مدونة الدروس الصوتية والكتب في التنمية الذاتية و تطوير النفس وتعلم الأشياء المفيدة في حياتك

كتاب المقتبس من أنباء الأندلس

كتاب  المقتبس من أنباء الأندلس

أبي حيان القرطبي

سنة اثنتين وثلاثين ومائتين

فيها تقلب موسى بن موسى القسوي عن الطاعة وأعند بتحامل عبد الله بن كليب عامل الثغر عليه ومد يده إلى بعض أمواله فأحفظه ذلك وهاج حميته وتحرك إلى تطيلة وابن كليب داخلها فطمع أن ينتهز منه فرصة فاحتجز عنه عبد الله بحصانتها ولم يؤته حرباً واستغاث بالأمير عبد الرحمن فأخرج إليه ابنه محمداً بالصائفة وقاد معه محمد بن يحيى بن خالد فاحتل عليه محمد بالجيوش فأذعن موسى واعترف بالذنب وسأل العفو فسارع الولد محمد إلى إجابته وتطمينه وإقراره على حاله وتقدم بالصائفة إلى بنبلونه فجال بأرضها وأداخلها ونكأ العدو أبرح نكاية.
وفيها عزله الأمير عبد الرحمن حارث بن بزيع عن طليطلة في شوال منها وولاها محمد بن السليم.
وفيها كان القحط الذي عم الأندلس فهلكت المواشي واحترقت الكروم وكثر الجراد فزاد في المجاعة وضيق المعيشة.
وفيها استأمن غليالم بن برناط بن غليالم أحد عظماء قوامس إفرنجة على الأمير عبد الرحمن بقرطبة فأكرمه وأحسن إليه وإلى أصحابه وصرفه معهم إلى الثغر لمغاورة الملك لذويق بن قارله بن ببين صاحب الفرنجة وكانت بينه وبين قواد لذويق وقائع ظهر عليهم فيها وأعانه عمال الثغر فأثخن العدو وأقام بمكانه ظاهراً على من انتقض عليهم من أمته مدة وكتبه إلى الأمير متصلة.

سنة ثلاث وثلاثين ومائتين

فيها في شعبان منها عزل الأمير عبد الرحمن محمد بن السليم عن طليطلة وولاها بعده أيوب بن السليم.

سنة أربع وثلاثين ومائتين

فيها غزا بالصائفة المنذر بن الأمير عبد الرحمن وقاد عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني ودبرا الوزير يحيى بن خالد.
وفيها أغزى الأمير عبد الرحمن أسطولاً من ثلاثمائة مركب إلى أهل جزيرتي ميورقة ومنورقة لنقضهم العهد وإضرارهم بمن يمر إليهم من مراكب المسلمين ففتح الله للمسلمين عليهم وأظفرهم بهم فأصابوا سباياهم وفتحوا أكثر جزائرهم وأنفذ الأمير فتاة شنظير الخصي إلى ابن ميمون عامل بلنسية ليحضر تحصيل الغنائم ويقبض الخمس وكان قد صالح بعض أهل تلك الحصون على ثلث أموالهم وأنفسهم وأحصيت ربعهم وأموالهم وقبض ما عليه صولحوا.
وفيها ظهر غليالم بن برناط بن غليالم النازع إلى الأمير عبد الرحمن القادم إلى باب سدته في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين على من حاده من أمته أهل إفرنجة الذي نصبه الأمير عبد الرحمن لمغاورتهم وأمده بقوته فاقتحم عليهم بلده في جمعه فقتل وسبى وحرق وخرب وحاصر برشلونه حتى أضربها وتقدم إلى جرندة فشارفها وورد كتابه على الأمير عبد الرحمن يعترف بما كان منه ويذكر تماديه عليه فأجيب بالإحماد لفعله والإرصاد لمكافأته وكتب إلى عبيد الله بن يحيى عامل طرطوشه وإلى عبد الله بن كليب عامل سرقسطة في إمداده ومعونته وتحريضه على شقاق قومه وتأييد عزيمته.
وفي شهر رمضان منها عزل أيوب بن السليم عن طليطلة ووليها يوسف بن بسيل. وفيها عزل الأمير عبد الرحمن معاذ بن عثمان عن القضاء بقرطبة وولى مكانه محمد ابن زياد.
وفيها خرج فرج بن خير الطوطالقي بدنهكة وأروش فأظهر المعصية وجمع أهل الفساد فعالجه الأمير عبد الرحمن بالخيل فحوصر حتى أذعن بالطاعة وعاد إلى الجماعة فاصطنعه الأمير ورفع مرتبته وولاه كورة باجة فلم يلبث أن انتقض عليه إلى مديدة وجرت منه خطوب أفسدت الصنيعة ومن ولده بكر بن سلمة المستنزل من ناحية الغرب أيام الخليفة الناصر لدين الله.

سنة خمس وثلاثين ومائتين

فيها ورد كتاب أهل ميورقة على الأمير عبد الرحمن بن الحكم مستغيثين مما دهمهم من سخطه مستقيلين لعثراتهم لديه راغبين في صفحه وإقالته فعطف عليهم وأقالهم زلتهم وأجابهم إلى مسألتهم وأعطاهم ذمته وجدد لهم عهده.
وفي آخرها عاد موسى بن موسى القسوي إلى الخلاف وكشف وجهه بالمعصية فأفسد ما حوالي مدينة تطيله وعاث حوز طرسونة وبرجة وظاهره أخوه لأمه العلج ابن ونقه ببنبلونة فخرج إليه بالصائفة عباس بن الوليد المعروف بالطبلي فعاد إلى الطاعة واستقال الزلة وبذل إسماعيل ابنه رهينة فعاد الأمير إلى القبول منه والاستظهار عليه وأخرج بيعته والتوثق منه وقبض رهينته خالد بن يحيى ومحمد بن الوليد ومطرف بن نصير فتمموا سلمه وتوثقوا من عهده وجدد له الأمير الولاية على تطيلة ودخل أخوه العلج ابن ونقه صاحب بنبلونة معه في الأمان وقبض الأمناء المخرجون إلى موسى رهينته التي كانت ولده إسماعيل الذي هو لابنة عمه ميمونة فأقبل عباس الطلبي بالعسكر إلى الحضرة لتأخر الوقت عن دخول أرض الحرب وما تولى إسماعيل بن موسى رهينة أبيه موسى في يد الأمير عبد الرحمن أن هرب من يده عن قرطبة حاناً إلى ما فارقه من الشقاق ذاهلاً عما كان فيه من غضارة المعيشة لتوسعه في القطائع المنيفة والصلات الجزلة فرفض ذلك كله وسما للمعصية وأمر الأمير بقص أثره فلم يبعد أن جئ به إليه من طريق الثغر وقد انتهى إلى وادي آنة فقبض عليه هناك بعض من عرف خبره ورده للأمير عبد الرحمن بقرطبة فعفا عنه وأغضى عن زلته وخلاه على ما كان عليه من سعة قطائعه.
وفيها سيلان عظيمان بنهر قرطبة في شهر رجب القمري الموافق لشهر ينير الشمسي رأس سنة العجم بالأندلس عداً في أمهات السيول وحمل وادي شنيل أيضاً وطغى مدة وأخرب حنيتين من قنطرة مدينة إستجة وأبطل عدداً من أرجائها وطمى السيل أيضاً بكورة إشبيلية التي بها قراره فذهب مده في مجتمعه هناك بست عشرة قرية ما بين البحر وحاضرة إشبيلية ...........
فيها من ناس وبهائم وأمتعة فكان ذلك حدثاً عظيماً تحدث الناس عنه زماناً.
وفيها هلك الطاغية رذمير بن أردميس ملك الجلالقة فولى ابنه أردون وكانت ولاية رذمير

سنة ست وثلاثين ومائتين

فيها ورد كتاب للأمير من عبيد الله بن يحيى من الثغر الأعلى يذكر استغناءه عن العدة التي قد أمر باحتباسها قبله من الحرس واكتفاءه بمائة وثلاثين غلاماً ذكر أنهم معه من مواليه وغلمانه يرضى بسالتهم ويحمد مذاهبهم ويسكن إليهم ويجتزى بخدمتهم لما أصبح الثغر بحمد الله من السكون والهدوء ووقم العدو بحروب بارتضاء رأيه وإحماد نظره وقدم مقنباً من قبله من فرسان الخرس إلى مرابطهم بالماء وأجرى القطائع على عدته تلك التي اقتصر عليها من الرواتب والنفقات والعلوفات عليهم مما في يده من مال السلطان وأن يصرف جميع ما يقبضه بالثغر من الجزاء والعشور وجميع الوظائف بعد إقامة سائر النفقات الراتبة إلى فكاك أسراهم وحمل مرجليهم ومرمة حصونهم ومصالح ثغورهم وكل ما فيه تقويتهم على عدوهم وسوغه أن يرتزق في كل شهر لعمالته مما يجتبيه مائتي دينار دراهم وينهض معروفه للعام إلى ألف دينار مما يتقاضاه من جباية عمله فكان عمل الأمير عبد الرحمن ذلك بالثغر وأهله من جلائل مناقبه.
وفيها أدال الأمير عبد الرحمن ابنه الحكم بن عبد الرحمن عن ولاية كورة إلبيرة بأخيه عبد الله بن عبد الرحمن وولى الحكم كورة تدمير ومعه سعد أخو خزر لا يفارقه. ثم عزل عبد الله بن عبد الرحمن عن كورة إلبيرة فيها فأعاد أخاه الحكم إليها.
ولم يخرج إلى كورة تدمير في هذه السنة ولداً له على عادته لإمحال نالها في هذا العام. وفيها صرف الأمير عبد الرحمن عن كورة رية وصرف خزر المولى الملازم له معه.
وفيها ثار حبيب البرنسي بجبال الجزيرة الخضراء واجتمع له خلق من أهل الفساد في الأرض فشن بهم الغارة على قرى رية وغيرها فأشاع الأذى ونهب وقتل وسبى فأخرج الأمير عبد الرحمن عند ذلك الخيل مع عباس بن مضا فألفى أضداده قد قصدوا حبيباً وأصحابه فأوقعوا بهم وقصوهم وقتلوا خلقاً منهم وتفرقت بقيتهم فانخنس حبيب رئيسهم في غمار الناس وطفئت نائرته وطلب دهراً فلم يظفر به.

ذكر مهلك نصر الخصي

الكبيرخليفة الأمير عبد الرحمن بن الحكم رحمه الله

وفي هذه السنة هلك أبو الفتح نصر الخصي خليفة الأمير عبد الرحمن بن الحكم المقدم على جميع خاصته المدبر لأمر داره المشارك لأكابر وزرائه في تصريف ملكه وكان هلكه شبيه الفجأة في عقب شعبان من هذه السنة أرقى ما كان في غلوائه وأطمع ما هو بالاحتواء على أمر سلطانه أرهب ما كان الناس له وأخوفهم لعدوانه إذ نال من أثرة مولاه الأمير عب الرحمن واصطفائه وإشراكه له في الرأي مع جلة وزرائه وطوعه كثيراً إلى ما يخالفهم فيه فوق ما ناله خادم خاص مع أمير رشيد سمع عنه وله بذلك أخبار في الناس تصدق دلائل تحققه سما بها - زعموا - في باطنه إلى غاية كرهها الله إخترمه دونها حمامه فقضى ذميماً مستراحاً منه.
وكثر القول في السبب الذي أراده والخوض فيما أتاه فكان من أوضح ذلك ما ذكره أبو بكر بن القوطية قال: كان نصر الخصي الجريء المقدم الوساع الفهم قد غلب على قلب مولاه الأمير عبد الرحمن بن الحكم واستظهر على حراصة مكانه لديه بانقطاعه إلى حظيته طروب أم عبد الله الغالبة عليه من بين جميع نسائه وحطه في شعبها وممالأته إياها على ما تسعى له من تقديم ولدها عبد الله للأمر بعد الأمير أبيه على جميع الأراجح الأكبرين من ولده متى حان حينه فخالص السيدة تشديداً وأخلصت له واستوى له بذلك أمره وأصبح ملك عبد الرحمن في يده يدبره كيف يشاء فلا يرد أمره قد أجهد سعيه آخر أمده في جهره وسره بالتنويه بعبد الله بن سته طروب والإشادة بذكره واستمالة طبقات الناس بالرغبة والرهبة إليه والعمل على اختزان الخلافة عن أخيه محمد بكر والده الأمير عبد الرحمن ومفضلهم المشار إليه إلى خالفتهم ابن طروب هذا وسوقها إليه يتأتى لذلك ويأتيه من جميع أبوابه والقضاء يبعده عنه ويسد دونه طرقه وهو يرصد لوجبة الأمير عبد الرحمن مولاه ليقضي في عبد الله قضاءه فيملي لعبد الرحمن ويستأخر يومه فيشق ذلك على الخصي ويرهب فوته حتى سولت له نفسه اغتيال مولاه عبد الرحمن وإلطاف التدبير عليه كيما يتمكن من تقديم عبد الله مكانه ولا يرهب الخلف عليه لكثرة أنصاره من أهل الدار وغيرهم وفشو صنائعه فيهم فيتم له بابن طروب

لشمول من أسالمة أهل الذمة من أهل قرمونة نال بابنه نصر دنيا عريضة وكان موته قبيل مهلك نصر ابنه بأيام. وأخبار نصر كثيرة.

سنة سبع وثلاثين ومائتين

فيها كانت وقيعة البيضاء والبيضاء مجاورة لمدينة بقيرة من بلد بنبلونة بين المسلمين والكفرة الجاشقيين فكان اليوم الأول منها على المسلمين فاستشهد منهم جماعة ونالت فيه موسى بن موسى خمس وثلاثون وخزة تخللت حلق درعه واليوم الثاني كافحهم المسلمون وقد أخذ المقدمة موسى بن موسى متحاملاً لألم جراحه فحامى على المسلمين وحسن غناؤه فهزم الجاشقيون أعداء الله أفحش هزيمة وفرشت الأرض بصرعاهم.
وفيها هلك ينقه بن ينقه أخو موسى بن موسى لأمه وظهيره على أمره وكان قد أصابه فالج عطله إلى أن مضى لسبيله فولى مكانه ابنه غرسيه واستملكت له إمارة بنبلونة.
وفيها في أيام ولاية عبيد الله بن يحيى للثغر قام بناحيته رجل من المعلمين فادعى النبوة وألحد في القرآن فأحاله عن وجوهه وأوله على غير تأويله وقام معه خلق كثير. وكان ينهى عن قص الشارب والأظفار ويقول لا تغيير لخلق الله فأرسل عبيد الله من جاء به فلما دخل عليه وكاشفه كان أول ما ابتدأه به أن دعاه إلى إتباعه فاستشار فيه عبيد الله أهل العلم عنده فأشاروا باستتابته ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل ففعل به ذلك فلم يتب فأسلمه للقتل صلباً فجعل يقول: " أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله " فأمضى عبيد الله قتله بالفتوى وكتب إلى الأمير بأمره فأحمد فعله.
وفيها ابتدئ بعذاب عباس الطلبي وأخيه ووليد بن أبي لحمة في استخراج الأموال التي غلوها وفيها أيضاً قبض على مسرة الخصي الفتى الكبير وعباس أخيه فسجنا وذلك في صفر منها وصير مكان مسرة قاسم الخصي الصقلبي وذكر أنه وجد لمسرة ثمانية آلاف دينار دراهم.
وفيها عزل الأمير عبد الرحمن محمد بن زياد عن القضاء بقرطبة وولى مكانه سعيد ابن سليمان بن حبيب الغافقي مجموعاً له إلى الصلاة وذلك في ربيع الآخر منها فكان آخر قضاة الأمير عبد الرحمن.

سنة ثمان وثلاثين ومائتين

وفيها توفي الأمير عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية ابن هشام بن عبد الملك بن مروان ليلة الخميس لثلاث خلون من ربيع الآخر من هذه السنة فدفن يوم الخميس في تربة الخلفاء بقصر قرطبة. وأدلاه في قبره أخواه المغيرة وأمية وصلى عليه ابنه الخليفة محمد بن عبد الرحمن.
مولده بطليطلة في شعبان سنة ست وسبعين ومائة وأبوه الحكم يومئذ واليها لوالده الأمير هشام فكانت سنة اثنتين وستين سنة. وكانت خلافته إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر وستة أيام.
قال ابن عبد البر: توفي الأمير عبد الرحمن ليلة الخميس لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
وقيل: بل هي لثلاث خلون منه فكانت خلافته إحدى وثلاثين سنة وثمانية وعشرين يوماً.
وقيل: بل خمسة أشهر وقيل: ثلاثة أشهر وأربعة أيام. وقيل: ستة أيام.
فدفن يوم الخميس من غد ليلة موته في روضة الخلفاء سلفه بقصر قرطبة وصلى عليه ابنه الأمير محمد بن عبد الرحمن الوالي مكانه. وكانت سنة اثنتين وستين سنة. ومولده بطليطلة من الثغر الأدنى أيام كان والده الحكم بن هشام والياً عليها لجده هشام وذلك في شعبان سنة ست وسبعين ومائة.
قال الفقيه محمد بن وضاح: احتجب الأمير عبد الرحمن بن الحكم عن الناس قبل موته مدة من ثلاثة أعوام أو نحوها من أجل علة أصابته طالت به واشتدت عليه فحمته الحركة وهدت قوته وأحدثت عليه رقة في نفسه ووحشة في خاطره وشدة أسف على ما نغص عليه من عصارة ملكه.
فذكر أنه قال يوماً لأكابر خدمته الخاصة وقد حفوه في مرضه وفيهم سعدون زعيمهم الذي اختصه بعد مهلك حظيه نصر ومن يليه: يا بني! - وبذلك كان يخاطبهم مستلطفاً لهم ومرفقاً بهم - لقد اشتقت أن أعاين ضوء الدنيا وفسحة الأرض إذ قد حميت عن الخروج إليها فلعلني أعلو مرقبة يسافر بصرى فيها فأتسلى بالنظر إلى بسيطها وجسمي منزع فهل سبيل إلى ذلك

تسمية ذكور أولاده

وهم في عدد الرازي أربعون.
أولهم الأمير محمد الوالي بعده أبو العاصي الحكم الاشتياق أبو أيوب سليمان أبو القاسم المطرف أبو الحكم المنذر أبو الوليد هشام أبو بكر يحيى أبو عبد الملك مروان أبو عثمان أبو سعيد مسلمة أمية عبد الملك الأصبغ أبو مروان عبيد الله أبو معاوية سعيد أبو العاصي بكر أبو الأصبغ عبد العزيز أبو أمية العاصي أبو محمد عبد الله أبو حفص عمر الأعرج طريف أبو العباس الوليد أبو العاصي عبد الجبار أبو عبد الله أحمد أبو القاسم إسحاق والغمر شقيقة أبو القاسم عبد الواحد أبو إسحاق إبراهيم أبو القاسم عمرو يعقوب أبو عبد الملك المغيرة أبو الأصبغ عثمان الغريض.
وفي كتاب معاوية بن هشام الشبينسي قال: من نبهاء ولد الأمير عبد الرحمن أبو قصي يعقوب وكان أديباً شاعراً كلفاً بالعلوم جامعاً للآداب مطبوعاً في الشعر وكان جواداً لا يليق شيئاً ويسرف حتى يخل بنفسه وأخباره كثيرة.
قال حيان: وصفه بالشعر ثم لم ينشد له منه ما يصدق وصفه بل أنشد ثلاثة أبيات من قصيدة مدح بها ابن أخيه العاصي بن الأمير محمد بن عبد الرحمن ليست بطائل والأبيات: من الوافر:
 

كـريم الـفـرع مـفـضـال الــيدين

ينادي مـاجـداً مـن عـبـد شـمـس

بـهــنـــدي وخـطـار ردينــي

سما لـلـمـكـرمـات فـقـد حواهـا

بـه حـاذت ولا نـوء الـبــطـــين

وغـيثـاً حـين يسـكـب لا الـثـريا

اضطرته القافية إلى أن قرن بين أغزر الأنواء وأنزرها فأحال جداً.
والإناث في عدد الرازي ثلاث وأربعون وهن: أسماء وعاتكة وعائشة الغالب عليها عيشونة أم الأصبغ وأم هشام و فاطمة الغالب عليها فطيمة وعبدة وعبدة أخرى وأمة العزيز وأم كلثوم وأم عمرو زينب وأم هشام وعبيدة وناشدة وقسيمة عتيكة وكنزة وعزيزة وأم حكيم كلهن ومية ولادة وأم أبين ولادة أمة الوهاب ظبي وأمة الرحيم رقية أم عثمان أم موسى وأمة الرحمن رحيمة هشيمة أمة وزاد في عددهن معاوية بن هشام الشبينسي نسابة أهل البيت بنتين: أمية ومهاة فرقى

عددهن خمساً وأربعين بنتاً.

حجاب الأمير عبد الرحمن

قال الرازي: ألفى الأمير عبد الرحمن على حجابة والده الأمير الحكم عبد الكريم بن عبد الواحد ابن مغيث أكمل من حمل هذا الاسم وأجمعهم لكل جمله حسنة فأقره عليها إلى أن توفي عبد الكريم حميداً فقيداً فولى بعده حجابته سفيان بن عبد ربه وبعد سفيان عيسى بن شهيد ثم عزله بعبد الرحمن بن رستم ثم عزل عبد الرحمن بن رستم فأعاد عيسى بن شهيد إلى حجابته فتولاها له إلى أن هلك عبد الرحمن لسبيله.

سفيان بن عبد ربه

وافق الرازي فيما ذكره من أسماء هؤلاء الحجاب الحسن بن محمد بن مفرج في كتابه وذكر سفيان بن عبد ربه فقال: كان من أكابر رجال أهل الخدمة الكفاة المستقلين بأعبائها ممن جمع إلى الغناء والكفاية العفة والأمانة قد تولى خدمة الخزانة الكبرى أيام الأمير الحكم وهو أول من استخزن بالأندلس وحمل هذا الاسم الذي اعتور من علم عمله إلى اليوم شركه في ذلك مرتيل المعروف بابن عفان جد هؤلاء الباقين اليوم إلى جانب باب القصر الأكبر المدعو باب السدة ولم يزل يتنقل في مراتب الخدمة إلى أن نال الحجابة ومن ولده الأديب أبو الأسود وكان ذا وجاهة عند الناس حدثاً مؤنس الجليس ممتعاً توفي في أيام الخليفة الناصر لدين الله رحمه الله تعالى.

سبق وإن كان أحدهما لي سيحد كلام العرب.
وطعن بعضهم في حكاية الكسائي ولا يلتفت إلى هذا الطعن مع صحة الحديث بمثله
ومعاضدة الفراء وابن السكيت وغيرهما للكسائي وكل منهم إمام وتوجيهها: أنه لما ثبت
جواز: سرت خمسا وأنت تريد الأيام والليالي جميعا كما سبق من كلام سيبويه وكما دلت

عيسى بن شهيد

مولى معاوية بن مروان بن الحكم

قال: كان عيسى هذا منقطعاً إلى الأمير عبد الرحمن بعهد والده الأمير الحكم مؤملاً له فلما أفضى الأمر إليه أزلفه به وقدمه في عليه خاصته وصرفه في علي مراتبها فولاه خطة الخيل ثم استوزره وولاه النظر في المظالم وتنفيذ الأحكام على طبقات أهل المملكة ثم استحجبه مكان سفيان بن عبد ربه واستخصه دون أصحابه وكان أهلاً لإيثاره إذ كان من أعيان رجال الموالي في الدولة وهم متوافرون ومن أشهرهم بالحلم والوقار والحصافة والعلم والمعرفة والحزم والجزالة. وقد قاد بالصوائف فأحمدت سياسته وكانت له في التدبير آراء صائبة وفي الحروب مقام كريمة وتهيأت له على العدو وقائع مثخنة.
وكان نصر الخصي خليفة الأمير عبد الرحمن الغالب عليه من بين سائر أكابر خدمه المظاهر لحظتيه طروب الغالبة عليه من بين نسائه قد اشتمل على قصر الأمير عبد الرحمن ومن فيه وشرك في تدبير سلطانه وهو شاحن لحاجبه عيسى عامل في إقصائه فتسنى له ذلك عندما اعتل الأمير علته الطويلة التي حجبه فيها نصر وأنفذ عليه أموراً منكرة منها صرفه لعيسى.
هذا عن الحجابة وذلك بأن أخرج الأمر عن مولاه بصرف عيسى عن الحجابة وإقراره على خطة الوزارة وتقليد عبد الرحمن بن رستم الحجابة مكانه.
فجرى الأمر بذلك إلى أن استقل الأمير عبد الرحمن من علته وقعد لأهل خططه فدخلوا عليه يقدمهم الوزراء وعيسى في عرضهم فتقدم عبد الرحمن بن رستم جماعتهم في التسليم على الأمير ثم قعد فوق ابن شهيد فاستنكر الأمير ذلك فلما استقر بهم المجلس قال لعيسى بن شهيد فما يخاطبه به: ما شأن كذا لأمر سأله عنه فقال له: يا مولاي لست بحاجب وهذا هو الحاجب. وأشار إلى ابن رستم. فعلت الأمير عبد الرحمن كبرة وعرف من حيث أتى فكظم غيظه واصطبر.
فلما خرج الوزراء دعا بنصر فسأله عن عزل ابن شهيد وولاية ابن رستم فلم يمكنه إنكاره وادعى أن وصية خرجت إليه من لدنه صدر علته فكذبه الأمير وعلم أنها من تحامله وجسراته فسبه وأغلظ له وهم به ثم عفا عنه وأعاد عيسى بن شهيد إلى الحجابة وعزل

أصحاب شرطة الأمير عبد الرحمن بن الحكم

قال أحمد بن محمد الرازي: ألفى الأمير عبد الرحمن على الشرطة لأبيه الحكم محمد بن كليب بن ثعلبة فأمضاه عليها ثم رقاه إلى الوزارة.
وقتاً تفرعت فيه أيامه شرطة العدو ثم استعفى الشرطة إذا كره النظر وولى مكانه الشرطة سعيد بن عياض القيسي. وكان على الشرطة والرد حارث ابن أبي سعد.

قواده

عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث الحاجب الكاتب وقاد لثلاثة من الخلفاء: هشام والحكم وعبد الرحمن عبد الرحمن بن رستم عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني عباس بن الوليد الطلبي وكان كثير التردد بالصوائف

قضاة قرطبة للأمير عبد الرحمن بن الحكم

قال أحمد بن محمد الرازي: كان له أحد عشر قاضياً: أولهم مسرور بن محمد على اختلافهم في نسبه أيضاً إذ يقول محمد بن حارث في كتابه: هو مسرور بن محمد بن سعيد بن شراحيل المعافري ويقول ابن عبد البر: بل هو من موالي الأمير عبد الرحمن بن معاوية يكنى بأبي نجيح وذا من اختلافهم قبيح ثم سعيد بن محمد بن بشير ثم يحيى بن معمر ابن عمران الألهاني الإشبيلي ثم الأسوار بن عقبة ثم إبراهيم بن العباس بن عيسى ابن عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان ثم يخامر بن عثمان المعافري ثم علي ابن أبي بكر القيسي ثم معاذ بن عثمان الشعباني ثم محمد بن زياد اللخمي ثم سعيد ابن سليمان بن أسود عم سليمان بن أسود ثم محمد بن سعيد.
وقال الحسن بن محمد بن مفرج: قال ابن عبد البر في تاريخه: لما ولي الأمير عبد الرحمن بن الحكم استقضى على قرطبة مسرور بن محمد سنة سبع ومائتين ثم سعيد بن سليمان سنة ثمان ومائتين ثم يحيى بن معمر الألهاني سنة تسع ومائتين ثم الأسوار بن عقبة سنة عشر ومائتين وما بعدها ثم إبراهيم بن العباس القرشي المرواني جد بني أبي صفوان هؤلاء القرشيين الوجوه بقرطبة سنة ثلاث عشرة ومائتين ثم محمد بن سعيد


 

 
 

نوادر من أخبار قضاة الأميرعبد الرحمن

مستخرجة من كتاب الاحتفال

مسرور بن محمد قال محمد بن حارث الخشني: هو مسرور بن محمد بن سعيد بن بشير بن شراحيل المعاقري ووالده محمد قاضي الجماعة بقرطبة الشهير فضله ولاه الأمير عبد الرحمن بن الحكم رحمهما الله قضاء الجماعة بقرطبة وكان من الصالحين الفاضلين.
حدثني من وثقت به من أهل العلم قال: حدثني محمد بن أحمد بن عبد الملك المعروف بابن الزراد قال: كان عندنا بقرطبة قاض يعرف بمسرور وكان من الزهاد استأذن من حضره من الخصوم يوماً في أن يقوم لحاجة يقضيها فأذنوا له فقام عنهم نحو منزله ولم يلبث أن خرج وفي يده خبزة نية فذهب بها إلى الفرن فقال له بعض من رآه: أنا أكفيك أيها القاضي! فقال له: فإذا أنا عزلت عن القضاء - قربه الله تعالى مني - تراني أجدك كل يوم تكفيني حملها ما أراك تنشط لذلك! بل الذي حملها قبل القضاء يحملها بعد القضاء.
وقال ابن عبد البر: مسرور بن محمد هذا من موالي الأمير عبد الرحمن بن معاوية الداخل يكنى أبا نجيح استقضاه الأمير عبد الرحمن بن الحكم بعد حامد بن يحيى الذي كان آخر قضاة والده الحكم وأول قضاته وهو وذلك سنة سبع ومائتين فلم تطل ولايته وتوفي سنة ثمان ومائتين في وقال القاضي أسلم بن عبد العزيز: سمعت أبي يذكر أنه تسمى جماعة من موالي الخلفاء بأسماء العرب فأنكر ذلك عليهم الأمير بفضل أنفته وأكد فيه نهيه وكان له مولى من عتاقة أبيه يسمى بمحمد وولد له ولد سماه مسروراً سمى به علي حد الأمير فحسنت نشأته واستقامت طريقته وتفقه وتعبد وشهر فضله إلى أن ولاه الأمير عبد الرحمن القضاء بقرطبة فاستقل بالعمل وأحسن وسلك الطريقة فاغتبط به الناس إلا أنه عوجل فتوفي من عامه الذي فيه استقضاه.

والظاهر أن مراده بما نقله الفراء وابن السكيت وغيرهما عن العرب - الحذف كما حكاه

سعيد بن سليمان قال ابن عبد البر: هو سعيد بن سليمان يكنى أبا عثمان أصله من فحص البلوط وكان عم سليمان بن أسود القاضي فيما بلغنى.
ذكر محمد بن مسرور عن أبيه قال: سمعت سليمان بن أسود القاضي يقول: كان سعيد بن سليمان يخطب بخطبة واحدة لصلاة الجمعة طول مدته لم يبدلها. ولقد برز الناس للاستسقاء في بعض أيامه فلما ابتدأ خنقته العبرة وأشكلت عليه الخطبة فاختصرها وكثر من الاستغفار والضراعة ثم صلى قال: وتولى القضاء للأمير عبد الرحمن مرتين.
وقال محمد بن حارث: هو سعيد بن سليمان بن حبيب الغافقي يكنى أبا خالد أصله من مدينة غافق وولاه الأمير عبد الرحمن قضاء الجماعة بقرطبة وقد كان ولي قضاء ماردة وغيرها قبل ولايته لقضاء قرطبة وكان من خيار من ولوا القضاء للأمير عبد الرحمن وهو عم سليمان بن أسود الذي ولي قضاء قرطبة.
وكان يروى عن الفقيه أبي عثمان سعيد بن عثمان الأعناقي عن محمد بن وضاح أنه كان يقول: ولي القضاء أربعة ما ولي القضاء في مملكة الإسلام مثلهم فاتصل بهم العدل في آفاقها: دحيم بن الوليد بالشام والحارث بن مسكين بمصر وسحنون بن سعيد بالقيروان وسعيد بن سليمان بقرطبة.
فأما دحيم بن الوليد بن عبد الرحمن بن إبراهيم وهو المعروف باليتيم فكان من أهل دمشق ولاه جعفر المتوكل على الله أيام رأى أن يفعل الخير أو يستصلح إلى الناس بعد استفساد سلفه إليهم بالمحنة في خلق القرآن فقلده قضاء الشام في وقت لم يصح لي تاريخه ومات غير ممتع وأما الحارث بن مسكين فولاه جعفر أيضاً قضاء مصر سنة سبع وثلاثين ومائتين جاءته ولايته وهو بالإسكندرية فحمل إلى الفسطاط فكان قاضي مصر إلى أن عزل في ربيع الآخر سنة خمس وأربعين ومائتين.

يحيى بن معمر الألهاني قال محمد بن حارث: يحيى بن معمر بن عمران بن منير بن عبيد بن أنيف الألهاني من العرب الشاميين وكان من أهل إشبيلية منزله منها بمفرانه قرية بقرب الحاضرة وعليها ممر السابلة وكان في وقته فقيه إشبيلية وفارضها وكانت له رحلة لقي فيها أشهب بن عبد العزيز وسمع منه ومن غيره من أهل العلم وكان ورعاً زاهداً فاضلاً عفاً مقبلاً على عمارة ضيعته وترقيح معيشته فانتهى خبره إلى الأمير عبد الرحمن وقد احتاج إلى قاض فاعتامه للقضاء واستقدمه إلى قرطبة فقلده قضاء الجماعة بها فصدق الظن به واغتدى من خير القضاة في قصد سيرته وحسن هديه وصلابة قناته وإنفاذ الحق على من توجه عليه لا يحفل لومة لائم فيه.
وكان إذا أشكل عليه أمر من أحكامه واختلف عليه فيه فقهاء قرطبة تأنى بهم وكتب فيه إلى مصر إلى أصبغ بن الفرج وغيره من نظرائه فيكشفهم على وجه ما يريد ويطلب النجاة من تخلف الفقهاء عليه بغية أجوبتهم في ذلك بما يعمل عليه فكان فقهاء قرطبة يحقدون ذلك عليه فيذمونه ويتتبعون عثراته ويبغضونه إلى الناس وكان أشدهم عليه زعيم الجماعة يحيى بن يحيى فهو الذي........... سعى في تجريحه إلى أن عزل عن القضاء.
فذكر خالد بن سعد قال: سمعت غير واحد من مشايخ أهل العلم يقول: كان بين الشيخ يحيى بن يحيى وبين يحيى بن معمر عداوة شديدة فسعى يحيى بن يحيى في عزل يحيى بن معمر القاضي عند الأمير عبد الرحمن رحمه الله وأقام عليه البينات من أهل العلم والعدالة.
قال ابن عبد البر: وقدم ليلة عيد وكانت توضع للإمام عنزة في المصلى فباكر أهل الدهاء والحركة واصطفوا إلى العنزة ليختبروا خطبته وينتقدوا عليه فلما نظر إليهم عرف بهيئاتهم أنهم بالصفة التي كانوا بها ووقع في روعه السبب الذي ذهبوا إليه فكادهم بأن قال للقومة: إني أرى الناس قد أزحموا حول العنزة فقدموها إلى الفضاء ليستوسعوا! فبادر القوم إلى تقديم العنزة حتى وسعت فتكنفوها واصطفوا حولها وتثاقل ذوو الهيئات الذين نقلت من سببهم كما خف أولئك له ومكثوا بمكانهم فحصل الشيخ بحيلته على قرب من لم تكن عليه مؤونة من نقده واسحنفر في خطبته فكان ذوو التحصيل يعجبون مما فعله ويحكونه كثيراً عنه.

لأسوار بن عقبة قال محمد بن حارث: هو أبو عقبة الأسوار بن عقبة النصري وكان من أهل جيان فاستقدمه الأمير عبد الرحمن إلى قرطبة وولاه قضاء الجماعة بها أشار به عليه يحيى بن يحيى عند عزل ابن معمر. وكان من أهل التحري والتواضع وحسن السيرة واقتفاء السلف حتى إنه كان يتصرف - زعموا - في مهنة أهله ويحمل خبزه إلى الفرن بنفسه وعلى ذلك فما سلم من فقهاء قرطبة. وهو الذي وقال ابن عبد البر: الأسوار بن عقبة كان رجلاً صالحاً عاقلاً فاضلاً مسمتاً حسن الحكم مستقيم القضاء وكان الفقيه محمد بن عيسى الأعشى كثير الدعابة لا يصبر عنها فكان يقول للأسوار قبل أن يلي القضاء: كيف حالك يا أبا عقبة - مفتوحة العين مثقلة - فلما ولي القضاء أتاه محمد بن عيسى فشهد عنده مع آخر من أهل القبول فأعلم برد اسم محمد دونه وقال للمشهود له: زدني بينة! وذلك بمحضر الأعشى.
فقال له: أظنك - أكرمك الله - لم تقبل شهادتي! فقال له: أنت - أكرمك الله - جاد في شهادتك هذه أو هازل فإني أعرفك كثير الهزل فعرفني إن كنت صدعت بها عن حق فمثلك لا ترد شهادته وإن كانت من أهزالك فقد وقفتها. فقام عنه الأعشى منقطع الحجة.
فكان يقول بعد ذلك: قاتل الله الأسوار! فلقد قطع بي عن كثير مما كنت أستريح إليه من الدعابة بعد مجلسي معه.
وأنشد: من المتقارب
 

تـراه عـن الـنـاس فـي غربـه

وتـحـسـب مـن خــبـــه أنــه

فلا تأمنوهإلا لتـمـكـنـه الـوثبه

ومـــــا ذاك مـــنـــــــه

الكسائي وأما التصريح بالوجهين عن العرب فمخالف لكلام سيبويه والزمخ

إبراهيم بن العباس القرشي قال محمد بن حارث: هو إبراهيم بن العباس بن عيسى بن عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان يكنى أبا العباس استقضاه الأمير عبد الرحمن بن الحكم بمشورة يحيى بن يحيى فكان محموداً في قضائه عادلاً في حكومته متواضعاً في أحواله غير متصنع ولا مترفع.
حكى محمد بن عمر بن لبابه قال: كان القاضي أبو العباس المرواني ربما جلس في بيته يقضي بين الناس وإن جاريته لتنسج في كسر البيت.
قال: وكانت ولايته سنة أربع عشرة أو خمس عشرة.
وذكر محمد بن وضاح قال: هوى إبراهيم بن العباس إلى الشيخ يحيى بن يحيى جداً وعول على رأيه فوجد أعداؤه السبيل إلى ذمه والسعاية عليه من باب انقطاعه إلى يحيى ورضا يحيى عنه من بين من لم يزل يسخطه من القضاة قبله فوشوا الوقائع فيهما إلى الأمير عبد الرحمن وانتصحوه في تآلفهما وقالوا إن إبراهيم لا يقبل من الناس إلا من أشار عليه يحيى بقبوله ولا يفصل في حكومة إلا عن أمره فقد استمال الناس إليه فلهم فيه هوى شديد وطمعه قوي في أن يصير الأمر في يده فشغل بال الأمير جداً ووهمه في دغل الشيخ يحيى بن يحيى على انحطاطه في شعبه وعزوه لإرادته.
فأحضر ضده عبد الملك بن حبيب وخلا به وقال له: قد تعلم يدي عندك وأنا مكترث لأمر كبير أريد أن أسألك عنه فاصدقني فيه.
فقال: نعم لا يسألني الأمير - أعزه الله - عن شيء إلا صدقته عنه.
قال: فإنه رفع إلينا عن قاضينا إبراهيم وعن صديقه يحيى بن يحيى أنها يعملان علينا في هذا الأمر.
فقال له عبد الملك: قد علم الأمير ما بيني وبين يحيى من التباعد ولكني لا أقول إلا الحق: ليس يجيء من عند

وسمعت الأمير ولي عهد المسلمين ابن الناصر لدين الله يقول إنه سمع الحاجب موسى بن محمد بن حدير يقول إن موسى بن حدير عمه دسس امرأة من مواليه فوقفت للقاضي على طريقه فنادته: يا بن الخلائف! فكان ذلك سبباً لعزل إبراهيم.
قال أحمد بن عبد البر: هو جد بني أبي صفوان وكان عاقلاً فاضلاً مسمتاً وكان عبد الرحمن قد عزم على أن يولى القضاء بعد الأسوار رأس الفقهاء يحيى بن يحيى فامتنع وأشار بإبراهيم بن العباس على عبد الرحمن فولاه القضاء فاستقل به وأقسط في حكمه وأسرف في طواعيته للشيخ يحيى بن يحيى والوقوف عند حده حتى لحقتهما معاً تهمة التواطؤ عند الأمير عبد الرحمن فسارع في صرفه عن القضاء وذلك آخر سنة ثلاث عشرة ومائتين.
قال: وكان يكتب للقاضي إبراهيم عبد الملك بن الحسن زونان الفقيه أشار به عليه يحيى بن يحيى.
محمد بن سعيد قاض للأمير عبد الرحمن بن الحكم لم يذكره محمد بن حارث وذكره أحمد بن عبد البر فقال: القاضي محمد بن سعيد يكنى أبا عبد الله وكان أصله من كورة إلبيرة وكان معرفة للشيخ يحيى بن يحيى وكان ينزل به يحيى ببلده أيام كان يضرب بالتجارة أول أمره بلا علمه ومعرفته فأشار به على الأمير عبد الرحمن فولاه قضاء الجماعة أول سنة أربع عشرة ومائتين فاستقل به وكان جميل المذهب في قضائه حسن السمت والهيئة إلا أنه كان طاعة ليحيى بن يحيى لا يعدل به أحداً وكان إذا اختلف عليه الفقهاء لم يعدل عن يحيى معدلاً.
فاتفق أن وقعت له قصة شاروهم فيها تفرد الشيخ يحيى بن يحيى بقول خالفته فيه جماعتهم فأرجأ القضاء فيها حياء من جماعتهم وأردفته قصة أخرى شاورهم فيها بعد توقيفه للأول وقد اغضب بذلك يحيى. فلما أتاه كتابه بهذه الردافة صرفة عن رسوله وقال له: ما أفك له ختاماً ولا أشير عليه بشيء إذ قد توقف عن القضاء لفلان بما أشرت به عليه

 وعافه.
فلما انصرف إليه رسوله وعرفه بقوله قلق منه وركب من فوره إلى يحيى بن يحيى فقال له: لم أظن أن الأمر يبلغ بك في توقفي عن القضاء لفلان بفتواك هذا المبلغ الذي قد غيرك. وهذا مقام المعتذر إليك فسوف أقضي له غير يومي إن شاء الله تعالى! فقال له يحيى: وتفعل ذلك صدقاً قال: نعم.
فقال له يحيى بن يحيى: يا هذا هجت الآن غضبي! فإني ظننت إذ خالفني أصحابي أنك توقفت مستخيراً لله متخيراً في الأقوال. فأما إذ صرت تتبع الهوى وتقضي برضا مخلوق ضعيف فلا خير فيما تجيء فرفع يستعفي فعزل عن القضاء.
يخامر بن عثمان الشعباني قال ابن حارث: هو يخامر بن عثمان بن حسان بن يخامر بن عثمان بن عبيد بن أفنان بن وداعة بن عمر الشعباني.
وقال عبد الله بن يوسف المعروف بابن الفرضي.
بل هو معافري.
قال ابن حارث: لا أعرف له كنية. وقال غيره: كنيته أبو مخارق.
وهو أخو معاذ بن عثمان القاضي وعم سعد بن معاذ الفقيه وهم من أهل جيان من قرية الأشعوب. وكان انتسابهم في العرب إلى جذام فيما أحسبه وهم - فيما قيل - من جند قنسرين وولي الأمير عبد الرحمن يخامر هذا قضاء الجماعة بقرطبة ولم يك أهلاً له ولا راجح الوزن ولا حاضر اليقين ولا واسع البصيرة فيه وعامل الناس بخلق صعب ومذهب وعر وصلابة جاوز المقدار فتسلطت عليه الألسن وكثرت فيه المقالة.
وانبرى له شاعر قرطبة في ذلك الزمان يحيى بن الحكم الغزال منتهك الأعراض ومخزي
 

وسبحان مـن ولـى الـقـضـاء يخـامـرا

فسبـحـان مـن أعـطـاك بـطـشـاً وقـوة

 
 


 

علي بن أبي بكر الكلابي قال ابن عبد البر: هو علي بن أبي بكر القيسي يكنى أبا الحسن وهو جد علي بن محمد بن الباسه استقضاه الأمير عبد الرحمن سنة سبع وعشرين أشار به الشيخ يحيى بن يحيى وقلما كان الأمير عبد الرحمن يولى قاضياً إلا عن مشورة يحيى بن يحيى ورضاه ولذلك ما كثرت القضاة في أيامه إذ كان الشيخ يحيى بن يحيى يشير بالقاضي منهم بعد القاضي فإذا أنكر على القاضي منهم وكان علي بن أبي بكر شريف النفس حسن السمت على اعتدال واستقامة حال ولم يزل قاضياً وصاحب صلاة إلى أن توفي في سنة إحدى وثلاثين ومائتين. وقد قيل إنه صرفه سنة تسع وعشرين ومائتين قبل وفاته وولي مكانه محمد بن زياد بن عبد الرحمن اللخمي.
وقال محمد بن حارث: علي بن أبي بكر بن عبيد الكلابي يلقب بيوانش وهو من أهل قبرة.
معاذ بن عثمان الشعباني قال محمد بن حارث: ولى الأمير عبد الرحمن بن الحكم قضاء الجماعة معاذ بن عثمان الشعباني وكان من أهل جيان فكان قاضياً بقرطبة سبعة أشهر ثم عزله وكان السبب في عزله - زعموا تعجيله بالحكومة وأنه أحصى عليه في مدته تلك سبعون قضية أنفذها فاستكثرت منه وخيف عليه الزلل فعجل عزله. وقد كان - فيما سمعنا به - حسن السيرة لين العريكة خالق الناس بغير خلق يخامر أخيه وطلب التخلص منهم فما استوى له ذلك.
وسمعت من يحكي عنه أنه كنت معه صحية ضمير وسلامة قلب وكان لا يظن بأحد شراً. وكان قد ولى الأحباس بقرطبة رجلاً أحسن الظن به فلا بلاه أكذب ظنه فقال فيه
 

وولـى أمـراً فـيمـا يرى مـن ذوي العـدل

يقـول لـي الـقـاضـي مـعـاذ مـشـاورا

فـقـلـت: ومـاذا يفـعـل الـدب في الـنحل

قـعـيدك مـاذا تـحسـب الـمرء صانـعـا

ويتـرك لـلـذبـان مـا كـان مـن فـضـل

يدق خـلاياهـا ويأكــل شـهــدهــــا

وللغزال في عدلين من عدول معاذ: من الطويل
 

فـأهـلاً وسـهـلاً بـالـوغـى والـمـعـامـع

أتـاك أبـو حـفـص ويحـيى بـن مـالــك

محمد بن زياد اللخمي قال محمد بن حارث: ثم ولى الأمير عبد الرحمن قضاء الجماعة بقرطبة بعد معاذ بن عثمان محمد بن زياد ابن عبد الرحمن بن زهير اللخمي ومحمد هذا هو وال القاضي الحبيب بن زياد. وكان محمد حسن السيرة محمود الولاية رفيع البيت في العلماء بقرطبة وسمع من معاوية بن صالح سماعاً كثيراً.
لما احتضر يحيى بن يحيى أسند وصيته في أداء دين وبيع مال إلى محمد بن زياد وكان القاضي يومئذ فكانت وصيته في ذلك الوجه خاصة.
قال: وهو الذي صلى على يحيى فذكر أن ابنه إسحق بن يحيى تقدم يتقدمه للصلاة: يكبر ابن زياد ويكبر إسحق تلوه وجرى على ذلك في التسليم بعد تسليم ابن زياد. فلما ووري يحيى وبخ ابن زياد إسحق على ما فعله وقال له: من أقدمك علي بهذا فقال له إسحق.
من قدمك أنت للصلاة على أبي فقال له ابن زياد.
أمر الصلاة إلي دونك ومع هذا فإن أخاك - يعني عبيد الله - دعاني إلى ذلك وهو - مع فتائه - أرشد منك. أما والله لولا حفظي لصاحب الحفرة لأدبتك! وكان عبيد الله بن يحيى يومئذ ابن سبع عشرة سنة فكان ثناء محمد بن زياد يومئذ عليه أول أسباب سؤدده وما زال ابن زياد له على تكريم ومبرة.
شهد شاهد عند القاضي محمد بن زياد بشهادة على المعروف بغراب - وكان جاهلاً عاتباً - فقال غراب لمحمد بن زياد: ومن شهد علي - أصلحك الله - فما أحسبه الليث بن سعد! فقال له ابن زياد: وما ذكر الليث بن سعد هاهنا!

محمد بن زياد رحمة الله عليهم أجمعين.

سنة سبع ومائتين

توفي فيها - على خلاف من الرواة - فطيس بن سليمان. وقيل بل في سنة سبع وتسعين ومائة في حياة الأمير الحكم.
وفطيس لقبه واسمه عثمان ثم صار هذا اللقب فيهم اسماً علماً تنازعوه لنباهة حامله جدهم باني بيتهم ذلك. ذكر ذلك الوزير عيسى بن فطيس.
وغربيب بن عبد الله الثقفي بطليطلة.

سنة ثمان ومائتين

فيها هلك عبد الله المعروف بالبلنس بن الأمير عبد الرحمن بن معاوية الداخل بعدما توفي قبلهما في هذه السنة أيضاً.
وفيها توفي حسن بن عاصم الثقفي الفقيه.
وفي كتاب القاضي ابن الفرضي: حسين بن عاصم بن كعب بن محمد بن علقمة بن خباب بن مسلم بن عدي بن مرة عرف بالثقفي يكنى أبا الوليد قرطبي حسيب ابن عاصم المعروف بالعريان صاحب الأمير الداخل عبد الرحمن بن معاوية سمي بذلك لأنه أولى من عبر نهر قرطبة إلى أصحاب يوسف الفهري بين يدي عبد الرحمن بن معاوية وهو عريان فلزمه اللقب. وكانت لحسين رحلة سمع فيها من ابن القاسم وابن وهب وأشهب ومطرف وابن نافع ونظرائهم. وولي السوق للأمير محمد بن عبد الرحمن فكان شديداً على أهلها في القيم يضرب الباعة ضرباً شديداً مبرحاً فكأنه سقط بذلك عن أن يروى الناس عنه وتوفي صدر أيام الأمير محمد سنة ثلاث وستين ومائتين.

سنة تسع ومائتين

فيها توفي الحاجب القائد الكاتب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث.
وعبد الله الأحدب النحوي المعلم وكان له وضع في النحو.

سنة عشر ومائتين

فيها توفي الحاجب عبد الرحمن بن غانم في الحبس.
ومالك بن القتيل في المطبق.
وفتح بن الفرج الأزدي الرشاش بالمشرق.
وحجاج المغيلي الكاتب كاتب الترسيل وهو من موالي يزيد بن طلحة العبسي.
وليد بن أمية بن يزيد.
وسفيان بن عبد ربه الحاجب.
وسعيد بن القاضي محمد بن بشير المعافري.
وفي كتاب القاضي أبي الوليد ابن الفرضي: هو سعيد بن قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن بشير بن شراحيل - ويقال سرافيل - أصولهم من مدينة باجة. وكان سعيد هذا رجلاً صالحاً عاقلاً سمع من يحيى بن يحيى وغيره واستقضاه الأمير عبد الرحمن بعد والده وتوفي حسبما قاله الرازي سنة عشرة ومائتين.

سنة اثنتي عشرة ومائتين

فيها توفي عيسى بن دينار بن واقد الغافقي يكنى أبا محمد أصله من طليطلة وسكن قرطبة وكانت له فيها رياسة بعد انصرافه من المشرق وكان ابن القاسم يعظمه ويجله ويصفه بالفقه والورع وكان لا يعد في الأندلس أفقة منه في نظرائه.
أبو زياد إبراهيم بن زرعة الأندلسي مولى قريش روى عنه سحنون وتوفي بإفريقية في هذه السنة.
محمد بن موسى الغافقي مولى لهم وقد ولي الوزارة والكتابة.
إبراهيم بن محمد بن مزين.
عبد الخالق بن عبد الجبار الباهلي قاضي طليطلة.

سنة ست عشرة ومائتين

فهيا مات عبد الرحمن بن عبد الحميد بن غانم في الحبس على اختلاف.

سنة سبع عشرة ومائتين

فرج بن مسرة بن سالم.

سنة تسع عشرة ومائتين

العباس بن عبد الله القرشي المرواني.
وجهور بن يوسف بن بخت الفارسي الوزير.
وقال الرازي: هلكا معاً في سنة عشرين بعدها.

سنة عشرين ومائتين

وفي كتاب القاضي ابن الفرضي: قرعوس بن العباس بن قرعوس بن عبيد بن منصور بن محمد بن يوسف الثقفي يكنى أبا الفضل وقيل أبا محمد قديم نبيه فقيه رحل فسمع من مالك بن أنس وسفيان الثوري وابن جريج وابن أبي حازم الليث وغيرهم فلم يتحقق بالحديث وتحقق بالمسائل على مذهب مالك وأصحابه وكان متديناً ورعاً فاضلاً. وكان ممن أتهم في أمر الهيج فوقاه الله وتوفي في أيام الأمير عبد الرحمن سنة عشرين ومائتين.
ومحمد بن كليب بن ثعلبة بسرقسطة.
وحمدون بن فطيس.
على اختلاف في ابن كليب وابن فطيس ورواته في أنهما هلكا سنة ست وعشرين بعدها.
وهلك إبراهيم بن عقبة وحرب بن بلدس وعبد الرحمن بن صبيح وأصحابهم الطليطليون في المطبق بقرطبة.

سنة إحدى وعشرين ومائتين

فيها مات حبيب بن سليمان والد الفقيه عبد الملك بن حبيب وكان في عداد فقهاء قرطبة.
حارث بن أبي سعد مولى الأمير عبد الرحمن بن معاوية يكنى أبا عمر رحل فسمع من ابن القاسم وابن كنانة وغيرهما من المدنيين والمصريين وهو جد بني حارث الذين كانت فيهم الخطط. وولي الشرطة الصغرى ولم يزل عليها إلى أن توفي.
ومحمد بن عيسى بن عبد الواحد بن بخيح المعافري المعروف بالأعشى من أهل قرطبة يكنى أبا عبد الله رحل سنة تسع وسبعين ومائة فسمع من سفيان ووكيع ويحيى القطان وغيرهم من المدنيين والعراقيين وكان الغالب عليه الحديث والأثر وكان عاقلاً سرياً جواداً وكانت فيه دعابة فاشية وله فيها أخبار محفوظة وكان من الأجواد المتصدقين وممن جمع الفقه إلى رواية الحديث. وفي موته اختلاف: قيل سنة إحدى وعشرين وقيل بل سنة اثنتين بعدها.

سنة ثلاث وعشرين بعدها

فيها توفي أبو محمد بن خالد جد بني عمار المراديين بقرطبة.سنة أربع وعشرين ومائتين

محمد بن خالد بن مرتنيل المعروف بالأشج صاحب الصلاة بقرطبة وكان على الصلاة وفي كتاب ابن الفرضي: أبو عبد الله محمد بن خالد الأشج مولى الأمير عبد الرحمن بن معاوية يعرف بابن مرتنيل قرطبي نبيه رحل فسمع من ابن القاسم وأشهب وابن نافع ونظرائهم من المدنيين والمصريين وكان الغالب عليه الفقه ولم يكن له علم بالحديث وولى الشرطة للأمير عبد الرحمن وولي الصلاة أيضاً. وفي موته خلاف: قيل سنة عشرين وقيل سنة أربع وعشرين.

سنة خمس وعشرين ومائتين

الوليد بن عبد الخالق بن عبد الجبار بن قيس الباهلي قاضي طليطلة.

سنة ثمان وعشرين ومائتين

فيها مات أبو عبد الله بن محمد بن سعيد الزجالي المعروف بالأصمعي صنيعة الأمير عبد الرحمن وهو حامل بعد الوزارة والكتابة والقيادة على اختلاف وقيل إنه توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين بعدها.

سنة تسع وعشرين ومائتين

وكان فيها موت يحيى بن معمر الألهاني الذي كان قاضي الجماعة.

سنة ثلاثين ومائتين

عبد الله بن الغازي بن قيس.
قال ابن الفرضي في كتابه: عبد الله بن الغازي بن قيس من أهل قرطبة وقد كان عالماً باللغة والغريب والعربية بصيراً بقراءة نافع بن أبي نعيم روى عنه ثابت بن حزم السرقسطي وابنه قاسم وغيرهما.

سنة اثنتين وثلاثين ومائتين

فيها مات زونان الفقيه وكان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم واسمه عبد الملك بن الحسن.
قال ابن الفرضي: هو عبد الملك بن الحسن بن محمد بن زريق بن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنى أبا مروان وقيل أبا الحسن يعرف بزونان روى عن صعصعة ابن سلام وكان مفتياً في أيام الأمير عبد الرحمن وكان له رحلة سمع فيها ابن القاسم وأشهب وابن وهب وغيرهم من المدنيين وكان يذهب أولاً إلى مذهب الأوزاعي - وكان الفقه أغلب عليه - ثم

سنة أربع وثلاثين ومائتين

وعميد الفقهاء شيخ قرطبة يحيى بن يحيى الليثي هلك لثمان بقين من رجب منها وله ثنتان وثمانون سنة.
وقال أحمد بن محمد الرازي: بل عيشة الأربعاء لثمان بين من ذي حجة منها.
وفي كتاب ابن الفرضي: هو يحيى بن يحيى بن كثير بن وهلال بن تسمال بن منقايا أصله من برابر مصمودة يتولى بني ليث يكنى أبا محمد وكان كبير الأكابر بقرطبة سمع فيها لأول نشأته من زياد بن عبد الرحمن الموطأ ثم رحل إلى المشرق فسمع الموطأ من مالك بن أنس غير أبواب من الاعتكاف شك في سماعها من مالك فأثبت روايته فيها عن زياد عنه. ورحل إلى مالك وهو يومئذ ابن ثمان وعشرين سنة فسمع منه ومن نافع بن أبي نعيم وسمع بمكة من سفيان بن عيينة وبمصر من الليث بن سعد وابن وهب وابن القاسم وغيرهم.
وقدم إلى الأندلس بعلم كثير فعادت فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار إلى رأيه وقوله وكان يفتى برأي مالك صرفاً لا يعدوه إلا في القنوت في الصبح فإنه تركه لرأي الليث وترك يحيى من رأى مالك أيضاً الأخذ باليمين مع الشاهد وأخذ بقول الليث في ترك ذلك وإيجاب شهيدين وكان أيضاً لا يرى بعثة الحكمين عند تشاجر الزوجين فكان ذلك مما ينكر عليه. وكان يحيى يفضل بالعقل على علمه.
وقال محمد بن عمر بن لبابة: فقيه الأندلس عيسى بن دينار وعالمها عبد الملك بن حبيب وعاقلها يحيى ابن يحيى.
وكان يحيى ممن أتهم بالإجلاب في الهيج فهرب إلى طليطلة ثم استأمن الأمير الحكم فأمنه وانصرف إلى قرطبة.

سنة خمس وثلاثين ومائتين

محمد بن سعيد بن رستم الوزير الحاجب في صفر منها.
وأخوه القاسم قبله.
والشريف يحيى بن سليمان بن الأمير عبد الرحمن بن معاوية وكان من الجلساء والغمر بن يحيى بن عبد الغافر بن أبي عبدة.
وأبو اليسول الشاعر سعيد بن يعمر بن علي العبدي بسرقسطة.
والأخ بكر بن الأمير الحكم بتدمير وكان قائداً بها فورد بذلك أمية بن سليمان عامل تدمير فخرج زيدان الفتى الكبير للنظر في إحصاء تركته والاحتياط عليها.
ومروان بن عبد الله الزجالي.
وعبد الله بن محمد بن جابر.
والشريف أمية الأعشى بن هشام بن الأمير الحكم.
وسعيد بن حسان الفقيه بقرطبة في جمادى الأولى منها.
وفي كتاب القاضي ابن الفرضي: سعيد بن حسان مولى الأمير الحكم بن هشام يكنى أبا عثمان قرطبي نبيه رحل إلى المشرق سنة سبع وسبعين ومائة فروى عن عبد الله بن نافع وعبد الله بن عبد الحكم وأشهب بن عبد العزيز ومنه استكثر وسمع منه سماعه عن مالك وكتب رأيه وغير ذلك من أحاديثه وانصرف سنة أربع ومائتين وكان فقيهاً في المسائل حافظاً لها مشاوراً مع الشيخ يحيى بن يحيى وعبد الملك بن حبيب وقاسم بن هلال وكان منقطعاً إلى مؤاخاة يحيى آخذاً بهديه معظماً له راكباً سننه لا يخالفه في شيء يراه قد غلب عليه مع ذلك حفظ رأي أشهب عن مالك واختاره وتفرد براويته عنه وكان على فقهه زاهداً فاضلاً ورعاً وتوفي في أيام الأمير عبد الرحمن بن الكم سنة ست وثلاثين ومائتين بعد خليله يحيى بن يحيى بعامين.
والأخ سعيد الخير بن الأمير الحكم في ربيع الآخر.
ومحمد بن حيون بن أبي عبدة أخو حمدون.
ونصر الفتى الخصي خليفة الأمير عبد الرحمن الغالب على دولته في شعبان منها. وعمر بن حفص بن أبان.

سنة سبع وثلاثين ومائتين

الوزير عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني وقد نيف على الثمانين سنة والفقيه قاسم بن هلال القيسي. من كتاب ابن الفرضي: قاسم بن هلال بن فرقد بن عمران القيسي يكنى أبا محمد قرطبي تفقه على زياد بن عبد الرحمن ورحل فسمع من ابن القاسم وابن وهب وغير واحد من المصريين والمدنيين من أصحاب مالك وكان عالماً بالمسائل ولم يكن له علم بالحديث وكان رجلاً معقلاً وقوراً حدث عنه بنوه وغيرهم.
علي بن نافع الملقب بزرياب مولى المهدي العباسي في ربيع الأول من سنة ثمان وثلاثين ومائتين هلك قبل وفاة الأمير عبد الرحمن بأربعين يوماً.
وفيها مات هارون بن سالم يكنى أبا عمر قرطبي قديم سمع من عيسى بن دينار ويحيى بن يحيى ورحل إلى المشرق فلقي أشهب بن عبد العزيز وروى عنه وسمع من أصبغ بن الفرج وعلي بن معبد وسحنون وغيرهم. وكان منقطع القرين في الفضل والزهد والعلم وكان يقال فيه إنه مجاب الدعوة. وكان يحفظ المسائل حفظاً حسناً إلا أن العبادة كانت أغلب عليه وقد كانت تعرف كرامته وإجابته في غير ما شيء ومات على ذلك حدثاً في الأربعين من عمره وكانت كتبه موقفة عند أحمد بن خالد وكانت بينه وبينه قرابة من طريق أمه وتوفي فيما ذكره أحمد سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
وفيها مات الأمير عبد الرحمن بن الحكم ليلة الخميس لثلاث بقين من ربيع الآخر منها وقد تقدم ذكر ذلك في مكانه.


 


 

ذكر خصال من مناقب الأمير عبد الرحمن

بن الحكم لم تمر في عرض أخباره

كان الأمير عبد الرحمن مقدم الطبقة في البلاغة مطبوعاً في الكتابة مقتدراً على ما حاول من سني البيان المنشور والمنظوم مؤثراً لمن يحسنهما مقرباً بوسيلتهما وكان له التوقيع الوجيز والقريض المستحسن.
فمما شهر من موجز توقيعه: توقيع له إلى بعض من سأله من مواليه توليته عملاً لم يكن من أهله: من لم يعرف وجه مطلبه كان الحرمان أولى به.
ووقع إلى ابنه المنذر - وكان من بين ولده بليغاً مفوهاً - فكتب إليه يسأله أن يأذن له في اعتلاء المنبر بالبلد الذي كان يليه له ليقيم الجمعة ويخطبهم ليحيي رسوم سلفهم وينوه به في إتباعهم. فوقع على ظهر كتابه: قالت الحكماء: لو كان الكلام من فضة لكان الصمت من ذهب وإني لأشفق عليك مما تحسنه فكيف مما توهم عليك بعض التقصير فيه بملحم سدادهما ومقتدح زنادهما ومجاريهما في مضمار باطلهما: زرياب المغني تالى وحي الشيطان وثالث أثافي السلوان ما له من متعة نعيم تملك القلوب وتصور إليها الآذان لو أن حياً يسلم من الحدثان.
جرت لهذا الأمير المترف معهم في مجالسه ومشاربه نوادر أخبار تونس زهر الروض غب قرأت في كتاب معاوية بن هشام الشبينسي قال: من أبدع مكارم الأمير عبد الرحمن بن الحكم الدالة على سروه ورفعة نفسه وفرط استحيائه ورقة وجهه التي لم يكن يعدله فيهن أحد من أهل بيته أن أحضر يوماً مالاً كثيراً أتاه من بعض النواحي جلس لإيعابه في بدره وقد أمر خدمه الصقالبة بتولي ذلك ونضده بين يديه إلى أن يأمر برفعه إلى بيت المال فأخذوا في ذلك على عينه.
واعترته سنة غض لها من طرفه خالها بعض شرهائهم نعاساً فمد يده إلى بدرة من ذلك المال أختلسها حين غفلة من أصحابه فصيرها في حضنه والأمير ينظر إليه فلما أكملوا نضد البدر أمرهم بإعادة عدها فأصابوها تنقص تلك البدرة المختلسة فتراموا بسرقها واشتد بينهم التنازع فيها فلما أكثروا قال لهم الأمير:

خدمته بشهوده والمشي بين يدي نعشه.

ذكر المجاعة

وقال ابن هشام الشبينسي: نالت أهل الأندلس مجاعة شديدة صدر أيام الأمير عبد الرحمن سنة سبع ومائتين وكان سببها انتشار الجراد بالأرض ولحسه الغلات وتردده بالجهات فنالت الناس مجاعة عظيمة كفى حدها الأمير بإطعام الضعفاء والمساكين من أهل قرطبة فيهم باسم أيوب العابد المستجاب بعد أن تصفح وجوه الناس حوله فلم تقع عينه عليه فنادى باسمه مستحلفاً له بالله أن يبرز إليه فلما أكثر من الإرجاف به برز ودنا منه فاجتهد يحيى في الدعاء وأيوب يؤمن وينادي ربه فسقى الناس ليومهم. وغاب أيوب فلم يظهر.
ومضى ذكر هذا الخبر على اختلاف الرواة في تاريخ عامه واسم الإمام المستسقى وقرأت بخط عبادة الشاعر قال: كان الشريف دحون بن الوليد واسمه حبيب بن الوليد بن حبيب الداخل إلى الأندلس بن عبد الملك بن عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان ودحون لقب له غلب عليه ويكنى أبا سليمان. وكان من سراة بني مروان بالأندلس وعلمائهم وأدبائهم وولد أيام الأمير الداخل في حياة جده حبيب بن عبد الملك الداخل أيضاً وجده الذي رباه وأدبه إذ توفي أبوه الوليد في حياة أبيه فكفله بعده جده حبيب الذي هو والد جماعة هذا البطن الحبيبي من بني أمية بالأندلس فنشأ حبيب دحون هذا فيهم فقيهاً فاضلاً عالماً أديباً شاعراً محسناً.
وكانت له رحلة إلى المشرق في أيام الأمير عبد الرحمن بن الحكم حج فيها ولقي عليه أهل الحديث فكتب عنهم وقدم إلى الأندلس بعلم كثير فذهب إلى نشره فكان يتحلق في المسجد الجامع بقرطبة وهو يلبس الوشي الهشامي وما شاكله فتكاثر الناس عليه فكره ذلك الأمير عبد الرحمن وأوصى إليه بترك التحلق وقال له: إنك جد كسر من قريش ومنا بحيث قال: وجرت لدحون في سفرته مع وإلى بني العباس بدمشق - بيت سلفه - قصة طريفة حكاها إسحاق بن سلمة عن ابنه ولده عبدة بنت بشر بن دحون عن أبيها بشر قال: دخل أبي دحون إلى مدينة دمشق - وطنهم الأقدام - في رحلته إلى المشرق وعاملها يومئذ

الداخلون إلى الأمير عبد الرحمن من قومه

وفي كتاب معاوية بن هشام الشبينسي: من وجوه من دخل إلى الأندلس من بني مروان أبو القاسم بكار بن عبد الواحد ين داود بن سليمان بن عبد الملك بن مروان دخلها أيام الأمير عبد الرحمن بن الحكم ودخل معه ابن أخيه أبو سعيد مسلمة بن عبد الملك بن عبد الواحد بن داود بن سليمان بن عبد الملك فكرمهما الأمير عبد الرحمن ورحب بهما وأنزلهما وأحسن إليهما وأقطعهما و أجرى لكل واحد من الرزق بالمشاهرة ثلاثين ديناراً.
ودخل بعدهما من أهل بيتهما إلى الأمير عبد الرحمن أيضاً سنة ست وثلاثين ومائتين سلمة بن عبد الملك بن عبد الواحد بن داود بن سليمان فأجراه مجراهما وقد انقرض الآن عقب سلمة هذا.
قال: ودخل الأندلس من هؤلاء المروانية أيام الأمير عبد الرحمن بن الحكم أصبغ بن محمد بن هشام بن محمد بن سعيد الخير بن عبد الملك بن مروان فأنزله الأمير عبد الرحمن وكرمه وأقطعه فألقى عصاه بالأندلس وأنسل فعرف ولده ببني السعيدي وهم بإشبيلية.

ما قيل في رثاء الأمير عبد الرحمن بن الحكم

ووجدت بخط أبي بكر عبادة الشاعر لطاهر بن حزم الشاعر من قصيدة يرثي بها الأمير عبد الرحمن ويهنئ الأمير محمداً ابنه بالخلافة: من الطويل
 

تـكـاد إذا حـلـت عـراهـا تـفـطـــر

سقى الله قبـراً بـالـنـخـيل غـمـامة

فما نطق الأقوام فيه قناعةوهم في أبي بكرلعمريكثروا تـبـسـمـت الـدنـيا إلـيه وأقـبــلـــت

إلـيه قـلـوب الـنـاس لا تـتـــأخـــر
وخرج إلى مديح فأطال.
ولعبد الله بن بكر المنبز بالنذل في ذلك: من المتقارب
 

عـجـائب تـبـهــر أنـــظــارهـا

ألا إن فـي الـدهــر لـلـمـبـصــريــن

يدافـع بـالـعـــز تـــســوارهــا

تسـور الـمـنـايـا فـمـا مــن عـزيـــز

عـلـى حـين أحـكـم ريب الـدهـــور

وكان بالأمس سراج العلا يسوس البلاد وأقطارها

أتــتــه مـنــيتــه بــــغـــتة

وعـرف الأمـــور وإنــكـــارهــــا

فـوسـد بـعـد وثــير الــحشـــايا

أتــتـــه مـنــيتـــه بــغــــــتة

وخـــلاه أنــصــاره مــفـــردا

خــلال الـمــقـابــر أحـجــارهـــا

فلله مـا اسـتـودعـت فـي الـنـخـيل

وقـد كــان بــالأمــس أنــصــارهــا

وممـا يسـتـلحـق فـي بـاب الوفــاة

أكــف الــرجـــال ومــن زارهــــا

قال محمد بن حارث: رحل عيسى فأدرك أصحاب مالك متوافرين فسمع من ابن القاسم كبيرهم واقتصر عليه فاعتلت في الفقه طبقته وكان من أهل الزهد اليابس والدين الكامل مع قوته في التفقه لمالك وأصحابه فلقد كان ابن وضاح يقول: هو الذي علم أهل الأندلس الفقه. توفي سنة اثنتي عشرة ومائتين.

ذكر حارث بن أبي سعد

وتوفي الفقيه أبو عمر حارث بن أبي سابق مولى الأمير عبد الرحمن رحل فسمع من ابن كنانة وولاه الأمير الحكم بن هشام الشرطة الصغرى فكان أول من وليها وأقره الأمير عبد الرحمن عليها. توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين.

ذكر الشيخ يحيى بن يحيى

أنه رحل رحلتين من الأندلس: سمع في الأولى من مالك بن أنس والليث ابن سعد ومن ابن وهب وغيرهم واقتصر في الثانية على عبد الرحمن بن القاسم وبه تفقه وإليه انتهت الرياسة في العلم بالأندلس على عهد الأمير عبد الرحمن ابن الحكم وتوفي في أيامه من غير تحديد


 


 


 

Share:
Copy © متعة التعلم | Powered by Blogger Distributed By Protemplateslab & Design by ronangelo | Blogger Theme by NewBloggerThemes.com