان هذا النبي الأمي (عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم) والذي بعث في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين كان لها مصدر غير الله الخالق... !! فلم يكن لأحد من الخلق أي إدراك لتلك الحقيقة قبل العقود الخمسة الماضية, وورودها في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه الصياغة الدقيقة المحكمة مما يشهد لهذا النبي الخاتم والرسول الخاتم بالنبوة والرسالة, ويشهد للوحي الذي تلقاه بأنه كلام الله الخالق, وأنه، كان كما وصفه ربه سبحانه وتعالى:

{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3, 4)

3- الأرضون السبع

(1) "من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أرضين".
(2) "من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين".
(3) "من أخذ شيئًا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين".
(4) "من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين".
(5) "من ظلم من الأرض شيئًا طوقه من سبع أرضين".
*****

(1) "من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أرضين":
الحديث الأول – أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب المظالم والغصب حديث رقم 2273, وكتاب بدء الخلق حديث رقم 2956:
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ رَضِى اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَتْ يَا أَبَا سَلَمَةَ اجْتَنِبْ الأَرْضَ فَإِنَّ النَّبِى صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ"

وأخرجه أيضًا مسلم في صحيحه في كتاب المساقاة حديث رقم 3025:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا حَرْبٌ وَهُوَ ابْنُ شَدَّادٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ وَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا فَقَالَتْ يَا أَبَا سَلَمَةَ اجْتَنِبِ الأَرْضَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
"مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ"
وحَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلالٍ أَخْبَرَنَا أَبَانُ حَدَّثَنَا يَحْيَى أَنَّ مُحَمَّدَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ.

(2) من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين:
رواه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق حديث رقم 2956:
حَدَّثَنَا عَلِى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَلِى بْنِ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فِى أَرْضٍ فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ فَقَالَتْ يَا أَبَا سَلَمَةَ اجْتَنِبْ الأَرْضَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ.

ورواه أحمد في مسنده حديث رقم 24947:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا حَرْبٌ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا فَقَالَتْ يَا أَبَا سَلَمَةَ اجْتَنِبِ الأَرْضَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ

(3) "من أخذ شيئًا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين":
رواه البخاري في صحيحه في كتاب المظالم والغصب حديث رقم 2274:
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضي الله عنه قَالَ قَالَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم مَنْ أَخَذَ مِنْ الأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ.

ورواه أيضًا أحمد في مسنده حديث رقم 5481:
حَدَّثَنَا عَارِمٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا خُسِفَ بِهِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ

(4) "من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين":
رواه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق حديث رقم 2959:
حَدَّثَنِى عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّهُ خَاصَمَتْهُ أَرْوَى فِى حَقٍّ زَعَمَتْ أَنَّهُ انْتَقَصَهُ لَهَا إِلَى مَرْوَانَ فَقَالَ سَعِيدٌ أَنَا أَنْتَقِصُ مِنْ حَقِّهَا شَيْئًا أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ "مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الأَرْضِ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ"

ورواه مسلم في صحيحه في كتاب المساقاة حديث رقم 3023:
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ

(5) "من ظلم من الأرض شيئًا طوقه من سبع أرضين":
رواه البخاري في صحيحه في كتاب المظالم والغصب حديث رقم 2272:
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِى قَالَ حَدَّثَنِى طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ "مَنْ ظَلَمَ مِنْ الأَرْضِ شَيْئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ"

ورواه أحمد في مسنده حديث رقم 1556:
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ طَلْحَةَ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ ظَلَمَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" (صحيح البخاري: كتابا المظالم وبدء الخلق)
******
وهذه الأحاديث تنهى عن الظلم بصفة عامة, وعن الظلم في اغتصاب الأرض بصفة خاصة, انطلاقًا من قول الحق تبارك وتعالى:
{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44) وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ (46) فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ } (إبراهيم: 42 – 47)

والآيات القرآنية الكريمة, وكذلك الأحاديث النبوية الشريفة في النهي عن الظلم كثيرة, ولكن الأحاديث الخمسة المشار إليها آنفًا تركز على الأرضين السبع, وقد حار الناس في فهم دلالة تلك الإشارة الكونية, وكثرت تساؤلاتهم: هل الأرضين السبع هي سبع كواكب منفصلة من مثل أرضنا لكل أرض منها سماؤها؟.

وإذا كان كذلك فأين هي ؟.
خاصة وأن أعداد الكواكب في الجزء المدرك من السماء الدنيا كثيرة, وقد بدأت البحوث الفلكية في اكتشاف أعداد منها على الرغم من صعوبة ذلك.
هل هي من كواكب المجموعة الشمسية كما كان يظن إلى عهد قريب قبل أن يصل عدد المكتشف منها إلى أحد عشر كوكبًا؟.
أم هي سبع نطق في أرضنا التي نحيا عليها يغلق الخارج منها الداخل فيها, وتتطابق حول مركز واحد؟.

والأحاديث النبوية الشريفة المشار إليها آنفًا تؤيد التصور الأخير الذي أثبتته الدراسات الفيزيائية لتركيب الأرض الداخلي على النحو التالي:
- لب الأرض الصلب: وهو عبارة عن نواة صلبة من الحديد (90 %)، والنيكل (9%), مع قليل من العناصر الخفيفة من مثل الكربون, والفوسفور, والكبريت, والسيليكون, والأوكسجين (1%), وهو تركيب قريب من تركيب النيازك الحديدية مع زيادة واضحة في نسبة الحديد, ويبلغ قطر هذه النواة حاليًا حوالي (2402) كيلو مترًا, وتقدر كثافتها بحوالي 10 – 13.5 جرام للسنتيمتر المكعب (وذلك لأن متوسط كثافة صخور القشرة الأرضية ككل هو 5.5 جرام للسنتيمتر المكعب). وتعتبر تلك النواة الأرض السابعة.

- نطاق لب الأرض السائل (الخارجي): وهو نطاق سائل تقريبًا، يحيط باللب الصلب, وله نفس تركيبه الكيميائي تقريبًا, ولكنه في حالة انصهار, ويقدر سمكه بحوالي (2275) كيلو مترًا, ويفصله عن اللب الصلب منطقة انتقالية شبه منصهرة يبلغ سمكها (450) كيلو مترًا, تعتبر الجزء الأسفل من هذا النطاق الذي يمثل الأرض السادسة, ويكون كل من اللب الصلب والسائل حوالي 31 % من كتلة الأرض.

- النطاق الأسفل من وشاح الأرض (الوشاح السفلي): وهو نطاق صلب يحيط بلب الأرض السائل، ويبلغ سمكه حوالي (2215) كيلو مترًا (من عمق 670 كم إلى عمق 2885 كم) ويفصله عن الوشاح الأوسط (الذي يعلوه) مستوى انقطاع للموجات الاهتزازية الناتجة عن الزلازل, ويعتبر هذا النطاق الأرض الخامسة.

- النطاق الأوسط من وشاح الأرض (الوشاح الأوسط): وهو نطاق صلب يبلغ سمكه حوالي (270) كيلو مترًا, ويحده من أعلى وأسفل مستويان من مستويات انقطاع الموجات الاهتزازية يقع أحدهما على عمق (670) كيلو مترًا (ويفصله عن الوشاح الأسفل), ويقع الآخر على عمق (400) كيلو مترًا تحت سطح الأرض, ويفصله عن الوشاح الأعلى, ويمثل هذا النطاق الأرض الرابعة.

- النطاق الأعلى من وشاح الأرض (الوشاح العلوي): وهو نطاق لدن, شبه منصهر, عالي الكثافة واللزوجة, تبلغ نسبة الانصهار فيه حوالي (1%), ولذلك فإنه يعرف باسم نطاق الضعف الأرضي, ويمتد بين عمق (65 – 120) كيلو مترًا, وعمق (400) كيلو مترًا تحت سطح الأرض, ولذلك يترواح سمكه بن (335)، (380) كيلو مترًا, ويعتبر هذا النطاق الأرض الثالثة.

- النطاق السفلي من الغــلاف الصخري للأرض: ويتراوح سمكه بين (40)، (60) كيلو مترًا (بين أعماق 60 – 80 كيلو مترًا، (120) كيلو مترًا تحت سطح الأرض, ويحده من أسفل الحد العلوي لنطاق الضعف الأرضي, ومن أعلى خط انقطاع الموجات الاهتزازية المعروف باسم "الموهو", ويمثل هذا النطاق الأرض الثانية.

- النطاق العلوي من الغلاف الصخري للأرض (قشرة الأرض): ويتراوح سمكه بين (5, 8) كيلو مترات تحت قيعان البحار والمحيطات وبين (60, 80) كيلو مترًا في المتوسط تحت القارات, ويتكون غالبًا من الصخور الجرانيتية المغطاة بسمك رقيق من التتابعات الرسوبية والتربة, ويغلب على تركيبها العناصر الخفيفة في كتل القارات, والصخور القاعدية وفوق القاعدية وبعض الرسوبيات في قيعان البحار والمحيطات, وتعتبر قشرة الأرض هي الأرض الأولى.

هذا التفسير يتطابق مع أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم المذكورة في مطلع هذه الكلمة, خاصة حينما يذكر التعبير المعجز "خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين" مما يشير إلى تطابق تلك الأرضين حول مركز واحد, ويدعمه قول الحق تبارك وتعالى في سورة إبراهيم, عقب الآيات المحذرة من الظلم والتي أشرنا إليها في الأسطر السابقة:
{ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ } (إبراهيم: 48)

وقول عز من قائل في ختام سورة الطلاق:
{ الله الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً } (الطلاق: 12)

وقوله سبحانه وتعالى في سورة الملك:
{ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} (الملك: 3 – 4)

و"طباقًا" هنا معناها متطابقة حول مركز واحد, يغلف الخارج منها الداخل فيها, وليست طباقًا بمعنى طبقات بعضها فوق بعض بهيئة أفقية كما تصورها البعض من قبل, ورحم الله اليقاعي الذي قال: طباقًا أي: ذات أطباق, بحيث يكون كل جزء منها مطابقًا للجزء من الأخرى, ولا يكون جزء منها خارجًا عن ذلك, وهي لا تكون كذلك إلا أن تكون الأرض كرية, والسماء الدنيا محيطة بها إحاطة قشر البيضة من جميع الجوانب, والسماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا, وهكذا إلى أن يكون العرش محيطًا بالكل, والكرسي الذي هو أقربها بالنسبة إليه كحلقة في فلاة, فما ظنك بما تحته, وكل سماء من التي فوقها بهذه النسبة, وقد قرر أهل الهيئة أنها كذلك, وليس في الشرع ما يخالفه, بل ظاهره يوافقه".

4- المطر فضل من الله ورحمة

{ مطرنا بفضل الله وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِى كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِى مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ }

روي عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: صلى بنا رسول الله صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء (أي مطر) كانت من الليل, فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟" قالوا: الله ورسوله أعلم, قال: قال (ربكم): "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر, فأما من قال: مُطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب, وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب". (البخاري)

ورواه البخاري في صحيحه في كتاب الأذان حديث رقم 801:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِى أَنَّهُ قَالَ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلَةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِى مُؤْمِنٌ بِى وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِى كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِى مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ"

ورواه أبو داود في سننه في كتاب الطب، حديث رقم 3906:
حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ قَالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ. (سنن أبي داود: كتاب الكهانة والتطير, حديث رقم 3906).

ونزول المطر من السحاب لا يزال قضية غير مفهومة بتفاصيلها من الوجهة العلمية, وكل ما يعرفه العلماء أن الأرض هي أغنى كواكب المجموعة الشمسية بالماء الذي تقدر كميته بحوالي 1360 – 1385 مليون مليون كيلو مترًا مكعبًا, أغلبه في البحار والمحيطات (97.2 %)، وأقله ماء عذب (2.8%) وأغلب هذا الماء العذب (2.052% إلى 2.15%) محبوس على هيئة سمك هائل من الجليد فوق قطبي الأرض, وفي قمم الجبال, والباقي مختزن في صخور القشرة الأرضية (0.27%) وفي بحيرات الماء العذب (0.33%) وعلى هيئة رطوبة في تربة الأرض (0.18%) على هيئة رطوبة كذلك في الغلاف الغازي للأرض (0.36%) وأقل ذلك كله هي المياه الجارية في الأنهار والجداول (0.0047%).

وهذا الماء الأرضي أخرجه ربنا (تبارك وتعالى) كله من باطن الأرض عن طريق ثورة البراكين, ووزعه بتقدير حكيم, وأداره في دورة منضبطة بين الأرض وغلافها الغازي (السماء) ولولا هذه الدورة المحكمة لفسد ماء الأرض لوجود بلايين البلايين من الكائنات الحية التي تحيا وتموت في مختلف الأوساط المائية, والتي كان من الممكن أن تحول هذا الماء إلى ماء عفن لولا دورته حول الأرض.
وقد اقتضت مشيئة الله الخالق (جل وعلا) أن يسكن في الأرض هذا القدر المحدد من الماء, وأن يوزعه بدقة بالغة بين البحار والمحيطات, والأنهار والبحيرات, وأن يختزن جزءًا منه في صخور القشرة الأرضية, أو يحبسه على هيئة المجالد في قمم الجبال وفوق القطبين, أو ينشره برقة على هيئة درجة من الرطوبة في كل من الجو وتربة الأرض, وهذا كله بالقدر المنضبط الكافي لمتطلبات الحياة الأرضية, وللتوازن الحراري على سطح الأرض من مكان إلى آخر ومن فصل مناخي إلى آخر, وهذا القدر الموزون من الماء لو زاد قليلاً لغمر الأرض وغطى سطحها بالكامل, ولو قل قليلاً لقصر دون متطلبات الحياة على سطحها, وحرارة الشمس تبخر ماء الأرض من أسطح البحار والمحيطات, والأنهار والبحيرات, والبرك والمستنقعات, ومن أسطح تجمعات الجليد, وحتى من المياه المختزنة تحت سطح الأرض, ومن تنفس كل من الإنسان والحيوان, ونتح النباتات، وغير ذلك من مختلف مصادر المياه فيرتفع بخار الماء إلى الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي للأرض (نطاق المناخ) وتتناقص فيه درجات الحرارة مع الارتفاع ويقل الضغط مما يساعد على تكثف بخار الماء الصاعد من الأرض على نوى دقيقة من الغبار العالق بالهواء تعرف باسم نوى التكثف, مما يعين على عودة ماء الأرض إليها على هيئة مطر أو برَد أو ثلج أو ضباب أو ندى.

ويتبخر من ماء الأرض 380 ألف كيلو مترًا مكعبًا في كل سنة أغلبها (320 ألف كيلو مترًا مكعبًا) من أسطح البحار والمحيطات, وأقلها (60 ألف كيلو مترًا مكعبًا) من أسطح اليابسة, وتعود هذه الكمية إلى الأرض بمعدلات مختلفة (284 ألف كيلو مترًا مكعبًا على البحار والمحيطات، 96 ألف كيلو مترًا مكعبًا على اليابسة), ويفيض الفارق في الحالتين (36 ألف كيلو مترًا مكعبًا) من اليابسة إلى البحار والمحيطات.

وأكرر القول بأن نزول المطر من السحاب لا تزال عملية غير مفهومة علميًا بتفاصيلها الدقيقة؛ وذلك لأنها تتم بعدد من العمليات غير المشاهدة بطريقة مباشرة, ولذلك وضعت لها أعدادًا من الفروض والنظريات منها تأثير حركة الرياح الأرضية, والغبار الذي تثيره من فوق سطح الأرض, ومنها الشحنات الكهربية في السحابة الواحدة, أو بين السحب المنفصلة عند التقائها وتصادمها مع بعضها البعض, ومنها تأثير الرياح الشمسية على أغلفة الأرض وأجوائها المختلفة, وفوق ذلك وقبله وبعده إرادة الخالق العظيم, كما هو واضح من توجيه الحديث النبوي الشريف الذي نحن بصدده.
ومن المعروف أن نسبة الماء في السحب ضئيلة جدًا؛ إذ لا تتعدى 2 % من الماء الموجود في الغلاف الجوي للأرض الذي لا تكاد نسبته أن تتعدى 0.36% من مجموع ماء الأرض, وتقدر كمية المياه في الغلاف الغازي للأرض بحوالي 15 ألف مليون كيلو مترًا مكعبًا.

ويوجد الماء في نطاق المناخ للأرض على هيئة قطرات صغيرة جدًا (أكبر قليلاً من واحد ميكروت) وتلتصق تلك القطرات المائية بالهواء للزوجتها، وشدة توترها السطحي, وذلك في السحب العادية التي تحملها الرياح دون أن تسقط مطرًا على الأرض إلا بعد تلقيحها بامتزاج سحابتين إحداهما ساخنة, والأخرى باردة, أو تحمل إحداهما شحنة كهربية موجبة والأخرى سالبة, أو بواسطة عدد من الجسيمات الصلبة الدقيقة للغبار الذي تثيره الرياح من فوق سطح الأرض ملقحة بها السحب فتعين على تكثف بخار الماء فيها وهطوله مطرًا بإذن الله, وحينما يشاء. والمطر عادة ينزل بقطرات دقيقة, ولكنه قد ينزل أحيانًا بقطرات كبيرة (يزيد قطرها في بعض الحالات على 4 – 8 ملليمتر) وتنتج هذه القطرات الكبيرة من تكثف بخار الماء على نوى من الغبار كبيرة نسبيًا تنمو بالتدريج حتى تصل إلى تلك الأحجام بتوالي تكثف بخار الماء عليها.

وتوفر هذه الشروط مجتمعة أو منفردة يتطلب تقديرًا مسبقًا, ولا يمكن أن يتم بعشوائية أو صدفة, ويتضح من ذلك أن تكون المطر هو سر من أسرار الكون لم يتمكن الإنسان من فهمه بعد فهمًا كاملاً, ولكن يد القدرة الإلهية واضحة فيه وضوح الشمس, ويتضح ذلك بشكل أكثر إعجازًا في توزيع المطر على سطح الأرض بإرادة الخالق العظيم (تبارك وتعالى). ومن هنا كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نحن بصدده, وكان التفصيل القرآني الذي يقول فيه الحق تبارك وتعالى:
1 - { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ المَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (الأعراف: 57)
2 – { وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ } (الحجر: 22)
3 – { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } (البقرة: 21, 22)
4 – { وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ.... } (الأنعام:99)
5 – { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى } (طه: 53)
6 – { وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } (المؤمنون: 18)
7 – { وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً } (الفرقان: 48)
وهذه الآيات الكريمة وغيرها من آي القرآن العظيم تنسب الفعل كله لله تعالى، ومن هنا جاء نص حديث رسول الله الذي نحن بصدده دائمًا نبوته ورسالته, وشاهدًا على أنه كما وصف القرآن الكريم:
{ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى } (النجم: 3, 4)

5- النجوم أمنة للسماء

" النجوم أمنة للسماء "
رواه مسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة حديث رقم 4596:
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ كُلُّهُمْ عَنْ حُسَيْنٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ مُجَمَّعِ بْنِ يَحْيَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قُلْنَا لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ قَالَ فَجَلَسْنَا فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ ثُمَّ قُلْنَا نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ قَالَ أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَكَانَ كَثِيرًا ما يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ

ورواه أحمد في مسنده حديث رقم 18745:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ يَحْيَى بْنِ زَيْدِ بْنِ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُهُ يَذْكُرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قُلْنَا لَوِ انْتَظَرْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ قَالَ فَانْتَظَرْنَا فَخَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا قُلْنَا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْنَا نُصَلِّي مَعَكَ الْعِشَاءَ قَالَ أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَتْ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ

روى أبو يعلى – في مسنده – عن سلمة بن الأكوع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "النجوم أمنة السماء, فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد, وأنا أمنة أصحابي, فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون, وأصحابي أمنة لأمتي, فإذا ذهبت أصحابي أتى الأمة ما توعد".

والحديث حسنه السيوطي وأشار إليه المناوي في كتابه المعنون "فيض القدير".

وسوف أعلق هنا على الشطر الأول من الحديث فقط والذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: "النجوم أمنة السماء, فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد" وذهاب النجوم انكدارها وطمسها, وما توعد السماء كشفها, وانشقاقها وانفطارها, وانفراجها, ومورها وتحولها إلى شيء كالمهمل وإنبابها بالدخان.

والنجوم هي أجرام سماوية منتشرة بالسماء الدنيا, كروية الشكل أو شبه كروية، غازية، ملتهبة, مضيئة بذاتها, مرتبطة ببعضها البعض, بقوى الجاذبية على الرغم من بنائها الغازي وهي عظيمة الكتلة والحجم, عالية الحرارة, وتشع كلاً من الضوء المرئي، وغير المرئي بجميع موجاته.

والنجوم تمر في دورة حياتها بمراحل من الميلاد إلى الشباب والشيخوخة قبل أن تنفجر, أو تتكدس على ذاتها فتنكدر ثم تطمس, أو تنفجر قبل ذلك أو بعد ذلك فتعود إلى دخان السماء لتدخل في دورة ميلاد نجم جديد.

ويقضي النجم 90 % من عمره في مرحلة النجوم العادية الشبيهة بشمسنا قبل انفجارها أو انكدارها أو طمسها, وقد تنتهي المرحلتان الأخيرتان بالانفجار كذلك.

والنجوم هي افران كونية يتم بداخلها سلاسل من التفاعلات النووية تعرف باسم عملية الاندماج النووي ينتج عن طريقاه تخليق كافة العناصر التي تحتاجها كل من الأرض والسماء الدنيا.

وبالإضافة إلى قوى الجاذبية التي تربط نجوم السماء الدنيا ببعضها البعض ربطًا محكمًا, فإن هناك أعدادًا من القوى التي تمسك بالمادة في داخل كل جرم سماوي، وفي صفحة السماء الدنيا, وفي الأرض ونعرف من هذه القوى: القوة النووية الشديدة, والقوة النووية الضعيفة, والقوة الكهربائية / المغناطيسية (الكهرومغناطيسية) وهذه القوى الأربع هي التي تمسك بالمادة والطاقة في الجزء المدرك من الكون.

ونظرًا لضخامة كتل النجوم فإنها تهيمن بقوى جذبها على كل ما يدور في فلكها من كواكب، وكويكبات، وأقمار, ومذنبات وغير ذلك من صور المادة، والنجوم ترتبط فيما بينها بالجاذبية, وتتجمع في وحدات كونية أكبر فأكبر مرتبطة فيما بينها الجاذبية أيضًا, فإذا انفرط عقد هذه القوى انهارت النجوم وانهار الكون بانهيارها.

وهنا تتضح روعة التعبير النبوي الشريف: "النجوم أمنة السماء, فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد".

وهذه الحقائق لم يتوصل الإنسان إلى إدراكها إلا في القرن العشرين, ونطق المصطفى صلى الله عليه وسلم بها من قبل ألف وأربعمائة سنة بهذه الدقة العلمية, في زمن كان أهل الأرض غارقين إلى آذانهم في محيط من الجهل, والظلام, والخرافات, والأساطير, لهو أمر معجز حقًا, ولا يمكن أن نجد له من تفسير إلا الصلة بالخالق سبحانه وتعالى عن طريق الوحي.

وهذا الحديث وأمثاله من كلام الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لمن الشهادات البينة على صدق نبوته، وصدق رسالته, وصدق قوله, في زمن قصرت المسافات, وتلاقت الحضارات, بكل ما في جعبها من معتقدات, وآراء, وفلسفات وأفكار, وصار لزامًا على المسلمين أن يحسنوا الدعوة إلى دين الله الخاتم, والدين بركائزه الأساسية: العقيدة، والعبادات, والأخلاق، والمعاملات, لم يعد يحرك ساكنًا في قلوب أهل الأرض إلا من رحم ربك ؛ لأن هذه المفاهيم النبيلة كبيرة, فإذا قدمنا إليهم سبقًا علميًا كالذي جاء في هذا الحديث الشريف, فإن ذلك قد يقنعهم بمزيد من الاطلاع على كتاب الله, وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيجدوا فيها ضالتهم التي ينشدون وما ذلك على الله بعزيز وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.

6- انشقاق القمر

انشقاق القمر كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحديث انشقاق القمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك في كتاب المناقب، حديث رقـم 3365, 3579:
حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِى اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمْ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا.

ورواه أيضًا في كتاب المناقب حديث رقم 3364 عن ابن مسعود
حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَن ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَن مُجَاهِدٍ عَن أبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ شِقَّتَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ: "اشْهَدُوا".

ورواه أيضًا في كتاب تفسير القرآن حديث رقم 4489:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِى اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمْ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ

ورواه أيضًا الإمام مسلم في صحيحه في كتاب صفة القيامة والجنة والنار حديث رقم 5013:
حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ مَرَّتَيْنِ و حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ بِمَعْنَى حَدِيثِ شَيْبَانَ

ورواه الترمذي في سننه في كتاب تفسير القرآن حديث رقم 3286. وقال: حديث حسن صحيح:
حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةً فَانْشَقَّ الْقَمَرُ بِمَكَّةَ مَرَّتَيْنِ فَنَزَلَتْ (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) إِلَى قَوْلِهِ (سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) يَقُولُ ذَاهِبٌ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ

ورواه أحمد في مسنده حديث رقم 12227, 12678، 12825:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةً فَانْشَقَّ الْقَمَرُ بِمَكَّةَ مَرَّتَيْنِ فَقَالَ: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: إن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرتين.

وأخرج الحديث برواية أخرى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى إذ انفلق القمر فلقتين, فكانت فلقة وراء الجبل, وفلقة دونه, فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشهدوا".

وفي غير صحيح مسلم من كتب الحديث ومؤلفات السيرة رويت واقعة شق القمر على لسان عدد غير قليل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما وغيرهما.

وقد دون كل من التاريخ الهندي والصيني القديم حادثة انشقاق القمر وأرخوا بها.

وفي محاضرة بكلية الطب – جامعة كارديف – في مقاطعة ويلز – غربي بريطانيا، من عدة سنوات مضت وجه أحد الحضور من المسلمين سؤالاً عن الآيات في مطلع سورة القمر, وهل تمثل ومضة من ومضات الإعجاز العلمي في كتاب الله ؟. فأجبت بأن هذه الواقعة تمثل إحدى المعجزات الحسية التي وقعت تأييدًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مواجهة كفار ومشركي قريش وإنكارهم لنبوته عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم وأن المعجزات خوارق للسنن, وعلى ذلك فإن السنن الدنيوية لا يمكن لها تفسير كيفية حدوث المعجزة ولولا ورودها في كتاب الله وفي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان علينا نحن مسلمي اليوم أن نؤمن بها, ولكننا نقربها ونؤمن بوقوعها لورودها في كتاب الله بالنص الإلهي الذي يقول فيه ربنا تبارك وتعالى:

{ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ (1) وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} (القمر: 1 – 5)

وبعد انتهاء حديثي وقف رجل بريطاني من الحضور واستأذن في أن يضيف شيئًا إلى إجابتي فأذنت له, ثم بدأ بتعريف نفسه على أن اسمه داود موسى بيدكوك, وأنه مسلم, ويرأس الحزب الإسلامي البريطاني.
ثم أضاف أن هذه الآيات في مطلع سورة القمر كانت هي السبب في إسلامه في أواخر السبعينيات من القرن العشرين؛ لأنه ببحث مستفيض في الأديان أهداه أحد المسلمين ترجمة لمعاني القرآن الكريم, وأنه عند فتح هذه الترجمة لأول مرة فوجئ بسورة القمر، فقرأ الآيات في مطلعها, ولم يكد يصدق أن القمر قد انشق ثم التحم فأغلق الترجمة وانصرف عنها, ثم شاء الله تعالى أن يشاهد على شاشة التلفاز البريطاني
B.B.C برنامجًا عن رحلات الفضاء استضاف فيه المذيع البريطاني المعروف جيمس بيرك (James
Burke) ثلاثة من علماء الفضاء الأمريكيين وذلك في سنة 1978 م, وفي أثناء الحوار كان المذيع ينتقد الإسراف على رحلات الفضاء بإنفاق ملايين الدولارات والأرض يتضور فيها ملايين البشر من الجوع, والمرض, والجهل, والتخلف, وكان جواب العلماء أنه بفضل هذه الرحلات تم تطوير عدد من التقنيات المهمة التي تطبق في مجالات التشخيص والعلاج الطبي والصناعة, والزراعة, وغيرها, وفي أثناء هذا الحوار جاء ذكر أول رحلة إنزال رجل على سطح القمر, وقد تكلفت أكثر من مائة مليار دولار, وجلس المذيع يتابع عتابه على هذا الإسراف, قرر العلماء بأن هذه الرحلة قد أثبتت لهم حقيقة لو أنفقوا أضعاف هذا المبلغ لإقناع الناس بها ما صدقهم أحد, فسأل المذيع: ما هي هذه الحقيقة؟ فأجابوا: أن هذا القمر قد سبق له أن انشق ثم التحم, وأن آثار محسوسة تؤيد ذلك الحدث قد وجدت على سطح القمر وامتدت إلى داخله.

فقال السيد / بيدكوك: حينما سمعت ذلك قفزت من الكرسي الذي كنت أجلس عليه أمام التلفاز, وقلت: معجزة تحدث لمحمد قبل ألف وأربعمائة سنة ويرويها القرآن بهذا التفصيل العجيب يسخر الله من يثبتها للمسلمين في عصر العلوم والتقنية الذي نعيشه, وينفق هذا المبلغ الكبير, لابد وأن يكون هذا الدين حقًا, وعدتُ إلى ترجمة معاني القرآن الكريم أقرؤها بشغف شديد, وكانت آيات افتتاح سورة القمر هي السبب المباشر لقبولي الإسلام دينًا.

هذا في الوقت الذي يحاول نفر من أبناء المسلمين القول بأن انشقاق القمر لم يحدث بعد, وأنه من علامات الآخرة استنادًا إلى مطلع السورة: "اقتربت الساعة" ويتناسى هؤلاء قول المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن سهل بن سعد رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بإصبعه التي تلي الإبهام والوسطى وهو يقول: "بعثت أنا والساعة هكذا".

ويستشهد المنكرون لواقعة انشقاق القمر استشهادًا خاطئًا بقول الحق تبارك وتعالى في سورة الإسراء: {وَمَا مَنَعَنَا أن نُّرْسلَ بالآيَاتِ إِلاَّ أن كَذَبَ بِهَا الأوَّلُونَ...} (الإسراء: 59)

وهو استشهاد في غير موضعه؛ لوقوع العديد من الآيات والمعجزات الحسية لرسول الله صلى الله عليه وسلم طيلة حياته الشريفة, فصلى الله وبارك على هذا النبي الخاتم, والرسول الخاتم, الذي شق له الله تعالى القمر مرتين, كرامة له, وتعظيمًا لشأنه, وأبقى لنا أثر هذا الانشقاق ملموسًا على نبوته, ونبل رسالته, وصدق الكتاب الذي أنزل إليه, والحمد لله أولاً وآخرًا.

7- ثبات المطر

{ ما من عام بأقل مطرًا من عام} (البيهقي)
أخرج الإمام البيهقي (يرحمه الله) في السنن الكبرى برقم 6275 (الجزء الثالث, ص 363 من طبعة الهند) هذا الحديث الشريف الذي رواه ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفظه: "ما من عام بأقل مطرًا من عام".

وهذا الحديث الشريف أخرجه الحاكم في المستدرك برقم 3520 (الجزء الثاني, ص 403 من طبعة الهند) مرويًا عن ابن عباس (رضي الله عنهما) بلفظ: "ما من عام بأمطر من عام, ولكن الله يَصْرِفُهُ (أو يُصَرِّفُه).

على الرغم من أن النص الأول موقوف على ابن مسعود والنص الثاني موقوف على ابن عباس رضي الله عنا وعنهم أجمعين، مما دفع ببعض دارسي الحديث إلى تضعيف الرفع لعدم فهم دلالته العلمية, فإن هذا الحديث الشريف يمثل سبقًا علميًا للمعارف الإنسانية بأكثر من ألف وأربعمائة سنة, كما يمثل نصًا رائعًا من نصوص الإعجاز العلمي في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هنا تأتي قوته,فقد ثبت لنا بعد دراسات مستفيضة لتقدير كمية الماء على سطح الأرض أنها كمية هائلة إذ تقدر بحوالي 1360 مليون كيلو متر مكعب, أغلبها (79.20%) على هيئة ماء مالح في البحار والمحيطات، بينما تتجمع الكمية الباقية (2.80%) على هيئة الماء العذب بأشكاله الثلاثة (الصلبة، والسائلة, والغازية) منها (2.15%) من مجموع ماء الأرض على هيئة تراكمات الجليد فوق المنطقتين القطبيتين من الأرض، وعلى قمم جبالها, والماء الباقي وتقدر كميته بحوالي (0.65%) من مجموع مياه الأرض يختزن أغلبه في الطبقات المسامية من صخور القشرة الأرضية على هيئة ماء تحت سطح الأرض, تليه في الكثرة النسبية مياه البحيرات العذبة, ثم الماء المختزن على هيئة رطوبة في تربة الأرض, ويليه بخار الماء في الغلاف الغازي للأرض (رطوبة الغلاف الغازي) ثم المياه الجارية في الأنهار, وتفرعاتها.

والماء يغطي حوالي (71%) من مساحة سطح الأرض المقدرة بحوالي 510 مليون كيلو مترًا مربعا, أي: إن مساحة المسطحات المائية فوق الأرض تقدر بحوالي 361 مليون مترًا مربعًا بينما تقدر مساحة اليابسة بحوالي 149 مليون كيلو مترًا مربعًا.

وعلى ذلك فإن معدل البخر من أسطح البحار والمحيطات يقدر بحوالي 320.000 كيلو متر مكعب من الماء في كل عام, بينما يقدر معدل البخر من اليابسة بحوالي 60.000 كيلو متر مكعب, وبجمع هذين الرقمين يتضح أن دورة الماء بين الأرض وغلافها الغازي تبلغ 380.000 كيلو متر مكعب في السنة, وأغلب هذه الكمية يتبخر من المناطق الاستوائية حيث يصل متوسط درجة الحرارة السنوي إلى 25 درجة مئوية.

وعندما يتبخر الماء من أسطح كل من البحار والمحيطات واليابسة الأرضية فإنه يرتفع بفعل قلة كثافته, وبدفع التيارات الهوائية له إلى النطاق الأسفل من الغلاف الغازي للأرض (نطاق التغيرات المناخية) وهو يتميز بالتبرد مع الارتفاع حتى تصل درجة حرارته إلى ناقص 80 درجة مئوية فوق خط الاستواء، وفي هذا النطاق البارد يتكثف بخار الماء الصاعد من الأرض ويعود إليها بإذن الله تعالى, مطرًا أو ثلجًا, أو بردًا, أو طلاً (على هيئة الشابورة أو الندى).

والماء في عودته إلى الأرض يصرفه الله تعالى بحكمة بالغة حيث ينزل على اليابسة قدرًا أعلى مما يتبخر من أسطحها (96.000 كيلو مترًا مكعبًا مقابل 60.000 كيلو مترًا مكعبًا مجموع المتبخر منها) بينما ينزل على البحار والمحيطات قدرًا أقل عما يتبخر من أسطحاه 284.000 كيلو مترًا مكعبًا في مقابل 320.000 كيلو مترًا مكعبًا يتبخر منها, والفارق بين هذين الرقمين هو نفس الفارق بين كميتي المطر والبخر على اليابسة, ويقدر بـ 36.000 كيلو مترًا مكعبًا من الماء يفيض من اليابسة إلى البحار والمحيطات في كل عام.

ودورة الماء حول الأرض دورة معجزة تشهد لله الخالق بطلاقة القدرة, وعظيم الصنعة, وإحكام الخلق,فكميتها في مجموعها ثابتة, ومحسوبة بما يكفي متطلبات الحياة على الرض, والدورة ذاتها بين البخر والمطر تعمل على تنقية مياه الأرض التي يحيا ويموت فيها بلايين الأفراد من صور الحياة المختلفة, وهي تعمل على حفظ التوازن الحراري على سطح الأرض, وعلى التقليل من شدة حرارة الشمس في الصيف, فيعمل على تقليل الفرق بين درجتي الحرارة صيفًا وشتاءً, وذلك لصون الحياة الأرضية بمختلف أشكالها.

ولما كان مجموع ما يتبخر من ماء الأرض إلى غلافها الغازي ثابتًا في كل عام ومجموع ما يحمل هذا الغلاف الغازي من بخار الماء ثابت كذلك على مدار السنة فإن مجموع ما ينزل من مطر إلى الأرض يبقى ثابتًا في كل سنة, وإن تباينت كميات سقوطه من مكان إلى آخر حسب مشيئة الله, ويبلغ متوسط سقوط المطر على سطح الأرض اليوم 85.7 سنتيمترًا مكعبًا في السنة, وتتراوح كمياته بين الصفر في المناطق الصحراوية الجافة والقاحلة و11.45 مترًا مكعبًا في السنة في جزرهاواي.

وهذه الملاحظات الدقيقة التي لم يستطع الإنسان الوصول إليها إلا في أواخر القرن العشرين سبقتها بأربعة عشر قرنًا أو يزيد أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قال فيها: "ما من عام بأقل مطرًا من عام".

وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من عام بأمطر من عام, ولكن الله يَصْرِفُهُ (أو يُصَرِّفه)". وهذه الحقيقة العلمية التي نطق بها خاتم الأنبياء والمرسلين لا يمكن أن يكون لها مصدر إلا وحي السماء, فصلى الله وسلم وبارك على هذا النبي الخاتم, والرسول الخاتم, وعلى آله وصحبه وسلم, وعلى كل من تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين.

8- خسوف الشمس والقمر

{ إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا } (البخاري)

رواه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة حديث رقم 983 عن أبي مسعود:
حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ قَالَ النَّبِى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَقُومُوا فَصَلُّوا

ورواه أيضًا في كتاب الجمعة حديث رقم 984 عن ابن عمر:
حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ أَخْبَرَنِى ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَمْرٌو عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِى اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنْ النَّبِى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا

ورواه أيضًا في كتاب الجمعة حديث رقم 986 عن عائشة:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ فَعَلَ فِى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِى الْأُولَى ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا ثُمَّ قَالَ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِى عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِى أَمَتُهُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا

ورواه أيضًا في كتاب النكاح حديث رقم 4798 عن ابن عباس:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ فَقَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِى مَقَامِكَ هَذَا ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ فَقَالَ إِنِّى رَأَيْتُ الْجَنَّةَ أَوْ أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِكُفْرِهِنَّ قِيلَ يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ

ورواه أيضًا في كتاب اللباس حديث رقم 5339 عن أبي بكرة:
حَدَّثَنِى مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِى بَكْرَةَ رَضِى اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ وَنَحْنُ عِنْدَ النَّبِى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ مُسْتَعْجِلاً حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ وَثَابَ النَّاسُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَجُلِّى عَنْهَا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا وَقَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئاً فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ حَتَّى يَكْشِفَهَا

وكذلك رواه مسلم في صحيحه في كتاب الكسوف حديث رقم 1499 عن عائشة:
وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَإِنَّهُمَا لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا وَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ و حَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَزَادَ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَزَادَ أَيْضًا ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ

ورواه أيضًا في كتاب الكسوف حديث رقم 1508 عن جابر بن عبد الله:
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّاسُ إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ بَدَأَ فَكَبَّرَ ثُمَّ قَرَأَ فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ أَيْضًا ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ لَيْسَ فِيهَا رَكْعَةٌ إِلَّا الَّتِي قَبْلَهَا أَطْوَلُ مِنِ الَّتِي بَعْدَهَا وَرُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ سُجُودِهِ ثُمَّ تَأَخَّرَ وَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النِّسَاءِ ثُمَّ تَقَدَّمَ وَتَقَدَّمَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى قَامَ فِي مَقَامِهِ فَانْصَرَفَ حِينَ انْصَرَفَ وَقَدْ آضَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِمَوْتِ بَشَرٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ فَمَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ

ورواه أيضًا في كتاب الكسوف حديث رقم 1522:
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَا حَدَّثَنَا مُصْعَبٌ وَهُوَ ابْنُ الْمِقْدَامِ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ قَالَ زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى تَنْكَشِفَ

ورواه النسائي في سننه في كتاب الكسوف حديث رقم 1442 عن أبي بكرة:
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ

ورواه أيضًا في كتاب الكسوف حديث رقم 1455 عن عائشة:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ فَكَبَّرَ وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ثُمَّ قَامَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ وَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ لَقَدْ رَأَيْتُمُونِي أَرَدْتُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ وَرَأَيْتُ فِيهَا ابْنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ

ورواه أيضًا في كتاب الكسوف حديث رقم 1476 عن ابن عباس:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا قَرَأَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَالَ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَقَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ قَالَ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ أَوْ أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِكُفْرِهِنَّ قِيلَ يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ

رواه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة حديث رقم 995 عن عائشة:
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَخْبَرَنِي مَنْ أُصَدِّقُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ قَالَ كُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيَامًا شَدِيدًا يَقُومُ بِالنَّاسِ ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ يَرْكَعُ الثَّالِثَةَ ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى إِنَّ رِجَالًا يَوْمَئِذٍ لَيُغْشَى عَلَيْهِمْ مِمَّا قَامَ بِهِمْ حَتَّى إِنَّ سِجَالَ الْمَاءِ لَتُصَبُّ عَلَيْهِمْ يَقُولُ إِذَا رَكَعَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَإِذَا رَفَعَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى تَجَلَّتِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ فَإِذَا كُسِفَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ

ورواه أيضًا في كتاب الصلاة حديث رقم 966 عن جابر بن عبد الله:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ حَدَّثَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّاسُ إِنَّمَا كُسِفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ كَبَّرَ ثُمَّ قَرَأَ فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَرَأَ دُونَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الثَّالِثَةَ دُونَ الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَانْحَدَرَ لِلسُّجُودِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ لَيْسَ فِيهَا رَكْعَةٌ إِلَّا الَّتِي قَبْلَهَا أَطْوَلُ مِنِ الَّتِي بَعْدَهَا إِلَّا أَنَّ رُكُوعَهُ نَحْوٌ مِنْ قِيَامِهِ قَالَ ثُمَّ تَأَخَّرَ فِي صَلَاتِهِ فَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ مَعَهُ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَامَ فِي مَقَامِهِ وَتَقَدَّمَتِ الصُّفُوفُ فَقَضَى الصَّلَاةَ وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ بَشَرٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ وَسَاقَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ عَنْ هِشَامٍ حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ كُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَصْحَابِهِ فَأَطَالَ الْقِيَامَ حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ فَكَانَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعُ سَجَدَاتٍ وَسَاقَ الْحَدِيثَ

ورواه أيضًا ابن ماجه في سننه في تكاب إقامة الصلاة والسنة فيها, حديث رقم 1253 عن عائشة رضي الله عنها:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ الْمِصْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَامَ فَكَبَّرَ فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ

ورواه أحمد في مسنده حديث رقم 2576 عن ابن عباس:
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ يَعْنِي ابْنَ عِيسَى قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدٍ يَعْنِي ابْنَ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا قَالَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ قَالَ عَبْد اللَّهِ قَالَ أَبِي وَفِيمَا قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا قَالَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ إِسْحَاقَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَقَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِكُفْرِهِنَّ قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ

ورواه أيضًا تحت رقم 13897 عن جابر بن عبد الله:
حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّاسُ إِنَّمَا كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ كَبَّرَ ثُمَّ قَرَأَ فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَرَأَ دُونَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَرَأَ دُونَ الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَانْحَدَرَ لِلسُّجُودِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ لَيْسَ فِيهَا رَكْعَةٌ إِلَّا الَّتِي قَبْلَهَا أَطْوَلُ مِنِ الَّتِي بَعْدَهَا إِلَّا أَنَّ رُكُوعَهُ نَحْوٌ مِنْ قِيَامِهِ ثُمَّ تَأَخَّرَ فِي صَلَاتِهِ وَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ مَعَهُ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَامَ فِي مَقَامِهِ وَتَقَدَّمَتِ الصُّفُوفُ فَقَضَى الصَّلَاةَ وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ بَشَرٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ وَلَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ فَذَلِك حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا حَتَّى قُلْتُ أَيْ رَبِّ وَأَنَا فِيهِمْ وَرَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ فَإِنْ فُطِنَ بِهِ قَالَ إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَتْرُكْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا وَجِيءَ بِالْجَنَّةِ فَذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي فَمَدَدْتُ يَدِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ

ورواه أيضًا تحت رقم 22522 عن محمود بن لبيد:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَلَا وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا كَذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى الْمَسَاجِدِ ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ فِيمَا نَرَى بَعْضَ الر كِتَابٌ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ اعْتَدَلَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ فَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْأُولَى

ورواه أيضًا تحت رقم 25752 عن أسماء بنت أبي بكر:
حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُ رَجَّةَ النَّاسِ وَهُمْ يَقُولُونَ آيَةٌ وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ فِي فَازِعٍ فَخَرَجْتُ مُتَلَفِّعَةً بِقَطِيفَةٍ لِلزُّبَيْرِ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يُصَلِّي لِلنَّاسِ فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ مَا لِلنَّاسِ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا إِلَى السَّمَاءِ قَالَتْ فَصَلَّيْتُ مَعَهُمْ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَغَ مِنْ سَجْدَتِهِ الْأُولَى قَالَتْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيَامًا طَوِيلًا حَتَّى رَأَيْتُ بَعْضَ مَنْ يُصَلِّي يَنْتَضِحُ بِالْمَاءِ ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ قَامَ وَلَمْ يَسْجُدْ قِيَاما طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ رُكُوعِهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ سَلَّمَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَإِلَى الصَّدَقَةِ وَإِلَى ذِكْرِ اللَّهِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُهُ إِلَّا وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا وَقَدْ أُرِيتُكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ يُسْأَلُ أَحَدُكُمْ مَا كُنْتَ تَقُولُ وَمَا كُنْتَ تَعْبُدُ فَإِنْ قَالَ لَا أَدْرِي رَأَيْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ وَيَصْنَعُونَ شَيْئًا فَصَنَعْتُهُ قِيلَ لَهُ أَجَلْ عَلَى الشَّكِّ عِشْتَ وَعَلَيْهِ مِتَّ هَذَا مَقْعَدُكَ مِنَ النَّارِ وَإِنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قِيلَ عَلَى الْيَقِينِ عِشْتَ قَالَ مِتَّ هَذَا مَقْعَدُكَ مِنَ الْجَنَّةِ وَقَدْ رَأَيْتُ خَمْسِينَ أَوْ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي مِثْلِ صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لَنْ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَنْزِلَ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ مَنْ أَبِي قَالَ أَبُوكَ فُلَانٌ الَّذِي كَانَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ

ورواه الإمام مالك في الموطأ في كتاب النداء للصلاة حديث رقم 398 عن عائشة:
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَتَصَدَّقُوا ثُمَّ قَالَ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا

ورواه أيضًا في كتاب النداء للصلاة حديث رقم 399 عن ابن عباس:
وحَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَالَ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَقَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِكُفْرِهِنَّ قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ

ورواه الدارمي في سننه كتاب الصلاة حديث رقم 1484 عن أبي مسعود:
حَدَّثَنَا يَعْلَى حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيْسَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَقُومُوا فَصَلُّوا

ورواه أيضًا في كتاب الصلاة حديث رقم 1487 عن ابن عباس:
حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ الْبُوَيْطِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ هُوَ الشَّافِعِيُّ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَكَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ صَلَاتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَطَبَهُمْ فَقَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ

وعن أم المؤمنين السيدة عائشة (رضي الله تعالى عنها) روى كل من البخاري ومسلم في صحيحيهما أنها قالت: خسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس فقام فأطال القيام, ثم ركع فأطال الركوع, ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد فأطال السجود, ثم فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى ثم انصرف وقد تجلت الشمس فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه, ثم قال:

"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفن لموت أحد ولا لحياته, فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا".

وكسوف الشمس (أو انخسافها) يتم نتيجة لوقوع القمر بيننا وبين الشمس فيحجب أشعتها عنا, وقد يكون هذا الكسوف كليًا (يحجب قرص الشمس عنا) ويحدث ذلك في حزام محدود على نصف الكرة الأرضية المواجه للشمس, فيتحول النهار ليلاً خلال دقائق محدودة, وإلى الشمال والجنوب من هذا الشريط يكون الكسوف جزئيًا, ويتناقص الجزء المكسوف من الشمس بالبعد عن حزام الكسوف الكلي في اتجاه القطبين.

وقد جاء في الحديث الشريف الذي نحن بصدده "أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته" بمعنى أنهما ظاهرتان كونيتان دائبتا الحدوث بغض النظر عن موت الأفراد وحياتهم, كما كان يدعي عدد من الناس في جزيرة العرب وفي غيرها من بلدان العالم الذين كانوا ينسبون تلك الظواهر الكونية. لميلاد عظيم أو وفاته, وجاء حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم لينفي تلك الخرافات نفيًا قاطعًا, وليؤكد دورية حدوث هذه الظواهر الكونية.

وقد ثبت علميًا أن القمر يتبعه مخروط من الظل بفضل حجبه أشعة الشمس وفي دورة القمر حول الأرض يمر معه مخروط ظله, وفي وقت الاقتران الذي يحدث مرة في كل شهر قمري, يصادف أن يكون القمر متوسطًا تمامًا بين الشمس والأرض فيحجب ضوءها عنا كليًا أو جزئيًا وفي معظم شهور السنة ينحرف القمر في مروره بيننا وبين الشمس فلا ينحجب ضوؤها عنا, وبالتالي لا تنكسف الشمس, ولذلك فإن حوادث الكسوف الكلي للشمس هي حوادث نادرة, وفي أثناء كسوف الشمس يتوسط القمر بيننا وبيناه وقد يحدث أن يبقى من أطراف الشمس ما يشبه الحلقة المضيئة تحيط بقرص القمر المظلم، ويسمى هذا الكسوف باسم الكسوف الحلقي.

وعند حدوث الكسوف الكلي تظلم السماء, وتظهر النجوم في منتصف النهار, وينتقل الناس في دقائق معدودات من وضح النهار إلى ما يشبه الليل, مما يدعو إلى شيء من الذعر والانقباض ليس عند الإنسان فحسب بل عند كافة المخلوقات فتأوى الطيور إلى أوكارها، والحيوانات إلى جحورها أو تخلد إلى شيء من السكون الحذر.

أما خسوف القمر فيحدث بدخوله في ظل الأرض الذي يتكون مع دوران الأرض حول الشمس, وهي ظاهرة ترى من جميع الأرض, وفي معظم شهور السنة يمر القمر فوق أو تحت مخروط ظل الأرض ويتحاشاه فلا ينخسف، وفي لحظات كسوف الشمس تقل كمية الطاقة الشمسية الواصلة إلينا, فتنخفض درجة حرارة الأرض, وعلى العكس من ذلك فإنه في لحظات خسوف القمر تزداد كمية الطاقة الشمسية الواصلة إلينا فترتفع درجة الحرارة نسبيًا لدقائق معدودة, ولما كانت هذه الأمور محسوبة بدقة بالغة فإن الأرض تكون معرضة خلال هاتين الظاهرتين الكونيتين لمخاطر لا يعلمها إلا الله, ومن هنا كانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكر الله بتحمده وتكبيره وتمجيده, وباللجوء إلى الصلاة, والمبادرة بإخراج الصدقات لعل الله تعالى أن يكشف تلك المخاطر عن الأرض ومن عليها, فلا تزال هاتان الظاهرتان تكتنفان من المخاطر والأسرار ما لا يعلمه إلا الله....!!!!

ولذلك جاء في نصوص أخرى لنفس الحديث الذي نحن بصدده قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "فافزعوا إلى الصلاة" وقوله: "هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله بها عباده, فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره". ويعجب الإنسان من هذا العلم النبوي الدقيق الذي نطق به صلى الله عليه وسلم منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة, في زمن كان الناس غارقين إلى آذانهم في محيط من الخرافات والأساطير, ولم يكن لأحد علم بتلك الحقائق الكونية التي بدأت في التكشف لعلم الإنسان منذ عشرات قليلة من السنين, وهذا الحديث الشريف وحده يكفي أن يكون شهادة حق لنبوة هذا النبي الخاتم, والرسول الخاتم, ولكونه كان موصولاً بالوحي, ومعلمًا من قبل خالق السماوات والأرض، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من اتبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.

9- طي السماء

" يطوي الله عز وجل السماوات يوم القيامة " (مسلم)

رواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب صفة القيامة والجنة والنار حديث رقم 4995:
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ{يَطْوِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَقُولُ {أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ}

ورواه أيضًا أبو داود في سننه في كتاب السنة حديث رقم 4107:
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ أَنَّ أَبَا أُسَامَةَ أَخْبَرَهُمْ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ قَالَ قَالَ سَالِمٌ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطْوِي اللَّهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَقُولُ {أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ ثُمَّ {يَطْوِي الْأَرَضِينَ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ قَالَ ابْنُ الْعلاءِ بِيَدِهِ الأُخْرَى ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ}

ورواه ابن ماجه في سننه في كتاب المقدمة حديث رقم 194:
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ "يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدِهِ وَقَبَضَ بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَقْبِضُهَا وَيَبْسُطُهَا ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْجَبَّارُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ} قَالَ وَيَتَمَيَّلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي أَقُولُ أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

روى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يطوي الله عز وجل السماوات يوم القيامة, ثم يأخذهن بيده اليمنى, ثم يقول: أنا الملك, أين الجبارون؟، أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض بشماله, ثم يقول: أنا الملك, أين الجبارون ؟ أين المتكبرون؟".

وهذا الحديث الشريف ينطلق من معنى الآية الكريمة:
" وما قدروا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ " (الزمر: 67)

والحديث الشريف ينطلق أيضًا من معنى آية كريمة أخرى يقول فيها ربنا تبارك وتعالى:
" يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ" (الأنبياء: 104)

ومع تسلـيمنا بطلاقة القدرة الإلهية التي لا تحدها حدود, ولا يقف دون إرادتها حائل, ومع إيماننا بأن قضايا الخلق والإفناء وإعادة الخلق (البعث) من قضايا الغيب المطلق التي لا يمكن للإنسان أن يصل فيها إلى تصور صحيح بغير هداية ربانية, فإننا نقرر إمكانـية الارتقاء بإحدى النظريات المطروحة لتفسير خلق الكون إلى مقام الحقيقة لمجرد وجود إشارات لها في كتاب الله أو في حديث صحيح مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ونكون بذلك قد انتصرنا بالقرآن أو بالسنة النبوية الشريفة للعلم, وليس العكس.

أما في حالة الآخرة فإننا نؤمن بأن لها من القوانين والسنن ما يغاير سنن الدنيا؛ لأن سنن الدنيا تمشي ببطء, حتى يتمكن الإنسان من إدراكها, والتعرف عليها, وتوظيفها في عمارة الأرض, أما الآخرة فلا تأتي إلا بغتة كما جاء في القرآن الكريم, ولكن من رحمة الله بنا أن يبقى لنا في صخور الأرض وفي صفحة السماء من الشواهد الحسية ما يعيننا على فهم إمكانية وقوع أحداث الآخرة, ومن ذلك طي السماوات الذي أشار إليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نحن بصدده، وأشار إليه القرآن الكريم.

ففي مطلع القرن العشرين بدأ الفلكيون في ملاحظة توسع الكون بمعنى تباعد المجرات عن بعضها البعض تباعدًا بسرعات تقترب أحيانًا من سرعة الضوء المقدرة بحوالي ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية, وأثارت الملاحظة جدلاً كبيرًا حتى تم التسليم بها في منتصف القرن العشرين, ووصل العلماء من الرجوع بعملية اتساع الكون إلى الوراء مع الزمن إلى حتمية التقاء كل المادة والطاقة, وكل المكان والزمان في نقطة واحدة متناهية الضآلة في الحجم, ومتناهية الضخامة في الكتلة وكمية الطاقة, وقالوا بحتمية انفجار تلك النقطة في ظاهرة يسمونها عملية الانفجار العظيم نؤمن بها لورود إشارة لها في قول الحق تبارك وتعالى:

" أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ " (الأنبياء: 30)

كذلك ثار جدل طويل حول عملية توسع الكون هل هي عملية مستمرة إلى ما لا نهاية, أم إن لها نهاية تتوقف عندها فتتغلب الجاذبية على مادة وطاقة الكون فتطوي السماء, وتجمع كلاً من المادة والطاقة والمكان والزمان في نقطة واحدة شبيهة بالنقطة الأولى التي بدأ بها الكون؟ وهنا أيضًا يتدخل القرآن الكريم ليحسم القضية إلى صالح نظرية الانسحاق الشديد للكون وذلك بقول الحق تبارك وتعالى:

" يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ" (الأنبياء: 104)

وهنا يأتي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نحن بصدده ناطقًا بطي السماوات يوم القيامة, وهي حقيقة لا يستطيع العلم التجريبي أن يتجاوز فيها مرحلة التنظير فوضع نظرية الانسحاق الشديد, وهي نظرية نرتقي بها إلى مقام الحقيقة لوجود إشارة لها من رب العالمين في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ونظرية الانسحاق الشديد لم يتمكن الإنسان من بلورة تصور مبدئي لها إلا بعد منتصف القرن العشرين.

وهنا يبرز التساؤل: كيف يمكن لكتاب أنزل قبل ألف وأربعمائة سنة أن يتحدث عن طي السماء بهذه الدقة البالغة لو لم يكن المتحدث فيه هو الخالق سبحانه وتعالى ؟ وكيف أمكن لنبي أمي في قلب الجزيرة العربية من قبل ألف وأربعمائة من السنين (وقد كانت مجتمعًا بدائيًا, جاهليًا, لا صلة له بعلم ولا بقراءة أو كتابة) أن يتحدث عن طي السماوات لو لم يكن موصولاً بالوحي, ومعلمًا من قبل خالق السماوات والأرض؟.

وهنا تتضح أهمية الإشارات الكونية في كل من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، في زمن التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه, وهو زمن لم يعد يحرك مشاعر الناس فيه شيء كما تحركه الحقيقة العلمية؛ وهذه الإشارات الكونية المنزلة من قبل ألف وأربعمائة سنة والتي لم يستطع الإنسان الوصول إلى تصور لها إلا منذ عشرات قليلة من السنين هي أيسر وسيلة في الدعوة إلى دين الله الخاتم في وقت تحول فيه العالم إلى قرية كبيرة تتلاقى فيها مختلف الحضارات, والمعارف والمعتقدات, وأصبح لزامًا علينا أن نحسن التبليغ عن الله ورسوله بلغة العصر وأسلوبه لعل الله تعالى أن يفتح لنا الدنيا من أطرافها كما فتحها على أسلافنا, وما ذلك على الله بعزيز.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.

10- أرض العرب مروجاً وأنهاراً

{ لن تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا (مسلم) }
روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لن تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا".

رواه الإمام مسلم في صحيحه حديث رقم 1681:
و حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا

ورواه الإمام أحمد في مسنده حديث رقم 8477، 9026:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي ابْنَ زَكَرِيَّا عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا وَحَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ بَيْنَ الْعِرَاقِ وَمَكَّةَ لا يَخَافُ إِلَّا ضَلالَ الطَّرِيقِ وَحَتَّى يَكْثُرَ الْهَرْجُ قَالُوا وَمَا الْهَرْجُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْقَتْلُ

وهذا الحديث الشريف من المعجزات العلمية التي تصف حقيقة كونية لم يدركها العلماء إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين حين ثبت لهم بأدلة قاطعة أن جزيرة العرب كانت في القديم مروجًا وأنهارًا, كما تشير الدراسات المناخية إلى أن تلك الصحراء القاحلة في طريقها الآن للعودة مروجًا وأنهاراً مرة أخرى, وذلك لأن كوكب الأرض يمر – في تاريخه الطويل – بدورات مناخية متقلبة تتم على مراحل زمنية طويلة ومتدرجة – كما قد تكون فجائية، ومتسارعة، فعلى سبيل المثال أدرك علماء الأرض منذ قرن ونصف تقريبًا أن أرضنا قد مرت بعدد من دورات زحف الجليد على اليابسة تعرف باسم "الدورات الجليدية" يتحرك خلالها الجليد من أحد قطبي الأرض (أو منهما معًا) في اتجاه خط الاستواء, وينحسر في عدد من المرات في الدورة الواحدة, وقد وضعت نظريات عديدة لتفسير كيفية دخول الأرض في هذه الدورات الجليدية تتلخص في نقص كمية الطاقة الشمسية الواصلة إلى ذلك الكوكب نتيجة للتغيرات الدورية في شكل مداره حول الشمس, وقبل محوره على هذا المدار, واختلاف معدل ترنحه حول محوره, يضاف إلى ذلك زحف القارات عبر المناطق المناخية المختلفة كنتيجة حتمية لتحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض.

وفي أثناء الزحف الجليدي على اليابسة تتحول البلاد في مناطق خطوط العرض العليا إلى صحارى جليدية قاحلة تموت فيها النباتات, وتهرب الحيوانات، بينما يتحول الحزام الصحراوي الممتد من موريتانيا غربًا إلى أوساط آسيا شرقًا إلى منطقة مطر غزير, وفي أثناء هذه الدورات المطيرة شقت كل الأودية الجافة التي تنتشر في صحارى تلك المنطقة اليوم, وكانت أنهارًا متدفقة في القديم, ثم جفت مع تناقص كمية الأمطار فهذه الأودية الجافة لا يمكن أن يكون سبب شقها عامل غير المياه الجارية.

وبدراسات متأنية ثبت لنا أن جزيرة العرب قد مرت في خلال الثلاثين ألف سنة الماضية بسبع فترات مطيرة تخللت ثماني فترات جافة, تمر حاليًا بالفترة الثامنة منه.

وتشير الدراسات المناخية إلى أننا مقدمون على فترة مطيرة جديدة شواهدها بدايات زحف للجليد في نصف الكرة الشمالي باتجاه الجنوب, وانخفاض ملحوظ في درجات حرارة فصل الشتاء, ولولا التزايد المطرد في معدلات التلوث البيئي التي تزيد من ظاهرة الاحتباس الحراري لشاهدنا زحف الجليد على كل من أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا في زماننا الراهن.

وفي فترات المطر كسيت الجزيرة العربية بالمروج الخضراء, وتدفقت الأنهار بالمياه الجارية, وتحولت المنخفضات إلى بحيرات زاخرة بالحياة, وعمرت اليابسة بمختلف صور الحياة الأرضية, كما وصفها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نحن بصدده وحتى صحراء الربع الخالي – والتي تعتبر اليوم واحدة من أكثر أجزاء الأرض قحولة وجفافًا – ثبت أن بها أعدادًا من البحيرات الجافة, والمجاري المائية القديمة المدفونة تحت رمالها السافية, وأن تلك البحريات والمجاري المائية كانت زاخرة بالحياة, ومتدفقة بالمياه إلى زمن قوم عاد الذين أقاموا في جنوب الجزيرة العربية حضارة مادية لم يكن يدانيها في ازدهارها المادي حضارة أخرى في زمانها, وكانت تلك الحضارة تصدر إلى أوروبا (البدائية في ذلك الوقت) الفواكه المجففة, والبذور, والبخور, والعطور, والأخشاب, والذهب والفضة, فلما جاء إلى قوم عاد نبيهم ورسولهم سيدنا هود عليه السلام بالهداية الربانية, بدعوة التوحيد الخالص لله تعالى, وعبادته بما أمر, والقيام بواجبات الاستخلاف في الأرض وعمرانها, وإقامة عدل الله فيها, كفروا بربهم, وجحدوا بآياته, وعصوا رسله وكذبوهم واستكبروا في الأرض بغير الحق, فأرسل الله تعالى عليهم المطر, وأرسل الريح العقيم فطمرتهم, وطمرت حضارتهم برمالها, وقطعت دابرهم, وجعلتهم كالرميم, وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى:::::

{ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نحسات لنذيقهم عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ } (فصلت: 15, 16)

وقد وصف الحضارة المادية لقوم عاد أثناء ازدهارها اثنان من المؤرخين القدامى كان أولهما بطليموس الإسكندري, الذي كان أمينًا لمكتبة الإسكندرية وقام برسم الأنهار المتدفقة في منطقة الربع الخالي الحالية بتفرعاتها, والبحيرات التي كانت تفيض إليها، وكان ثانيهما هو يليني الكبير، أحد مؤرخي الحضارة الرومانية والذي وصف حضارة عاد بأنها لم يكن يدانيها في زمانها حضارة أخرى.

وتمثل فترة الأمطار الغزيرة الأخيرة في شبه الجزيرة العربية في خلال الثلاثين ألف سنة الماضية نهايات العصر الجليدي الأخير الذي عم الأرض خلال المليوني سنة الأخيرة في دورات متتالية من زحف الجليد وانحساره تركت بصماتها واضحة على أشكال سطح الأرض الحالية بصفة عامة, وفي نصفها الشمالي بصفة خاصة, وقد أحصى العلماء من تلك الدورات عشرين دورة استغرقت كل منها حوالي المائة ألف سنة, كان نصفها دورات زحف جليدي تخللتها عشرة دورات من دورات انحسار هذا الزحف الجليدي, ونعيش اليوم في نهاية آخر دورة من دورات هذا الانحسار الجليدي, ويبشر العلماء ببداية دورة من دورات هذا الانحسار الجليدي, ويبشر العلماء ببداية دورة جليدية جديدة قريبًا إن شاء الله, وقد بدأت شواهد هذا بالفعل.

وليس دخول الأرض في دورة من دورات زحف الجليد على اليابسة بالأمر المستغرب ؛ فقد حدث في تاريخ الأرض الطويل عدة مرات, آثاره مدونة بدقة فائقة في صخور الأرض منها اثنتان في أحقاب ما قبل الكمبري إحداهما في حدود بليوني سنة مضت, والأخرى منذ ستمائة مليون سنة, واثنتان في صخور حقب الحياة القديمة أولاهما في حدود 400 إلى 440 مليون سنة مضت (العصر الأودوفيشي – السيليوري) والأخرى في حدود 250 – 300 مليون سنة مضت (العصرين الكربوني واليربي) وقد تركت الأولى آثارها على الثلث الشمالي من الجزيرة العربية. وتركت الثانية آثارها على ثلثها الجنوبي، وكن الزحف الجليدي فيها قادمًا من شبه القارة الهندية التي كانت في ذلك الوقت موجودة في جنوب الجزيرة العربية وملتحمة معها، ومع كل من القارات الإفريقية, والأسترالية, والأمريكية الجنوبية مكونة قارة عظمى واحدة أطلق عليها العلماء اسم "جُندُوَانا" هذه الحقائق لم يتوصل الإنسان إلى معرفتها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين, وإشارة المصطفى صلى الله عليه وسلم إليها في حديثه الكريم "تعود جزيرة العرب مروجًا وأنهارًا" مما يشهد له بالنبوة وبالرسالة, وبأنه عليه الصلاة وأزكى التسليم كان دومًا موصولاً بالوحي, ومُعَلَّمًا من قِبَل خالق السماوات والأرض.

11- طلوع الشمس من مغربها

روى البخاري كتاب تفسير القرآن, حديث رقم 4269:
حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِد حَدَّثَنَا عُمَارَةُ حَدَّثَنَا أبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا أبُو هُرَيْرَةَ رَضِى اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَن عَلَيْهَا فَذَاكَ (حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَم تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ)".

روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في العلامات الكبرى للساعة: "إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها, وخروج الدابة على الناس ضحى, وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا" (صحيح مسلم - حديث 5234).

وكان أعداء الإسلام من الدهريين عربًا وعجمًا ومستشرقين يستبعدون طلوع الشمس من مغربها, قائلين: إن الشمس منذ أن أدركها الإنسان وهي تطلع عليه من المشرق وتغيب في المغرب, وكانوا لا يتخيلون قوة على وجه الأرض, أو في صفحة الكون يمكنها إحداث مثل ذلك التغيير الهائل في شروق الشمس وغروبها.

ولكن منذ سنوات قليلة بدأ علماء الأرض في استقراء مناخات الأرض في الأزمنة الغابرة كما هي مدونة في جذوع النباتات, وفي هياكل الحيوانات, وفي رسوبيات كتل الجليد التي زحفت على اليابسة من قطبي الأرض, ومن قمم الجبال, وفي مختلف أنواع الرسوبيات البحرية والقارية, وفي بقية صخور الأرض, وما تحتويه من بقايا الحياة خاصة حبوب اللقاح الخاصة بالنباتات والتي تحفظ بأعداد هائلة في كافة الرسوبيات والصخور الرسوبية, وتكثر بشكل واضح في رسوبيات البحيرات ودالات الأنهار وشواطئ البحار, وكثيرًا ما يقطع تلك الرسوبيات أسطح جفاف انحسرت عنها المياه لتراجع البحار أو ندرة الأمطار, وتحتفظ تلك الأسطح بمعادن تعكس صورة كاملة عن تركيب كل من الغلافين الغازي والمائي المحيطين بالأرض, ودرجة حرارة كل منهما، ودرجة حموضته, وكل من الحلقات السنوية في سيقان النباتات, وخطوط النمو في هياكل الحيوانات تمثل سجلاً رائعًا للتغيرات المناخية التي تدون فورًا وبدقة بالغة في كل منهما.

وفي دراسة حديثة للتغيرات المناخية كما هي مدونة على الحلقات السنوية مكونة من أعداد كثيرة من الحلقات تمثل الفصول المناخية الأربع (الربيع, والصيف, والخريف, والشتاء) وشهور السنة الاثنى عشر, وهي شهور قمرية, وعدد الأسابيع في كل شهر قمري, والأيام السبع من كل أسبوع, والليل والنهار في كل يوم.

وفي غمار هذا المبحث لاحظ الدارسون زيادة عدد أيام السنة زيادة تقادمها, وأدركوا أن التفسير الوحيد لتلك الزيادة في عدد أيام السنة مع تقادم الزمن هو تزايد سرعة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس, هذه السرعة التي تزيد من عدد كل من الأيام والأسابيع في السنة, وتقصر من طول اليوم (بليله ونهاره) مع بقاء عدد الفصول والشهورفي السنة ثابتًا. وبرسم أعداد كبيرة للمنحنيات الدالة على عدد أيام السنة في العصور الجيولوجية المختلفة مع الزمن اتضح أن عدد أيام السنة عند بدء خلق الأرض كان أكثر من ألفي يوم, وأن طول الليل والنهار معًا كان أقل من أربع ساعات, ويعجب الإنسان من هذه الإشارة القرآنية المبهرة إلى تلك الحقيقة الكونية الثابتة من قبل ألف وأربعمائة من السنين, والإنسان لم يصل إلى إدراك شيء عنها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين, وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى:

{ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً } (الأعراف: 54)

وقد اتضح هذا التناقص المستمر في سرعة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس من دراسة خطوط النمو في هياكل العديد من الحيوانات مثل الشعاب المرجانية القديمة, وبقاياها في صخور العصور الجيولوجية المتقدمة, وقد فسر هذا التناقص المستمر في سرعة دوران الأرض حول محورها بالاحتكاك الناتج عن عملية المد والجذر, وهبوب الرياح في الاتجاه المعاكس لاتجاه الدوران, وكلاهما يعمل عمل الكابح (الفرامل) الذي يبطئ من سرعة دوران الأرض حول محورها جزءًا من الثانية في كل قرن من الزمن. وبرسم منحنيات متسقبلية لعملية تباطؤ سرعة دوران الأرض حول محورها اتضح أنه لابد لتلك العملية من أن تجبر الأرض على تغيير اتجاه دورانها الحالي (من الغرب إلى الشرق فتبدو الشمس طالعة من الشرق, وغائبة في الغرب) إلى أن تدور بعكس اتجاهها الحالي فيصبح دورانها من الشرق إلى الغرب فتطلع الشمس من مغربها وهذا من العلامات الكبرى للساعة ومن نبوءات المصطفى صلى الله عليه وسلم. التي كان كثير من أعداء الإسلام يستبعدون حدوثها, فإذا بالعلوم الكونية تثبت إمكانية، بل حتمية حدوثها...!!! وهنا يلزم التنبيه إلى أن الآخرة لها من السنن والقوانين ما يغاير سنن الدنيا, ولكن من رحمة الله بنا أن يبقى لنا في سنن الدنيا وشواهدها المادية ما يؤكد على إمكانية حدوث الآخرة بكل مقدماتها وعلاماتها والظواهر المصاحبة لها, فلا يجوز لعاقل أن يتصور إمكانية حساب وقت طلوع الشمس من مغربها بواسطة معرفة معدلات تباطؤ سرعة دوران الأرض حول محورها؛ لأن وقوع الآخرة أمر إلهي لا يحاج إلى سنن أو ظواهر أو تباطؤ في معدلات حركة الأرض, وصدق الله العظيم إذ يقول:

{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِ لاَ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } (الأعراف: 187)

وصلى الله وسلم وبارك على خاتم الأنبياء والمرسلين الذي أخبرنا عن حتمية طلوع الشمس من مغربها كإحدى العلامات الكبرى للساعة, وذلك من قبل ألف وأربعمائة سنة, ثم تأتي العلوم الكونية باستقراء ذلك حقيقة مدونة في أحافير الحيوانات والنباتات, وهياكل الأحياء منها, وذلك منذ عشرات قليلة من السنين, ولا يمكن لعاقل أن يتخيل مصدرًا لتلك المعلومة الكونية المستقبلية من قبل أربعة عشر قرنًا غير وحي الله الخالق الذي أنعم الله تعالى به على خاتم أنبيائه ورسله, وخيرته من خلقه، سيدنا محمد بن عبد الله (صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين).

12- نار من أرض الحجاز

{ لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى } (صحيح مسلم: باب الفتن)


- صحيح البخاري، كتاب الفتن حديث رقم 6585:
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِى قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى".

- صحيح مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة حديث رقم 5164:
أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى

وحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ جَدِّي حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى

في هذا الحديث الشريف إشارة علمية دقيقة إلى حقيقة من حقائق أرض الحجاز لم تدرك إلا في منتصف القرن العشرين حين بدئ في رسم الخريطة الجيولوجية لأرض شبه الجزيرة العربية, وكان من نتائج ذلك انـتشار الطفوح البركانية على طول الساحل الغربي لجزيرة العرب من عدن جنوبًا إلى المرتفعات السورية شمالاً, عبر كل من الحجاز والأردن, وفلسطين, مغطية مساحة من تلك الطفوح تقدر بحوالي مائة وثمانين ألفًا (180.000 كم2) من الكيلومترات المربعة, ومكونة واحدًا من أهم أقاليم النشاط البركاني الحديث في العالم, ويقع نصف هذه المساحة تقريبًا في أرض الحجاز (حوالي تسعين ألفًا من الكيلو مترات المربعة) موزعة في ثلاثة عشر حقلاً بركانيًا تعرف باسم الحرات, وأغلب هذه الحرات تمتد بطول الساحل الشرقي للبحر الأحمر ممتدة في داخل أرض الحجاز بعمق يتراوح بين 150 كيلو مترًا, 200 كيلو مترًا, ويعتقد بأن هذه الطفوح البركانية قد تدفقت عبر عدد من الصدوع الموازية لاتجاه البحر الأحمر, ومن فوهات مئات من البراكين المنتشرة في غرب الحجاز، كما يعتقد بأن تلك الصدوع والبراكين لا تزال نشطة منذ نشأتها وإلى يومنا الحاضر, سببت العديد من الهزات الأرضية, كما تم مشاهدة تصاعد أعمدة من الغازات والأبخرة الحارة من عدد من تلك الفوهات البركانية.

والحرات الثلاث عشر المنتشرة في أرض الحجاز هي من الجنوب إلى الشمال: حرة السراة, البرك, البقوم, النواصف, هادان, الكشب, رهط, حلة أبو نار, خيبر, إشارة, العويرض, الشامة والحماد, بالإضافة إلى عدد آخر من الحرات الصغيرة في مساحاتها.

وتقع المدينة المنورة (على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى التسليم) بين حرة رهط في الجنوب, وحرة خيبر في الشمال, وتمتد حرة رهط بين المدينة المنورة شمالاً, ووادي فاطمة بالقرب من مكة المكرمة جنوبًا عبر مسافة تقدر بحوالي 310 كيلو مترًا في الطول, وستين كيلو مترًا في متوسط العرض لتغطي مساحة تقدر بحوالي 19830 كيلو مترًا مربعًا, بسمك متوسط حوالي المائة متر وإن كان يصل إلى أربعمائة مترًا في بعض الأماكن.

ويوجد في حرة رهط وحدها أكثر من سبعمائة فوهة بركانية, ويعتبر الجزء الشمالي من حرة رهط والذي يقع إلى الجنوب من المدينة المنورة مباشرة من أكثر أجزاء تلك الحرة نشاطًا؛ لأنه قد شهد أكثر من ثلاثة عشر ثورة بركانية وتدفقًا للحمم خلال الخمسة آلاف سنة الماضية (بمتوسط ثورة بركانية واحدة كل أربعمائة سنة تقريبًا) منها ثورة سنة 21 هجرية (644 ميلادية) ثورة 654 هـ (1256 ميلادية) واللتين سبقـتا بعدد من الهزات الأرضية العنيفة وأصوات الانفجارات الشديدة.

وقد كونت الثورة البركانية الأخيرة (654 هـ / 1256 م) ستة مخاريط بركانية جديدة, ودفعت بطفوحها لمسافة زادت على ثلاثة وعشرين كيلو مترًا من الشمال إلى الجنوب, وامتدت حتى الطرف الجنوبي لموقع مطار المدينة المنورة الحالي, ثم تحولت إلى الشمال لطفا بأهل المدينة, وكرامة لساكنها صلى الله عليه وسلم عد أن أصاب الناس كثير من الذعر والهلع.

ويوجد في حرة خيبر أكثر من أربعمائة فوهة بركانية تضم عددًا من أحدث تلك الفوهات عمدًا وأكثرها نشاطًا, فقد تم تسجيل أكثر من ثلاثمائة هزة أرضية خفيفة, حول إحدى تلك الفوهات البركانية في سنة من السنوات الماضية, مما يوحي بتحرك الصهارة الصخرية تحت ذلك المخروط ويهدد بإمكانية انفجاره بثورة بركانية عارمة.

وتشير الدراسات العلمية التي أجريت على منطقة الحجاز إلى أن الثورات البركانية التي كونت حرة رهط قد بدأت منذ عشرة ملايين من السنين على الأقل, تميزت بتتابع عدد من الثورات البركانية التي تخللتها فترات من الهدوء النسبي, ونحن نحيا اليوم في ظل إحدى هذه الفترات الهادئة نسبيًا.

ومعنى هذا الكلام أن المنطقة مقبلة حتمًا على فترة من الثورات البركانية تندفع فيها الحمم من تلك الفوهات والصدوع كما اندفعت من قبل بملايين الأطنان فتملأ المنطقة نارًا ونورًا تصديقًا لنبوءة المصطفى صلى الله عليه وسلم التي قال فيها:

"لا تقوم حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى".

وبصرى مدينة في جنوب بلاد الشام (سوريا) كذلك فإن حرة خيبر تعتبر أكبر هضبة بركانية في أرض الحجاز؛ حيث تغطي قرابة العشرين ألف كيلو مترًا مربعًا, بسمك يترواح بين الخمسمائة والألف متر, يمثل عدة طفوح بركانية متتالية, يتركز أحدثها في وسط الحرة ؛ حيث تنتشر غالبية الفوهات البركانية الحديثة في حزام يمتد بطول ثمانين كيلو مترًا موازيًا لاتجاه البحر الأحمر, وبعرض 15 كيلو مترًا في المتوسط, وقد تم تسجيل زلزالين كبيرين وقعا في حرة خيبر, أحدهما في سنة 460 هـ, والآخر في سنة 654 هـ, وقد سبقت الزلزال الأخير أصوات انفجارات عالية, تلتها ثورة بركانية كبيرة, وصاحبتها هزات أرضية استمرت بمعدل عشر هزا ت يوميًا لمدة خمسة إلى ستة أيام قدرت شدة أكبرها بخمسة درجات ونصف الدرجة على مقياس ريختر, وقد كونت هذه الثورة البركانية الأخيرة عددًا من المخاريط البركانية, ورفعت بملايين الأطنان من الحمم في اتجاه الجنوب, ولا تزال تلك المخاريط تتعرض لأعداد كبيرة من الرجفات الاهتزازية الخفيفة التي توحي بأن الصهارات الصخرية تحت المخروط البركاني لا تزال نشطة, مما يؤكد حتمية وقوع ثورات بركانية عارمة تخرج من أرض الحجاز في المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله, وذلك تصديقًا لنبوءة النبي الخاتم, والرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم وشهادة له بالنبوة وبالرسالة، وبأنه (عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم) كان موصولاً بالوحي, ومعلمًا من قبل خالق السماوات والأرض.

13- التمر

{ لا يجوع أهل بيت عندهم التمر }

روى الإمام مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا يجوع أهل بيت عندهم التمر}.

الحديث الأول: رواه مسلم في صحيحه في كتاب الأشربة حديث رقم 3811:
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ

الحديث الثاني: رواه مسلم أيضًا في صحيحه في كتاب الأشربة حديث رقم 3812 بلفظ آخر:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَحْلاءَ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ {وَسَلَّمَ يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ} يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ أَوْ جَاعَ أَهْلُهُ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا

والتمر هو تمر النخيل من حين الانعقاد إلى حين الإدراك, ثم النضح, وهو تعبير عام لأن كلاً من البُسْر والرطب لا يبقى فترة طويلة بعد موسم ثمار, والتمر هو الثمرة المجففة التي تعيش على مدار السنة, والبسر هو الغصن من التمر.

وقد ذكر النخل والنخيل في القرآن الكريم في عشرين موضعًا, ويتبع نخيل التمر فصيلة (النخيليات) التي تضم عددًا من الرتب، أهمها نخيل التمر, ونخيل الزيت, وحبس نخيل التمر يضم حوالي الخمسة عشر نوعًا, ويضم نخيل التمر أكثر من ألف نوع، منها حوالي الأربعمائة صنف في الجزيرة العربية وحدها, وحوالي الستمائة صنف في العراق.

والنخيل من الأشجار الدائمة الخضرة, التي تنمو في المناطق الحارة أساسًا, ولكنها تأقلمت مع كل من المناطق المعتدلة والجافة, وشجرة النخيل هي من أكثر النباتات المنزرعة احتمالاً لكل من الجفاف والملوحة, ولذا تنجح زراعتها حتى في المناطق القاحلة.

ومنتجات النخيل تعتبر من أهم المصادر النباتية التي اعتمد عليها الإنسان منذ القدم, خاصة في الحزام الصحراوي الممتد من موريتانيا غربًا إلى أواسط آسيا شرقًا.

وينتمي النخيل إلى النباتات ذوات الفلقة الواحدة؛ حيث تتمايز أشجاره إلى ذكر وأنثى, يبدأ كل منهما في الإزهار في سنته الخامسة, ويستمر في الإنتاج الجيد إلى عمر يتراوح بين الثلاثين والأربعين سنة.

ونخيل التمر قد أعطاه الله تعالى القدرة على مقاومة الحرارة الشديدة والتي قد تصل إلى خمسين درجة مئوية في الصيف كما أعطاه القدرة على تحمل كل من الجفاف الشديد والملوحة العالية, فالطول الباسق لجذوع النخل وسمكها وخشونتها, وتغطيتها بقواعد الأوراق القديمة يعينه على تخزين الماء بكميات كبيرة وعدم فقده بسهولة, والأوراق الرمحية السميكة ذات القمة الشوكية، والموجودة في قمة الشجرة بأعداد قليلة لا تزيد عن 20 إلى 40 ورقة والتي تتجدد باستمرار تعين على تقليل النتح ومن ثم تقليل فقد الماء.

والتمر وهو من ثمرات النخيل يعد غذاءً كاملاً تقريبًا؛ لاحتوائه على أغلب العناصر التي يحتاجها جسم الإنسان, ولذا يصفه الحق تبارك وتعالى بقوله:

{ وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً... } (النحل: 67)

فالتمر يحتوي على مواد سكرية, وكربوهيدراتية, وبروتينية, ودهنية, وعلى عدد من العناصر المهمة, والفيتامينات الضرورية لحياة الإنسان, وقد أثبتت التحاليل الكيميائية أن التمر الجاف يحتوي على 70.6 % من الكربوهيدرات 2.5 % من الدهون 1.32 % من الأملاح المعدنية التي تشمل مركبات كل من الكالسيوم, والحديد, والفوسفات, والمغنسيوم, والبوتاسيوم, والنحاس, والمنجنيز, والكوبلت, والزنك, وغيرها، 10 % من الألياف, بالإضافة إلى فيتامينات تشمل فيتامين أ، ب1، ب2ج, وإلى نسب متفاوتة من السكريات والبروتينات.

وللتمر فوائد طبية كثيرة؛ فهو غذاء مهم للخلايا العصبية, وطارد للسموم، ومفيد في حالات الفشل الكلوي, والمرارة, وارتفاع ضغط الدم, والبواسير, والنقرس, وهو ملين طبيعي, ومقو للسمع, ومنبه لحركة الرحم, ومقو لعضلاته، مما ييسر عملية الولادة الطبيعية, ومن هنا كانت الإشارة القرآنية إلى السيدة / مريم البتول, وهي تضع نبي الله عيسى (عليه السلام) بقول الحق تبارك وتعالى لها:

{ وَهُزِّي إليك بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِياًّ (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً } (مريم: 25, 26)

ومن هنا أيضًا كانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله الشريف:

"أطعموا نساءكم في نفاسهن التمر؛ فإنه من كان طعامها في نفاسها التمر خرج وليدها حليمًا, فإنه كان طعام مريم؛ حيث ولدت, ولو علم طعامًا خيرًا من التمر لأطعمها إياه".

رواه الترمذي في سننه, في كتاب الزكاة حديث رقم 594:
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنِ الرَّبَابِ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ ؛ فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ فَإِن لَّمْ يَجِدْ تَمْرًا فَالْمَاءُ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ". وقال: "الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ؛ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ".

قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ زَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وأبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أبُو عِيسَى: حَدِيثُ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَالرَّبَابُ هِيَ أُمُّ الرَّائِحِ بِنْتُ صُلَيْعٍ. وَهَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَاصِمٍِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنِ الرَّبَابِ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَن الرَّبَابِ, وَحَدِيثُ سُفْيَانِ الثَّوْرِيِّ وابْنِ عُيَينَةَ أصَحُّ. وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ عَوْنٍ وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنِ الرَّبَابِ عَن سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ.

ورواه أيضًا في كتاب الصوم حديث رقم 631 بلفظ:
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ وحَدَّثَنَا هَنَّادٌ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنِ الرَّبَابِ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ زَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ فَإِنَّهُ طَهُورٌ} قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ

وكان قوله أيضًا: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر؛ فإن لم يجد فليفطر على ماء ؛ فإنه طهور".

وكانت وصيته: "لا يجوع أهل بيت عندهم التمر" ويعجب كل قارئ لهذه الأحاديث الشريفة لما تحتويه من علم صحيح لم تصل إليه مدارك الإنسان إلا منذ سنوات قليلة, ونطق به المصطفى صلى الله عليه وسلم من قبل ألف وأربعمائة من السنين مؤكدًا على صدق نبوته, وصدق رسالته, وصدق اتصاله بوحي السماء الذي وصفه بقول الحق (تبارك وتعالى):
{ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى } (النجم: 3, 4)

14- الحبة السوداء

{ في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام (البخاري) }

روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام". وروى مسلم في صحيحه هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه بالنص التالي: "ما من داء إلا وفي الحبة السوداء منه شفاء إلا السام ". وروى خالد بن سعد عن ابن أبي عتيق عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا من السام". قالت: قلت: وما السام؟ قال الموت.

رواه البخاري في صحيحه, كتاب الطب حديث رقم 5256:
حَدَّثَنَا يحيى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِى الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ {شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ} قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَالسَّامُ الْمَوْتُ وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ.

ورواه أيضًا مسلم في صحيحه كتاب السلام حديث رقم 4104:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ {إِنَّ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ وَالسَّامُ الْمَوْتُ وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ الشُّونِيزُ} وحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ قَالَا أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالُوا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُقَيْلٍ وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ وَيُونُسَ الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ وَلَمْ يَقُلِ الشُّونِيزُ

وأيضًا الحديث رقم 4105 بلفظ:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرَ عَنِ العلاءِ عَن أبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَا مِن دَاءٍ إِلاَّ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ مِنْهُ شِفَاءٌ إِلا السَّامَ".

وأيضًا رواه الترمذي في كتاب الطب حديث رقم 1964 وقال: حديث حسن صحيح:
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ وَالسَّامُ الْمَوْتُ} قَالَ أَبُو عِيسَى وَفِي الْبَاب عَنْ بُرَيْدَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ هِيَ الشُّونِيزُ

وأيضًا ذكره ابن ماجه في سننه في كتاب الطب حديث رقم 3438:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ الْمِصْرِيَّانِ قَالَا حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ {إِنَّ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ وَالسَّامُ الْمَوْتُ} وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ الشُّونِيزُ

وأيضًا رواه أحمد في مسنده حديث رقم 7242:
حَدَّثَنَا يَزِيدُ وَيَعْلَى قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ {شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ} قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا السَّامُ قَالَ {الْمَوْتُ}

والحبة السوداء ثمرة لنبتة عشبة حولية من الفصيلة الشقيقية تنمو في حوض البحر الأبيض المتوسط, وتزرع في كثير من دول العالم واسمها العلمي:
Nigella Sativa تعرف في مصر باسم "حبة البركة" وفي المغرب باسم "سانوج وسينوج" وباسم "زرارة" وفي فارس باسم "شونيز أو شينيز" أو باسم "سياه دانة" كما تعرف باسم "الكمون الأسود", وباسم "الحبة المباركة" وهي حبة فلقية سوداء, حريفة تستعمل كأحد التوابل التي تضاف إلى الطعام لتحسين مذاقه.

وقد دفعت قراءة هذه الأحاديث النبوية بعدد من علماء المسلمين وأطبائهم في القديم وفي الحديث إلى النظر في إمكانية الاستفادة بهذه الحبة المباركة في علاج بعض الأمراض باعتبار أن لفظة (شفاء) جاءت في هذه الأحاديث بصياغة غير معرفة, فقيل: إنها لا تعم كل الشفاء, وأن نسبة الشفاء بها تزيد وتنقص حسب نوع المرض وشدته, ولكن عالِمًا مسلمًا من أبناء مصر المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهو (الأستاذ الدكتور أحمد أحمد القاضي) نظر في هذه الأحاديث المتعلقة بالحبة السوداء نظرة طبية فاحصة, فقال: حبة فيها شفاء من كل داء إلا الموت لا بد وأن تكون لها علاقة مباشرة بجهاز المناعة في جسم الإنسان الذي سخره ربنا تبارك وتعالى للدفاع عن هذا الجسم, وقام بدراسة تلك العلاقة على عدد من المرضى المصابين بنقص المناعة المكتسبة, وأثبت زيادة واضحة في عدد خلايا الدفاع عن الجسم المسماه باسم خلايا عشبة حولية ت4 التناول ت8 المنتظم (
T4 – T8 – Call) لجرعات مناسبة من الحبة السوداء, والثوم المعجونة بعسل النحل بكميات محسوبة بدقة شديدة سماها باسم الحروف الأولى من اسمي هذين المحثوبين الرئيسيين:Conigar = Combined Nigella and Garlic ووافقت الأجهزة الرسمية في الولايات المتحدة الأمريكية على التصريح بإنتاج هذا العقار لثبات أثره الفعال في علاج أمراض نقص المناعة المكتسبة (الخلقية والعارضة) وهي لا توافق عادة على العلاج بالمواد الطبيعية إلا بصعوبة شديدة, وفي أضيق الحدود الممكنة.

والحبة السوداء قد عرفها كل من قدماء المصريين, والعرب والفرس, وذكروا أن لها فوائد جمة في علاج عدد من الأمراض من مثل أمراض الجهاز التنفسي كالزكام, والتهاب القصبة والشعب الهوائية, وأمراض الجهاز البولي / التناسلي, وبعض الأمراض الجلدية كالثآليل وتساقط الشعر. وقد ثبت مؤخرًا أن لها دورًا فعالاً في علاج عدد آخر من الأمراض من مثل الربو, ارتفاع ضغط الدم, أمراض الجهاز الهضمي (كأمراض القولون المزمنة), وبعض الأمراض الفيروسية كالالتهاب الكبدي الوبائي وغيرها.

ولكن لم يكن أحد في القديم يتصور أن للحبة السوداء أدنى صلة بالجهاز المناعي في جسم الإنسان كما أوضحت ذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله الشريف أن فيها شفاء من كل داء إلا الموت.

ولذلك فقد عاش الناس قرونًا طويلة يستخدمون الحبة السوداء كمُحَسِّن لطعم المأكولات فقط، فأضافوها الى مختلف أنواع الفطائر والمخللات, إلا أن الاتجاه الحديث يميل إلى استخدامها كعلاج ناجح في العديد من الأمراض المستعصية، وثبت مؤخرًا أن بذور الحبة السوداء تحتوي على زيوت ثابتة بنسبة 33 % وعلى زيوت طيارة بنسبة 1.5% وقد وجد في زيوتها مادة فعالة في تقوية جهاز المناعة سميت بالاسم العلمي لحبة البركة
Nigella Sativa ولذلك أطلقوا علياه اسم: (نيجللون = Nigellone) وثبت بالتجارب العديدة أن لمادة (النيجللون) دورًا فعالاً في رفع القدرة الدفاعية لجهاز المناعة في جسم الإنسان, وهي حقيقة لم تعرفها العلوم المكتسبة إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين, وسبق المصطفى صلى الله عليه وسلم بالإشارة إليها بهذا الوضوح, وهذه الدقة العلمية لا يمكن أن يكون له مصدر إلا وحي السماء, مما يؤكد على نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم، وعلى صلته الدائمة بالوحي, وصدق الله العظيم إذ يقول فيه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} (النجم: 3 - 5)

15- السواك

{ لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة } (البخاري)

رواه البخاري في صحيحه كتاب الجمعة حديث رقم 838:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِى اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ}

وأيضًا رواه مسلم في صحيحه كتاب الطهارة حديث رقم 370:
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {قَالَ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ} (البخاري ومسلم)

من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم الحث على استخدام السواك مع كل صلاة (أي: خمس مرات في اليوم والليلة على أقل تقدير) والسواك (المسواك) هو عود من شجيرة تعرف باسم "الأراك" وقد يتخذ من غيرها من الشجيرات من مثل الزيتون البري (العُتْم), أو من شجيرة السَّمْبُر, ولكن أفضل السواك ما اتخذ من المدادات الأرضية لشجيرة "الأراك" لمًا بأنه قد يتخذ من فروعها الخضراء وهي الجودة من المساويك المتخذة من المدادات الأرضية. وجمع السواك (سُوُك) بضم الواو, وجمع المسواك (مساويك) ويقال (سَوَّكَ) فاه تسويكًا) أي: نظفه باستخدام (المسواك)، ولكن إذا قيل (تسوَّك) أو (استاك) لا يذكر الفم. وشجيرة الأراك تنمو في الجزيرة العربية, وفي غيره من المناطق الجافة في كل من غربي آسيا وشمالي أفريقيا, وهي شجيرة كثيرة الفروع, مخضرة الأوراق, باصفرار قليل, دقيقة الأزهار والثمار, وتعرف ثمارها باسم (الكباث)، وهي على هيئة الكرات الصغيرة التي تبدأ حمراء اللون ثم تسود, وتحتوي على مواد حريفة فاتحة للشهية, وقد جاءت وصية المصطفى صلى الله عليه وسلم بالمواظبة على استخدام السواك في عدد من أحاديثه الشريفة منها: ما رواه كل من البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة – رضي الله عنهما – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نصه: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة". ومنها ما رواه كل من النسائي وابن خزيمة عن ابن عباس (رضي الله عنهما) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونصه: {السواك مطهرة للفم, ومرضاة للرب}.

روى النسائي في سننه، كتاب الطهارة حديث رقم 5:
أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ يَزِيدَ وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَتِيقٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {قَالَ السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ}

ورواه أيضًا أحمد في مسنده حديث رقم 7 في مسند العشرة المبشرين بالجنة:
حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ

وقد أثبتت الدراسات المختبرية على عود الأراك (السواك) أنه يحتوي على العديد من المركبات الكيميائية التي تحفظ الأسنان من التسوس والتلوث, وتحفظ اللثة من الالتهابات من مثل حمض التانيك (العَفْص) ومركبات كيميائية أخرى من زيت الخردل وسكر العنب لها رائحة حادة, وطعم لاذع. ولها قدرة فائقة في القضاء على جراثيم الفم, بالإضافة إلى العديد من المواد العطرية, والسكرية والصمغية, والمعدنية, والشعيرات الطبيعية من الألياف النباتية الحاوية على كربونات الصوديوم, وهي مادة تستخدم في تحضير معاجين الأسنان, وهذه معلومات لم تكن متوفرة في زمن الوحي ولا لقرون من بعده والتوجيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم باستخدام السواك عند كل صلاة هو سبق علمي وسلوكي بكل أبعاده, وحرص على طهارة الفم والأسنان, ونظافتهما لأن الفم هو مدخل الطعام إلى الجهاز الهضمي في جسم الإنسان, وحينما يمضغ الطعام فيه, تبقى منه بقايا عالقة بين الأسنان وباللثة, وهذه إذا لم تنظف تتعفن, وتملأ الفم بالفطريات والجراثيم التي قد تكون سببًا في كثير من الأمراض, بالإضافة إلى ما تنتجه من روائح كريهة ومنفرة من صاحبها. من هنا كانت وصية المصطفى صلى الله عليه وسلم باستخدام السواك عند كل صلاة لتطهير الفم والأسنان من فضلات الطعام, وتزكية رائحتهما، وحمايتهما, وحماية بقية الجسد الذي يحملهما من الإصابة بالعديد من الأمراض. وهنا يبرز التساؤل المنطقي: من الذي علم هذا النبي الخاتم بفائدة السواك فيوصي باستخدامه عند كل صلاة, وذلك من قبل ألف وأربعمائة سنة, أي: في زمن لم يكن فيه إدراك لمخاطر تلوث الفم والأسنان ببقايا الطعام؟ ولماذا التوصية "بالأراك" على وجه التخصيص ولم يكن أحد يعلم شيئًا عن تركيبه الكيميائي حتى عشرات قليلة من السنين التي مضت في ختام القرن العشرين

وللإجابة على هذه التساؤلات أقول: إن سبق أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل المعارف المكتسبة بألف وأربعمائة سنة على الأقل بالإشارة إلى فوائد السواك في تطهير الفم والأسنان لا يمكن لعاقل أن يتصور له مصدرًا غير الله الخالق, وأن التوصية باختيار "الأراك" على وجه الخصوص لا يمكن أن يكون لها مصدر غير الخالق سبحانه وتعالى. وورود هذه الحقيقة العلمية على لسان نبي أمي صلى الله عليه وسلم في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين مما يشهد له بالنبوة والرسالة. وإبراز هذه الجوانب العلمية في أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في أحاديثه وفي الوحي الذي أنزل إليه القرآن الكريم, هو من أنجح أساليب الدعوة إلى الله في زمن العلم والتقنية الذي نعيشه وهو زمن فتن الناس فيه بالعلوم ومعطياتها فتنة كبيرة, ولم تعد قضايا الدين تحرك في قلوبهم أو عقولهم ساكنًا, وأصبحوا في أمس الحاجة إلى أدلة مادية ملموسة تدعوهم إلى الإيمان ببعثة هذا النبي الخاتم, والرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، الذي ختمت ببعثته النبوات, وتكاملت في رسالته كل الرسالات، ووصفه ربه تبارك وتعالى بأنه:
{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3, 4).

فصلى الله وسلم وبارك عليه, وعلى آله وصحبه, ومن تبع هداه, ودعا بدعوته إلى يوم الدين.

16- الكمأة

{ الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين } (البخاري)

رواه البخاري في صحيحه – كتاب تفسير القرآن، حديث رقم 4118، 4273 عن سعيد بن زيد:
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رَضِى اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ

ورواه أيضًا في كتاب الطب, حديث رقم 5272 بلفظ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ سَمِعْتُ عَمْرُو بْنَ حُرَيْثٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ قَالَ شُعْبَةُ وَأَخْبَرَنِى الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْعُرَنِى عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ النَّبِى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ شُعْبَةُ لَمَّا حَدَّثَنِى بِهِ الْحَكَمُ لَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ.

روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن سعيد بن زيد رضي الله عنه أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين". وجاء الحديث بنفس النص في رواية للترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.

و(الكمأة) واحدها (كمء) وهي درنة من الفطريات الجذرية التي تنمو تحت الأرض بالتكاثر مع جذور نباتات معينة إلى عمق حوالي ثلاثين سنتيمترًا، وتنمو في جماعات من عشرة إلى عشرين درنة في المكان الواحد من التربة، وهذه الدرنات كروية أو شبه كروية لحماية الملمس، رخوة, ويتدرج لونها من الأبيض إلى الرمادي والبني والأسود, ولها رائحة نفاذة, والكمأة تنمو في صحاري الوطنين العربي والإسلامي من موريتانيا غربًا إلى أواسط آسيا شرقًا, في بيئات تترواح بين الرمال العميقة والحصى الضحل, والحجر, ويزدهر نموها بعد مواسم العواصف الرعدية، ومن هنا أطلق عليها العرب اسم "نبات الرعد".

وللكمأة أنواع عديدة ودرناتها مختلفة الأشكال والألوان، وتنمو في الطبقة السطحية للتربة وتدرك عن طريق تشققات التربة في اتجاهيين عموديين وقت نضوجها, وإذا لم تجمع الدرنات فإنها سرعان ما يتكون بداخلها أبواغ (والبوغ واحد الأبواغ, ويطلق عليه أيضًا اسم البوغاء،وهو التراب الناعم جدًا والذي يطير من دقته إذا مس) وبانفجار كيس الابواغ تنتثر محتوياته في التربة, فإذا جاء موسم المطر في أواخر شهر أكتوبر الذي يتميز بالأمطار الرعدية فإن محتوى الأبواغ ينبت ليعطي خيوطًا فطرية دقيقة, تنفذ بقدرة الله إلى داخل نسيج جذور نباتات نامية في نفس المنطقة, وتتطفل عليها حتى يكتمل نموها على هيئة درنات كاملة النفخ. والكمأة مصدر مهم للبروتينات بين نباتات الصحراء وتتكون درناتها من 77% ماء, 23 % مواد مختلفة منها 60 % هيدرات الكربون, 7 % دهون, 4% ألياف، 18 % مواد بروتينية، 11 % تبقى على هيئة رماد بعد الحرق، وقد تم التعرف على سبعة عشر حمضًا من الأحماض الأمينية في بروتينات الكمأة. في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم للكمأة بأنها من المن تعبير على أنها تنبت بفضل الله ومنه؛ لأنه لا تزرع ولا تستزرع، فهي منة من الله تعالى لا تحتاج إلى مئونة بذر أو سقيا, ولا تحتاج إلى تعب أو نصب من الإنسان إلا في جمعها، ومن هنا كان وصفها بالمن. وأما عن وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم لها بأن "ماءها شفاء للعين" فقد ذكر ابن سينا أنه انطلاقًا من هذا الحديث النبوي الشريف فإن المسلمين كانوا يغلون ماءها ثم يبردونه ويكتحلون به (يتقطرون به) وقد قام أحد أطباء العيون المصريين (وهو الدكتور المعتز المرزوقي للخلايا الطلائية للملتحمة) بمحاولة تحقيق هذا الحديث الشريف عمليًا فوصل إلى عدد من النتائج المهمة أن ماء الكمأة يمنع حدوث التليف في حالات أمراض العيون المعروفة باسم "الحثر" أو (التراكوما) وذلك عن طريق التدخل للحد من تكوين الخلايا المكونة للألياف في مكان الإصابة فقد أثبتت تجاربه أن استعمال ماء الكمأة في علاج حالات الرمد الحبيبي أو التراكوما (وهو التهاب مزمن، معد، يقاسي منه معظم سكان العالم العربي وحوض البحر الأبيض المتوسط وغيرهم من سكان العالم), وقد أدى إلى نقص شديد في تكوين الخلايا الليمفاوية الناتجة عن هذا الالتهاب والتي تسبب العتامة القرنية والتي بمضاعفاتها يمكن أن تؤدي إلى فقدان البصر بالكامل، فقد ثبت أن الرمد الحبيبي بمضاعفاته المختلفة مسئول مسئولية كاملة عن أكثر من ربع حالات فقد البصر في مناطق انتشار المرض وفي أحيان كثيرة يصاحب الرمد الحبيبي بالرمد الربيعي فيتضاعف التليف في مكان الإصابة وقد أثبتت التجارب التي أجراها الدكتور المعتز المزروقي أن ماء الكمأة يقلل من حدوث هذا التليف في قرنية العين بدرجة ملحوظة، وذلك بوقف نمو الخلايا المكونة للألياف, وبمعادلة التأثير الكيميائي لسموم التراكوما وبمنع النمو غير الطبيعي للخلايا الطلائية الملتحمة في العين لأن معظم مضاعفات الرمد الحبيبي تنتج عن تليف قرنية العين وماء الكمأة يشفيه.

وهنا يبرز التساؤل المنطقي من غير الله تعالى يمكن أن يكون قد علم المصطفى صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة العلمية أن الكمأة من، وأن ماءها شفاء للعين, فينطق بها من قبل ألف وأربعمائة سنة, وهنا تتضح قيمة هذه الإشارة العلمية في كل من كتاب الله وسنة خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم، في الدعوة إلى دين الله الخاتم، في زمن قصرت فيه المسافات وتلاقت مختلف الحضارات والمعتقادات والثقافات وفتن الناس بالعلم ومعطياته فتنة كبيرة ولم يعد يقنعهم منطق سواه بعد أن نسوا الله فأنساهم أنفسهم... وهنا أيضًا يتضح منهج من أعظم المناهج في الدفاع عن هويتنا الإسلامية في ظل محاولة الغرب فرض قيمه الساقطة على دول العالم الثالث – وفي زمرتها الدول الإسلامية – باسم النظام العالمي الجديد وما يسمى زورًا باسم الشرعية الدولية، وهما يبعدان عن كل من النظام والشرعية بُعد المشرقين... !!!!

وخلاصنا الوحيد من هذه الهجمة المادية الشرسة هو في الإيمان بفضل القرآن وبصدق نبوة هذا النبي الخاتم، والرسول الخاتم، وقدرتنا على التمسك بهديه والالتزام به, وعلى إقناع غيرنا بصدقه, وما ذلك على الله بعزيز, وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

17- حكمة التداوي

{ إن الله أنزل الداء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام } (أبو داود)

رواه أبو داود في سننه كتاب الطب حديث رقم 3375 عن طارق بن سويد:
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ طَارِقُ بْنُ سُوَيْدٍ أَوْ سُوَيْدُ بْنُ طَارِقٍ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَنَهَاهُ فَقَالَ لَهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّهَا دَوَاءٌ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا وَلَكِنَّهَا دَاءٌ}

رواه أبو داود في سننه كتاب الطب حديث رقم 3376 عن أبي الدرداء:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَادَةَ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ {وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ}

ورواه مسلم في صحيحه كتاب الأشربة حديث رقم 3670:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا فَقَالَ إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ فَقَالَ {إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ}

ورواه الترمذي في سننه كتاب الطب حديث رقم 1969 وقال: حسن صحيح
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سِمَاكٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ شهد النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلَهُ سُوَيْدُ بْنُ طَارِقٍ أَوْ طَارِقُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنِ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ عَنْهُ فَقَالَ إِنَّا نَتَدَاوَى بِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهَا دَاءٌ حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَشَبَابَةُ عَنْ شُعْبَةَ بِمِثْلِهِ قَالَ مَحْمُودٌ قَالَ النَّضْرُ طَارِقُ بْنُ سُوَيْدٍ وقال شبابة سُوَيْدُ بْنُ طَارِقٍ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (حديث شريف)

أخرج كل من علماء الحديث الكبار: أبو داود, وابن السني, وأبو نعيم؛ حديث أبي الدرداء (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "إن الله أنزل الداء, وجعل لكل داء دواء, فتداووا ولا تتداووا بحرام".

كذلك أخرج كل من مسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه, وأبي نعيم حديثَ وائل بن حجر الذي ذكر فيه أن طارق بن سويد الخضري سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر يجعل في الدواء, فقال صلى الله عليه وسلم: "إنها داء وليست دواء".

وأخرج كل من مسلم وابن حبان في صحيحه من حديث طارق بن سويد أنه قال: قلت: يا رسول الله، إن بأرضنا أعنابًا نَعصُرُها فنشرب, قال صلى الله عليه وسلم: "لا". فراجعته قلت: إنا نستشفى للمريض قال صلى الله عليه وسلم: "إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء".

وروى أبو داود برقم (3198) أن ديلم الحميري جاء مع وفد من اليمن فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم مستفتيًا في أمر شرابًا يشربونه بقوله: إنا بأرض باردة نعالج فيها عملاً شديدًا وإنا نتخذ شرابًا من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا وبرد بلادنا؟.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل يسكر؟" قال: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فاجتنبوه" قال: إن الناس غير تاركيه. قال صلى الله عليه وسلم: "فإن لم يتركوه فقاتلوهم".

وأخرج أو نعيم حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي قال فيه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من تداوى بالخمر فلا شفاه الله" وأخرج البخاري في صحيحه حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "إنه لم يجعل شفاءكم فيما حرم".
----
حديث "يسألونك عن الخمر":

رواه الترمذي في سننه في كتاب تفسير القرآن حديث رقم 2975 عن عمر بن الخطاب:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ أَبِي مَيْسَرَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: { يسألونكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } الآيَةَ فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ بَيِّنَ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ: { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } إِلَى قَوْلِهِ: { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا.


 

قَالَ أَبُو عِيسَى وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إِسْرَائِيلَ هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ.

هذه الأحاديث النبوية الشريفة مجتمعة ومع غيرها من أقوال المصطفى صلى الله عليه وسلم تنطلق من قول الحق تبارك وتعالى:
{ يسألونك عن الخمر وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} (البقرة: 219)

وواضح أن إثمهما الكبير واقع في ضياع الدين والخلق, والمروءة والعقل والمال, والوقت وكلها تمثل الحياة التي سوف يسأل الإنسان عنها بين يدي الله سبحانه وتعالى, وأما المنافع فتتمثل في الربح الحرام الذي قد يجتنى من التعامل بهاتين الجريمتين, وهو مال حرام لا يبارك الله فيه، ومن هنا كان إثمهما أكبر من نفعهما.

ويتضح جانب الإعجاز في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نحن بصدده في تأكيد أن الإنسان في هذه الحياة معرض لكثير من الأدواء – وهذا من طبيعة البيئة الإنسانية، وأن الله تعالى ما أنزل داءً إلا وأنزل معه الدواء, فمن عجائب خلق الله في الكون أن كل شيء فيه قد خلق في زوجية مبهرة حتى يبقى الله تعالى وحده منفردًا بالوحدانية المطلقة فوق كافة خلقه، فكل سبب للمرض قد خلق الله سبحانه وتعالى له ضدًا دواؤه, كما أن المادة لها أضدادها, والطاقة لها أضدادها, وهكذا.

وجانب آخر من جوانب الإعجاز في هذا الحديث الشريف الأمر بالتداوي حتى لا يترك الإنسان جسده نهبًا للمرض فيهلك بعد أن يشقى.

والجانب الثالث من جوانب الإعجاز في الحديث أن الحرام لا يمكن أن يكون دواءً لمرض من الأمراض, ومن الحرام الخمر التي وصفها المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عنه عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخرجه الطبراني في الكبير بقوله: "الخمر أم الفواحش، ومن أكبر الكبائر...". ولذلك فقد نهى القرآن الكريم كما نهت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التداوي بالخمر أو التداول فيها: صناعة, أو نقلاً، أو بيعًا، أو شراءً, أو شربًا, أو لمسًا, أو بأية حجة من الحجج؛ فإنها داء وليست بدواء, ولا شفاء فيها, بل هي سبب للعديد من الأمراض البدنية والنفسية والاجتماعية ؛ فقد أثبتت العديد من الدراسات والبيانات الطبية أن تناول الخمر يؤدي إلى تسمم الجسم واضطراب الذهن, وفقدان الذاكرة والى العديد من الأمراض العقلية والجسدية, من مثل: الفشل الكلوي, واحتقان البروستاتة, والتهاب مختلف أجزاء الجهاز الهضمي بدءًا من الفم، وانتهاءً بالمصران الغليظ, هذه الالتهابات التي تنتهي بالسرطنات العديدة, مرورًا بقرحات في أماكن متفرقة, والتهاب كل من الكبد والبنكرياس وتليفهما, كما تؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم وإلى إضعاف عضلة القلب, والى الذبحات الصدرية وهبوط القلب والسكتات الدماغية وحدوث نزيف الدم المتكرر وإلى ضعف جهاز المناعة مما يضعف مقاومة الجسم للأمراض المختلفة, ويؤدي تناول الخمر إلى التهابات الجهاز التنفسي التي تنتهي بمرض السل الرئوي وسرطانات كل من الرئة والقصبة الهوائية والحنجرة كما يؤدي تناول الخمر إلى اضطراب نشاط الغدد الصماء بالجسم, وإلى العديد من الاضطرابات العصبية والعقم وغير ذلك من الأمراض التي تصيب متناولي الخمور, وهي أكثر من أن تحصى في هذه العجالة, وأخطرها جميعًا تشوه الأجنة في بطون الأمهات المدمنات للخمر.

أما في الجوانب الأخرى فقد ثبت أن أغلب الجرائم السلوكية تتم تحت تأثير شرب الخمر مما دفع منظمة الصحة العالمية إلى إصدار بيان لها في سنة 1979 م، تقرر فيه أن "تعاطي الخمور هو إحدى المشكلات الصحية الكبرى في العالم, وأن الاستمرار في تعاطيها يعيق التقدم الصحي، والاجتماعي، والاقتصادي في معظم المجتمعات, وتشكل عائقًا كبيرًا في المجال الصحي, وتعتبر أحد العوامل المؤثرة في تحطيم الصحة العامة, ولا يوجد حل لها".

وهنا يهتف كل منصف: صدقت يا سيدي يا رسول الله ؛ حيث قلت: "ولا تتداووا بحرام". وحيث قلت: "إنها داء, وليست بدواء".

18- زيت الزيتون

{ كلوا الزيت وادهنوا به فإنه مبارك } (الترمذي)

رواه الترمذي في سننه كتاب الأطعمة حديث رقم 1851:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ وَكَانَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ يَضْطَرِبُ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ فَرُبَّمَا ذَكَرَ فِيهِ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُبَّمَا رَوَاهُ عَلَى الشَّكِّ فَقَالَ أَحْسَبُهُ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُبَّمَا قَالَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعَمَرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عُمَرَ

ورواه أيضًا ابن ماجه في سننه في كتاب الأطعمة حديث رقم 3320 عن أبي هريرة:
حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ جَدِّهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ

وأيضًا رواه أحمد في مسنده حديث رقم 15474 (مسند المكيين):
قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنِي عَطَاءٌ رَجُلٌ كَانَ يَكُونُ بِالسَّاحِلِ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ أَوْ أَبِي أَسِيدِ بْنِ ثَابِتٍ شَكَّ سُفْيَانُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِالزَّيْتِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ

وأيضًا رواه الدارمي في سننه في كتاب الأطعمة حديث رقم 1963:
أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَطَاءٍ وَلَيْسَ بِابْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أَبِي أَسِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُوا الزَّيْتَ وَائْتَدِمُوا بِهِ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ

يروى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيت الزيتون: "كلوا الزيت وادهنوا به؛ فإنه مبارك". وفي رواية: "فإنه من شجرة مباركة". ويروى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حديث مشابه قال فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ائتدموا بالزيت, وادهنوا به؛ فإنه من شجرة مباركة" ويروى الحديث عن أبي أسيد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلوا من الزيت وادهنوا به, فإنه من شجرة مباركة".

هذا وقد جاء ذكر الزيتون وزيته في كتاب الله في سبعة مواضع أقسم ربنا تبارك وتعالى في إحداها بـ "التين والزيتون" وهو تعالى الغني عن القسم, كما أشار القرآن الكريم إلى شجرة الزيتون منكرة في قول الحق تبارك وتعالى: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصَبْغٍ للأكلين} (المؤمنون: 20).

و"تنبت بالدهن" أي: تنبت ثمارها ملتبسة بالدهن وهو زيت الزيتون. و"صبغ للأكلين" أي: وإدام للأكلين, سمي صبغًا لأنه؟ وكذلك يصبغ الخبز إذا لامسه.

كذلك امتدح القرآن الكريم زيت الزيتون في مقام التشبيه وذلك بقول الحق تبارك وتعالى: {..... يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ..... } (النور: 35).

وشجرة الزيتون هي شجرة (أو شجيرة) دائمة الخضرة تتحمل الجفاف بشكل كبير, وهي شجرة معمرة، تعيش إلى أكثر من ألف سنة، تنبت أساسًا في حوض البحر الأبيض المتوسط, وإن انتشرت اليوم في كثير من دول العالم، خاصة في كل من آسيا وأفريقيا. وقد عرفت شجرة الزيتون منذ أقدم الحضارات على أنها من أهم نباتات الزيوت. وقد ثبت مؤخرًا أن نسبة الأحماض الدهنية في زيت الزيتون قليلة جدًا وأن ما به من دهون هي دهون غير مشبعة, ولذلك فلها قيمة صحية عالية, ولخلوها من المواد المسببة لتصلب الشرايين وتضييقها وانسداداها, وبالاستقراء والمسح الدقيق تبين أن تناول زيت الزيتون بانتظام يسهم إسهامًا فعالاً في الوقاية من العديد من الأمراض التي منها انسداد الشرايين التاجية, وارتفاع نسبة الدهون الضارة في الدم، وارتفاع ضغط الدم, ومرض البول السكري, وبعض الأمراض السرطانية (من مثل: سرطانات كل من المعدة والقولون والثدي والرحم والجلد). كما يقي من قرحات الجهاز الهضمي.

فمن دهون الجسم الرئيسية (الكوليسترول), وهو دهن أبيض اللون يوجد بتركيز كبير في كل من المخ والحبل الشوكي والكبد ويتخلق أساسًا في الكبد والأمعاء والجلد ليلعب الدور الوسيط في الكثير من العمليات الحيوية، ومن أهمها: تخليق كل من فيتامين هـ (
E)، والعديد من الهرمونات, ولكن المغالاة في تناول كميات من اللحوم الحيوانية الدسمة يمكن أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في نسبة الكوليسترول في الجسم, فيفيض جزء منه إلى الدم مما يؤدي إلى انسداد الأوعية الدموية أو تضييقها, كما قد يؤدي إلى تصلب جدرها.

فمن المعروف أن أكسدة الكوليسترول من العوامل المساعدة على تصلب الشرايين وتضييقها وقد تم اكتشاف أن زيت الزيتون يلعب دورًا هامًا في منع حدوث تلك الأكسدة لاحتوائه على فيتامين هـ، وعلى قدر من مركبات الفينولات العديدة (
Poltphenolic
Compounds) التي تمنع التأكسد الذاتي للزيت, وتحافظ على ثباته, كما تمنع أكسدة الكوليسترول الضار, المعروف بالرمز: (LDL) وينقي الجسم من أخطار فوق أكاسيد الشحوم (Lipid
Peroxides) وأخطار غيرها من المواد الضارة.

وعلى ذلك فإن تناول زيت الزيتون بانتظام يؤدي إلى خفض المستوى الكلي للكوليسترول في الدم بصفة عامة، وإلى خفض نسبة الأنواع الضارة منه بصفة خاصة, ويعزى انخفاض نسبة السرطان في دول حوض البحر الأبيض المتوسط إلى تناول سكان تلك الدول كميات كبيرة من الزيتون وزيته (خاصة زيت البكر غير المعالج بأية مواد كيمائية، وهو زيت العصرة الأولى بصفة منتظمة).

وزيت الزيتون سائل أصفر اللون غني بالأحماض الزيتية (
Oleic
Acids) ويستخدم في الطبخ في الإضافة إلى السلطات وفي إنتاج العديد من الأدوية والدهانات الطبية وزيوت الشعر والصابون وبه كانت توقد المصابيح لصفاء اللهب الناتج عن اشتعاله، خاصة في المساجد الكبرى كالمسجد الأقصى، الذي ندعو الله تعالى أن يعيننا على تحريره من دنس اليهود.

والزيتون – بالإضافة إلى فوائده وفوائد زيته الصحية – هو صبغ للآكلين وطعام للطعامين، وهو فاتح للشهية, وثماره قابلة للتخزين بالتمليح, مما يزيد من أهميتها الاقتصادية.

فسبحان الذي امتدح الزيتون وزيته في محكم كتابه وأقسم به، وألهم خاتم أنبيائه ورسله النطق بهذه الحقيقة العلمية التي لم تعرف أبعادها الحقيقية إلا منذ أواخر الثمانينات من القرن العشرين، فقال قولته الشريفة: "كلوا الزيت وادهنوا به فإنه مبارك" (أو من شجرة مباركة). وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.

19- صوموا تصحوا

{ صوموا تصحوا } (الطبراني)

روى الطبراني (رحمه الله) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صوموا تصحوا". وبالنظر إلى الأحاديث النبوية الكثيرة, والأحاديث القدسية الشريفة, والآيات القرآنية العديدة التي جاءت في فضل الصيام, تخيل كثير من الناس أن فوائد الصيام مقصورة على الجوانب التعبدية, وانعكاساتها الروحية والعاطفية ولكن ثبت بالعديد من الدراسات المستفيضة أن للصيام فوائدَ صحيةً عديدةً لخصها خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم في لفظة واحدة: "تصحوا".

وقد أظهرت نتائج تلك الدراسات أن الأداء البدني للصائم من طلوع الفجر الصادق إلى الغروب أفضل من أداء غير الصائم لتحسن درجة تحمل البدن للمجهودات العضلية, ولأداء كل من القلب وبقية الجهاز الدوري والجهاز الهضمي والجهاز التنفسي وغيرها أثناء الصيام, ومن هنا كانت قلة الشعور بالإجهاد, وتحمل ما لا يمكن للفرد تحمله في ساعات الإفطار العادية, وذلك لاختلاف مصدر الطاقة في الجسم بين الصائم والمفطر، أما إذا زادت مدة الصيام عن المتوسط الذي شرعه الإسلام (11 – 14 ساعة تقريبا) فإن الأداء البدني والعضلي يبدأ في التأثر, ويبدأ الصائم في الشعور بالإعياء.

فمن المعروف أن الصوم يسبب انصهار الدهون في الجسم مما يؤدي إلى زيادة في الأحماض الدهنية الحرة في الدم, فتصبح هذه الأحماض هي المصدر الرئيسي لطاقة الصائم بدلاً من الجلوكوز في حالة المفطر, وهذا يساعد على تقليل استهلاك مادة "الجليوكومين" في كل من العضلات والكبد أثناء بذل الجهد من قبل الصائم, ويساعد كذلك في ضبط مستوى سكر الجلوكوز في دم المفطر هو المصدر الرئيسي لطاقته, كان جهده المبذول يشعره بإعياء أكبر مما يشعر به الصائم إذا قام بنفس المجهود, تحت نفس الظروف.

بالإضافة إلى ذلك فإن حالة الرضى النفسي للصائم, وارتفاع معنوياته, لشعوره بالقرب من خالقه سبحانه وتعالى, ولإحساسه بالقيام بعبادة من أشرف العبادات, في شهر يعتبر أفضل شهور السنة على الإطلاق، وأكثرها بركة, ورحمة, ومغفرة, وعتقًا من النار, كل ذلك يؤدي إلى زيادة واضحة في داخل جسم الإنسان لعدد من الهرمونات النافعة من مثل مجموعة "الأندروفين" التي يعزي إليها تحسن الأداء البدني, وقلة الشعور بالإعياء أو الإجهاد, فما أحكم من شرع الصيام, وما أصدق مقولة الرسول الخاتم: "صوموا تصحوا" كذلك فإنه لمن البديهات أن توقف الإنسان عن متابعة نظامه اليومي في تناول وجبات الطعام لفترة محددة في شكل عام يؤدي إلى راحة أجهزة الجسم, الذي يبدأ خلال فترة الصيام في التخلص مما تراكم فيه على مدار السنة من دهون, وشحوم, وفضلات وسموم, وفيروسات, وطفيليات, وغيرها, وهي من الأمور المهلكة لصحة الإنسان إذا تراكمت في داخل جسده بكميات كبيرة, ومن هنا كانت ضرورة التخلص منها بين فترة وأخرى, وأفضل وسيلة لذلك هي الصيام، من هنا شرع ربنا تبارك وتعالى لنا الصيام في شهر رمضان وجعله أحد أركان الإسلام, كما شرع لنا نبينا صلى الله عليه وسلم "صوم التطوع"، و"صوم الكفارات"، و"صوم النذر" على مدار السنة وكان صلى الله عليه وسلم من المواظبين على صيام التطوع, وأوصى أمته بالصوم ووصفه بأنه عبادة من أعظم العبادات لله, ووسيلة من وسائل المحافظة على صحة الأبدان, وسلامة الأرواح، وطهارة النفوس فقال: "صوموا تصحوا".

وحذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الإسراف في كل شيء, وبخاصة في تناول الطعام والشراب, ووضع لذلك دستورًا من الآداب والسلوكيات التي نصح بها أمته, وأثبتت الدراسات العلمية دقتها, وصحتها, وشموليتها.

والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل ألف وأربعمائة سنة أن في الصيام صحةً للأبدان ؟.
ومن الذي كان يضطره إلى إصدار حكم كهذا في هذا الزمن المتقدم؟ لولا أن الله تعالى قد علمه ذلك, وأنطقه إياه, ولولا أنه سبحانه وتعالى يعلم بعلمه المحيط أن الإنسان سيصل في يوم من الأيام إلى إدراك تلك الحقيقة العلمية فتبقى هذه الومضة المبهرة التي سبقت بها في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد صدق على أن هذا النبي الخاتم, والرسول الخاتم الذي نطق بهذا الحق كان دومًا موصولاً بالوحي, ومعلمًا من قبل خالق السماوات والأرض الذي وصفه تعالى بقوله: { وما ينطق عَنِ الهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى } (النجم: 3 – 10)

من هنا كانت ضرورة الاهتمام بالإشارات العلمية في كتاب الله, وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم, وفهمها في ضوء الحقائق العلمية المتاحة, وتقديمها لأهل العصر دليلاً ماديًا قاطعًا (لا يمكن لعاقل أن يرفضه) على صدق نبوة ورسالة هذا النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم, وفي ذلك نجاة لنا ولهم, وفلاح في الدنيا والآخرة, في زمن اختلطت فيه المفاهيم, وزاغت فيه القلوب والأبصار, وتراجع أهل الحق وعلا أهل الباطل, وبقي الناس حيرى في عالم تقاربت فيه المسافات, وتصارعت الحضارات, وتعارضت المعتقدات, وأن لأهل الحق أن يظهروه, وأن يدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة, بخطاب العصر ولغته: الخطاب العلمي, لعل الله تعالى أن يجعل في ذلك حقنًا للدماء التي تسفك في كل يوم, ونهاية للحروب التي تشتعل في كل مكان, ووقفًا للمظالم التي تجتاح الإنسان في أغلب بقاع الأرض, وما ذلك على الله بعزيز, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

20- ماء زمزم

{ ماء زمزم لِما شرب له (ابن ماجه) }

يروى عن جابر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ماء زمزم لِما شرب له", ويضيف ابن عباس (رضي الله عنهما) في روايته الحديث: ماء زمزم لِما شرب له, إن شربته تتشفى به شفاك الله, وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله, هي هزمة جبريل, وسقيا الله إسماعيل".

رواه ابن ماجه في سننه, كتاب المناسك, حديث 3062:
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيْرِ يَقُولُ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ

كذلك روي هذا عن النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم عدد غير قليل من الأحاديث في ماء زمزم, وفضله, ووصف بئره التي قال فيها صلى الله عليه وسلم بأنها: "هزمة جبرائيل, وسقيا الله لإسماعيل".

وبئر زمزم فجرها جبريل عليه السلام بأمر من الله تعالى تكريمًا لأم إسماعيل ورضيعها اللذين تركهما نبي الله إبراهيم عليه السلام بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم, وعندما هَمَّ بالانصراف فزعت هذه السيدة الصالحة من قفر المكان, وخلوه من الماء والنبت والسكان, فجرت وراء زوجها تسائله: إلى من تكلنا؟ إلى من تتركنا في هذا المكان القفر؟ قال: إلى الله (عز وجل) قالت: قد رضيت بالله عز وجل, ثم سألته بثقتها فيه, ويقينها بأنه نبي مرسل: آلله أمرك بهذا؟ فأجاب بنعم, واستمر في سيره, حتى غاب عن زوجه وولده فاستقبل بوجهه البيت، ودعا الله لهما بالأنس والرزق والستر, وقفلت أم إسماعيل عليها السلام راجعة وهي تقول: إذًا فلن يضيعنا, وردًا على هذا الإيمان العميق بالله, واليقين الصادق بقدرته ورحمته, ومعيته، أكرمها ربنا تبارك وتعالى بتفجير هذه البئر المباركة بغير حول منها ولا قوة.

وخروج بئر وسط صخور نارية ومتحولة شديدة التبلور, مصمطة, لا مسامية فيها, ولا نفاذية لها في العادة, أمر ملفت للنظر, والذي هو أكبر من ذلك وأكثر أن تظل هذه البئر تتدفق بالماء الزلال على مدى أكثر من ثلاثة آلاف سنة على الرغم من طمرها وحفرها عدة مرات على فترات ويبلغ معدل تدفقها اليوم ما بين 11، 18.5 لترًا في الثانية، فهي بئر مباركة, فجرت بمعجزة, كرامة لسيدنا إبراهيم وزوجه, وولده (عليهم جميعًا من الله السلام), ولم يعرف مصدر المياه المتدفقة إلى بئر زمزم إلا بعد حفر الأنفاق حول مكة المكرمة, حين لاحظ العاملون تدفق المياه بغزارة في تلك الأنفاق من تشققات شعرية دقيقة, تمتد لمسافات هائلة بعيدًا عن مكة المكرمة, وفي جميع الاتجاهات من حولها, وهذا يؤكد قول المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنها نتجت عن طرقة شديدة وصفها بقوله الشريف: "هي هزمة جبريل, وسقيا الله إسماعيل".

والهزمة في اللغة الطرقة الشديدة, وبئر زمزم هي إحدى المعجزات المادية الملموسة الدالة على كرامة المكان, وعلى مكانة كل من سيدنا إبراهيم وولده سيدنا إسماعيل, وأمه الصديقة هاجر عند رب العالمين, وسيدنا إبراهيم عليه السلام هو خليل الرحمن وأبو الأنبياء, الذي أعاد حفر بئر زمزم, وسيدنا إسماعيل هو الذبيح المفتدى بفضل من الله تعالى، والذي عاون أباه في رفع قواعد الكعبة المشرفة, وانطلاقًا من كرامة المكان, وعميق إيمان المكرمين فيه, كان شرف ماء زمزم الذي وصفه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بقوله: "ماء زمزم لِما شرب لهِ" وبقوله: "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم, فيه طعام طعم, وشفاء سقم".

ويروى عن أم المؤمنين عائشة (رضي الله تبارك وتعالى عنها) أنها كانت تحمل من ماء زمزم كلما زارت مكة المكرمة, وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحمل منه كذلك ليسقي المرضى, ويصب على أجزاء أجسادهم المصابة فيشفون وتشفى أجسادهم بإذن الله.

ولقد جاء في كتاب "فيض القدير" في شرح حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: "ماء زمزم لما شرب له" ما نصه: "وأما قوله (لما شرب له) فلأنه سقيا الله وغياثه لولد خليله, فبقي غياثًا لمن بعده, فمن شربه بإخلاص وجد ذلك الغوث, وقد شربه جمع من العلماء لمطالب فنالوها".

وذكر ابن القيم (رحمه الله) في كتابه (زاد المعاد):
"وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبة, واستشفيت به من عدة أمراض فبرئت بإذن الله, وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريبًا من نصف الشهر أو أكثر, ولا يجد جوعًا.

وذلك تصديق لوصف المصطفى صلى الله عليه وسلم لهذا الماء المبارك بقوله: "فيه طعام طعم, وشفاء سقم" (صحيح مسلم – حديث 4520).

وذكر الشوكاني (رحمه الله) في كتابه "نيل الأوطار" ما نصه: "قوله (ماء زمزم لما شرب له) فيه دليل على أن ماء زمزم ينفع الشارب لأي أمر شربه لأجله, سواء كان في أمور الدنيا أو الآخرة؛ لأن (ما) في قوله: (لما شرب له) من صيغ العموم".

وقد دونت في زماننا أحداث كثيرة برئ فيها أعداد من المرضى بأمراض مستعصية بمداوامتهم على الارتواء من ماء زمزم, وقد أثبتت الدراسات العلمية التي أجريت على ماء بئر زمزم أنه ماء متميز في صفاته الطبيعية والكيميائية, فهو ماء غازي عسر, غني بالعناصر والمركبات الكيميائية النافعة التي تقدر بحوالي (2000) ملليجرام بكل لتر, بينما لا تزيد نسبة الأملاح في مياه آبار مكة وآبار الأودية المجاورة لها عن (260 ملليجرام بكل لتر) مما يوحي ببعد مصادرها عن المصادر المائية حول مكة المكرمة, وبتميزها عنها في محتواها الكيميائي وصفاتها الطبيعية.

والعناصر الكيميائية في ماء زمزم يمكن تقسيمها إلى أيونات موجبة وهي بحسب وفرتها تشمل: أيونات كل من الصوديوم (حوالي 250 ملليجرام / لتر)، والكالسيوم (حوالي 200 ملليجرام / لتر), والبوتاسيوم (حوالي 120 ملليجرام / لتر), والمغنسيوم (حوالي 50 ملليجرام / لتر), وأيونات سالبة وتشمل أيونات كل من الكبريتات (حوالي 372 ملليجرام / لتر), والبيكربونات (حوالي 366 ملليجرام/ لتر), والنترات (حوالي 273 ملليجرام / لتر), والفوسفات (حوالي 0.25 ملليجرام/ لتر), والنشادر (حوالي 6 ملليجرام / لتر).

وكل مركب من هذه المركبات الكيميائية له دوره المهم في النشاط الحيوي لخلايا جسم الإنسان, وفي تعويض الناقص منها في داخل تلك الخلايا, ومن الثابت أن هناك علاقة وطيدة بين اختلال التركيب الكيميائي لجسم الإنسان والعديد من الأمراض, ومن المعروف أن المياه المعدنية الصالحة وغير الصالحة للشرب قد استعملت منذ قرون عديدة في الاستشفاء من عدد من الأمراض من مثل أمراض الروماتيزم, ودورها في ذلك هو في الغالب دور تنشيطي للدورة الدموية, أو دور تعويضي لنقص بعض العناصر في جسم المريض, والمياه المعدنية الصالحة للشرب ثبت دورها في علاج أعداد غير قليلة من الأمراض من مثل حموضة المعدة, عسر الهضم, أمراض شرايين القلب التاجية (الذبحة الصدرية أو جلطة الشريان التاجي), وغيرها, أما المياه المعدنية غير الصالحة للشرب فتفيد في علاج العديد من الأمراض الجلدية, والروماتيزمية, والتهاب العضلات والمفاصل وغيرها.

21- الخلق بين النطفتين

{ من كل يُخلق الإنسان من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة }(أحمد)

أخرجه أحمد في مسنده حديث رقم 4206:
حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا أَبُو كُدَيْنَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ يَا يَهُودِيُّ إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ لأَسْأَلَنَّهُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ قَالَ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مِمَّ يُخْلَقُ الْإِنْسَانُ {قَالَ يَا يَهُودِيُّ مِنْ كُلٍّ يُخْلَقُ مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ وَمِنْ نُطْفَةِ الْمَرْأَةِ فَأَمَّا نُطْفَةُ الرَّجُلِ فَنُطْفَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْهَا الْعَظْمُ وَالْعَصَبُ وَأَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَنُطْفَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْهَا اللَّحْمُ وَالدَّمُ} فَقَامَ الْيَهُودِيُّ فَقَالَ هَكَذَا كَانَ يَقُولُ مَنْ قَبْلَكَ

الحديث الثالث: ما من كل الماء يكون الولد:
رواه الإمام مسلم في مسنده في كتاب النكاح حديث رقم 2605:
حدثني هارون بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ عَنْ علي بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ سَمِعَهُ يَقُولُ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْعَزْلِ {فَقَالَ مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ} حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا زَيْدُ ابْنُ حُبَابٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْهَاشِمِيُّ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ

ورواه أحمد في مسنده حديث رقم 11450:
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْعَزْلِ فَقَالَ {لَيْسَ مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ}.

روى الإمام مسلم بسنده أن يهوديًا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه فقالت قريش: يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي, فقال اليهودي: لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي, فقال: يا محمد، مم يخلق الإنسان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا يهودي، من كل يُخلق, من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة". فقال اليهودي: هكذا كان يقول من قـبلك (أي: من الأنبياء).

وروى الطبراني بسنده عن مجاهد رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما خلق الله الولد إلا من نطفة الرجل والمرأة جميعًا".

وروى الإمام مسلم بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من كل الماء يكون الولد, وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء".

هذه الحقائق العلمية التي تقع من علم الأجنة في الصميم والتي لم تعرف مبادئها الأولية إلا في نهايات القرن الثامن عشر الميلادي، واستغرقت أكثر من قرنين من الزمن حتى تستقر في وجدان علماء الأجنة, تحدث عنها خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم بهذه الدقة العلمية, والإحاطة الشمولية منذ مطلع القرن السابع الميلادي, أي: قبل أن يصل إليها العلم المكتسب بأكثر من عشرة قرون كاملة...!!!

فحتى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي كان الناس يعتقدون أن الإنسان يخلق جسمه كاملاً بأبعاد متناهية في الصغر من دم الحيض, وبعد اكتشاف بويضة الأنثى قالوا بأن الإنسان يخلق كاملاً فيها كما يخلق فرخ الدجاجة في بيضتها, ولكن بعد اكتشاف الحيوان المنوي نادوا بأن الجنين يخلق كاملاً في رأس ذلك الحيوان على الرغم من ضآلته, ولم ينته الجدل بين أنصار كل من هذه التصورات الخاطئة, إلا في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي حين اكتشفت أهمية كل من الحيوان المنوي والبويضة في عملية تكون البويضة الملقحة التي ينشأ عنها الجنين, ولم يتم الاتفاق على ذلك إلا في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي.

وفي القرن العشرين ثبت لعلماء الأجنة أنه من بين ملايين النطف الذكرية (الحيوانات المنوية) التي تنزل في الدقيقة الواحدة لا يصل منها إلى قناة الرحم إلا خلاصة لا يتعدى عددها الخمسمائة، يتمكن واحد منها فقط من اختراق البويضة (النطفة الأنثوية) فيتم تلقيحها وتكوين النطفة الأمشاج التي وصفها الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه, والبويضة هي أيضًا جزء من ماء المرأة, وهنا تتضح لمحة من لمحات الإعجاز العلمي في قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "ما من كل الماء يكون الولد".

وهذه الأحاديث النبوية الشريفة مؤيدة بقول الحق تبارك وتعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ } (المؤمنون: 12 – 14)

وبقوله عز من قائل: { هَلْ أتى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً (1) إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً } (الإنسان: 1, 2)

وقوله سبحانه وتعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } (الحجرات: 13)

وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } (الحج: 5)

وانطلاقًا من هذه الحقائق العلمية الناصعة في كل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن علماء المسلمين كانوا على يقين منها في الوقت الذي ظل علماء الغرب يتخبطون في ظلمة من الأساطير والخرافات على مدى عشرة قرون كاملة أو يزيد حتى وصلوا إلى شيء من التصور البدائي لتلك الحقائق, ولم يستكملوا رؤيتها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين.

فهذا ابن حجر العسقلاني (رحمه الله) يقول في شرح الحديث الشريف الذي نحن بصدده, وما يرتبط به من أحاديث في نفس الباب ما نصه: ويزعم كثير من أهل التشريح أن مني الرجل لا أثر له في الولد إلا في عقده, وأنه إنما يتكون من دم الحيض، وأحاديث الباب تبطل ذلك".

ويؤكد هذا الكلام ابن القيم يرحمه الله بقوله في كتابه المعنون "التبيان في علوم القرآن" ما نصه:
"ومني الرجل وحده لا يتولد منه الولد ما لم يمازجه مادة أخرى من الأنثى".

هذا السبق بعدد من الحقائق العلمية في كل من كتاب الله, وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لكل المعارف المكتسبة بعشرة قرون أو يزيد لا يمكن تفسيره إلا بكون القرآن الكريم كلام الله الخالق, وكون هذا النبي الخاتم, والرسول الخاتم موصولاً دائمًا ومؤيدًا بوحي السماء.

فصلى الله وسلم وبارك عليه, وعلى آله وصحبه, ومن تبع هداه إلى يوم الدين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

22- العيافة والطيرة والطرق

" العيافة والطيرة والطرق من الجبت " (البخاري)

يروى عن قبيصة بن المخارق رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "العيافة، والطيَرَة, والطَّرْقُ, من الجبت". (رواه أبو داود بإسناد حسن)

و"العيافة" هي الخط؛ و"الطيرة" هي التشاؤم, و"الطرق" هو الضرب وهو الزجر, أي: زجر الطير بقصد التيمن أو التشاؤم باتجاه طيرانه, فإن طار إلى جهة اليمين تيمن واستبشر وإن طار إلى جهة اليسار تشاءم وانقبض, و"الجبت" كلمة تطلق على كل ما عُبد من دون الله, أو كل مطاع في معصية الله, وأصل "الجبت" هو "الجبس" وهو الذي لا سير فيه, فأبدلت التاء من السين, ولذلك تطلق لفظة "الجبت" على الشيطان, كما تطلق على الصنم, والكاهن, والساحر وعلى السحر ذاته, على كل باطل يصدف العبد عن التوحيد الخالص لله, ويدخله في دائرة الشرك أو الكفر بالله, والكلمة واضحة الدلالة في هذا الحديث الشريف على الشرك بالله (أعاذنا الله تعالى منه).

سنن أبي داود كتاب الطب حديث رقم 3408:
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا عَوُفٌ حَدَّثَنَا حَيَّانُ قَالَ غَيْر مُسَدَّدٍ حَيَانُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ قَبِيصَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ مِنَ الْجِبْتِ الطَّرْقُ الزَّجْرُ وَالْعِيَافَةُ الْخَطُّ

وكل من "العيافة" و"الطيرة" و"الطرق" انصراف عن التوكل الكامل على الله, ولجوء إلى استشراف الغيب, خوفًا منه, وحذرًا من مفاجآته, وهو من الأمور المنهي عنها شرعًا, ولذلك يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء, فصدقه, لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" (رواه مسلم في صحيحه) وفي رواية أخرى: "من أتى عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ". وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله: "من اقتبس علمًا من النجوم, اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد". (رواه أبو داود بإسناد صحيح).
والمقصود بعلم النجوم هنا هو التنجيم, والتنجيم خرافة لا أساس لها من العلم, أما علوم الفلك، ودراسة النجوم وغيرها من أجرام السماء بالملاحظة والاستنتاج, أو بالتجربة والملاحظة والاستنتاج فهو أمر مرغوب فيه, ومندوب إليه ومؤكد عليه, وهو من فروض الكفاية التي لا يجوز للأمة أن تتخلف عنها بجملتها.

ولتأكيد هذا المعنى يروى عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله, إني حديث عهد بجاهلية, وقد جاءنا الله تعالى بالإسلام, وإن منا رجالاً يأتون الكهان؟. قال صلى الله عليه وسلم: "فلا تأتهم". قلت: ومنا رجال يتطيرون؟. قال: "ذلك شيء يجدونه في صدورهم, فلا يصدهم". قلت: ومنا رجال يخطون, قال: "كان نبي من الأنبياء يخط, فمن وافق خطه, فذاك" (رواه مسلم في صحيحه).

صحيح مسلم كتاب السلام حديث رقم 4137:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً

وأيضًا رواه أحمد في مسنده حديث رقم 9171:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَوْفٍ قَالَ حَدَّثَنَا خِلاسٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وفي سنن أبي داود كتاب الطب حديث رقم 3406:
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُسَدَّدٌ الْمَعْنَى قَالَا حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ

وفي صحيح مسلم كتاب السلام حديث رقم 4133:
حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ قَالَ فَلا تَأْتُوا الْكُهَّانَ قَالَ قُلْتُ كُنَّا نَتَطَيَّرُ قَالَ ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ فَلا يَصُدَّنَّكُمْ وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنِي حُجَيْنٌ يَعْنِي ابْنَ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ أَخْبَرَنَا إِسْحَقُ بْنُ عِيسَى أَخْبَرَنَا مَالِكٌ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا فِي حَدِيثِهِ ذَكَرَ الطِّيَرَةَ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْكُهَّانِ وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ الصَّبَّاحِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ كِلاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَزَادَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ قُلْتُ وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ قَالَ كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ

وروى مسلم أيضًا عن عائشة رضي الله عنها في كتاب السلام حديث رقم 4134:
وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْكُهَّانَ كَانُوا يُحَدِّثُونَنَا بِالشَّيْءِ فَنَجِدُهُ حَقًّا قَالَ تِلْكَ الْكَلِمَةُ الْحَقُّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيَقْذِفُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ وَيَزِيدُ فِيهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ

وعن أم المؤمنين عائشة (رضي الله تبارك وتعالى عنها) قالت:
سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسٌ عن الكهان, فقال: "ليسوا بشيء" فقالوا: يا رسول الله, إنهم يحدثوننا أحيانًا بشيء فيكون حقًا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني, فَيَقُرُّها في أذن وليه, فيخلطون معها مائة كذبة" (متفق عليه)

صحيح البخاري كتاب بدء الخلق حديث رقم 2971:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِى اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ الْمَلائِكَةَ تَنْزِلُ فِى الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِى فِى السَّمَاءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ".

وأيضًا حديث رقم 3045 ونصه:
حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ قَدِمْتُ الشَّأْمَ فَقُلْتُ مَنْ هَا هُنَا قَالُوا أَبُو الدَّرْدَاءِ قَالَ أَفِيكُمْ الَّذِى أَجَارَهُ اللَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ وَقَالَ الَّذِى أَجَارَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِى عَمَّارًا قَالَ وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِى خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلَالٍ أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ أَخْبَرَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِى اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمَلائِكَةُ تَتَحَدَّثُ فِى الْعَنَانِ وَالْعَنَانُ الْغَمَامُ بِالأَمْرِ يَكُونُ فِى الأَرْضِ فَتَسْمَعُ الشَّيَاطِينُ الْكَلِمَةَ فَتَقُرُّهَا فِى أُذُنِ الْكَاهِنِ كَمَا تُقَرُّ الْقَارُورَةُ فَيَزِيدُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذِبَةٍ".

وفي رواية للبخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الملائكة تنزل في العنان – وهو السحاب – فتذكر الأمر قضي في السماء, فيسترق الشيطان السمع, فيسمعه, فيوحيه إلى الكهان, فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم ".

وهذا كله يأتي انطلاقًا من قول الحق تبارك وتعالى: { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ فَزَادُوَهُمْ رَهَقاً (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (7) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً } (الجن 6 – 9)

وتأتي المعارف الحديثة كلها متطابقة مع كلام الله (سبحانه وتعالى) ومع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فتثبت أن كلاً من العيافة والطيرة والطرق والكهانة والتنجيم وقراءة الطالع خرافات لا أساس لها من الصحة، وأن الخط إذا كان بعيدًا عن كلام الله تعالى, وعن هدي رسوله صلى الله عليه وسلم هو أيضًا من الخرافات التي يلجأ إليها إلا أصحاب النفوس المريضة, والأفهام السقيمة.

وللتدليل على ذلك نعرض لعملية التنجيم وهي الادعاء الباطل بأن للأبراج السماوية التي يولد في ظلها الإنسان تأثيرًا على شخصيته وسلوكه, وهو ادعاء لا أساس له من الصحة, أولاً للمسافات الشاسعة الفاصلة بيننا وبين النجوم المكونة لبرج من تلك الأبراج, وثانيًا لأن تلك النجوم تبدو لنا من فوق سطح الأرض كتكوين واحد يوحي بهيئة محددة وهي في الحقيقة قد تكون كل نجم منها منطويًا في تجمع مختلف من قبل المجرات أو التجمعات المجرية المتباعدة، وثالثًا: لأن هذه المسافات الشاسعة التي تفصل بيننا وبين تلك النجوم تضعف من تأثير للأرض ككل فضلاً عن طفل منزل في لفافته, في غرفة من غرف أحد البيوت المتناثرة في ركن من أركان الأرض.

ولطالما استخدمت هذه المجالات الغيبية عبر تاريخ البشرية في ابتزاز البسطاء السذج والجهلة من البشر وإدخالهم في دهاليز من الظلمة والحيرة والضلال. ومن هنا كان تحذير المصطفى صلى الله عليه وسلم من كل ذلك, خاصة وأن شياطين الإنس والجن لم يتوقفوا لحظة عن تطوير محاولاتهم لإرهاق البسطاء من الناس بأنماط متجددة من تلك الضلالات التي تنشر في كافة وسائل الإعلام المعاصرة من قراءة للطالع, للتنبؤ بالمستقبل, وقراءة لكل من الكف والفنجان. وفتح بورق اللعب, وتنويم مغناطيسي, وادعاء بمعرفة الهندسة الداخلية للنفس الإنسانية, وبالقدرة على إعادة برمجتها, إلى غير ذلك من الأمور الغيبية التي نهانا رسولنا عن الخوض فيها من قبل ألف وأربعمائة من السنين ما يؤكد على وصف القرآن الكريم له بالخلق العظيم, وبأنه لا ينطق عن الهوى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}

23- فساد الجسد من فساد القلب

{ ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله, ألا وهي القلب } (البخاري)

رواه البخاري في صحيحه كتاب الإيمان حديث رقم 50:
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ:"الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ. فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِى الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ. أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِى أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ. أَلا وَإِنَّ فِى الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِى الْقَلْبُ"

أيضًا رواه مسلم في صحيحه كتاب المساقاة حديث رقم 2996:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ {إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مضغة إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ} وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَا حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ و حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ وَأَبِي فَرْوَةَ الْهَمْدَانِيِّ وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سعيد حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ زَكَرِيَّاءَ أَتَمُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ وَأَكْثَرُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ نُعْمَانَ بْنَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِحِمْصَ وَهُوَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ زَكَرِيَّاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ إِلَى قَوْلِهِ يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ

أيضًا رواه ابن ماجه في سننه كتاب الفتن حديث رقم 3974:
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ ابْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَهْوَى بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ {الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ}

أيضًا رواه أحمد في مسنده حديث رقم 17649:
وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ {إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ فِيهِ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَاقَعَهَا وَاقَعَ الْحَرَامَ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَا حَرَّمَ أَلا وَإِنَّ فِي الْإِنْسَانِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ} حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا قَالَ سَمِعْتُ عَامِرًا يَقُولُ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ

وأيضًا حديث رقم 17686:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُجَالِدٍ حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ سَمِعَهُ مِنَ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنْتُ إِذَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَنَنْتُ أَنْ لَا أَسْمَعَ أَحَدًا عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ {إِنَّ فِي الإِنْسَانِ مُضْغَةً إِذَا سَلِمَتْ وَصَحَّتْ سَلِمَ سَائِرُ الْجَسَدِ وَصَحَّ وَإِذَا سَقِمَتْ سَقِمَ سَائِرُ الْجَسَدِ وَفَسَدَ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ}

أيضًا رواه الدارمي في سننه في كتاب البيوع حديث رقم 2419:
أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ {الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُتَشَابِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى فَيُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ}

في هذا الحديث الشريف لمحة من لمحات الإعجاز العلمي ؛ إذ إن أي مرض يصيب القلب فيفسده، يؤثر على سائر الجسد فيفسد, وذلك لأن القلب يقوم بضخ الدم غير النقي (غير المؤكسد) من البطين الأيمن إلى الرئتين حيث ينقي بأكسدته, ويعود الدم المؤكسد النقي من الرئتين إلى البطين الأيسر الذي يضخه إلى كل أجزاء الجسم, فيمد تريليونات الخلايا المكونة لجسم الإنسان بغاز الأوكسجين والغذاء, وإذا اضطربت هذه الوظيفة أو اختلت وفسدت وصل هذا الفساد إلى سائر خلايا الجسد.

ويعجب القارئ لحديث رسول الله الذي يصف هذه الحقيقة بدقة فائقة فيقول صلى الله عليه وسلم: "ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". وهي حقيقة طبية لم يدركها علم الإنسان المكتسب حتى قام ابن النفيس باكتشاف الدورة الدموية الصغرى في القرن الهجري السابع (الثالث عشر الميلادي)، وظلت فكرته مطمورة منسية لأكثر من ثلاثة قرون حين حاول بعض الغربيين نسبتاه لأنفسهم فأحيوها, وطورواه، وأضافوا إليها, وأصبح من الثابت علميًا أن القلب إذا صلح استقامت الدورة الدموية وصلح الجسد كله, وإذا فسد القلب فسد الجسد كله, يفيد بكل هذا الحديث الشريف.

وهنا نتساءل: من علم هذا النبي الأمي ذلك غيرُ الله الخالق ؟ ومن كان يستطيع في الجزيرة العربية أن يلم بالدورة الدموية في جسم الإنسان, ودور القلب فيها قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان, لو لم يكن مصدر ذلك وحي السماء؟ ومن الذي كان يضطر سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الخوض في مثل هذه الأمور الغيبية في زمانه, لو لم يكن واثقًا من صحة المعلومة الموحى بها إليه, وواثقًا من مصدرها؟.

هذا بالنسبة للقلب العضوي, تلك العضلة الكمثرية الشكل الموجودة في القفص الصدري, والتي لا يزيد حجمها عن حجم قبضة اليد, ولا يزيد وزنها في الفرد البالغ عن ثلث كيلو جرام, وتقوم بحوالي سبعين نبضة في الدقيقة, أي: حوالي مائة ألف نبضة في اليوم الواحد, لتضخ خمسة لترات من الدم في كل دقيقة 7200 لترًا في اليوم الواحد عبر شبكة معقدة من الشرايين والأوردة والشعيرات الدموية يبلغ طولها آلاف الكيلو مترات لتوصل الدم المؤكسد إلى كل خلية حية في الجسم, وتنزع منها الدم غير المؤكسد.

ومعروف لنا اليوم أنه طالما كان القلب صالحًا استقامت الدورة الدموية, ونالت كل خلية حية في الجسم حظها من الدم الذي يحمل لها الغذاء والأوكسجين, وبه يتم احتراق المواد الغذائية وانطلاق الطاقة, وإذا فسد القلب اختلت الدورة الدموية, واختل وصول الغذاء والأوكسجين إلى خلايا الجسم فيفسد.

ولكن للقلب في كتاب الله, وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم, وفي مفاهيم كثير من الناس مدلول غير تلك الكتلة من اللحم الرابضة في القفص الصدري تضخ الدم إلى كافة خلايا الجسم, وهو مدلول يتعلق بالعواطف, والمفاهيم, والأفكار, والعقائد, والفهم وركائز الأخلاق وضوابط السلوك, وهي قضايا ليس مقرها القلب العضلي وإن ارتبطت به بصورة لم يدركها الإنسان بعد, ويراه المفكرون من أمثال الإمام الغزالي في كيان معنوي, أو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب العضوي تعلق لا تدرك كنهه, ويرى الغزالي أن هذا القلب المعنوي هو حقيقة الإنسان, وهو الكيان المدرك، العالم، العارف من الإنسان, وهو المخاطب، والمعاقب, والمعاتب، والمطالب..., والقلب المعنوي أو اللطيفة الربانية مرتبطة بمعنى الروح وهو سر مغلق.

وبهذا المعنى أيضًا نرى لمحة إعجازية في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نحن بصدده، فإذا صلح مركز العواطف، والمفاهيم, والأفكار, والعقائد, وركائز الأخلاق, وضوابط السلوك, إذا صلحت حقيقة الإنسان, المدرك, العالم، العارف, صلح أمره كله, وإذا فسدت فسد أمره كله... !!!

وهنا تتضح لمحة من لمحات الإعجاز في هذا الحديث النبوي الشريف إذا أخذ على جانبه المادي العضوي الملموس، وإذا أخذ على جانبه المعنوي الروحاني الغيبي, فإننا نجده صحيحًا, دقيقًا شاملاً, فالقلب بمدلوله المادي هو قوام حياة الجسد إذا صلح صلح الجسد كله, وإذا فسد فسد الجسد كله, والقلب بمدلوله المعنوي قوام العواطف, والعقائد، والمفاهيم والأفكار, وركائز الأخلاق، وضوابط السلوك، فإذا صلح صلحت كل هذه الزوايا, وبصلاحها ينصلح الجسد كله... !!!

وهنا أيضًا يتكرر السؤال: من الذي علم هذا النبي الأمي كل هذه الحقائق غير الله الخالق؟.

ومن الذي كان يضطره إلى الخوض في مثل هذه القضايا الغيبية لو لم يكن واثقًا من مصادره, مؤيدًا من قبل خالقه الذي يعلم بعلمه الا محدود أن الإنسان سيصل في يوم من الأيام إلى إدراك شيء من تلك الحقائق فتكون هذه الإشارات العلمية إلى عدد من حقائق الأنفس والآفاق شهادة صدق على نبوة هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم حتى لا يبقى للناس على الله حجة من بعده, فصلى الله وسلم وبارك عليه, وعلى آله وصحبه أجمعين, وعلى من تبع هداه, ودعا بدعوته إلى يوم الدين, والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

24- تفاعل أجهزة الجسم مع العضو المصاب

{ مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى } (صحيح مسلم برقم 4685)

هذا الحديث الشريف رواه كل من البخاري, ومسلم, وأحمد ابن حنبل (رحمهم الله أجمعين) عن النعمان بن بشير (رضي الله عنهما) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, والنص أعلاه لفظ مسلم, أما لفظ البخاري (5552) فيقول: "ترى المؤمنين في تراحمهم, وتوادهم, وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى".

ورواية أحمد (17654) جاءت بالنص التالي:
"مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

وفي بحث علمي دقيق لطبيب مسلم (هو الدكتور ماهر محمد سالم) أوضح جانبًا من جوانب الإعجاز العلمي في هذا الحديث الشريف لم تدركه العلوم المكتسبة إلا منذ سنوات قليلة, ومن ذلك أن شكوى العضو المصاب هي شكوى حقيقية, وليست على سبيل المجاز؛ إذ تنطلق في الحال نبضات عصبية حسية من مكان الإصابة أو المرض على هيئة استغاثة إلى مراكز الحس والتحكم غير الإرادي في الدماغ وتنبعث في الحال أعداد من المواد الكيميائية والهرمونات من العضو المريض بمجرد حدوث ما يتهدد أنسجته وخلايا وقمع أول قطرة دم تنزف منه, أو نسيج يتهتك فيه, أو ميكروب يرسل سمومه إلى أنسجته وخلاياه, تذهب هذه المواد إلى مناطق مركزية في المخ فيرسل المخ إلى الأعضاء المتحكمة في عمليات الجسم الحيوية المختلفة أمرًا بإسعاف العضو المصاب وإعانته بما يتلاءم وإصابته أو مرضه.

وفي الحال تتداعى تلك الأعضاء المتحكمة في عمليات الجسد الحيوية المختلفة أي يدعو بعضها بعضًا فمراكز الإحساس تدعو مراكز اليقظة والتحكم في تحت المهاد (في المخ) وهذه تدعو بدورها الغدة النخامية لإفراز الهرمونات التي تدعو باقي الغدد الصماء لإفراز هرموناتها التي تدعو وتحفز جميع أعضاء الجسم لنجدة العضو المشتكى, فهي شكوى حقيقية, وتداع حقيقي, وليس على سبيل المجاز, ومعنى التداعي هنا أن يتوجه كل جزء في الجسد بأعلى قدر من طاقته لنجدة المشتكي وإسعافه, فالقلب – على سبيل المثال – يسرع بالنبض لسرعة تدوير الدم وإيصاله للجزء المصاب, في الوقت الذي تتسع الأوعية الدموية المحيطة بهذا العضو المصاب وتنقبض في بقية الجسم, لتوصل إلى منطقة الإصابة ما تحتاجه من طاقة, وأوكسجين, وأجسام مضادة وهرمونات, وأحماض أمينية بناءة لمقاومة الإصابة, والعمل على سرعة التئامها, وهذه هي خلاصة عمل أعضاء الجسم المختلفة من القلب إلى الكبد, والغدد الصماء والعضلات وغيرها, وهي صورة من صور التعاون الجماعي لا يمكن أن توصف بكلمة أبلغ ولا أشمل ولا أوفى من التداعي.

وهذا التداعي يبلغ درجة من البذل والعطاء عالية إذ يستدعي من الأعضاء والأجهزة والأنسجة والغدد المتداعية أن تهدم جزءًا من مخزونها من الدهون والبروتينات من أجل إغاثة العضو المشتكى, ويظل هذا السيل من العطاء مستمرًا حتى تتم عملية الإغاثة, وتتم السيطرة على الإصابة أو المرض, والتئام الأنسجة والخلايا الجريحة أو المريضة, حتى يبرأ الجسد كله أو يموت كله.

وهذه الحقائق لم يصل العلم البشري المكتسب إلى إدراك شيء منها إلا منذ سنوات قليلة, والسبق النبوي بالإشارة إليها في هذا الحديث الجامع هو من الشهادات على أنه صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم, وأنه صلى الله عليه وسلم كان موصولاً بالوحي, ومُعَلمًا من قِبَل خالق السماوات والأرض؛ لأنه لا يمكن لعاقل أن يتصور صدورًا لهذا العلم النبوي من غير وحي السماء, هذا العلم الذي نطق به نبي أمي صلى الله عليه وسلم من قبل ألف وأربعمائة سنة, في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين, وفي زمن لم يكن فيه لأي إنسان إلمام بأقل قدر من هذه المعارف العلمية. وإبراز مثل هذه الجوانب العلمية في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي آي القرآن الذي أوحى إليه هو أنسب أسلوب للدعوة إلى دين الله الخاتم في زمن النهضة العلمية والتقنية التي يعيشها إنسان اليوم, زمن المواجهات الحضارية والمقارنات الدينية, والصراعات السياسية, والعرقية والدينية وتقارب المسافات، وسرعة الاتصالات، ونحن مطالبون بالتبليغ عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، الذي أوصانا بقوله الشريف: "بلغوا عني ولو آية، فرب مُبَلَّغ أوعى من سامع".

فصلاة الله وسلامه عليك يا سيدي يا رسول الله, يا من آتاك الله القرآن ومثله معه, وآتاك جوامع الكلم فجاءت أحاديثك الشريفة بهذا السبق العلمي المبهر, وبهذه الصياغة اللغوية الدقيقة حتى في مقام التشبيه, وأنت تدعو أمتك – خير أمة خرجت للناس – إلى التواد والتراحم والتعاطف – وما أحوجنا إليها اليوم – فتأتي صياغة دعوتك بتشبيه طبي علمي بالغ الدقة والإحكام, وبالغ الروعة في البيان, فصلى الله وسلم وبارك عليك وعلى آلك وصحبك أجمعين, وجزاك عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء, والحمد لله رب العالمين.

25- ظهور الفاحشة

{ لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا } (ابن ماجه)

رواه ابن ماجه في كتاب الفتن حديث رقم 4009:
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مضوا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ (سنن ابن ماجه: كتاب الفتن، باب العقوبات)

الفاحشة هي الكبيرة من المنكرات القبيحة, المتناهية في القبح من مثل الزنى واللواط وغير ذلك من السلوكيات الشادة المنافية للفطرة السليمة، والمتعلقة بسوء استخدام الجسد الإنساني, وهو أمانة من الله تعالى لكل فرد منا, حتى يسترد الله أمانته.

والجسد الإنساني له كرامة مستمدة من كرامة الإنسان الذي قال فيه ربنا تبارك وتعالى: { وَلَقَدْ كرمنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } (الإسراء: 70)

ومن هنا كان تكريم جسد الإنسان حيًا وميتًا, وكان التشديد في الأمر بالمحافظة عليه, والنهي عن الإساءة إليه بسوء استخدامه أو إهانته وإهدار كرامته؛ لأن في إهدار كرامة الجسد قضاء على كرامة صاحبه – وهو موقف يتنافى تمامًا مع مقام التكريم الذي رفع الله تعالى إليه الإنسان.

من هنا كان تحذير القرآن الكريم من مجرد الفواحش ما ظهر منها وما بطن, وكانت أحاديث رسولنا صلى الله عليه وسلم، ومنها الحديث الذي نحن بصدده, التي جاءت تدق أجراس الخطر من إشاعة الفاحشة في المجتمعات إلى حد الإعلان بها, وما يستوجبه ذلك من عقاب الله العاجل بعقابهم بالأمراض والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم, ولقد صدقت الأحداث نبوءة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

فبعد أن استباحت الحركة الصهيونية العالمية نشر الفواحش في المجتمعات الإنسانية من أجل تدميرها, والهيمنة عليها, ابتداء بالزنا, واللواط, ونكاح المحرمات, مرورًا بالخمر والميسر والمخدرات وانتهاء بالتشريع للشذوذ الجنسي بمختلف صوره الشنيعة فيصر كل من المجالس التشريعية (مثل مجلس العموم البريطاني) وقادة الكنيسة الغربية على الإقرار بحق الشواذ في ممارسة أفعالهم الفاحشة والمنافية للفطرة بحماية القانون, دون أن ينتقص ذلك من حقوقهم شيئًا إلى حد أن يرث بعضهم بعضًا بحق الفاحشة الممارسة بينهم, وأن ينالوا كل ما تناله الأسرة العادية من حقوق ورعاية, وحماية من الدولة وتشريعاتها وقوانينها, بل ويجدون من علماء النفس والطب النفسي والوراثة ما يبرر لهم فواحشهم....!!! فأصبحوا اليوم يعلنون عن أنفسهم, ويخرجون بأعداد كبيرة في مسيرات ومظاهرات مهينة لكرامة الإنسان, وجارحة لأنظار المشاهدين, في غير حياء ولا خجل, بل بتباه بالفحش الفاضح.

وقد شجعت المجاهرة بالفحش مزيدًا من الأفراد على الانضمام إلى ركبهم الشيطاني, وفيهم الوزراء, والمدراء, والأطباء, والمهندسون, وأساتذة الجامعات, والمدرسون, وغيرهم من القيادات السياسية والاجتماعية والدينية والتعليمية والعلمية, وأصبحت لهم الأجهزة الإعلامية التي تدافع عن انحرافاتهم, وتشرع لشذوذهم، وتطالب لهم بمزيد من الحقوق, وتحارب كل من ينتقد أعمالهم المشينة, أو يحاول إصلاحهم, وإخراجهم من الوحل الذي يعيشون فيه, وأصبحت لهم جمعياتهم، وروابطهم, ونواديهم – ومحافلهم التي يعلنون عنها بلا خجل – والتي تجمع فيها هؤلاء الملوثين, الدنسين القذرين من شياطين الإنس, الذين خالفوا الفطرة التي فطرهم الله عليها, فانحطوا بأنفسهم إلى ما هو أدنى من مستوى الحيوانية التي تعف عن انحطاطاتهم.

فعاقبهم الله تعالى بأمراض نقص المناعة المكتسبة من مثل مرض الإيدز وهو لم يكن معروفًا من قبل بين أفراد البشر – كما أهلك قوم لوط من قبل بعقاب لم يعرفه سابقوهم.

ومن أمراض نقص المناعة المكتسبة مرض الإيدز – والإيبولا وغيرها، ومرض الإيدز الذي يعرف باسم "سرطان الشواذ" أو باسم "طاعون القرن العشرين":
Aids or Acquired Immno – Deficiency Syndrome
هو مرض جديد على الإنسان, بمعنى أنه لم يصب به إنسان من قبل؛ حيث إنه يتسبب عن فيروس من الفيروسات المعروفة بإصابتها للحيوانات فقط, وليس الإنسان، وعلى ذلك فإن إصابته بهذا المرض اللعين في زمن الفوضى الجنسية التي يعيشها الناس اليوم مما يؤكد على أنه عقاب من الله تعالى؛ فقد بدأ هذا الفيروس في اجتياح عالم الرذيلة في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1987م, وإلى مطلع عام 1981م, كان عدد المصابين المعروفين بهذا المرض في حدود العشرات, وقد تعدى عددهم الآن عدة ملايين في المجتمعات الإباحية بكافة دول العالم.

وفيروس الإيدز هو أحد أفراد مجموعة فيروسات الحمى الراشحة, وهو فيروس يتتبع كريات الدم البيضاء المدافعة عن جسم الإنسان فيدمرها الواحدة تلو الأخرى حتى يفقده أهم وسائل الدفاع الطبيعية, ويبقيه عاجزًا كل العجز عن الدفاع عن نفسه, وعرضة للإصابة بأنواع عديدة من الأمراض التي يتغلب عليها بالجسم السليم في الظروف العادية فلا يكون عرضة للإصابة ببعض الأمراض الحقيقية حتى يقضي عليه بالموت بعد معاناة وآلام مبرحة لفترات قد تطول أو تقصر, وذلك لانهيار جهاز المناعة في الجسم بالكامل.

هذا بالإضافة إلى الأمراض الجنسية الملازمة لممارسة الفاحشة وهي أيضًا أمراض مصاحبة بآلام مبرحة للغاية, ولم تتمكن شركات الأدوية من اكتشاف عقاقير يمكنها القضاء على فيروس الإيدز, ولكنها كل ما أمكنها إنتاجه هو عدد من المسكنات لبعض أعراض المرض المؤلمة جدًا, وهذه المسكنات مقززة في شكلها ومظهرها ومذاقها.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال قولته الشريفة: "لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا".

ويأتي العلم التجريبي، وتأتي الأحداث لتؤكد صدق هذا الحديث النبوي الشريف, الذي نطق به المصطفى (عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم) من قبل ألف وأربعمائة سنة, والبشرية لم تدرك حقيقة ذلك إلا في العقدين الأخيرين من القرن العشرين, وهذا من الأدلة القاطعة على صدق نبوة هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم, الذي كان موصولاً بالوحي, ومعلمًا من قبل خالق السماوات والأرض. فصلى الله وسلم وبارك عليه, وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين. وصدق الله العظيم إذ يقول: { وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً } (الإسراء: 32)

وإذ يقول: { ولوطا إذ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجْرِمِينَ } (الأعراف: 80 – 84)

26- الجسد يبلى ما عدا عجب الذنب

في عدد من الأحاديث النبوية الشريفة جاء ذكر عجب الذنب على أنه الجزء من الجنين الذي يخلق منه جسده، والذي يبقى بعد وفاته وفناء جسده؛ ليبعث منه من جديد، فقد أشار المصطفى (صلى الله عليه وسلم) إلى أن جسد الإنسان يبلى كله فيما عدا عجب الذنب، فإذا أراد الله تعالى بعث الناس أنزل مطرا من السماء فينبت كل فرد من عجب ذنبه كما تنبت البقلة من بذرتها.

ومن هذه الأحاديث العديدة روى أبو هريرة (رضي الله عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "كل ابن آدم تأكل الأرض إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب" (أبو داود، النسائي، أحمد، ابن ماجه، ابن حبان، مالك)، وفي رواية لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه، قيل: وما عجب ذنبه يا رسول الله؟ قال: مثل حبة خردل منه نشأ"، وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة نصًا مثله جاء فيه: "كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة".

وفي لفظ آخر لمسلم كذلك جاء في هذا النص: "إن في الإنسان عظمًا لا تأكله الأرض أبدا، فيه يركب يوم القيامة. قالوا: أي عظم هو يا رسول الله ؟ قال: عجب الذنب"، وفي لفظ ثالث لمسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "ما بين النفختين أربعون" قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت قال: ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون، كما ينبت البقل" قال: قال: "وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظمًا واحدًا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة".

ومعنى أبيت في كلام أبي هريرة هو أبيت أن أجزم أن المراد أربعون يومًا أو شهرًا أو سنة، بل الذي أجزم به أنها أربعون مجملة، وقد جاءت أربعون سنة مفصلة في قول للنووي.

وهذه الأحاديث النبوية الشريفة تحتوي على حقيقة علمية لم تتوصل العلوم المكتسبة إلى معرفتها إلا منذ سنوات قليلة، حين أثبت المتخصصون في علم الأجنة أن جسد الإنسان ينشأ من شريط دقيق للغاية يسمى باسم "الشريط الأولي" الذي يتخلق بقدرة الخالق (سبحانه وتعالى) في اليوم الخامس عشر من تلقيح البويضة وانغراسها في جدار الرحم، وإثر ظهوره يتشكل الجنين بكل طبقاته وخاصة الجهاز العصبي وبدايات تكون كل من العمود الفقري، وبقية أعضاء الجسم؛ لأن هذا الشريط الدقيق قد أعطاه الله تعالى القدرة على تحفيز الخلايا على الانقسام، والتخصص، والتمايز والتجمع في أنسجة متخصصة، وأعضاء متكاملة في تعاونها على القيام بكافة وظائف الجسد.

وثبت أن هذا الشريط الأولي يندثر فيما عدا جزءا يسيرا منه، يبقى في نهاية العمود الفقري (العصعص)، وهو المقصود بعجب الذنب في أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وإذا مات الإنسان، يبلى جسده كله إلا عجب الذنب الذي تذكر أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أن الإنسان يعاد خلقه منه بنزول مطر خاص من السماء، ينزله ربنا (تبارك وتعالى) وقت أن يشاء فينبت كل مخلوق من عجب ذنبه، كما تنبت النبت من بذرتها.

وقد أثبت مجموعة من علماء الصين في عدد من التجارب المختبرية استحالة إفناء عجب الذنب (نهاية العصعص) كيميائيا بالإذابة في أقوى الأحماض، أو فيزيائيا بالحرق، أو بالسحق، أو بالتعريض للأشعة المختلفة، وهو ما يؤكد صدق حديث المصطفى (صلى الله عليه وسلم) الذي يعتبر سابقة لكافة العلوم المكتسبة بألف وأربعمائة سنة على الأقل، وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال هام مؤداه: لماذا تعرض المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، لقضية علمية غيبية كهذه في زمن لم يكن لمخلوق علم بها؟ ومن أين جاء هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم بهذا العلم لو لم يكن موصولا بالوحي، ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض؟

وللإجابة على ذلك نقول بأن الله تعالى يعلم بعلمه المحيط أن الإنسان سوف يصل في يوم من الأيام إلى معرفة مراحل الجنين، وسوف يستبين دور الشريط الأولي الذي من بقاياه، عجب الذنب، في تخليق جسد الجنين فألهم خاتم أنبيائه ورسله النطق بهذه الحقيقة ليبقى فيها من الشهادات على صدق نبوته، وصدق رسالته، وصدق تلقيه عن الخالق سبحانه وتعالى ما يبقى موائمًا لكل زمان ولكل عصر، ولما كان زماننا قد تميز بقدر من الكشوف العلمية، والتطورات التقنية التي لم تتوفر – فيما نعلم – لزمن من الأزمنة السابقة، فإن مثل هذه الإشارات العلمية في كل من كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) تبقى لغة العصر وخطابه، وأسلوب الدعوة إلى دين الله الخاتم الذي لا يرتضي من عباده دينا سواه، فلا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرًا لهذه الحقيقة العلمية من قبل ألف وأربعمائة سنة غير وحي صادق من الله الخالق؟؟!!

فسبحان الذي خلق فأبدع، وعلم فعلم، وأوحى على خاتم أنبيائه ورسله بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.

27- الحديد والنار والماء والملح

{ إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد والنار والماء والملح }

أخرج الديلمي في "الفردوس", والسيوطي في "جمع الجوامع", وابن كثير في "الكافي الشافي في تخريج أحاديث الكشاف", والعجلوني في "كشف الخفاء" كما روى القرطبي في تفسيره حديثًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه: "إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد والنار والماء والملح".

على الرغم من وجود ضعف في إسناد الحديث إلا أن به سبقًا علميًا معجزًا, والذين سمعوا هذا الحديث الشريف فهموا إنزال كل من النار والماء والملح من السماء إلى الأرض, ولكنهم لم يستطيعوا في زمانهم استيعاب فكرة إنزال الحديد من السماء إلى الأرض، على الرغم من وجود إشارة واضحة إليها في كتاب الله حيث يقول (عز من قائل): {... وَأنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ... } (الحديد: 25)

وعلى ذلك فإن أغلب الذين تعرضوا لشرح كل من هذه الآية القرآنية الكريمة, والحديث النبوي الشريف فسروا (الإنزال) بأنه استعارة لخلق وإيجاد عنصر الحديد.

ولكن في العقود المتأخرة من القرن العشرين اتجه علماء الفلك والفيزياء الفلكية إلى دراسة التركيب الكيميائي للجزء المدرك من الكون وأبسطها ففوجئوا بأن العنصر الغالب فيه هو غاز الأيدروجين (أخف العناصر, وأبسطها بناءً) الذي يكون أكثر من 74% من مادة الكون المنظور, ويليه في الكثرة غاز الهيليوم (العنصر الثاني في الجدول الدوري للعناصر) والذي يكون 24 % من مادة الكون المنظور وأن باقي 105 عنصر تعرف عليها الإنسان والتي يقدر عددها اليوم بمائة وخمسة عنصر تعرف عليها الإنسان والتي يقدر عددها اليوم بمائة وخمسة عنصر تكون أقل من 2 % من مادة الكون المنظور هذه الملاحظة أدت إلى الاستنتساج المنطقي أن كافة العناصر المعروفة لنا قد خلقت من غاز الأيدروجين يتكثفه على ذاته, واتحاد نوى ذراته مع بعضها البعض.

وبالنظر في الشمس ثبت أن وقودها غاز الأيدروجين الذي تتحد نوى ذراته مع بعضها البعض لتكون نوى ذرات الهيليوم وتنطق الطاقة الهائلة التي أعطت لب الشمس حرارة تقدر بحوالي 15 مليون درجة مئوية ولسطحها ستة آلاف درجة مئوية, ولألسنة اللهب المندفعة من داخلها حوالي المليون درجة مئوية, وثبت أيضًا أن عملية الاندماج النووي في قلب الشمس لا تصل أبدًا إلى إنتاج أية عناصر ثقيلة فضلاً عن إنتاج الحديد, فلا يتكون في داخل الشمس بهذه العملية سوى الهيليوم ونسب ضئيلة من العناصر القليلة التي تلي هذا الغاز في الجدول الدوري للعناصر.

وهنا برز التساؤل: من أين جاءت الكمية الهائلة من حديد الأرض؟ والتي تفوق ثلث كتلة الأرض المقدرة بحوالي ستة آلاف مليون مليون مليون طنًا.

(أي:6
x
1810
x 35.9% = 2.154 x
1810 طنًا من الحديد)؟. بالدراسة المستفيضة ثبت أن النجوم تمر بمراحل عدة في تاريخ حياتها منها مراحل تتوهج فيها توهجًا شديدًا فتعرف باسم:المستعرات والمستعرات العظمى, وإن درجة حرارة لب النجوم في تلك المرحلة تتعدى عشرات البلايين من الدرجات المطلقة, وأن لب هذه المستعرات والمستعرات العظمى هي الأماكن الوحيدة المعروفة لنا في صفحة الجزء المدرك من الكون التي تتم فيها عملية الاندماج النووي حتى يتحول لب النجم بالكامل إلى حديد, وبتحوله إلى حديد يستهلك طاقة النجم بالكامل فينفجر وتتناثر أشلاؤه في صفحة الكون, وبذلك يصل الحديد إلى عدد من أجرام السماء من مثل كوكب الأرض, تمامًا كما تصلنا نيازك الحديد اليوم هذه الملاحظة الصحيحة قادت إلى التصور الصحيح أن الأرض عند انفصالها عن الشمس (أو عن السحابة الكونية التي نشأت عنها مجموعتنا الشمسية) لم تكن سوى كومة من الرماد ليس فيها عناصر أعلى من الألومنيوم والسيليكون, ثم رجمت بوابل من النيازك الحديدية, والصخرية, والحديدية الصخرية, التي تحركت بحكم كثافتها الأعلى من كثافة الأرض الابتدائية (كومة الرماد) فتحركت إلى مركز تلك الكومة حيث انصهرت بحرارة الاستقرار وصهرت كومة الرماد, ومايزتها إلى سبع أرضين: لب صلب (أغلبة الحديد 90 %، والنيكل 9 %، وعناصر أخرى 1%), ولب سائل (له نفس التركيب الكيميائي) ثلاثة أوشحة متتالية تتناقص فيها نسبة الحديد من الداخل إلى الخارج, ثم الجزء السفلي من الغلاف الصخري للأرض, ويليه إلى الخراج الجزء العلوي من الغلاف الصخري للأرض (قشرة الأرض وبها 5.6 % حديد).

بهذه الملاحظات ثبت أن كل حديد الأرض قد أنزل إليها إنزالاً حقيقيًا من السماء تصديقًا لما جاء في كتاب الله, وفي هذا الحديث الذي نحن بصدده من أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولولا حديد الأرض ما كان له هذا المجال المغناطيسي الذي يمسك بغلافها الغازي والمائي, وبكافة صورة الحياة على سطحها, ولو لم ينزل الحديد إلى الأرض من السماء ما كانت الحياة؛ لأن الحديد يشكل جزءًا مهمًا من المادة الحمراء في دم الإنسان, وفي دماء العديد من الحيوانات, ما يشكل جزءًا مهمًا كذلك من المادة الخضراء والتي بدونها ما كانت النباتات.

ويعجب الإنسان من هذه الإشارة العلمية الدقيقة... إنزال الحديد إلى الأرض من السماء في كل من كتاب الله, وفي هذا الحديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل ألف وأربعمائة سنة, وهي حقيقة لم يتوصل إليها الإنسان إلا منذ عشرات قليلة من السنين, وهي شهادة حق على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق, وأن هذا النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، كان موصولاً بالوحي, ومعلمًا من قبل خالق السماوات والأرض.(وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى).

28- تحول الصحاري إلى جنات

{ يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ههنا قد ملئ جنانًا }

رواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الفضائل حديث رقم 4229:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ حَدَّثَنَا مَالِكٌ وَهُوَ ابْنُ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَكَانَ يَجْمَعُ الصَّلَاةَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمًا أَخَّرَ الصَّلَاةَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ.

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال:
قَالَ خرجنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَكَانَ يَجْمَعُ الصَّلَاةَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمًا أَخَّرَ الصَّلَاةَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا ثُمَّ قَالَ إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَيْنَ تَبُوكَ وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِيَ فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلَانِ وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ قَالَ فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا قَالَا نَعَمْ فَسَبَّهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ قَالَ ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ قَالَ وَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ أَوْ قَالَ غَزِيرٍ شَكَّ أَبُو عَلِيٍّ أَيُّهُمَا قَالَ حَتَّى اسْتَقَى النَّاسُ ثُمَّ قَالَ يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ أَنْ تَرَى مَا هَاهُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا

وتصدق نبوءة المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد ألف وأربعمائة سنة, فتتحول المنطقة حول تبوك إلى مزارع عامرة بأفضل المزروعات, وأشهى الثمار والخضروات, وذلك لأن منطقة تبوك وما حولها تحوي أهم خزانات المياه تحت سطح الأرض في الجزيرة العربية (فتكون جبل الساق, ومتكونات مجموعة تبوك الرملية) والتي تتميز بتركيبها من الحجر الرملي عالي المسامية والنفاذية, وبمنكشف تزيد مساحته عن عدة عشرات الآلاف من الكيلو مترات المربعة إلى الغرب من تبوك تعمل كمصيدة هائلة لمياه الأمطار التي تتحرك من سطح الأرض إلى ما تحت سطحها يميل الطبقات إلى الشرق فتخزن تحت أرض تبوك كمخزون مائي متخم يمثل أكبر مخزون مائي في أرض شبه الجزيرة العربية.

وهذا المخزون المائي الكبير قد تجمع خلال الفترات المطيرة من تاريخ شبه الجزيرة العربية, وقد ثبت أنه خلال الخمس والثلاثين ألف سنة الماضية مرت المنطقة بثماني دورات من دورات الجفاف التي تخللتها سبع دورات من المطر الغزير, ونحن نحيا في آخر دورة من دورات الجفاف تلك، ويبلغ متوسط هطول المطر فيها في السنة بحوالي التسعة سنتيمترات يصل نصفها إلى خزانات المياه تحت السطحية, ويتبخر الباقي أو يفيض إلى البحر.

كذلك في صخور متكون تبوك سمك هائل من صخور الصلصال والطفل التي تتبادل مع الطبقات الرملية, وينتج عن تعرية هذه الطبقات المختلطة من الصخور الرملية والصلصالية والطفلية تربة من أجود أنواع الترب الصالحة للزراعة, وبذلك تهيأت منطقة تبوك بكل مبررات تحولها إلى جنان كما تنبأ المصطفى صلى الله عليه وسلم من قبل ألف وأربعمائة سنة.

ليس هذا فقط...
بل إن الأرض تتحرك الآن نحو الدخول في دورة جليدية جديدة, وحينما يزحف الجليد من أحد قطبي الأرض, أو منهما معًا في اتجاه خط الاستواء تتصحر الأرض التي تكسى بالجليد تصحرًا جليديًا فتهلك النباتات, وتهاجر الحيوانات, ويرحل السكان, وفي نفس الوقت يتحول الحزام الصحراوي الممتد من موريتانيا غربًا إلى أواسط آسيا شرقًا إلى منطقة مطر غزير كما حدث مرات من قبل, وحينئذ تفيض الأودية الجافة أنهارًا، وتكسى الصحارى القاحلة بالخضرة فتتحول مروجًا بهيجة تصديقًا لنبوءة المصطفى صلى الله عليه وسلم التي قالها في حديث صحيح يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه ؛ حيث قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لن تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا".


 

وتأتي المعارف المكتسبة في كل من مجالي علوم الأرض وعلوم المناخ لتؤكد على أن أرض العرب كانت مروجًا وأنهارًا, وعلى أنها سوف تعود مروجًا وأنهارًا كما كانت، ويأتي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نحن بصدده يتحدث عن منطقة تبوك بصفة خاصة, وعن أرض العرب بصفة عامة على أنها سوف تمتلئ جنانًا في عصر يلي عصر النبوة الخاتمة فيقول صلى الله عليه وسلم مخاطبًا راوي الحديث سيدنا معاذ بن جبل رضي الله تبارك وتعالى عنه: "يوشك يا معاذ, إن طالت بك حياة أن ترى ما ههنا قد ملئ جنانًا".

وهنا يبرز التساؤل المهم: من غير الله الخالق يمكن أن يكون قد أخبر هذا النبي الأمي من قبل ألف وأربعمائة سنة بتلك الحقائق العلمية التي لم يتوصل الإنسان إلى إدراك شيء منها إلا منذ عشرات قليلة من السنين؟.

ومن الذي كان يضطره إلى الخوض في مثل هذه الأمور التي كانت غائبة عن الناس – كل الناس – في زمانه صلى الله عليه وسلم وللعديد من القرون المتطاولة من بعده, لولا أن الله تعالى الذي ألهمه النطق بها يعلم بعلمه المحيط أن الإنسان سوف يصل في يوم من الأيام إلى اكتشاف تلك الحقائق, فتبقى هذه الومضات النورانية في كتاب الله, وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم شهادة حق على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق, وعلى أن هذا النبي الخاتم كان موصولاً بالوحي, ومُعَلَّمًا من قِبَلِ خالق السماوات والأرض, وصدق الله العظيم إذ يقول في وصف هذا النبي الخاتم (صلى الله عليه وسلم) : { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى }

29- عجب الذنب

" كل ابن آدم تأكل الأرض إلا عجب الذنب، منه خلق، وفيه يركب " (سنن أبي داود)
في عدد من الأحاديث النبوية الشريفة جاء ذكر " عجب الذنب " على أنه أصل العصعص الجزء من الجنين الذى يخلق منه جسده والذي يبقى بعد وفاته وفناء جسده ليبعث منه من جديد وقد أكد المصطفى صلى الله عليه وسلم أن جسده الإنسان يبلى كله فيما عدا "عجب الذنب" فإذا أراد الله تعالى بعث الناس أنزل مطرًا من السماء فينبت كل فرد من عجب ذنبه كما تنبت البقلة من بذرتها.

رواه مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة حديث رقم 5254:
وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ يَعْنِي الْحِزَامِي عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُلَّ ابْنِ آدَمَ يَأكُلُهُ التُّرَابُ إِلاَّ عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ

وأيضًا في سنن النسائي كتاب الجنائز حديث رقم 2050:
أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ وَمُغِيرَةُ عَن أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ بَنِي آدَمَ" وفي حديث مُغِيرَةَ: " كُلَّ ابْنِ آدَمَ يَأكُلُهُ التُّرَابُ إِلاَّ عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ

وأيضًا رواه أبو داود في كتاب السنة حديث رقم 4118:
حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُلَّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُ الأَرْضُ إِلا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ

وأيضًا رواه أحمد في المسند رقم 7934
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الأَرْضُ إِلا عَجْبَ الذَّنَبِ فَإِنَّهُ مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ

وأيضًا حديث رقم 9163:
حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ عَجلانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلَى وَيَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ

وأيضًا حديث رقم 10072:
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُجَمِّعٍ أَبُو الْمُنْذِرِ الْكِنْدِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْهَجَرِيُّ عَنْ أَبِي عِيَاضٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يَبْلَى كُلُّ عَظْمٍ مِنِ ابْنِ آدَمَ إِلا عَجْبَ الذَّنَبِ وَفِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَة"ِ

وأيضًا حديث رقم 10073:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ عَنِ الْهَجَرِيِّ عَنْ أَبِي عِيَاضٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"يَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلا عَجْبَ الذَّنَبِ وَفِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"

وأيضًا حديث رقم 10800:
وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ "يَأْكُلُ التُّرَابُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الإِنْسَانِ إِلا عَجْبَ ذَنَبِهِ قِيلَ وَمِثْلُ مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ تَنْبُتُونَ"

ورواه الإمام مالك في الموطأ كتاب الجنائز حديث رقم 503:
وحَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الأرْضُ إِلا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ"

ومن هذه الأحاديث العديدة:
(1) روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "كل ابن آدم تأكل الأرض إلا عجب الذنب, منه خلق, وفيه يركب" (البخاري, أبو داود, النسائي, أحمد, ابن ماجه, ابن حبان, مالك).
(2) وفي رواية لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه, قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: مثل حبة خردل منه نشأ".
(3) وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة نصًا مثله، جاء فيه: "كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب, منه خلق, ومنه يركب".
(4) وفي لفظ آخر له جاء هذا النص: "وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا هو عجب الذنب, ومنه يركب الخلق يوم القيامة ".
(5) وفي لفظ آخر لمسلم كذلك جاء هذا النص: "إن في الإنسان عظمًا لا تأكله الأرض أبدًا, فيه يركب يوم القيامة. قالوا: أي عظم هو يا رسول الله؟ قال: عجب الذنب".
(6) وفي لفظ ثالث لمسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بين النفختين أربعون" قالوا: يا أبا هريرة, أربعون يومًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. قال: ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون, كما ينبت البقل". قال: "وليس من الإنسان شيء إلا يبلى, إلا عظمًا واحدًا, وهو عجب الذنب, ومنه يركب الخلق يوم القيامة ".

ومعنى أبيت في كلام أبي هريرة هو "أبيت أن أجزم أن المراد أربعون يومًا, أو شهرًا، أو سنة, بل الذي أجزم به أنها أربعون مجملة" وقد جاءت أربعون سنة مفصلة في قول للنووي.

رواه مسلم في صحيحه كتاب الفتن وأشراط الساعة حديث رقم 5255:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ فِي الإِنْسَانِ عَظْمًا لا تَأْكُلُهُ الأَرْضُ أَبَدًا فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالُوا أَيُّ عَظْمٍ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ عَجْبُ الذَّنَبِ

رواه مسلم في صحيحه كتاب الفتن وأشراط الساعة حديث رقم 5253:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ قَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ أَبَيْتُ قَالُوا أَرْبَعُونَ شَهْرًا قَالَ أَبَيْتُ قَالُوا أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أَبَيْتُ ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ قَالَ وَلَيْسَ مِنَ الإنْسَانِ شَيْءٌ إِلا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

وأيضًا رواه البخاري في صحيحه كتاب تفسير القرآن حديث رقم 4554:
حَدَّثَنِى مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِى اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ قَالَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ أَبَيْتُ قَالَ أَرْبَعُونَ شَهْرًا قَالَ أَبَيْتُ قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أَبَيْتُ قَالَ ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ لَيْسَ مِنْ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وواضح الأمر أن بلى الأجساد حكم عام يستثنى منه أجساد كل من الأنبياء والشهداء وكل مؤذن محتسب كما ذكر ابن حجر انطلاقًا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذه الأحاديث النبوية الشريفة تحتوي على حقيقة علمية لم تتوصل العلوم المكتسبة إلى معرفتها إلا منذ سنوات قليلة، حين أثبت المتخصصون في علم الأجنة كما أشار الأخ الدكتور محمد علي البار (في بحث مستفيض) أن جسد الإنسان ينشأ من شريط دقيق للغاية يسمى باسم "الشريط الأولى" الذي يتخلق بقدرة الخالق سبحانه وتعالى في اليوم الخامس عشر من تلقيح البويضة وانغراسها في جدار الرحم, وإثر ظهوره يتشكل الجنين بكل طبقاته وخاصة الجهاز العصبي وبدايات تكون كل من العمود الفقري, وبقية أعضاء الجسم؛ لأن هذا الشريط الدقيق قد أعطاه الله تعالى على تحفيز الخلايا على الانقسام، والتخصص والتمايز, والتجمع في أنسجة متخصصة, وأعضاء متكاملة في تعاونها على القيام بكافة وظائف الجسد.

وثبت أن هذا الشريط الأولي يندثر فيما عدا جزء يسير منه (أصل العصعص), يبقى في نهاية العمود الفقري (أو الفقرة المعروفة باسم العصعص), وهو المقصود بـ "عَجْب الذنب" وجمعه أذناب, في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا مات الإنسان يبلى جسده كله إلا عجب الذنب الذي تذكر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يعاد خلقه منه, بنزول مطر خاص من السماء, ينزله ربنا تبارك وتعالى وقت أن يشاء من عجب ذنبه, كما تنبت النبتة من بذرتها. وقد أثبتت مجموعة من علماء الصين في عدد من التجارب المختبرية استحالة إفناء عجب الذنب (نهاية العصعص) كيميائيًا بالإذابة في أقوى الأحماض, أو فيزيائيًا بالحرق, أو بالسحق, أو بالتعريض للأشعات المختلفة, مما يؤكد صدق حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي يعتبر معجزة علمية سابقة لكافة العلوم المكتسبة بألف وأربعمائة سنة على الأقل.

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال مهم مؤداه: لماذا تعرض المصطفى صلى الله عليه وسلم لقضية علمية غيبية كهذه في زمن لم يكن لمخلوق علم بها ؟. ومن أين جاء هذا النبي الخاتم, والرسول الخاتم بهذا العلم لو لم يكن موصولاً بالوحي, ومعلمًا من قبل خالق السماوات والأرض؟.

وللإجابة على ذلك نقول: بأن الله تعالى يعلم بعلمه المحيط أن الإنسان سوف يصل في يوم من الأيام إلى معرفة مراحل الجنين, وسوف يستبين دور الشريط الأولي الذي من بقاياه عجب الذنب في تخليق جسد الجنين, فألهم خاتم أنبيائه ورسله النطق بهذه الحقيقة ليبقى فيها من الشهادات على صدق نبوته, وصدق رسالته, وصدق تلقيه عن الخالق سبحانه وتعالى ما يبقى دائمًا لكل زمان ولكل عصر, ولما كان زماننا قد تميز بقدر من الكشوف العلمية, والتطورات التقنية التي لم تتوفر – فيما نعلم – لزمن من الأزمنة السابقة, فإن مثل هذه الإشارات العلمية في كل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تبقى لغة العصر وخطابه, وأسلوب الدعوة إلى دين الله الخاتم الذي لا يرتضي من عباده دينًا سواه, فلا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرًا لهذه الحقيقة العلمية من قبل ألف وأربعمائة سنة غير وحي صادق من الله الخالق... !!. فسبحان الذي خلق فأبدع, وعلم فعلم, وأوحى إلى خاتم أنبيائه ورسله بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.

30- صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته

يروى عن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قوله‏:
" صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته‏,‏ فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما "

وقد روي الحديث بروايات عدة في أغلب كتب السنة منها ما يلي‏:

(1)‏ لا تصوموا حتى تروا الهلال‏,‏ ولا تفطروا حتى تروه‏,‏ فإن غم عليكم فاقدروا له.

‏(2)‏ الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه‏,‏ فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين‏.

(3)‏ إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب‏,‏ الشهر هكذا وهكذا يعنى مرة تسعة وعشرين‏,‏ ومرة ثلاثين‏.‏


 

ويشترك في تحديد الشهر القمري حركات كل من القمر والأرض والشمس وأوضاعها النسبية الناتجة عن تلك الحركات‏,‏ والقمر تابع للأرض لا يفارقها في دورانها حول محورها‏,‏ ولا في سبحها حول الشمس‏,‏ وهو يدور حول محوره بنفس سرعة دورانه حول الأرض ولذا يواجهها دائما بوجه واحد‏,‏ وبذلك يدور حول نفسه دورة واحدة في كل شهر عربي‏,‏ تمثل يومه الذي يقتسمه ليلا ونهارا يطول كل منهما إلى نصف طول الشهر القمري ‏(نصف‏14‏ إلى ‏15‏ يوما‏).‏ وبمجرد خروج القمر من مرحلة المحاق‏ (‏مرحلة الاقتران أو اجتماع الأرض والقمر والشمس على استقامة واحدة مع وجود القمر بين الأرض والشمس‏)‏ يولد الهلال الجديد‏,‏ و بدورانه حول الأرض تزداد مساحة الجزء المنير من القمر بالتدريج حتى يصل إلى التربيع الأول‏,‏ فالأحدب الأول‏,‏ فالبدر‏ (‏مرحلة الاستقبال التي تكون فيها الأرض بين القمر‏,‏ والشمس‏),‏ ثم باستمرار دورانه حول الأرض تبدأ مساحة الجزء المنير من القمر كما نراه من فوق سطح الأرض في التناقص بالتدريج حتى يصل إلى الأحدب الثاني ثم التربيع الثاني ثم الهلال الآخير ثم يختفي في مرحلة المحاق إلى مولد الهلال الثاني وطول الشهر القمري‏,‏ يتراوح بين ‏29‏ يوما‏, 19‏ ساعة و‏29‏ يوما‏, 5‏ ساعات‏,‏ ويبلغ في المتوسط ‏(29,53)‏ يوم‏,‏ وبذلك يكون الشهر مرة‏29‏ يوما‏,‏ ومرة‏30‏ يوما‏,‏ وهذا نص حديث رسول الله‏.‏ ومولد الهلال الجديد يقتضي السبق الظاهري للشمس في غروبها بالنسبة إلى غروب القمر‏,‏ وخروج القمر من ضوء الشمس حتى يمكن رؤية الهلال بعد غروب الشمس‏.‏
والشهر القمري الشرعي يبدأ برؤية الهلال الجديد بعد غروب الشمس‏,‏ وينتهي برؤية الهلال الوليد للشهر التالي بعد غروب الشمس كذلك‏,‏ وبذلك تكون الفترة الزمنية لهذا الشهر أياما صحيحة‏,‏ وهي إما تسعة وعشرون يوما وإما ثلاثون يوما‏.‏ ولأسباب فلكية عديدة قد يحدث أن تتوالي الأشهر الناقصة أو الأشهر الكاملة مرة أو مرتين‏.‏ وإذا رئي الهلال الجديد ‏(رؤية شرعية صحيحة بعد غروب الشمس‏)‏ في مكان ما من الأرض‏,‏ فقد دخل الشهر بالنسبة لجميع الأماكن التي تشترك مع هذا المكان في خط اتحاد المطالع في هذا اليوم‏,‏كما أنه يجب أن يكون أكثر ظهورا في الأماكن التي تقع إلى الغرب من هذا الخط في جميع أنحاء الأرض‏,‏ وأما الأماكن التي تقع إلى الشرق من هذا الخط من خطوط اتحاد المطالع فإن الهلال الجديد يري فيها في الليلة التالية ويكون أكبر مساحة وأشد نورا ومعني حديث رسول الله ‏(صلى الله عليه وسلم‏)‏ الذي نحن بصدده أن علامة ابتداء الشهر القمري هي رؤية الهلال بعد غروب الشمس في الجو الصحو الذي لايحول فيه حائل دون الرؤية الصحيحة‏,‏ فإذا حال حائل دون ذلك فإن المسلمين أمامهم من أحاديث رسول الله خيار من اثنين هما‏:(1)‏ فإن غم عليكم فاقدروا له‏(2)‏ فإن غم
عليكم فأكملوا العدة‏,‏ ولا تستقبلوا الشهر استقبالا أي فاكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما‏.‏ فالتقدير للذين يملكون القدرة على الحساب والتقنيات التي تمكنهم من ذلك وإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما للذين لايملكون شيئا من ذلك‏.‏

فسبحان الذي ألهم خاتم أنبيائه ورسله حقيقة أن الشهر القمري إما أن يكون تسعة وعشرين يوما أو ثلاثين يوما‏,‏ وسبحان الذي علمه أن دخول الشهر الجديد وانتهاءه لا يكون إلا برؤية الهلال بعد غروب الشمس‏,‏ تيسيرا على الخلق‏,‏ وهي من الحقائق التي لم يدركها الإنسان إلا في القرنين الماضيين‏,‏ وورودها على لسان رسول الله ‏(صلى الله عليه وسلم‏),‏ وهو النبي الأمي الذي بعث في مجتمع بدائي لهو من أنصع الشهادات على صدق نبوته ‏(صلى الله عليه وسلم‏).‏

31- إن الحرم حرم مناء‏,‏ من السموات السبع والأرضين السبع

روى مجاهد عن رسول الله‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ قوله‏:‏ "إن الحرم حرم مناء من السموات السبع والأرضين السبع"‏.‏
ولفظة (مناء) معناها قصدة وفي حداه‏, (والمنا‏)‏ مقصور الذي يوزن به‏,‏ والتثنيه ‏(منوان‏),‏ والجمع‏(أمناء‏),‏ يقال داري‏ ‏منا‏‏ دار فلان أي في مقابلتها ومعني هذا الحديث الشريف أن الكعبة المشرفة هي مركز الكون‏,‏ لأن القرآن الكريم يقابل دوما بين الأرض والسموات‏,‏ على ضآلة حجم الأرض إذا قورنت بضخامة السماء‏,‏ وهذه المقابلة لا يمكن أن تكون إلا إذا كان للأرض موقع خاص في ركز الكون‏,‏ ويؤكد هذا الاستنتاج ما ذكره القرأن الكريم في عشرين آية مختلفة عن البينية التي تفصل السموات عن الأرض فقال عز من قائل‏:‏ "رب السموات والأرض وما بينهما" ولا يمكن لهذه البينية أن تقوم إلا إذا كانت الأرض في مركز الكون‏.‏

دليل ثالث من القرأن الكريم نقرأه في سورة الرحمن حيث يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏):‏ "يا معشر الجن والإنس إن استطتعم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لاتنفذون إلابسلطان‏ *‏ فبأي آلاء ربكما تكذبان‏‏"
وقطر أي شكل هندسي هذا الخط الواصل بين طرفين مرورا بمركزه‏,‏ ولايمكن أن تكون أقطار السموات هي أقطار الأرض إلا إذا كانت الأرض في مركز هذه السموات‏.‏

مما سبق يتضح جانبا من جوانب الإعجاز العلمي في حديث رسول الله‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ الذي نحن بصدده والذي يقول فيه إن الحرم حرم مناء من السموات السبع والأرضين السبع‏.‏
والأرضين السبع كلها في أرضنا يغلف الخارج منها الداخل‏,‏ والسموات السبع كلها محيطة بنا في نطاق واضح حول الأرض‏,‏ والكعبة المشرفة في وسط الأرض الأولى ‏(أي اليابسة‏)‏ وهي بذلك مناء من السماوات السبع والأرضين السبع‏.‏

وهذه حقائق لايمكن لعلم الإنسان أن يصل إليها لأن أقصى ما يمكن أن يصل إليه علم الإنسان هو شريحة صغيرة جدا من السماء الدنيا‏,‏ وحتي هذه الشريحة في تمدد مستمر بحيث أن الإنسان كلما طور أجهزته في محاولة لتجاوزها وجد أنها قد تجاوزته‏,‏ وذلك لأن أبعاد تلك الشريحة التي يراها من السماء الدنيا في تمدد مستمر بمعدلاتا تزيد على إمكانية تقنياته التي قد حققها‏..‏ فلا يصل إلى ذلك أبدا‏..!!‏
ولولا أن القرآن الكريم وأحاديث رسول الله‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ قد أعلمتنا أن هناك سبع سموات متطابقة‏,‏ وأن هناك سبع أرضين مثلها متطابقة ما كان أمام الإنسان من وسيلة لإدراك ذلك أبدا على الرغم من أن دراسات التركيب الداخلي للأرض قد أثبتت وجود سبعة نطق متمايزة يغلف الخارج منها الداخل‏,‏ خاصة وأن الدراسات الفلكية الحديثة قد أثبتت بالعديد من الأدلة الرياضية أن كوننا كون منحن؟‏,‏ وهذه الملاحظة وحدها كافية لإثبات تطابق كل من السموات السبع والأرضين السبع حول مركز واحد هو مركز أرضنا والذي تتوسط الكعبة المشرفة منها الأرض الأولى فتكون مناء من السماوات السبع والأرضين السبع من هنا تتضح لمحة من لمحات الاعجاز العلمي في قول المصطفي ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ إن الحرم حرم مناء من السموات السبع والأرضين السبع‏,‏ وقوله أيضا‏ (‏صلى الله عليه وسلم) في حديث آخر البيت المعمور منا مكة ووصفه إياه بأنه بيت في السماء السابعة على حيال الكعبة تماما حتى لو خرّ لخرّ فوقها‏.‏ وهذا كلام لا يمكن أن يصدر إلا عن نبي موصول بالوحي‏,‏ ومعلم من قبل خالق السموات والأرض‏,‏ فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وعلى من تبع هداه إلى يوم الدين‏.‏

32- نعم الإدام الخل

يروى عن رسول الله‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ أنه قال‏:‏ "نعم الإدام أو الإدم الخل".
وفي رواية أخرى أن رسول الله‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال "اللهم بارك في الخل فإنه كان إدام الأنبياء قبلي‏,‏ ولم يفتقر بيت فيه خل‏".‏

وعن جابر‏ (‏رضي الله عنه‏)‏ عن النبي ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ أنه قال‏:‏ نعم الأدم الخل‏.‏
وفي رواية‏:‏ "نعم الإدام الخل" و "الخل نعم الأدم هو" قال جابر‏:‏ مازلت أحب الخل منذ سمعت ذلك من رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏);‏ وقال طلحة‏:‏ مازلت أحب الخل منذ سمعته من جابر‏.‏


 

وقد أثبتت الدراسات العلمية أن الخل مضاد حيوي جيد يمنع تسوس الأسنان‏,‏ ويطهر الجهاز الهضمي إذ يقضي على ما به من جراثيم وطفيليات‏,‏ وينشط عمليات الهضم والأيض في الجسم‏,‏ ويعين على محاربة السمنة المفرطة‏,‏ وفي علاج كل من الربو والحساسية‏,‏ وحالات الإسهال الحاد‏ (لاحتوائه على عدد من المواد القابضة‏),‏ كما يعين في علاج ألم المفاصل وتلطيف أثار ولسعات النحل ولدغات غيره من الحشرات والحيوانات البحرية‏,‏ ويعجب القارئ لهذه الأحاديث النبوية الشريفة من وصف رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ للخل بأنه‏ (إدام‏), ‏و‏(‏الإدام‏)‏ هو ما‏ (يؤتدم‏)‏ به أي ما يتغذي به وما يطيب به الطعام‏,‏ يقال‏:‏ فلان‏ (أدم‏)‏ الخبز باللحم أي اتخذه‏ (إدام‏)‏ أي طعام‏.‏ ثم يأتي العلم التجريبي ليثبت لنا أن الخل هو محلول مخفف من حمض الخليك‏ (في حدود‏4‏ ـ ‏5%)‏

وهذا الحمض هو واحد من الأحماض الدهنية البسيطة المكونة للزيوت والدهون‏,‏ وهي من المكونات الأساسية للطعام لقيمتها الحرارية العالية‏,‏ وإن كان الإفراط في تناول الدهون قد يكون ضارا بالصحة‏.‏ ومن هنا فإن تركيز حمض الخليك في الخل بنسب تتراوح بين ‏4%‏ و‏5%‏ يوحي بأنه غذاء مناسب لصحة الإنسان إذ يعطيه الحد الادني من الدهون النباتية التي يحتاجها جسده‏,‏ دون تعريضه لمخاطر التركيز العالي للدهون الحيوانية‏,‏ والتي قد يؤدي تجمعها في جسد الإنسان إلى العديد من الأمراض‏.‏
وتناول الدهون باعتدال يعتبر من ضرورات الطعام الذي يتناوله الإنسان لاحتياج جسمه إليها‏,‏ وذلك لما لها من طاقة حرارية عالية‏,‏ وقدرة على بناء الخلايا بإذن الله‏,‏ ودورها في حمل الفيتامينات القابلة للذوبان فيها إلى جميع أجزاء الجسم‏,‏ بالاضافة إلى حاجة الجسم بصفة عامة إليها وإلى تحسينها لمذاق الطعام بصفة عامة‏.‏

والخل هو سائل قابض ينتج عن طريق أكسدة الكحوليات في أثناء عملية التخمر للحبوب مثل الشعير‏,‏ وللفواكه من التفاح والعنب‏,‏ ولعسل الدبس الناتج من عصائر تلك الفواكه‏.‏
وخل الشعير بني اللون‏,‏ وبتقطيره ينتج الخل الأبيض‏,‏ ويستخدم الخل في عمليات التخليل المختلفة‏,‏ وفي إعطاء الطعام نكهة خاصة‏.‏

ووصف رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ الخل بأنه‏ (إدام‏)‏ وبأنه‏ (نعم الإدام‏)‏ يعتبر سبقا علميا مبهرا لأنه لم يكن لأحد من الخلق في زمن الوحي‏,‏ ولا لقرون متطاولة بعده إدراك لقيمة الخل الغذائية‏.

33- خلق الله آدم على صورته‏..

يروى عن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أنه قال‏:‏ "خلق الله آدم على صورته‏,‏ طوله ستون ذراعا‏,‏ فلما خلقه قال‏:‏ إذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة جلوس فاستمع مايحيونك‏,‏ فإنها تحيتك وتحية ذريتك‏,‏ فقال‏:‏ السلام عليكم‏,‏ فقالوا‏:‏ السلام عليك ورحمة الله‏,‏ فزادوه‏:‏ ورحمة الله‏,‏ فكل من يدخل الجنة على صورة آدم‏,‏ فلم يزل الخلق ينقص بعد حتي الآن"‏.‏

والحديث به إشارة إلى ثلاث حقائق علمية مبهرة هي‏:‏
‏(1)‏ أن الله تعالى خلق آدم على صورته‏,‏ أي على صورة آدم عليه السلام‏.‏
‏(2)‏ أن طول آدم‏ (عليه السلام‏)‏ كان ستين ذراعا‏.‏
‏(3)‏ أن الخلق لم يزل ينقص في الطول حتي الآن‏.‏

وكان انبهار الناس بفكرة التطور العضوي قد دفع بالكثيرين إلى محاولة ربط الإنسان بتلك السلسلة الطويلة من الخلق دون دليل واضح على الرغم من نقص السجل الأحفوري والثغرات العديدة التي تتخلله‏,‏ وذلك استنادا إلى قدم سجل الحياة على الأرض‏ (‏تساوي ‏3800‏ مليون سنة على الأقل‏),‏ وإلى تدرج عمارتها بأنماط متعاقبة من الخلق التي ازدادت في العدد وفي تعقيد البناء مع الزمن باستمرار‏.‏
ويأتي حديث رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ مؤكدا حتمية الخلق‏,‏ ومؤيدا خلق الإنسان خلقا خاصا على الرغم من تضاؤل حجمه مع الزمن‏.‏
ويأتي العلم الكسبي مؤيدا ذلك بناء على الملاحظات التالية‏:‏

‏(1)‏ إن لبنة بناء الخلية الحية تتمثل في الجزيء البروتيني‏,‏ والعلم التجريبي يؤكد استحالة تكونه‏,‏ بمحض الصدفة نظرا لشدة تعقيده أولا‏,‏ ولأنه ثانيا مادة غير حية بذاته ولكنه ينشط في داخل الخلية الحية‏;‏ وكذلك الأحماض الأمينية التي يتركب منها الجزيء البروتيني‏.‏
‏(2)‏ إن الخلية الحية بالغة التعقيد في بنائها‏,‏ وفي قدرتها على أداء الوظائف المناطة بها مما ينفي إمكانية وجودها دون تخطيط مسبق حكيم‏;‏ وجد الإنسان مبني من مئات البلايين من الخلايا الحية التي تتنوع بتنوع وظائفها ويتجمع كل نوع منها في أنسجة متخصصة‏,‏ وتتجمع الأنسجة المتخصصة في أعضاء محددة والأعضاء في أجهزة معينة تتعاون في تناغم عجيب على خدمة الجسد الحي‏,‏ وفي تمكينه من القيام‏,‏ بمختلف أنشطته‏.‏
‏(3)‏ والخلية الحية في جسم الإنسان لايتعدي قطرها‏0,03‏ من الملليمتر‏,‏ وهي تحمل بداخلها نواتها‏,‏ والنواة تمثل عقل الخلية الحاكم بما تصدر من أوامر بدقة بالغة‏,‏ وكل نواة تحمل عددا محددا من الصبغيات‏ (‏الكروموسومات‏)‏ ويميز عدد الصبغيات كل نوع من ملايين أنواع المخلوقات‏,‏ وبلايين أفراد كل نوع فالإنسان ــ على سبيل المثال ــ تحمل كل نواة خلاياه‏46‏ صبغيا في ثلاثة وعشرين زوجا ‏(‏ماعدا الخلايا التناسلية التي تحمل نصف هذا العدد حتي إذا ما اتحدت تكامل عدد الصبغيات في البويضة الملقحة‏).‏
‏(4)‏ وصبغيات الخلية الإنسانية الواحدة تشغل مساحة في داخل النواة لاتزيد على واحد من المليون من الملليمتر المكعب‏,‏ ولكنها إذا فردت فإن طولها يقارب المترين‏;‏ وعلى ذلك فإن طول الشفرة الوراثية في جسد فرد واحد من البشر يزيد على المسافة بين الأرض والشمس وهي مقدرة بحوالي‏150‏ مليون كيلو متر‏.‏
‏(5)‏ والشفرة الوراثية المحمولة على صبغيات خلية واحدة من خلايا جسم الإنسان تحمل‏18.6‏ بليون جزيء من القواعد النيتروجينية والسكر والفوسفات‏,‏ موزعة بالتساوي بين هذه المركبات الثلاث‏,‏ ومرتبة في‏3,1‏ بليون من النويدات الموزعة في حوالي بليون شفيرة تكتب بها صفات الجسد كله‏;‏ ولو تعرض هذا البناء في ترتيب لبناته إلى أقل قدر من التغيير فإما أن يشوه أو أن ينهار بالكامل‏.‏
‏(6)‏ ومن المبهر في هذه الشفرة الوراثية التي تحمل أسرار الخلية الحية أن الحمض النووي الذي تكتب به حروفها يتطابق تركيبه الكيميائي بين أي فردين من أفراد البشر بنسبة‏99.9%‏ مهما تباعدت أصولهما‏,‏ وعلى الرغم من ذلك يبقي لكل فرد من البلايين التي تحيا اليوم‏,‏ والتي عاشت وماتت‏,‏ والتي سوف تأتي من بعدنا شفرة وراثية مميزة تفوق في الدقة شفرة إبهامه‏.‏
أما عن ضخامة جسم أبينا آدم‏ (‏عليه السلام‏)‏ فالسجل الأحفوري يشهد للكائنات بتضاؤل الأحجام مع الزمن‏,‏ وباستمرار ذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها‏.‏
وهنا تتضح هذه الإشراقات النورانية في حديث رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ومنها القضاء على دعاوي التطور العضوي‏,‏ والتأكيد على الخلق بصفة عامة‏,‏ وعلى خلق الإنسان بصفة خاصة وهي من الحقائق التي بدأ العلم الكسبي في الوصول إليها‏.‏

34- العدس.. أكله يرقق القلب،‏ ويدمع العين‏، ويذهب الكبر

روى الإمام البيهقي عن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أنه قال في العدس‏:‏ "أكله يرقق القلب‏,‏ ويدمع العين‏,‏ ويذهب الكبر"

والعدس نبات عشبي‏,‏ حولي‏,‏ من نباتات المحاصيل البذرية وهي نباتات عشبية من ذوات الأوراق المركبة الريشية‏,‏ أو الراحية‏,‏ أو الثلاثية‏,‏ وثمارها قرنية‏,‏ وبذورها عديمة الإندوسيرم‏,‏ وتشمل العديد من نباتات المحاصيل من مثل الفول‏,‏ البلاذلاء‏,‏ الحمص‏,‏ الفاصوليا‏,‏ اللوبيا‏,‏ الترمس‏,‏ والفول السوداني‏,‏ وفول الصويا‏,‏ والحلبة‏.‏


 

وزهرة العدس بيضاء اللون مشربة بالبنفسجية‏,‏ وثمرته من البقول قصيرة‏,‏ مفلطحة‏,‏ تحتوي على بذرة واحدة أو على بذرتين‏,‏ وللبذرة قشرة بنية داكنة تحوي فلقتين بلون برتقالي ضارب للصفرة‏.‏


 

وتحتوي حبوب العدس على نسبة عالية من البروتين‏ (24%),‏ والكربوهيدرات ‏(26%),‏ والدهون ‏(1,4%),‏ بالإضافة إلى نسب متباينة من مركبات كل من الفوسفور‏,‏ والمغنيسيوم‏,‏ والكالسيوم‏,‏ والناتريوم‏,‏ والبوتاسيوم‏,‏ والحديد‏,‏ والمنجنيز‏,‏ والزنك‏,‏ والنحاس‏,‏ ونسب متباينة كذلك من الفيتامينات أ‏,‏ ب‏1,‏ ب‏6,‏ ج‏,‏ د‏,‏ وأعداد من الهرمونات والإنزيمات‏.‏

والعدس المستنبت تتعاظم فوائده مرات عديدة حيث تتضاعف فيه نسب كل من الفيتامينات والهرمونات والإنزيمات مع التميؤ المصاحب لعملية التبرعم‏,‏ وتتحول إلى مركبات أكثر سهولة لاستيعاب جسم الإنسان‏;‏ وإن كانت عملية استنبات العدس تحتاج إلى مراقبة جيدة لأنها لو تجاوزت الوقت المحدد ظهرت الأوراق‏,‏ وبظهورها تفقد البذور جزءا من قيمتها الغذائية‏,‏ وحبوب العدس المطبوخة لها قيمة غذائية كبيرة‏,‏ ونابتها يمثل علاجا لكثير من الأمراض من مثل فقر الدم‏,‏ وقشرها يعالج الإمساك‏,‏ ويعمل على إدرار البول‏,‏ وهو مضاد لكثير من الفطريات ولذا فإنه يساعد على حفظ الأسنان من التسوس‏,‏ ولصقات وكمّادات معجون العدس المسلوق تفيد في علاج الالتهابات‏,‏ والجروح‏,‏ ودماميل مختلف القروح‏.‏

والعدس من النباتات المعروفة منذ القدم‏,‏ فقد عرف في معظم الحضارات البائدة‏,‏ وعرفه قدماء المصريين‏,‏ وجاء ذكره مرة واحدة في القرآن الكريم حيث يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ مخاطبا قتلة الأنبياء من حثالات الأمم ونفايات الشعوب، اليهود: "وإذ قلتم ياموسي لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون" ‏(البقرة‏:61).‏

والعدس من الأكلات الشعبية‏,‏ على الرغم من قيمته الغذائية والطبية العالية ولذا قال فيه رسول الله‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ إن أكله يرقق القلب‏,‏ ويدمع العين‏,‏ ويذهب الكبر‏.‏

والعدس لم يكن شائعا في جزيرة العرب على عهد رسول الله‏ (‏صلي الله عليه وسلم‏),‏ ولذلك يعتبر وصفه له من معجزات هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم الذي وصفه ربنا‏ (‏تبارك وتعالى‏)‏ بقوله العزيز‏:‏ "وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى" ‏(النجم‏:3‏ ـ ‏5).‏

35- في جسم الإنسان ‏360‏ مفصلاً

روى الامام مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين السيدة عائشة‏ (‏رضي الله عنها‏)‏ أن رسول الله ‏(صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال‏:‏ "إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل‏,‏ فمن كبر الله‏,‏ وحمد الله‏,‏ وسبح الله‏,‏ واستغفر الله‏,‏ وعزل حجراً من طريق الناس‏,‏ أو شوكة أو عظماً عن طريق الناس‏,‏ وأمر بمعروف‏,‏ ونهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة سلامى فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار" ‏(صحيح مسلم‏:1007), 698/2).‏

والسلامى هي المفصل‏ (‏وهي اسم للواحد وللجمع معا‏ً)‏ وقيل أن السلامى والسلاميات هي في الأصل عظام الأصابع وسائر الكف‏,‏ ثم استعملت للتعبير عن جميع عظام البدن‏,‏ ومفاصل تلك العظام‏ (‏أي مواضع التقاء العظام بعضها مع بعض‏)‏ وأغلبها متحرك‏,‏ ولكن بعضها ثابت كمفاصل جمجمة الرأس‏.‏
ومن معاني هذا الحديث الشريف أن على الانسان أن يقدم الشكر لله‏ (‏تعالى‏)‏ في كل يوم على ما وهبه من هيكل عظمي منتصب‏,‏ مستقيم‏,‏ ميزه الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ به عن جميع الخلائق‏,‏ وكونه من عدد هائل من العظام الكبيرة والدقيقة‏,‏ التي تحمي الأجزاء اللينة من جسمه‏,‏ وتعطيه الدعم اللازم وجعل بين كل عظمتين منهما مفصلا يتيح قدراً من مرونة الحركة تسمح للانسان بالوقوف‏,‏ والجلوس‏,,‏ والانحناء‏,‏ والتثني‏,‏ والبسط والقبض وغير ذلك من الحركات التي مكنت الانسان من القيام بكل ما يحتاجه من أعمال‏,‏ وأعطته الفرصة لاكتساب المهارات المختلفة في حياته الدنيا‏,‏ والقيام بواجبات الاستخلاف فيها على الوجه الأمثل‏.‏

ومن الثابت علمياً اليوم أنه بدون هذه المفاصل في جسم الإنسان ما كان ممكنا له أن يستمتع بوجوده في هذه الحياة‏,‏ ولا أن يقوم بواجبات الاستخلاف فيها‏,‏ ومن هنا كان على الانسان واجب الشكر لله‏ (‏تعالى‏)‏ في كل يوم على هذه النعمة التي تشهد للخالق‏ (‏سبحانه وتعالى‏)‏ بروعة التقدير في كل خلق‏.‏

والأمر المعجز في هذا الحديث أن يحدد المصطفى‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ عدد مفاصل جسم الإنسان هذا التحديد الدقيق في زمن لم يكن متوافرا لأحد من الخلق أدنى علم بذلك‏.‏ والغالبية الساحقة من الناس اليوم في مطلع القرن الحادي والعشرين لا تعرف ذلك‏,‏ بل إن عدداً كبيراً من أساتذة الدراسات الطبية لا تعرفه‏..!!‏

حتى تحدد مؤخراً أن عدد المفاصل في جسم الانسان هو ثلاثمائة وستون مفصلا كما حدده المصطفي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ من قبل أربعة عشر قرنا.

منها ‏147‏ مفصلاً بالعمود الفقري‏, 24‏ مفصلاً بالصدر‏, 86‏ مفصلاً بالنصف العلوي من الجسم‏, 88‏ مفصلاً بنصفه السفلي‏, 15‏ مفصلاً بالحوض‏.‏

والسؤال الذي يفرض نفسه‏:‏ من غير الله الخالق يمكن أن يكون قد علم خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ بتلك الحقيقة العلمية المتخصصة جدا‏,‏ والتي لم يصل علم الانسان اليها إلا في أواخر القرن العشرين كما وضح ذلك الدكتور حامد أحمد حامد في كتابه المعنون "رحلة الإنسان في جسم الانسان"..؟

ومن الذي كان يمكن أن يضطر المصطفى‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ للخوض في أمر غيبي كهذا؟ لولا أن الله‏ (‏تعالى‏)‏ يعلم، بعلمه المحيط، أن الإنسان سيصل في يوم من الأيام إلى إدراك هذه الحقيقة التشريحية لجسم الإنسان فتكون هذه الومضة النورانية في هذا الحديث الشريف شهادة صدق على نبوة هذا الرسول الخاتم‏,‏ وعلى صدق اتصاله بوحي السماء‏,‏ فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلى الله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏.‏

36- فضل الحجامة

أخرج الإمام البخاري في صحيحه‏,‏ كتاب الطب‏,‏ حديث رقم‏ (5269,5267,5251)‏ عن جابر بن عبدالله‏ (‏رضي الله عنه‏)‏ أن رسول الله ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال‏:‏ "إن كان في شئ من أدويتكم ‏(أو يكون في شئ من أدويتكم‏)‏ شفاء‏ (‏خير‏)‏ ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء وما أحب أن أكتوي"‏.‏


 

وأخرج الحديث ‏(‏رقم ‏5249)‏ برواية عن ابن عباس ‏(‏رضي الله عنهما‏)‏ عن النبي‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ أنه قال‏:‏ "الشفاء في ثلاثة‏:‏ في شرطة محجم‏,‏ أو شربة عسل‏,‏ أو كيه بنار وأنا أنهى أمتي عن الكي‏".‏


 

وهذا الحديث أورده أيضا الإمام ابن ماجه في سننه ‏(‏حديث رقم ‏3482)‏ والمحجم‏ (‏والمحجمة‏)‏ هو ما يحتجم به من مشرط وأدوات مساعدة‏,‏ والحجم في اللغة هو المص‏,‏ والحجام هو الذي يقوم بعملية الحجامة‏,‏ والفعل منها‏ (‏حجم ـ يحجم‏)‏ بكسر الجيم وضمها‏.‏

وتعتمد عملية الحجامة على خلخلة الهواء فوق الأجزاء المتضررة من الجسم‏,‏ أو فوق نقاط محددة منه‏,‏ وذلك بواسطة كاسات ذات فتحتين توضع إحداهما فوق الموضع المحدد من الجسم ويشفط الهواء من الأخرى فتبرز منطقة الجلد تحت الكأس مما يساعد على امتصاص العديد من الغازات الضارة المتجمعة تحت الجلد في ذلك الموضع وتعرف هذه بالحجامة الجافة‏,‏ فإذا شرط الجلد بمشرط على هيئة جروح سطحية بسيطة بطول لا يتجاوز الثلاثة سنتيمترات‏,‏ وبعمق لا يتجاوز الملليمتر ونصف فإن الدم يسيل من تلك الجروح لأن طبقة الجلد البارزة تكون محتقنة به‏,‏ فيفصد الدم بالشفـط‏.‏ وقد استخدمت الحجامة في عدد من الحضارات القديمة‏,‏ وعرفها العرب في جاهليتهم‏,‏ وأقرهم رسول الله‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ على استخدامها‏,‏ ثم انتقلت إلى أوروبا عبر الوجود الإسلامي في الأندلس الذي استمر لأكثر من ثمانية قرون‏,‏ وبقي استخدامها إلى اليوم مع تطوير أجهزتها في ضوء التقنيات الحديثة‏.‏

وقد أوصى رسول الله‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ باستخدام الحجامة في حالات كثير من الأمراض من مثل أوجاع الرأس الشديدة‏ (‏الصداع‏),‏ وارتفاع ضغط الدم‏,‏ والالتواء الشديد للمفاصل‏,‏ وآلام الظهر وغيرها‏.‏ وقد أكدت البحوث الطبية جدوى الحجامة في معالجة العديد من الأوجاع‏,‏ ويشبه عمل الإبر الصينية‏,‏ وأعمال العلاج الطبيعي إلى حد بعيد، عملية الحجامة التي تؤثر على الجزء المصاب أو الذي يعاني من الآلام في جسم المريض فتنطلق نبضات حسية من مكان الإصابة أو الألم على هيئة استغاثة إلى مراكز الحس والتحكم غير الإرادي بالدماغ‏,‏ في صورة أعداد من الهرمونات وغيرها من المركبات الكيميائية‏,‏ فيرسل المخ على الفور إلى جميع الأجهزة المتحكمة في مختلف عمليات الجسم الحيوية أمرا بإسعاف الجزء المستغيث من الإصابة أو الآلام‏,‏ وإعانته على تجاوز ما هو فيه بالوسائل المناسبة‏,‏ وقد ثبت طبيا أن أفضل العلاج هو ما يقوم به جسد الإنسان بذاته‏,‏ والحجامة وسيلة من وسائل استثارة الجسد للقيام بذلك‏.‏

وفي إقرار رسول الله‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ للحجامة كوسيلة من وسائل العلاج الناجع إقرار لضرورة العلاج من الأمراض والأوجاع بكل الوسائل العلمية المتاحة‏,‏ ولذلك قال ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏):‏ "نعم العبد الحجام‏,‏ يذهب الدم‏,‏ ويخف الصلب‏,‏ ويجلو عن البصر‏" (‏الترمذي‏),‏ وقال‏:‏ "لكل داء دواء‏,‏ فإذا أصاب دواء الداء برأ بإذن الله‏" (‏مسلم‏),‏ وقال‏:‏ "تداووا عباد الله فإن الله سبحانه لم يضع داء إلا وضع معه شفاء إلا الهرم‏" (‏ابن ماجه‏).‏

وإقرار ذلك في زمن سيادة الشعوذات والسحر شهادة له (صلى الله عليه وسلم) بالنبوة وبالرسالة‏.‏

37- يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب

هذا الحديث الشريف أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين السيدة عائشة‏ (‏رضي الله عنها‏),‏ وأورد له روايات أخرى منها‏:‏ إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة‏ (‏صحيح مسلم‏:2615)‏ ومنها‏:‏ يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة ‏(‏صحيح مسلم‏:2616)‏

وذهب أغلب الفقهاء إلى أنه لا يحرم من الرضاعة إلا ما كان دون الحولين‏,‏ فإن ارتضع الرضيع وهو فوق السنتين من العمر فلا يحرم‏,‏ وذلك إستنادا إلى قول رسول الله‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏):‏ لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي‏,‏ وكان قبل الطعام‏,‏ والطعام يعطى بعد الفطام‏,‏ والفطام يتم في حولين كاملين‏,‏ ولذلك قال المصطفى (‏صلي الله عليه وسلم‏):‏ "لا رضاعة إلا ما كان في الحولين‏".‏
وهذا التحديد الدقيق للفترة المثلى للرضاعة الطبيعية‏,‏ وتأثيرها على الرضيع في العامين الأولين من عمره أكدته الأبحاث الطبية مؤخرا بما أثبتته من علاقة مع بناء الجهاز المناعي في جسم الرضيع على هيئة أجسام مضادة تنتقل إليه عن طريق لبن الأم باستمرار حتى يصبح جسم الرضيع قادرا بنفسه على إنتاج هذه الأجسام الخاصة به ولذلك حرم الإسلام الزواج بين الذين اشتركوا في الرضاع من ثدي امرأة واحدة خمس رضعات مشبعات على الأقل في خلال العامين الأولين من عمر كل منهم‏,‏ واعتبرهم إخوة من الرضاعة‏,‏ واعتبر مرضعتهم أمّاً لهم من الرضاعة‏,‏ تنطبق عليها كل حقوق الأمومة إلا الإرث‏,‏ ويحرم من هذه الصلة ما تحرمه الأمومة بالنسب‏.‏ وذلك لأن علاقات النسب بالبنوة والأخوة تعني إشتراك أفراد الأسرة الواحدة في التركيب المناعي الموروث‏,‏ مع وجود بعض الفروق الفردية المميزة لكل فرد من أفراد الأسرة‏,‏ ولذلك حرم الإسلام الزواج بين إخوة الرضاعة كتحريم الزواج بين أخوة النسب‏.‏
هذا على الرغم من أن التزاوج بين الأخ وأخته كان مسموحا به في بدء خلق الإنسان في الأسرة الأولى التي بدأها الله‏ (‏تعالى‏)‏ بأب واحد وأم واحدة كانا هما أبانا آدم ‏(‏عليه السلام‏)‏ وأمنا حواء‏ (‏عليها رضوان الله‏),‏ وحتى في هذه الحالة الاستثنائية اشترط الشرع الإلهي تحقيق قدر من التباعد وذلك بتزويج الأخ من الأخت المخالفة له في توقيت الولادة‏,‏ بمعني أنه لم يكن مسموحا بالتزاوج بين أخ وأخت توءم ولدا من نفس البطن‏,‏ وفي نفس الوقت‏,‏ إنما المسموح به كان زواج الأخ والأخت المتخالفين في البطن وفي توقيت الولادة ثم أوقف ذلك التشريع بعد آدم وحواء ‏(‏عليهما من الله السلام‏).‏

وقد ثبت علميا أن الغالبية العظمى من الأمراض الوراثية التي تظهر في المواليد ناتجة عن استمرار التزاوج بين الأقارب من داخل الأسرة الواحدة لعدة أجيال مما له أثر بالغ على إضعاف النسل‏,‏ وعلى سيادة عدد من الصفات السلبية التي عادة ما تكون مستترة متنحية‏,‏ كما يظهر ذلك عن النسل الناتج من التزاوج بين إخوة الرضاعة للتشابه الكبير في التركيب المناعي الموروث عن طريق اللبن الذي أرضعوه وهم دون السنتين من العمر‏.‏ ويظهر ذلك جليا في حالات نقل وزراعة الأعضاء بين أفراد الأسرة الواحدة‏.‏
ويعجب الإنسان من هذا التنبيه النبوي الشريف‏,‏ وما يحتويه من حقائق علمية دقيقة لم تعرف إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ ونطقه‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ بها من قبل ألف وأربعمائة سنة لمما يشهد له بالنبوة وبالرسالة رغم إنكار الكافرين والمشركين والمتشككين‏.‏

38- حديث الذباب

الحديث: "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء"‏. (‏صحيح البخاري‏:5782,332)‏.

هذا الحديث الشريف رواه كذلك كل من الأئمة أبو داود‏,‏ والبيهقي‏,‏ والنسائي‏,‏ وأحمد‏,‏ وابن ماجه‏,‏ والدارمي‏,‏ وابن حيان‏,‏ وابن خزيمة وغيرهم‏,‏ وزاد أبو داود في روايته "وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء"‏.‏


 

ومن معاني الحديث الشريف أن الذبابة تحمل في إحدى جناحيها داء‏,‏ وفي الجناح الاخرى شفاء من هذا الداء‏.‏ وفي تعجل من فهم دلالة هذا الحديث الشريف امتعض بعض قارئيه من إمكانية غمس الذبابة في شراب أو طعام ثم تناوله‏,‏ ونسي هؤلاء أن ذلك يتم في حالات الضرورة القصوي كأن يكون الإنسان في قلب الصحراء ولا يملك إلا هذا الكأس من الشراب‏,‏ وقد يوشك على الهلاك إذا فقده‏,‏ فدرءاً للخطرين‏:‏ خطر الهلاك من الجوع أو العطش‏,‏ وخطر الهلاك مما أنزل الذباب في شرابه من فيروسات وجراثيم وبكتيريا‏,‏ جاء الأمر النبوي الشريف بغمس الذبابة في الشراب حتى يتقى بمقومات الشفاء في إحدى جناحي الذبابة‏،‏ ما في جناحها الأخرى من داء‏,‏ ومن لا تقبل نفسه ذلك فلا يوجد في نص الحديث ما يضطره إليه أو يجبره عليه‏,‏ ويؤكد ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري‏ (‏رضي الله عنه‏)‏ أن النبي ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ نهى عن النفخ في الشراب‏,‏ فقال رجل‏:‏ القذاة أراها في الإناء؟ فقال ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏):‏ "أهرقها‏".‏

وعليه فلا يجوز لأي إنسان أبدا ينطلق من موقف شخصي بحت إلى التشكيك في صحة الحديث الشريف لمجرد أن نفسه عافت شرابا غمس فيه الذباب‏.‏ وهو المعروف بحمله للكثير من مسببات الأمراض‏,‏ وذلك لأن سند الحديث صحيح‏,‏ ومتنه صحيح من الناحيتين العلمية والتطبيقية‏.‏ فمن الناحية العلمية ثبت أن الذباب وهو من الحشرات الشائعة الانتشار على سطح الأرض إذ يمثل بحوالي سبعة وثمانين ألف نوع‏,‏ كلها تتغذي على النفايات وما بها من المواد العضوية المتعفن حيث تنتشر الفيروسات والبكتيريا والجزاثيم بمختلف أنواعها وأغلبها من مسببات الأمراض‏,‏ ومن طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق إيجاد كل شيء في زوجية واضحة‏ حتي يبقى ربنا‏ (‏تبارك وتعالى‏)‏ متفردا بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ فخلق البكتيريا وأضدادها أو ما يسمي باسم "عاثية البكتيريا‏".‏
وإذا التقى الصنفان فإن عاثية البكتيريا تقضي على البكتيريا كذلك خلق من كل نوع من الفيروسات والجراثيم ماهو ضده‏,‏ وإذا التقت الأضداد قضت على بعضها بعضا‏.‏

وقد أعطى الله‏ (‏تعالى‏)‏ للذباب ـ وهو من الحشرات الضعيفة ـ القدرة على حمل الفيروسات والبكتيريا والجراثيم على إحدى أجنحتها‏,‏ وحمل أضاد ذلك على الجناح الآخر‏.‏
ومن الناحية التطبيقية قامت مجموعات من أبحاث المسلمين بإجراء العديد من التجارب على أنواع متماثلة من الأشربة غمس الذباب في بعضها ثم أخرج منها‏,‏ وترك ليقع على البعض الآخر ثم يغادرها دون غمس فيها‏,‏ وعند الفحص المجهري اتضح خلو الأشربة التي غمس فيها الذباب من مسببات الأمراض‏,‏ وامتلاء الأشربة التي حط عليها الذباب دون غمس بتلك المسببات من مختلف أصناف الفيروسات البكتيريا والجراثيم‏.‏

والسؤال الذي يطرح نفسه هو‏:‏ من غير الله الخالق يمكن أن يكون قد أخبر المصطفى‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ أن الذباب يحمل على إحدى جناحيه داء ويحمل على الآخر الدواء؟ وذلك من قبل أربعة عشر قرنا‏...!!‏ واكتشاف الأضاد الحيوية لم يتم إلا في القرن الماضي‏...!!‏


 

وعلى ذلك فإن هذا الحديث الذي أثار جدلاً طويلاً يعتبر من أعظم الشهادات على صدق نبوة ورسالة هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏,‏ والحمد لله رب العالمين‏.

Share:
Copy © متعة التعلم | Powered by Blogger Distributed By Protemplateslab & Design by ronangelo | Blogger Theme by NewBloggerThemes.com