مدونة الدروس الصوتية والكتب في التنمية الذاتية و تطوير النفس وتعلم الأشياء المفيدة في حياتك

 

حمــاس

حمــاس

(الجذور التاريخية والميثاق)


 

بقلم: الدكتور عبد الله عزام


 

الطبعة: الأولى


 

نشر وتوزيع

مركز شهيد عزام الإعلامي

بيشاور-باكستان


 


 

الإهداء


 

إلى منقذ البشرية وسيد الأنام ص وإلى الصحب الكرام الذين انتشل الله بهم فلسطين من الظلمات إلى النور.

إلى مجدد القرن الذي هز العالم بالإسلام، والذي قدم النماذج الفذة التي روت بدمائها نجود الأرض المباركة.

إلى الذين قضوا نحبهم على طريق هذا الدين فوق ربى الأرض المباركة محاولين غرس راية التوحيد.

إلى الذين لا زالوا على الطريق جادين مضحين صابرين لبناء المجتمع الإسلامي فيها.

أقدم ثواب عملي المتواضع ضارعا إلى الله القبول والنفع والسداد.

د. عبد الله عزام

بيشاور- شوال (9041هـ)/مايو (آيار 9891م)


 

بسم الله الرحمن الرحيم

فلسطين من عمر رضي الله عنه حتى انتفاضة الجهاد

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

فمما لا شك فيه أن فلسطين الأرض المباركة قد فتحها الإسلام وعاشت بالإسلام طيلة العهود التاريخية، وكلما تعرضت للغزو وسقطت بين براثن صائل كافر أو طاغوت ملحد، تقدم الإسلام لينقذها من وهدة الموت ومن ظلام الجاهلية.

فقد سقطت القدس بيد الصلييبيين سنة (294هـ )، فتقدم الإسلام يزحف بقيادة عماد الدين زنكي من الموصل رغم أن عماد الدين يتسب إلى العراق التركي، ولم ينحدر من سلالة عدنان ولم ينسل من ظهر قحطان بل نبت من دوحة الإسلام، واستشهد عماد الدين سنة (145هـ ) وواصل ابنه نور الدين زنكي مسيرة البلاء والعناء والمرارة والضناء، وقد أعاد بسمته الصالح وعدله وهديه سيرة الخلفاء الراشدين، فكان ي دعى سادس الخلفاء الراشدين، ودخل نور الدين دمشق، ولكن عينه ترنو إلى بيت لمقدس وقلبه يهفو إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، واستشهد نور الدين سنة (965هـ)، وتسلم الراية صلاح الدين الكردي ودخل دمشق سنة (075هـ )، وأخذ يجمع المسلمين تحت هذه الراية ويزحف حتى التقى بجحافل الصليببين في حطين (52) ربيع الثاني (385هـ ) وهزمهم شر هزيمة:

لما تحكمت الأسنة فيهم جارت وهن يجرن في الأحكم

فتركتهم خلل البيوت كأنما غضبت رؤوسهم على الأجسام

وواصل جيش الإسلام زحفه والأكاليل فوق مفرقيه ورايات النصر تظلل عطفيه حتى وصل بيت المقدس في السابع والعشرين من رجب سنة (385هـ )، ثم سلم الملك الكامل القدس للأنبرطور ملك الإفرنج سنة (146هـ )، ثم استنجد الملك الصالح الأيوبي في العام التالي سنة (246هـ ) بالخوارزميين، (ومعلوم أنهم ليسوا عربا ) وحرر القدس من الصليبيين، وطهرها من رجسهم.

وفي سنة (656هـ ) سقطت دار الخلافة وتقدم التتار وتصدى لهم الظاهر بيبرس والمظفر قطز سنة (856هـ ) في عين جالوت ومزقوا جمعهم وشتتوا شعلهم وخر قطز من على جواده ساجدا شاكرا لله على هذا النصر المبين، وهذان الليثان ليسا من أرض العرب ولا من دوحتهم.

وظلت فلسطين تنعم بالتفيؤ في ظلال الإسلام وتستروح أرج هذا الدين القويم لا يعكر موردها كدر ولا يلوث جوها وباء، وأقبلت تركيا بإسلامها وحكمت الأرض المباركة أربعة قرون سنة (6151- 8191م)، ثم طعنت تركيا المسلمة بخنجر القومية المسموم تلك الطعنة النجلاء التي أودت بالإسلام فأقصته عن الوجود وغيبته عن الشهود، وكانت تلك النكبة القاسمة التي أطاحت بصرح الخلافة السامق الذي جمع المسلمين حوله القرون، والذي سارت على هدي منارته الأجيال مصونة من الإنحراف والضلال عبر الحقبات الزمنية المتعاقبة، وثل عرش الخلافة في الثالث من مارس سنة (4291م) على يد الذئب الأغبر أتاتورك الذي أحال أرض تركيا فقرا بلقعا لا ترى فيها آثارة خير ولا بصيص نور، تمزق المسلمون شذر مذر كالغنم في الليلة الشاتية تتناوشها الحراب وتنهش لحومها الذئاب، وحق لنا أن نخاطب أتاتورك وأبطال القومية العربية بقوول الشاعر:

وكنت كعنز السوء قامت لحتفها إلى مدية تحت الثرى تستثيرها

ولقد كانت تنحية الإسلام عن الحكم أكبر قاصمة أصابت ظهر البشرية على الإطلاق وأعظم نكبة ألمت بها ططيلة حقباتها التارخية.

ولقد كان إقصاء دين الله عن مناحي الحياة أمرا مقصودا للكثيرين ممن تولوا قيادة الأمة الإسلامية، ولقد كانت محاربة الملتزمين لازمة في ألحانهم التي عزفوها في مآتم الضحايا التي قدموها قرابين على مذابح شهواتهم.

الحقد اليهودي على البشرية:

(لتجدنهم أشد الناس عداوة للذين آمنووا اليهود والذين أشركوا)

(المائدة: 28)

(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم من بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين)

(المائدة: 15)

إن المتبصر بآي الذكر الحكيم يدرك الحكمة الربانية من إفراد صفحات كثيرة من كتاب الله العزيز في تتبع كتاب الله تاريخ اليهود ومواقفهم تجاه أنبيائهم عليهم السلام، وكشف طبيعة جنسهم وإيضاح خبيئتهم، وذلك -والله أعلم- لأنه سبحانه يعلم أن هذا الجنس كان عبر التاريخ كله معول هدم لكل القيم ومسحاة تجتث بها الأخلاق وتحارب بها المباديء والمثل.

ولأمر ما يعلمه الله -استغرق تاريخهم هذه المساحة من كتاب الله الكريم، وكأن البصيرة تدرك أن لهذا الجنس دورا خطيرا في موجهة هذا الدين عبر حقبات زمنية قادمة، ولذا لا بد لأبناء هذا الدين من أن يأخذوا حذرهم ويعدوا عدتهم.

فإذا كان اليهود قد أقدموا على قتل الأنبياء -عليهم السلام- :

(ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)

(البقرة: 16)

فكيف لا يستحلون بعد هذا محاربة أتباع الأنبياء وحملة المباديء وأصحاب العقائد? ولقد حملت أجيال اليهود في أعماقها الأحقاد السوداء على البشرية جمعاء، فقد كانت النكبات التي تعرضوا لها بالسبي الصغير على يد بختنصر الكلداني (685 ق.م) والسبي الكبير على يد تيطس الروماني الذي خرب القدس سنة (07م) وهدم الهيكل (المسجد الأقصى الذي كان قبل سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام وكان البيت الثاني على وجه الكرة الأرضية -بعد المسجد الحرام بأربعين عاما - ثم جاء سيدنا سليمان عليه السلام وجدد بناء المسجد الأقصى كما في صحيح النسائي، ولكن اليهود أطلقوا على المسجد الأقصى الهيكل ظلما وعدوانا )، وسبي اليهود إلى بابل.

بالإضافة إلى عمليات الإبادة التي تعرضوا لها في أوروبا وفي روسيا وإسبانيا وإيطاليا، كل هذه زرعت الأحقاد في قلوب اليهود وغرست الضغائن وحب الإنتقام من كل الأديان وسفك دماء الجوييم (الأمميين)، جاء في التلمود: (إهدم كل قائم، لوث كل طاهر، إحرق كل أخضر، كي تنفع يهوديا بفلس) (أقتل من قدرت عليه من غير اليهود) (إلعن رؤساء الأديان سوى اليهود ثلاث مرات في اليوم) ونصت البروتوكولات: (إن الجوييم خلقهم الله حميرا لشعب الله المختار كلما نفق حمار ركبنا حمارا آخر)، ولقد رتب اليهود لتدمير عرش البابوية وتحطيم الديانة النصرانية.

فقد جاء في البوتوكولات: (سننزع فكرة الله من أذهان المسيحيين)، واخترقوا حصن البابوية حتى أعلن البابا يوحنا الثالث والعشرون: أن اليهود براءة من دم المسيح (وهذا الأمر حق)، ولكن النصارى عبر التاريخ يعتقدون أن المسيح عليه السلام صلب بيد اليهود.

ورتب اليهود لنجاح أكبر ثورتين في أوروبا الثورة الفرنسية سنة (9871م)، وذلك لتحطيم فرنسا الكاثوليكية وحصنها الحصين وتحويلها إلى مزرعة يهودية و،كان شعار الثورة الفرنسية كلمة ميرابو: (أشنقوا آخر ملك بأمعاء قسيس) ورتبوا للثورة البلشفية سنة (7191م) ورفعوا شعارها كلمات لينين اليهودي (لا إله والحياة مادة) (الدين أفيون الشعوب)، فقد عاد لينين من منفاه من ألمانيا مع (422) ثائرا من ثوار البولشفيك، منهم مائة وسبعون يهوديا ، وكان تروتسكي اليهودي -الذي قضى فترة في حي بروكلن (نيويورك) يخطط للثورة- قد عاد وينتظر لينين وقاموا بالثورة ووجه البيان التالي: (أيها اليهود، لقد قربت ساعة انتصارنا التام ونحن الآن عشية يوم قد تسلمنا قيادة العالم، لقد استولينا على الحكم في روسيا، لقد كان الروس سادتنا فأصبحوا عبيدنا)، وصدر في الأسبوع الأول للثورة أكتوبر سنة (7191م) (أي قبل صدور وعد بلفور بأسابيع) قرار ذو شقين بحق اليهود:

1- يعتبر عداء اليهود عداء للجنس السامي يعاقب عليه القانون.

2- الإعتراف بحق اليهود في إنشاء وطن قومي في فلسطين.

المكتب السياسي الأول: وكان المكتب السياسي الأول للثورة الشيوعية مكونا من سبعة أشخاص خمسة منهم يهود الأبوين، وهم لينين وتروتسكي، كامنيف، سوكولنوف، زينونيف، أما ستالين فزوجته يهودية وسابعهم يبنوف ولم يكن يهوديا أما الوزارة التي شكلها لينين فكانت تضم اثنين وعشرين سبعة عشر منهم من اليهود(1)[ أنظر الأفعى اليهودية لعبد الله التل ص(54)، يا مسلمي العالم اتحدوا، التاريخ السري للعلاقات الشيوعية اليهودية ص(33)، حكومة العالم الخفية ص(23)، الشيوعية وليدة الصهيونية لأحمد العطار، واقرأ كتابنا (السرطان الأحمر)].

استغلال العلوم لتدمير البشرية:

ولقد أبرز اليهود مجموعة من أبنائهم من خلال إعلامهم وذلك ليكونوا معاول هدم في حياة الأمم فنشروا نظرية دارون -مع أنه ليس يهوديا - من أجل الإلحاد، جاء في قرار بني برت (أبناء اليهودية) سنة (9391م) ما يلي: (لقد نشرنا روح الثورية التحررية الكاذبة بين الشعوب الغير لإقناعهم بالتخلي عن أديانهم بل بالشعور بالخجل من الإعلان عن تعاليم هذه الأديان ونجحنا في إقناع كثيرين بالإعلان جهارا عن إلحادهم الكلي وعدم الإيمان بخالق البتة، وأغويناهم بالتفاخر بكونهم أبناء القرود -نظرية دارون- ).

وأبرزوا في علم النفس: فرويد ليدمروا الأخلاق (إن فرويد منا وسنعمل على نشر آرائه الجنسية على مثل ضوء الشمس حتى لا يبقى في نظر الشباب شيء مقدس، وتنهار الأخلاق في كل مكان ونستولي على العالم وهو مخدر).

ودفعوا بماركس اليهودي في علم الإقتصاد الذي صور التاريخ أنه تاريخ البحث عن الطعام، وأبرزوا (دور كايم) في علم الإجتماع.

المحاولات المعاصرة لإقامة الدولة اليهودية:

لقد كان كتاب موسى هيس (من روما إلى القدس) أول دعوة منظمة لإقامة دولة يهودية في فلسطين، وقد كان موسى هيس أستاذا لماركس إذ يقول عنه ماركس (لقد اتخذت هذا العبقري هيس لي مثالا وقدوة).

وقد سبق هيس نابليون الذي أعلن في (02/4/9971م) في الجريدة الرسمية الفرنسية إعلانا دعا فيه اليهود للإلتحاق بجيشه ليدخلوا معه القدس.

وبعد هيس جاء هيرتزل وكتب كتابه (الدولة اليهودية محاولة إيجاد حل عصري للمسألة اليهودية) في (41) فبراير سنة (6981م)، وادعى هيرتزل أنه رأى المسيح في المنام وحمله على جناحه إلى السماء حيث التقى بموسى عليه السلام فقال موسى عليه السلام: من أجل هذا الصبي كنت أصلي.

ويقال: أن هرتزل هذا الصحفي النمساوي قد حضر محاكمة الضابط اليهودي الفرنسي (دريفوس) وصدر الحكم ضد دريفوس، وشعر هرتزل بالظلم الذي حل بدريفوس بسبب يهوديته، فخرج من المحكمة يصيح ويقول (من شاء أن ينصف فليتنصر) وقرر أن ينذر نفسه لإقامة دولة لليهود.

سبب اختيار فلسطين:

ويبدوا أن السبب الحقيقي لاختيار فلسطين كدولة لليهود: أنها أرض الهيكل، ومثوى داود وسليمان عليهما السلام، اللذان أقاما دولة مدة سبعين سنة لبني إسرائيل في القدس (0401- 079 ق.م).

ولا بد لأي تجمع من فكرة يلتقي عليها الناس، فإذا كانت الفكرة دينية وعقدية فإنها تجد تجاوبا من أعماق النفس البشرية، وتندفع النفس للتضحية والبذل لتحقيق أهدافها الدينية المنبعثة من الداخل، أكثر من الأهداف السياسية.

أما بالنسبة للغرب -خاصة بريطانيا- وبعض اليهود الآخرين فقد كان هدفهم -كما قال ناحوم جولدمان (رئيس المؤتمر اليهودي العالمي) في محاضرة في كندا مونتريال- : (لم يختر اليهود فلسطين لمعناها التوراتي والديني بالنسبة إليهم، ولا لأن مياه البحر الميت تعطي بفعل التبخر ما قيمته ثلاثة آلاف مليون دولار من المعادن وأشباه المعادن، وليس لأن مخزون أرض فلسطين من البترول يعادل عشرين مرة مخزون الأمريكيين مجتمعين، بل: لأن فلسطين هي ملتقى طرق أوروبا وآسيا وإفريقيا، ولأن فلسطين تشكل بالواقع نقطة الإرتكاز الحقيقية لكل قوى العالم، ولأنها المركز الإستراتيجيي للسيطرة على العالم).

ولقد عرضت أماكن أخرى على اليهود لإقامة الدولة، ولكنها لم تحظ بالتأييد والقبول من قبل اليهود، مثل أوغنده، صحراء سيناء، محميات شرق إفريقيا، هضبة جواس نجشو، فقال وايزمن لرئيس وزراء بريطانيا: (لو أن موسى نفسه جاء يدعو اليهود إلى غير فلسطين ما تبعه أحد).

مؤتمر بال (92- 13) أغسطس (7981م)، وقد قام المؤتمر بجهود هيرتزل ووايزمن وهو أول مؤتمر للصهيونية العالمية في بال/سويسرا، وحضره (402) من المندوبين، قرروا قيام دولة لليهود في فلسطين، وحدد هرتزل خمس سنوات لقيامها، ثم قال: ولكن لن تزيد عن خمسين عاما .


 

السلطان عبد الحميد (القمة الشامخة والقلعة الصامدة) في وجه المطامع اليهودية:

لقد بدأ اتصال اليهود بالسلطان عبد الحميد منذ (2881م)، عندما قدمت جمعية (أحباء صهيون) طلبا للقنصل العثماني في أوديسا (روسيا) يطلبون الإقامة في فلسطين، فكان رد السلطان: (تحيط الحكومة العثمانية علما جميع اليهود الراغبين في الهجرة إلى تركيا بأنه لا يسمح لهم بالإستقرار في فلسطين).

فثارت ثائرة اليهود الذي أرسلوا الوفد تلو الوفد، والتي لا تسمع إلا الرفض من السلطان، وتدخل السفير الأمريكي فقال السلطان: (إنني لن أسمح لليهود بالإستقرار في فلسطين ما دامت الإمبراطورية العثمانية قائمة، وقابل هرتزل سنة (6981م) السلطان للسماح بإقامة مستعمرة واحدة في القدس، فقال السلطان: (إن الإمبراطورية العثمانية ملك العثمانيين الذين لا يمكن أن يوافقوا على هذا الأمر، فاحفظوا أموالكم في جيوبكم).

وبعد مؤتمر بال نشطت الحركة الصهيونية، مما دفع السلطان أن يصدر قراره المشهور الذي بلغ به جميع ممثلي دول العالم في استانبول سنة (0091م) بمنع الحجاج اليهود من الإقامة في فلسطين أكثر من ثلاثة شهور، وعليهم تسليم جوازات سفرهم عند دخولهم أرض فلسطين، ويتسلم بدلا منها إذن إقامة من موظفي الباب العالي في الميناء الذي يدخلون منه، وكل من لا يغادر البلاد خلال المدة سيطرد بالقوة، وأصدر السلطان إذن الإقامة (الجواز الأحمر) لليهود حتى يسهل طردهم، ولذا فقد رأى اليهود بعد تمكنهم أن يفرضوا اللون الأحمر على الجوازات الدبلوماسية التي لا يفتش أصحابها في المطارات الدولية!!

وفي سنة (1091م) أصدر السلطان قرارا يحرم فيه على اليهود شراء أي قطعة أرض في فلسطين، فماذا علينا لو أنشدنا للخليفة السلطان:

هو الشجاع يعد البخل من جبن وهو الجواد يعد الجبن من بخل

لقد رأت كل عين منك مالئها وجربت خير سيف خيرة الدول

ولم ييأس هرتزل، وشكل وفدا مع (قرصو) سنة (2091م) وتوجه إلى السلطان بعروض مغرية، وطلب مقابلة السلطان فرفض السلطان المقابلة، فدفعوا العروض إلى رئيس وزرائه (تحسين باشا).

العروض المغرية على السلطان عبد الحميد:

1- مائة وخمسون مليون ليرة إنجليزية لجيب السلطان الخاص.

2- وفاء جميع ديون الدولة العثمانية البالغة (33) مليون ليرة إنجليزية ذهبية.

3- بناء أسطول لحماية الإمبراطورية، بتكاليف قدررها مائة وعشرون مليون فرنك ذهبي.

4- تقديم قرض ب- (53) مليون ليرة ذهبية دون فوائد لإنعاش مالية الدولة.

5- بناء جامعة عثمانية في القدس.

وقد رد السلطان عبد الحميد -كما جاء في مذكرات هرتزل نفسهـ : (انصحوا الدكتور هرتزل بأن لا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، إنني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست ملك يميني بل ملك شعبي، لقد ناضل شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه، فليحفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت إمبراطوريتي يوما فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من إمبراطوريتي، وهذا أمر لا يكون، إنني لا أستطيع أن أوافق على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة).

إن الحفاظ على الدين والأرض والدم والعررض قضية باهظة التكاليف، عالية الضرائب لا يصمد لإغراءاتها وتهديداتها إلا النفوس المتكلة على الله، المستعصمة بحبله الملتجأة إلى حماه، المستعلية بإيمانها على حطام الدنيا ومتاعها، المشمخرة بيقينها أمام الجبروت والطاغوت.

وللأسف العميق أن عبد الحميد ذهب مظلوما ، وبقيت الألسنة تنهش لحمه ومضى غير مأسوف عليه من قبل المسلمين، مع وصفه بالدكتاتورية والغطرسة والصلف، وبقي مغموط الشأن مغمور الشرف حتى نشرت مذكرات هرتزل بعد سنة (0291م)، فعرف الناس مكانته ذات الشأو الرفيع وندموا ولات ساعة مندم.

ولكننا نقول: إن جهل المسلمون حقه عليهم، وإن لم يعرفوا تضحياته فإن رب العزة لا يضل ولا ينسى، ونرجو الله أن يجد هذه المواقف الشامخة في صفحاته يوم تضع كل مثقلة حملها في الميزان.

وصمم اليهود بعد هذه المقابلة أن يطيحوا بالسلطان، وأرسل إليه قرصو برقية يقول فيها (ستدفع ثمن هذه المقابلة من عرشك ونفسك).

فحاولوا نسف المنصة التي يجلس عليها السلطان في صلاة الجمعة بسيارة متفجرات فأنجاه الله، ثم بدأوا يتصلون بالضباط وكبار الموظفين من خلال المحافل الماسونية، ونشروا المحافل الماسونية -خاصة في سالونيك- وطالبوا بإعلان الدستور (مساواة اليهود والنصارى مع المسلمين) وتحركت بعض قطاعات الجيش وأجبروا السلطان في (32) تموز سنة (8091م) على إعلان الدستور، وبعد هذا انتخب مجلس المبعوثات (النواب) ودخل فيه اليهود والنصارى ممن تربوا في المحافل الماسونية، وخلال تسعة أشهر في (72) إبريل (9091م) أقصي السلطان عبد الحميد عن الحكم على يد جمعية (تركيا الفتاة: جون تركيا).

وفي الليلة التي أقصي فيها عبد الحميد نستطيع أن نسجل حدثين عظيمين:

1- غياب الإسلام الفعلي عن الوجود والشهود.

2- سقوط فلسطين بيد اليهود.

وجاءت جمعية الإتحاد والترقي مع تركيا الفتاة (الماسونية) إلى الحكم وبدأ التمهيد لهجرة اليهود إلى فلسطين.

لقد كانت تنحية السلطان أعظم ضربة وجهت إلى الإسلام في بداية هذا القرن، وارتفع عدد اليهود نتيجة لذلك من (33) ألفا سنة (0881م) إلى (58) ألفا سنة (3191م)، ثم نقص عدد اليهود في الحرب العالمية الأولى بسبب المجاعة، فنقص عدد اليهود من (58) إلفا إلى (55) ألفا .

سقوط تركيا والقدس معا :

ثم وقف العرب بجانب بريطانيا في الحرب العالمية الأولى، وأغمدوا أنصالهم في قلب تركيا المسلمة مقابل وعود بريطانيا بإعطاء الشريف حسين ملك العرب!!.

ثم اتفقت بريطانيا وفرنسا على تقسيم ممتلكات تركيا فيما إذا هزمت، وذلك في معاهدت (سايكس بيكو) في مايو سنة (6191م).

واتفق أللنبي القائد الإنجليزي مع مصطفى كمال أتاتورك سرا -قائد الجيش الثاني في فلسطين- وسمح لخيالة أللنبي أن يضربوا مؤخرة الجيوش التركية الأربعة مقابل تسليم تركيا فيما بعد، وفعلا حدث وانسحب أتاتورك ووقع (مائة ألف من الجيوش التركية في أسر الإنجليز)، ودخل أللنبي القدس في (9/11/7191م) وأطلق كلمته المدوية التي تعبر عن الحقد العميق: الآن انتهت الحروب الصليبية)، يقول لورنس -ملك الصحراء العربية وضابط المخابرات البريطانية الذي قاد الثورة العربية ضد تركيا- : إنني جد فخور أنني في المعارك الثلاثين التي خضتها لم يرق الدم الإنجليزي، لأن دم إنجليزي واحد أحب إلي من جميع الشعوب التي نحكمها، ولم تكلفنا الثورة العربية سوى عشرة ملايين دينار.

وعد لينين ووعد بلفور:

وفي أكتوبر سنة (7191م) صدر وعد لينين لليهود بوطن قومي في فلسطين، وفي (2) نوفمبر (7191م) صدر وعد بلفور لليهود بوطن قومي في فلسطين، وإسم بلفور الأصلي (آرثر جيمس).

وقد وافقت فرنسا على وعد بلفور بعد صدوره بثلاثة أشهر (فبراير سنة 8191م)، ووافقت أمريكا رسميا سنة (2291م).

واحتج العرب بمظاهرات على قرار بلفور في معظم العواصم الإسلامية وقالوا: إعلان ممن لا يملك لمن لا يستحق.

الإنتداب البريطاني على فلسطين:

في أول جولي (تموز) سنة (0291م) عينت بريطانيا هربرت صموئيل (اليهودي) مندوبا ساميا على فلسطين، وفي (42) تموز من نفس العام أقرت عصبة الأمم إنتداب بريطانيا على فلسطين، فبدأ صموئيل يشجع الهجرة اليهودية ويهبهم الأراضي الفلسطينية.

وقد تضاعف عدد اليهود من سنة (8191م- 8291م) ثلاثة أضعاف، فقد أصبح عددهم (571) ألفا ، وأنشأوا الجامعة العبرية، والوكالة اليهودية التي نص عليه صك الإنتداب ومحطة فلسطين للكهرباء التي أسهمت بنصيب وافر في إنشاء المستعمرات.

وقد قام الإخوان سنة (8491م) بنسف بعض المحلات في حارة اليهود، فوجدوا أن معظم المحلات تزين جدرانها بصور هرتزل وصورة (محطة فلسطين للكهرباء).

الخطة العشرية لقيام دولة اليهود:

قرر اليهود تنفيذ مخططهم على خطوات، مدة كل خطوة عشر سنوات.

1- في سنة (7981م) مؤتمر بال.

2- في سنة (7091م) كان العمل الماسوني المنظم لإسقاط السلطان عبد الحميد من أجل هجرة اليهود.

3- في سنة (7191م) وعد لينين ووعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

4- في سنة (7291م) زيادة بناء المستعمرات وشراء الأراضي من عائلات سرسق وتيانا والإنجليز.

5- في سنة (7391م) بدأت بإنشاء القوات النظامية لليهود وأصبح لديهم عصابات إرهابية مسلحة، لديها كميات من الأسلحة والذخيرة، اشترك فيلق يهودي مع الحلفاء في الحرب العالمية الثانية لأخذ الدربة والتدريب والتجربة.

6- في سنة (7491م) قرار التقسيم الذي أقرته هيئة الأمم في (92) نوفمبر، ثم حلت جماعة الإخوان، ثم قتلت البنا.

7- سنة (6591م) احتلت سيناء وغزة بعد ضرب الحركة الإسلامية وإعدام عبد القادر عوده ومحمد فرغلي ويوسف طلعت وإخوانهم.

8- في سنة (7691م) النكبة الكبرى واحتلت كل فلسطين والجولان وسيناء بعد ضرب حركة الإخوان وإعدام سيد قطب وإخوانه.

9- في سنة (7791م) الهجوم على لبنان ومعاهدة كامب ديفيد وبداية ضرب التجمعات الإسلامية على يد السادات، صالح سرية (الفنية العسكرية) وجماعة المسلمين.

وقفة لا بد منها:

مما لا شك فيه أن قيام دولة إسرائيل كان بمؤامرة عالمية واتفاق دولي، ولكن لا بد أن يكون واضحا في الأذهان أن الجهود الضخمة التي قدمها اليهود والمعاناة المريرة طيلة الخمسين عاما لم تكن أمرا سهلا ولا ميسورا ، وأن قيام الدولة كان ثمرة دماء وعرق وسهر ورعب، فاليهودي الأمريكي أو البولندي الذي ترك وطنه وخاطر بنفسه وعاش مهددا في فلسطين أربعين سنة أو أكثر يحيى على أعصابه، ويتوقع الموت في كل لحظة من أجل أرض الميعاد والآباء والأجداد لم تكن حياته في أمن ورفاهية، بل ضحى بكل شيء لأجل أرض الأجداد والميعاد، ولقد كانت التضحيات بالأموال والإنسلاخ من الموطن الأصلي والإستعلاء على الأشواق التي كانت تشدهم إلى أهاليهم في أوروبا وأمريكا أمرا ضخما ، أضف إلى هذا أنهم قد جهدوا في بناء مستعمراتهم في جو من الرعب والخوف، وكذلك إنشاء منظماتهم- العسكرية التي تقذف بنفسها في أتون الحرب الثانية من أجل الإستعداد للمعركة القادمة مع الفلسطينيين- كان أمرا ضخما كذلك، فعندما أقرت الأمم المتحدة قرار التقسيم كان لدى اليهود خمسة وسبعون ألفا من المسلحين المدربين موزعة على عصابات منظمة: الهاغانا: ستون ألفا ، البالماخ: خمسة آلاف، الأرغون: خمسة آلاف، شتيرن: ألفا مقاتل.

وإن الإصرار على بناء دولة في أرض الميعاد كان ذا ضريبة عالية، فلقد كلف اليهود الكثير، وما برز ابن غوريون ولا دايان ولا بيغن إلا من خلال المعارك التي خاضوها والبناء التربوي الهاديء ذي النفس الطويل.

هؤلاء أعداؤنا وهذا إعدادهم، فماذا أعددنا إزاء هذا الجهد الضخم الذي قدمه هؤلاء? والمشاق التي تكبدوها على باطلهم? وعندما اختلفوا مع مندوب الأمم المتحدة (الكونت برنادوت) قتلوه.

وقد اختلف اليهود مع بريطانيا بسبب حرص اليهود على تدفق الهجرة سنة (6491م،) وكانت بريطانيا تريد أن تنظم الهجرة، فبدأ اليهود يهاجمون المراكز البريطانية ويقتلون جنودهم، فهاجم وايزمن بريطانيا بسبب عرقلتها هجرة مائة ألف يهودي إلى فلسطين، واتهمت القوات البريطانية مقر الوكالة اليهودية، وصادرت وثائق تدين الوكالة بالإرهاب وأودعتها فندق الملك داوود بالقدس في مقر القيادة الريطانية، فأدخل اليهود المتفجرات في براميل الحليب إلى مطبخ الفندق وفجروها، فانهار الفندق بطبقاته الست وقتل (14) عربيا و(83) بريطانيا و(71) يهوديا وجرح آخرون.

ليت شعري بعد هذا كم زعيما بريطانيا قتلنا? مع أنهم يتعلمون الرماية بأبناء فلسطين كأغراض لرصاصهم بدل الحجارة أو الأهداف.

جهاد شعب فلسطين ضد اليهود:

لقد سقط فوق أرض فلسطين عشرة ملايين شهيد من المسلمين عبر الأدوار التاريخية المتعاقبة.

أما بالنسبة لوقوفهم أمام اليهود:

1- في (72) فبراير سنة (0291م) قامت مظاهرة من المسجد الأقصى ضمت أربعين ألفا سلمت قناصل الدول الكبرى في القدس مذكرات ضد وعد بلفور والهجرة اليهودية.

2- في اليوم الأول من مارس سنة (0291م) بدأ أول عمل مسلح ضد اليهود في مستوطنة المتلا قتل سبعة يهود منهم كابتن.

3- في (82/3/0291م) زار تشرشل القدس، فقابله وفد برآسة موسى كاظم الحسيني -رئيس البلدية- محتجا ، فأجاب تشرشل: إن بريطانيا ملتزمة بتنفيذ وعد بلفور.

4- في منتصف آيار سنة (0291م) هاجم ثلاثة آلاف عربي مستوطنة بتاح تكفا -قرب يافا- واستمرت المناوشات أسبوعا ، وأسفرت المعركة بعد تدخل الدبابات البريطانية ضد العرب عن استشهاد (801) وجرح (57) عربيا وقتل (74) يهوديا وجرح (641)، وصدر حكم الإعدام على عطا الزير ومحمد جمجوم من الخليل وفؤاد حجازي من صفد، وقد نفذ الإعدام في حزيران (0391م).

5- ثورة البراق من (61آب- 62 آب) سنة (9291م) سقط نتيجتها (331) يهوديا وجرح (933) واستشهد (611) عربيا و(232) جريحا .

6- المؤتمر الإسلامي الأول برئاسة الحاج أمين الحسيني (72) رجب (0531هـ ) الموافق (1391م).

7- (3391م) أكتوبر قامت مظاهرات عنيفة في معظم أرجاء فلسطين احتجاجا على بريطانيا.

8- (5391م) عقد مؤتمر حضره خمسمائة شخصية فلسطينية أصدر قرارا بحظر بيع الأراضي لليهود.

9- حركة القسام: فطن الشيخ القسام منذ (1291م) إلى تربية جيل على حب الجهاد ويحرضهم على القتال، وشكل مجموعة ورباها قوامها مائتا رجل وبثهم في أرجاء فلسسطين يضربون المستوطنات، وكان رئيسا لجمعية الشبان المسلمين في حيفا وكان يدرس في مسجد الإستقلال، وفي العشرين من نوفمبر سنة (5391م) خرج إلى أحراش (يعبد) قرب جنين، فوجهت بريطانيا إلىه قوة واستشهد مع مجاهدين من أصحابه، ولقد أرسل الأستاذ البنا أخاه عبد الرحمن البنا للإتصال مع القسام وكان القسام قد التقى به في القاهرة.

ولقد كان لاستشهاد الشيخ أثر كبير في تفجير الحماس في أعماق الشعب الفلسطيني، وقد حمل المسلمون جثة الشيخ وصاحبيه وعلى مسافة طولها خمسة كيلو مترات.

وصليت صلاة الغائب عليه في معظم مساجد فلسطين في يوم الجمعة (22/11/5391م) وأصبح القسام رمزا للجهاد وعنوانا للبطولة والكفاح.

وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم

01- ثورة (6391م) أطول إضراب في التاريخ من (51) إبريل حتى الثامن من أكتوبر من نفس العام، وقد كانت بريطانيا تحاول بستين جندي بريطاني يقاتلون مع اليهود أن تفك الإضراب ففشلت، وأخيرا وسطت الدول العربية التي خدعت الشعب الفلسطيني فأذيع البيان التالي من الحكومات العربية يوم الإسراء والمعراج: (لقد تألمنا كثيرا للحالة السائدة في فلسطين فنحن بالإتفاق مع إخواننا ملوك العرب والأمير عبد الله ندعوكم للإخلاء والسكينة حقنا للدماء معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية)، وقد كان الإضراب مصحوبا بجهاد مسلح، وانضم إلى الفلسطينين مجاهدون مسلحون من سوريا ولبنان والعراق، حيث تسلم فوزي القاوقجي قيادة المجاهدين (الثوار على حد وصفهم) وفي أثناء الإضراب (52) نيسان (إبريل) (6391م) تشكلت الهيئة العربية العليا برئاسة المفتي الحاج أمين الحسيني هذا الرجل الصابر الذي لم توهنه بنات الدهر ولم تهد عزمه السنون العجاف.

(فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا)

(آل عمران: 641)

الجامعة العربية:

ثم جاءت الحرب العالمية الثانية: وعلق الحاج أمين الحسيني أمالا عراضا على ألمانيا، ثم كتب الله لألمانيا أن تهزم فخرج الحاج أمين الحسيني إلى سويسرا ثم رجع واستقر في بيروت.

وفي أثناء الحرب الثانية دخل الفيلق اليهودي مع الحلفاء، فأخذ الدربة والتدريب استعدادا للمعركة القادمة مع أهل فلسطين.

سنة (5491م) في الثاني والعشرين من آذار قامت جامعة الدول العربية وكانأايدن -رئيس وزراء بريطانيا- صاحب فكرتها وكان للجامعة حسناتها وسلبياتها.

ومن سلبياتها إخراج القضية الفلسطينية من أيدي أصحابها، وعقدت الجامعة عدة اجتماعات للقمة العربية منها مؤتمر دعا إليه فاروق في (إنشاص) (82- 92) آيار سنة (6491م)، وكان الإجتماع الثاني في بلودان (سوريا) (8- 21) حزيران سنة (6491م) وصدر قرار بتعيين جمال الحسيني رئيسا للهيئة العربية العليا نيابة عن الحاج أمين الحسيني الذي استقر في لبنان بعد مطاردات بريطانيا له.

في (92) تشرين الثاني نوفمبر سنة (7491م) اجتمعت هيئة الأمم وصوتت بأكثرية الثلثين على قرار تقسيم فلسطين، ورفض العرب القرار واجتمعت اللجنة السياسية للجامعة العربية في (8/21/7491م) وأقرت ما يلي:

1- تخصيص مليون جنيه للقتال (للكفاح المسلح).

2- عينت عبد القادر الحسيني قائدا عاما للجهاد المقدس الذي يعتمد على المتطوعين من فلسطين.

3- قررت دخول الجيوش العربية بعد انتهاء الإنتداب البريطاني في (51) آيار (8491م).

بدأت الجامعة العربية بالتدريب، وذلك بعد اتفاق حسن البنا -مرشد الإخوان المسلمين- مع عبد الرحمن عزام -الأمين العام للجامعة العربية- على تشكيل (هيئة وادي النيل لإنقاذ فلسطين ورئيسها محمد علي علوبة باشا)، وكان الحاج أمين الحسيني أحد أعضائها، وفي بيت علوبة باشا تعرف الحاج أمين الحسيني على حسن البنا.

وجهت الجامعة العربية نداء إلى الدول العربية أن تفتح معسكرات لتدريب المتطوعين، فسلمت معسكر الهاكستب للجامعة وفي سوريا فتح معسكر قطنه.

في (01) فبراير سنة (8491م) بدأت بريطانيا تنسحب من بعض المناطق وتسليمها إما إلى العرب أو إلى منظمة الهاغانا، بمقتضى قرار التقسيم.

في (6) مارس (آذار) سنة (8491م) دخل فلسطين جيش الإنقاذ الذي يعد ثلاثة آلاف بقيادة فوزي القاوقجي (لبناني تدور حوله الشبهات) وذلك بإذن من الجنرال الإنجليزي جلوب قائد الجيش الأردني.

خاضت القوات العربية معارك ناجحة ضد اليهود ولكن القاوقجي انسحب بجيشه مما أدى إلى نتائج سيئة.

سقوط المدن الفلسطينية:

1- في (82) نيسان (8491م) هاجمت قوات الأرغون يافا، فانسحب جيش الإنقاذ فدارت معركة بين أهلها يدعمهم المجاهدون اليوغسلاف وسقط ألفان وخمسمائة شهيد ثم هاجر أهلها بحرا .

2- في الثامن من إبريل (نيسان) (8491م) قام اليهود بمذبحة دير ياسين وقتلوا مائتين وخمسين من أهلها، فقام العرب بحملة دعائية كبيرة ضد اليهود، مما أدى إلى نتائج عكسية وهو أنهم بثوا الرعب في قلوب أهل فلسطين، فصاروا يهربون بمجرد وصول العصابات الإسرائيلية.

وفي نفس اليوم دارت معركة القسطل واستشهد عبد القادر الحسيني.

في (81) نيسان سقطت طبريا، وفي (12) نيسان طوق اليهود حيفا من الجهات الثلاث عدا البحر حتى يسمحوا لأهلها بالفرار، وفر أهلها إلا خمسة آلاف.

(01) مايو (آيار) سقطت صفد، (21) مايو سقطت بيسان.

قيام دولة اليهود:

في الرابع عشر من آيار (مايو) سنة (8491م) غادر المندوب السامي البريطاني فلسطين عن طريق حيفا إلى إنجلترا، وفي هذا اليوم بالذات اجتمع المجلس الأعلى لليهود في متحف تل أبيب يوم الجمعة الرابعة مساء وأعلن قيام دولة إسرائيل، فاعترفت بها الولايات المتحدة فورا ثم اعترفت بها بقية الدول الكبرى.

وفي (51) آيار دخلت الجيوش العربية بقيادة الأمير عبد الله والجنرال الإنجليزي جلوب باشا، وفي (91) آيار سقطت مدينة عكا، وفي (2) حزيران دخل اليهود جنين وأخذ القائد العراقي عمر علي على عاتقه مقاومة اليهود وعمل فيهم مقتلة عظيمة، فخسر اليهود فيها ألف قتيل وستمائة جريح، وكانت مكافأة عمر على أن حوكم محكمة عسكرية في بغداد بعد عودته لهذا التصرف وهو التمرد على الأوامر.

(11) حزيران (يونيو) سنة (8491م) فرضت أمريكا -بطلب من اليهود- على الدول العربية قبول الهدنة الأولى، وفرضت الهدنة على الجيوش العربية، وحتى على المجاهدين القادمين من مصر من الإخوان المسلمين، لأن قيادة المجاهدين كانت مرتبطة بقيادة الجيش المصري (بسبب الجامعة العربية) ومدة الهدنة أربعة أسابيع استورد اليهود فيها السلاح من تشيكوسلوفاكيا وجاء المهاجرون واستعاد اليهود توازنهم.

(11) تموز سنة (8491م) سقطت اللد والرملة في ساعتين، ودخلت الدبابات الإسرائيلية تحمل العلم الأردني.

(71) أيلول سنة (8491م) قتل اليهود الكونت برنادوت الوسيط الدولي.

(32) أيلول أعلن الحاج أمين الحسيني قيام حكومة عموم فلسطين برئاسة أحمد حلمي عبد الباقي في غزه.

(51) تشرين الأول بدأ احتلال بئر السبع.

(1) كانون الأول سنة (8491م) عقد مؤتمر أريحا بوجود الملك عبد الله وتقرر ضم الضفة الغربية للأردن، وأصبح اسمها المملكة الأردنية الهاشمية.

اتفاقيات الهدنة للإعتراف بدولة إسرائىل:

وهكذا كما ترى المسرحية التي تم من خلالها تشريد شعب بكامله واغتصاب أرضه وتسليمها لليهود، وقد اشترك العالم كله في تمزيق هذا الشعب وتحطيم نفسيته، وليت الدول العربية ما دخلت فلسطين، لأنها دخلت لتسلم الأراضي لليهود وصيانة نبتتها الناشئة من أعاصير الرياح الإسلامية التي يمكن أن تعصف بها، وما خدع شعب أو ظلم أكثر من الشعب الفلسطيني.

فلقد دخلت الجيوش العربية لتسليم الأراضي لليهود، وكان دور الأسلحة الفاسدة التي أرسلها الملك فاروق جد مدمر للنفسية العربية والإسلامية.

وكذلك قام الجيش العراقي بالدور الموكل إليه على الوجه الأكمل وكلمته التي كان يرددها كلما استنجد الشعب الفلسطيني به (ماكوا أوامر) لا زالت مرارتها تسري لهيبا في دماء أبناء فلسطين.

وأما الجيش الأردني فحدث عن دور قائده الإنجليزي الجنرال كلوب باشا ولا حرج، فقد جاء ليستلم مواقع المجاهدين من الإخوان القادمين من مصر، وقد كان القائد الأردني الذي يستلم مواقع مار الياس اسمه عبد القادر يسير مع موسى دايان ليسلمه الخنادق والمراكز الواحد تلو الآخر، وكان حسين حجازي القائد المصري من الإخوان المسلمين قد رفض أن يسلم مواقع مار الياس إلى سبعة من الجيش معهم شاويش فصاح حسين حجازي بالشاويش (انصرف راجعا ) كيف تحمون موقعا فيه ثلاثمائة مجاهد واثنا عشر ضابطا بسبعة من الجنود? وهنا ظن عبد القادر أن حسينا من أبناء فلسطين فشتم أبناء فلسطين قائلا : أنتم خونة بعتم أرضكم!!

قصة أبي جهل مع العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه:

وتحضرني في هذا المقام قصة أبي جهل مع العباس رضي الله عنه إذ كانا يسيران ذات يوم -بعد هجرة الرسول ص مع أصحابه من مكة فرارا بدينهم ونجاة بعقيدتهم- فمرا على البيوت التي صوحت من أصحابها وأقفرت من سكانها فقال العباس:

وكل دار وإن طال سلامتها يوما ستدركها النكباء والحوب

فقال أبو جهل: هذا فعل ابن أخيك.

نعم وبعد الحيف والظلم وحرب الجوع والإبادة والمقاطعة والتشريد للنبي ص وأصحابه الكرام يحمل أبو جهل مغبة ما حصل للرسول ص: هذا فعل ابن أخيك.

ولذا فعبد القادر -بعد المؤامرة التي مزقت هذا الشعب وباعت أرضه وعرضه ودمهـ يقول: أنتم خونة أيها الفلسطينيون، وقد كان بجانبه دايان يسلمه عبد القادر الموقع تلو الموقع!!.

طعنات تلو طعنات:

وبعد أن قامت الجيوش العربية بدورها المحدد -وهو تسليم الأرض لليهود- قامت كثير من الألسنة تلوك أعراض أبناء فلسطين الممزقة، وتنهش لحومهم بعد أن مزقتها بالحراب، وكما قال أبو الطيب:

أبنت الدهر عندي كل بنت فكيف وصلت أنت من الزحام

جرحت مجرحا لم يبق فيه مكان للسيوف أو السهام

والحق أن الأدلة الدامغة ترد هذا الإفتراء وتدحض هذا الإدعاء، فقد كان اليهود يملكون حتى بداية سنة (8491م) حوالي (2) مليون دونم من أصل (2،72) مليون دونم، فقد كانت نسبة الأراضي عند إعلان قيام الدولة الإسرائيلية (6،5%) بينما احتلت إسرائيل في هذا اليوم (5،77%) من الأراضي، وذلك بالتواطؤ مع الجيوش العربية.

ولقد كانت الأراضي التي تملكها (2) مليون دونم معظمها بيع إليهم بأثمان رمزية أو سلمت هدية بلا مقابل من الإنتداب البريطاني، أما العائلات التي باعت فهي ليست من أصل فلسطيني بل عائلات نصرانية من لبنان مثل (سرسق وتيان والمطران).

وإليك إحصائية تبين أن الشعب الفلسطيني بريء مما يصمونه به.

الأراضي التي كان يملكها اليهود عند دخول الجيوش العربية:

مساحة الأرض بالدونمات وكيفية امتلاك اليهود لها:

(000،056) ستمائة وخمسون ألفا اختلست بالرشوة من الولاة الأتراك في أواخر عهد الخلافة العثمانية.

(000،003) ثلاثمائة ألف منحة من المندوب السامي البريطاني للوكالة اليهودية بالمجان.

(000،002) مائتا ألف بيعت للوكالة اليهودية بثمن رمزي من حكومة الإنتداب البريطاني.

(000،004) أربعمائة ألف مرج ابن عامر باعتها أسرة سرسق والمطران النصرانيتان.

(000،561) مائة وخمسة وستون ألفا أرض امتياز الحولة وبيسان مسجلة باسم السلطان عبد الحميد وأهدتها بريطانيا لليهود.

(000،23) اثنان وثلاثون ألفا واد الحوارث باعتها عائلة البيروتية.

(00082) ثمانية وعشرون ألفا جملة أراضي متطرفة في طول كرم وجنين وبيسان وعكا وصفد والناصرة، والبائعون لهذه الأراضي والوادي والحولة ومرج بني عامر ليسوا من أهل فلسطين بل إنهم من عائلات سرسق والمطران والجزائري والقباني والتيان من الجبل وسوريا، وكثير منهم ليسوا مسلمين.

(000،003) باعها فلسطينيون خونة لاقوا جزاءهم قتلا وتذبيحا على أيدي المجاهدين الثائرين.

(000،524،1) مليون وأربعمائة وخمسة وعشرون ألفا أراضي أخرى سلمها المندوب السامي البريطاني للوكالة البريطانية في حيفا ويافا وصفد وعكا وطبريا، وذلك قبل رحيل آخر جندي بريطاني عن أرض فلسطين يوم (51/5/8491م).

(000،005،3) جملة ما كان في حوزة اليهود من أرض حتى جلاء الإنجليز عنها.

ولعلك تسألني أيها الأخ الحبيب كيف امتلكت هذه العائلات النصرانية هذه الإقطاعيات الشاسعة من أرض فلسطين? خاصة في مرج ابن عامر الذي كان يضم أراضي أبي وجدي وأهل قريتي، فأجيبك حتى يزول اللبس من ذهنك.

لقد كان الحاكم التركي من جمعية الإتحاد والترقي التي كان يتحكم بها اليهود والماسونية تأخذ ضرائب وأتاوات عالية على الأرض، فأرادت أن تسجل الأراضي بأسماء أصحابها من أبناء فلسطين، فكانوا يفرون في الجبال وتبحث عنهم ثم تجبرهم على تسجيل أراضيهم بأسمائهم، وعندما كان يسأل أبناء العائلات المالكة عن أسناد وصكوك التمليك يخرجون بسيوفهم ويقولون: هذه صكوك أراضينا، ولذا بقيت الأرض دون تسجيل فباعها حكام الأتراك الماسونيون إلى النصارى بثمن بخس دراهم معدودة.

الأراضي التي تسلمها اليهود بعد دخول الجيوش العربية:

دخلت الجيوش العربية بعد جلاء الإنجليز في (51) مايو (آيار) سنة (8491م) يقودها الجنرال الإنجليزي جلوب باشا، وقد تسلم جلوب الراية التي تركها له الإنتداب ليواصل تسليم فلسطين لليهود، وقد عجز الإنتداب في مدة ثلاثين عاما أن يصنع ما صنعه جلوب، وقد حاول أن يهلك الجيش المصري المحاصر في الفالوجة، فعندما استنصحه قادة الجيش المصري نصحهم أن يلقي الجيش المحاصر السلاح وأن يلبسوا لباس النساء ويخرجوا من بين اليهود فأدرك القادة الخدعة ورفضوا.

وقد تسلم اليهود في عدة أشهر خمسة أضعاف ما استولوا عليه خلال خمسين عاما .

وإليك البيان التفصيلي بالأراضي التي استلموها غنيمة باردة:

مساحة الأراضي بالدونمات أماكن صفقة التسليم

(000،59) دونم اللد والرملة

(000،000،2) دونم الجليلان الشرقي والغربي

(000،576،1) دونم الشونة ومناطق الخليل

(000،057،21) دونم صحراء النقب والممرات الإستراتيجية

(000،005،71) دونم سبعة عشر مليون وخمسائة ألف دونم من الأراضي العربية مجموع ما سلمت الدول العربية لليهود في فلسطين.

أراضي القدس:

أما بالنسبة للقدس فقد كانت محط أنظار اليهود منذ أن فكروا بفلسطين -أرض الآباء والأجداد- إذ أنها -في نظرهم- أرض الهيكل وفيها سيكون العرش الذي يحكم من فوقه أحد أبناء داوود -عليه السلام- العالم كله.

ولذا يقول ابن غوريون: (لا معنى لإسرائيل بدون القدس ولا معنى للقدس بدون الهيكل)، وقال ابن غوريون في (7) يونيو (حزيران) (7691م) عند دخول القدس القديمة والمسجد الأقصى: هذا أعز يوم مر علي منذ أن قدمت إسرائيل، إذ توحدت فيه شطرا العاصمة المقدسة (القدس).

وأما دايان فقال: (من أورشليم إلى يثرب).

وصاح الجنود اليهود في المسجد الأقصى: (محمد مات مات وخلف بنات) وكنت أسمعهم، وقد سقطت قريتنا قبله بيوم واحد.

بيان باغتصاب اليهود لأرض القدس:

1- توزيع الملكية العقارية لأراضي القدس سنة (8191م) -خروج تركيا- كانت الأراضي سنة (8191م) موزعة بالشكل التالي:

(49%) للعرب المسلمين والنصارى، (4%) لليهود، (2%) للطوائف الأجنبية.

2- الملكية سنة (8491م) (قبل نهاية الإنتداب البريطاني)، (48%) للعرب -مسلمين ونصارى- ، (41%) لليهود، (2%) للأجانب.

3- الملكية سنة (8491م) (بعد أن تسلم الجيش الأردني مواقع الإخوان في القدس وصور باهر ثم انسحب عبد الله التل -قائد الجيش الأردني- وتسلمها اليهود).

(52%) للعرب -مسلمين ونصارى- ، (37%) لليهود، (2%) للأجانب.

4- أما بالنسبة للقدس القديمة (التي بقيت بيد العرب عشرين عاما بسبب رفض بعض المجاهدين من الإخوان المسلمين واليوغسلاف الإنسحاب من المسجد الأقصى سنة (8491م).

أما مساحتها فهي (729) دونما يملك اليهود منها أربعين دونما فقط قبل الإحتلال سنة (7691م)، وأما توزيع ملكيتها بعد سنة (6791م) فكانت كالتالي: ((41% للعرب، (48%) لليهود، (2%) للأجانب) فهل رأيت يا صاح? أم أن فؤادك غير صاح?

سكان دولة الإحتلال اليوم (000، 009،2) نسمة، باستثناء الضفة الغربية وقطاع غزة يؤلف القادمون من الدولة العربية منهم: (56%).

حضر من المغرب العربي بعد الإستقلال ستمائة وعشرون ألفا ، حضر من العراق مائتان وعشرون ألفا ، حضر من اليمن مائتا ألف، والباقي من بلاد عربية مختلفة.

ملف الذكريات من التجربة المرة:

لقد حفرت مأساة فلسطين بذكرياتها جراحات عميقة سيما وقد عشناها بالدموع والدماء، وقد رأينا أرضنا تسلم سنة (9491م) بعد معاهدة رودس، فقد سلم لقريتنا (سيلة الحارثية) (83) ألف دونم من مرج ابن عامر في هذه المعاهدة على يد أحمد صدقي الجندي -قائد الجيش الأردني وممثل الأردن في معاهدة رودس في (3) نيسان (إبريل) سنة (8491م)- وقد سلم بناء على المعاهدة المثلث الأخضر -أخصب أراضي فلسطين- وذلك رجحه على الصفقات السابقة:

وبي مما رمتك به الليالي جراحات لها في القلب عمق

وقد رأيت أبناء قريتنا يعز عليهم أن تسلم أراضيهم بعد أن زرعوا بأيديهم الذرة في مرج ابن عامر، فجاء اليهود وقطفوا الذرة، وحصدوا القمح، فنزلت مجموعة من الشباب لحصد القمح الذي زرعوه.

فأمسكت بهم العصابات اليهودية وبقرت بطونهم وملأتها قمحا وشعيرا ثم نصبتهم على أعمدة من حديد ليكونوا نكالا لكل معتبر.

ورأيت قريتنا طيلة العشرين عاما (9491- 7691م) وهي ساقطة عسكريا ، إذ كان عداد القرية خمسة آلاف بها مائة بندقية مع كل بندقية مائة طلقة.

ورأيت قريتنا وهي تتجرع مآسيها بذلة وتنتظر ابتلاعها لحظة لحظة، وهي تحرس من قبل أبناء القرية (الحرس الوطني) الذين يأخذون راتبا قدره ديناران أردنيان في الشهر مع أن حراستهم طيلة الليل من المساء حتى الصباح ليلة بعد ليلة.

ورأيت اليهود يصلون بيتنا في ليالي كثيرة يراهم الناس في دوريات استكشافية فيراهم توفيق. جارنا في حديقة بيته فيخبر مركز الجيش في مدينة جنين، فيتهم بالخيانة ويلقي رهن القيود في السجن يكنس اصطبل خيل الخيالة من الجيش الأردني ويقدم إلى محكمة عسكرية، ولا ينجيه إلا الله ثم نصيحة أحد ضباط المحكمة قائلا له بأن يدعي أنه كان يحلم في الليل فظن الأمر حقيقة!!.

ورأيت قريتنا وقد سلخت أرضها وبقيت جدرانها تجأر إلى الله بالدعاء على أولئك الذين باعوا أرضها، وبقي أهل القرية يقتاتون آلامهم ويأكلون سغوبهم ويمضغون فقرهم يعيشون على حليب البقر الذي بقي موردهم الوحيد للاقيتات.

وذات يوم تنزل دورية يهودية إلى حدود القرية وتسوق قطيع البقر وتأخذه في رابعة النهار، ويذهب أبي مع بقية أعضاء المجلس القروي إلى صالح الشرع يستصرخون ويستنجدون لعلهم يردون إليهم موردهم الوحيد لعائلاتهم المحطمة فقرا ، فكان رد صالح الشرع (ضابط الإرتباط الأردني): ذهب بقر السيلة الحمد لله الآن استرحت!!.

وبعدها بفترة يرى مجموعة من فتية القرية المجاورة (زبوبا) قطيعا للشياه اليهودية قرب الحدود فينزلون ويسوقون القطيع، ووصلوا زبوبا، وأثناء نشوة النصر نحروا مجموعة من الشياه، فجاءت السلطات الأردنية وأودعتهم السجن وأذاقتهم سوء العذاب بالسياط، واشترت مجموعة من الشياه وأوفتها الأربعمائة ثم أعادتها إلى اليهود مع الإعتذار!!.

ورأيت (قاسم دواسه) ي قتل باب بيتنا من دورية يهودية.

ذكريات (7691م):

ورأيت دخول الدبابات اليهودية سنة (7691م) تمر على مجموعة من القرى العزلاء من السلاح من بينها قريتنا ولا يطلق عليها سوى طلقات متفرقة من البنادق الإنجليزية (لي انفيليد) من خمسة شباب كنت من بينهم، فجاء الشاويش الأردني وقد كان لنا مخلصا أمينا ، فنصحنا قائلا : إن دبابة واحدة بإمكانها أن تمر عليكم وتدوسكم بجنزيرها دون أن يتحرك لمن في داخلها طرف.

وكنت في أثناء احتلال سنة (7691م) في قريتنا وسقطت الضفة الغربية وسقط المسجد الأقصى دون أن يقتل حوله عشرة من الشباب أو الجيش الأردني!!.

وسمعت برقية الرئيس عبد الناصر للملك حسين التي التقطتها الإذاعة الإسرائيلية، وكانت تعيدها بين الفينة والأخرى أثناء المعركة يقول فيها (أسقطنا ثلثي طائرات العدو، طائراتنا فوق تل أبيب، شد حيلك يا جلالة الملك التوقيع سلمى)، سلمى اسم عبد الناصر في الشيفرة.

ورأيت النظام النصيري وقرأت لسعد جمعة رئيس وزراء الأردن -أثناء النكبة- في كتابه (المؤامرة ومعركة المصير): إن الأردن طلبت من سوريا الغطاء الجوي من القيادة القطرية في سوريا فاستمهلوهم ساعة ثم راجعوهم بعد ساعة فاستمهلوهم أخرى، ولا زالت الأردن حتى الآن تنتظر الغطاء الجوي.

قال سعد جمعه: ثم علمنا النبأ اليقين أن إسرائيل أرسلت إلى سفير دولة كبرى في دمشق -الأمريكي- تقول فيها: إن إسرائيل تعطف على التجربة الإشتراكية العلوية، فإذا التزمت سوريا الصمت فإن إسرائيل لا تمسها، وأرسل السفير البرقية إلى القيادة القطرية فوافقت على الفور.

يقول حفيد تشرشل في كتاب (حرب الأيام الستة): في الوقت الذي كانت المدفعية السورية تلقي آلاف الأطنان من المتفجرات على الأعشاش الفارغة والقش اليابس كانت جرافات البلدوزر الإسرائيلية تشق طريقها صاعدة إلى الجولان، وقد حصل أن تعطل جنزير إحدى الدبابات فوجه قائدها مدفعه نحو الدبابات الصاعدة فدمر ست دبابات إسرائيلية مما أعاق تحرك الجيش الإسرائىلي ثماني ساعات في ذلك المحور.

ومما يندى له الجبين أن سفير سوريا في الأمم المتحدة أعلن سقوط القنيطرة بأيدي اليهود والسفير اليهودي أنكر ذلك.

وأما على الجبهة المصرية فحدث ولا حرج، وأحيلك إلى كتاب (تحطمت الطائرات عند الفجر) لباروخ نادل اليهودي، الذي بقي أربعة عشر عاما سنة (3591- 7691م)، ورتب حفلة ساهرة ليلة الخامس من حزيران سنة (7691م) حضرها أربعمائة طيار، وبعد الثانية ليلا قسم الضباط إلى قسمين الضباط الذكور وسماهم الميج المصري والضباط الإناث وسماهن الميراج الإسرائيلي، ويكمل باروخ القصة... ويغرق الجميع في الدن والراح ومستنقع الجنس الآسن ولا ينصرفون إلا بعد الرابعة فجرا .

يقول باروخ نادل: وما غادرت سماء القاهرة إلا وقد رأيت الدخان يغطي سماءها من المطارات المحترقة التي أغارت عليها الطائرات الإسرائيلية الساعة الخامسة صباحا .

وعايشت مسرحية استقالة عبد الناصر في الثامن من حزيران سنة (7691م) وقال في الإستقالة: لقد كنا نعلم مائة في المائة أن الهجوم يوم الإثنين الخامس من حزيران، اتصل بي السفير الأمريكي الساعة السابعة مساء وقال: لا تضرب واتصل بي السفير الروسي الساعة الثالثة فجرا ، وقال لا تضرب.

وقد كانت الضربة الأولى للطيران الإسرائيلي بعد ساعتين الخامسة صباحا .

وقارنت بين موقف اليهود الذين يحركهم الدافع الديني كما تقول (ابنة دايان) في كتابها (جندي من إسرائيل): أن فرائصنا كانت ترتجف بسبب أنباء تجمع جيش العدو على الجبهة الجنوبية -مصر- فجاء إلينا الحاخام فصلى وقرأ نصوصا من التوراة فانقلب الخوف أمنا .

أما الجيش المصري فكانت الإذاعة توجهه لأجل الربيع، لأجل الحياة، لأجل عشاق الحياة اضرب، وذلك بدلا من (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون)(وقاتلوا في سبيل الله...).

وتقول له أجهزة الإعلام: أم كلثوم معك في المعركة وعبد الحليم وشاديه معك في المعركة.

بدل أن تقول له: الله معك في المعركة أو تقول: (وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين).

أما جريدة الجيش السوري فقد كتبت قبل شهر من المعركة بقلم إبراهيم إخلاص: (أن الله والرأسمالية والإمبريالية وكل القيم التي سادت في المجتمع السابق أصبحت دمى محنطة في متاحف التاريخ) (تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ).

يا حسرة ما أكاد أحملها آخرها مؤلم وأولها

ذكريات العمل الفدائي سنة (7691- 0791م):

وواكبت العمل الفدائي سنة (7691- 0791م)، وقد كانت بداية (فتح) نظيفة جادة فيها شخصيات متزنة تحترمها لعملها وجدها وثقلها، ثم رأيت الغثاء وقد طم وعم عليها وكثر فيها الزبد بسبب الكوادر الواسعة التي لم تجد ما يملؤها سوى الهاربين من التجنيد الإجباري أو الساقطين في امتحان الإعدادية العامة أو الذين لم يجدوا عملا في المجتمع، فالتجأوا إلى حمل السلاح دون تربية والتقطتهم الأيدي اليسارية التي تتاجر بالدماء وتختفي غالبا وراء أبواق أجهزة البث لتبني قصور أمجادها على جماجم الطيبين من أبناء فلسطين، الشباب الأغرار الذين التقتطهم وربتهم على اليسار والتمرد على الأديان جميعا ، وعلمتهم تمجيد لينين وستالين وجيفارا وماو وهوشي منه، ورفعت شعار العلمانية وحاربت الملتزمين بأخلاقهم وضيقت على الصادقين الجادين في مسيرتهم.

وجاء جورج حبش وشكل الجبهة الشعبية، ونايف حواتمه الشيوعي وشكل الجبهة الديمقراطية (وقد كانا يكونان جبهة واحدة وقد كان عبد الناصر يدعم كل من يحارب الإسلام)، وشكل الشيوعيون منظمة الأنصار لم تعمل عملية واحدة.

ثم جاء حزب البعث السوري وشكل الصاعقة السورية وحزب البعث العراقي ونظم الصاعقة العراقية.

واستدرجت الأردن هذه الجبهات كلها تهيء للمعركة معها وتحصي عليها أخطاءها وتعد عليها أنفاسها، وقد أثارت المنظمات الفدائية حفيظة النظام الأردني وتطاولت كثيرا حتى ملأت شعاراتها جدران عمان بالدهان الأحمر والأسود وبالخط العريض (كل السلطة للمقاومة) (عمان هانوي العرب) (طريقنا إلى فلسطين إسقاط الحكم الرجعي في عمان).

واختطفوا ثلاث طائرات في يوم واحد من سماء أوروبا وجمعوها في الأزرق وفجروها.

ولقد كنت تحت الصواريخ والقذائف التي تتصبب على الناس من كل مكان في فتنة سنة (0791م) (أيلول) بعد اتفاق الأردن وعبد الناصر على هذا.

وبعدها عشت محاصرة العمل الفدائي في المدن وملاحقته من بيت إلى بيت ومن جبل إلى جبل في عمان، وقد كانت أحداث سنة (0791- 1791م) في جميع المدن الأردنية مما تشيب له نواصي الولدان، حتى ظهرت الأمراض النفسية والعقلية بين الأطفال لكثرة الفزع الذي يهز كيانهم من إطلاق النار الذي قد لا يتوقف ليلا ولا نهارا .

وعشت أحداث تجميع الفدائيين في أحراش جرش بمعاهدات كثيرة بين وصفي التل -رئيس الوزراء الأردني- وبين زعماء المنظمات، ثم واكبنا أحداث سحق العمل الفدائي نهائيا في أحراش جرش من الدبابات الأردنية وإبادة الفدائيين، وقد كنت في القاهرة للدراسة يوم أن اغتيل وصفي التل في القاهرة على أبواب فندق شيراتون على يد بعض الشباب الفلسطيني انتقاما ، وتابعت أحداث إبادة الشعب الفلسطيني من الأردن إلى سوريا ثم طردهم من سوريا وتجميعهم في لبنان، ثم المعركة التي قامت بين الفلسطينيين والموارنة في لبنان، وكادت المنظمة أن تحتل لبنان ثم تنقلب الكفة بدخول النظام النصيري بإشارة من كارتر والوقوف بجانب النصارى ضد المسلمين وإبادة تل الزعتر.

وعايشنا الأحداث سنة (2891م) إذ دخل اليهود لبنان وحاصروا بيروت وتدخل العرب رحمة بالأطفال الفلسطينيين كما يقولون، والخدعة التي انقادت بها المنظمة يوم أن رضيت أن تلقي سلاحها وتخرج عزلاء يوزعون كما توزع سبايا الحروب، ثم إبقاء النساء والأطفال في مخيمي صبرا وشاتيلا والعمل بهم تقتيلا وذبحا وبقر بطون النساء إرواء لغليل الحقد النصراني الماروني وإرضاء للسادة اليهود.

وواكبنا الأحداث في جنوب لبنان، وبروز حقد جديد في المنطقة -حقد أمل الشيعية- والتفت السيوف مع الرماح ورشقت السهام المسلمين الفلسطينيين من كل جانب حتى حق لنا أن نردد أشجاننا قائلين:

رماني القوم بالأرزاء حتى فؤادي في غشاء من نبال

فصرت إذا أصابني سهام تكسرت النصال على النصال

فهان وما أبالي بالرزايا لأني ما انتفعت بأن أبالي

وهكذا تمضي الأحداث التي تسحق هذا الشعب وكأنها سيمفونية واحدة لحن الآلام والأشجان فيها واحد، تعيد وتبدئ وتعزف نغم الحزن والأسقام التي كتبت على هذا الشعب:

مشيناها خطى كتبت علينا ومن كتبت عليه خطى مشاها

وهكذا حتى شهدنا الإنتفاضة سنة (8891م) (انتفاضة الجهاد) واشتركت فيها جميع الفئات الشعبية من حماس (حركة المقاومة الإسلامية) و (تنظيم الجهاد) و (المقاومة الفلسطينية- المنظمة) ثم شهدنا في أواخر سنة (8891م) الإعتراف الذليل الرخيص بالوجود اليهودي واللهاث المتواصل وراء الحل السلمي المتهافت.

موقف الحركة الإسلامية من فلسطين:

قضية لا يختلف عليها عاقلان، أن معظم التغييرات السياسية والإنقلابات التي حصلت في أنظمة المنطقة العربية كانت لأجل سلامة إسرائىل.

والقضية الثانية: إن كل عمليات القمع والإبادة التي تعرضت لها طلائع الحركة الإسلامية كانت من أجل نفس الغرض.

فهما معادلتان لا تنفصمان وقضيتان لا تنفصلان أبدا ، وهما: قيام الإسلام يعني الإطاحة بالوجود اليهودي في فلسطين، فهما وجهان لعملة واحدة: أن بقاء إسرائيل يقتضي سحق الحركات الإسلامية، وما من كيان جديد في المنطقة إلا وقد أخذ عليه اليهود العهد والميثاق أن يجتث الحركة الإسلامية من جذورها، ويبيد خضراءها ويوكل إليه مطاردة دعاتها والتضييف عليهم في لقمة عيشهم وفي تنقلهم ويحصي عليهم أنفاسهم ويعد عليهم نبضاتهم، وأصبح الدعاة في المنطقة يرددون:

لا يلام الذئب في عدوانه إن يك الراعي عدو الغنم

أمتي كم صنم مجدته لم يكن يحمل طهر الصنم

أما الحركة الإسلامية خاصة الحركة الأم (الإخوان المسلمون) فقد رفعوا شعارهم سيفين ومصحف بينهما وتحتها وأعدوا، وجعلوا هتافهم اللازم: الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والجهاد سبيلنا، والقرآن دستورنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.

فكيف لا يطبق العالم كله على خنق أصواتهم واستئصال شأفتهم.

وقد بدأ الأستاذ البنا اهتمامه بفلسطين منذ (5391م) يوم أن أرسل أخاه عبد الرحمن البنا للإلتقاء بعز الدين القسام رحمه الله وقد وجه شباب الدعوة لجمع الأموال لفلسطين، وقد كتب عنهم الرافعي في وحي القلم مقال (الأيدي المتوضئة) عن برنامج الإخوان (قرش فلسطين).

ثم تقوت علاقته بالحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين الأكبر، وصاهر الحاج أمين الإخوان المسلمون بأن زوج كريمته إلى أبي المكارم عبد الحي وعقد القران في بيت ابنة المرشد (حسن البنا) وفاء البنا وزوجها سعيد رمضان.

وأرسل المرشد الدعاة إلى فلسطين منهم سعيد رمضان وعبد الرحمن البنا ومصطفى مؤمن وعبد المعز عبد الستار وبدأوا يجوبون مدن فلسطين ويحذرون من اليهود ويحرضون الأمة على الجهاد.

أحس الأستاذ البنا بخطورة القضية، ورأى أن الدول العربية لا تستطيع أن ترد لبريطانيا رأيا ولا طلبا وشعر بمعظم المسؤولية ووجد أن الساحة فارغة ممن يتصدى لحمل هذه الأمانة -أمانة حماية فلسطين والأراضي المباركة- من السرطان الصهيوني.

لقد أدرك أن مصر كمثال للدول العربية لا تستطيع الكلام عن قضية فلسطين باللسان فضلا عن أن تقوم بهذه القضية الضخمة، وقد سمع رئيس وزراء مصر (محمد محمود باشا) يصرح (بأنه لن يتناول في محادثاته مع الإنجليز موضوع فلسطين لأنه رئيس وزراء مصر وليس رئيس وزراء فلسطين).

المقاطعة: وأصدر الإخوان قائمة بأسماء المؤسسات اليهودية في مصر ودعوا الناس إلى مقاطعتها وعدم التعامل معها.

القتوت: ثم أصدر مكتب الإرشاد دعاء للقنوت في صلاة الفجر (اللهم غياث المستغيثين وظهير اللاجئين ونصير المستضعفين انصر إخواننا أهل فلسطين، اللهم فرج كربتهم وأىد قضيتهم واخذل أعداءهم واشدد الوطأة على من ناوأهم).

النار والدمار في فلسطين:

وأصدر الإخوان كتابا باسم (النار والدمار في فلسطين) اعتقل على أثره المرشد.

إقامة المؤتمرات في مصر لبيان خطر اليهود:

منها المؤتمر البرلماني العالمي (7/01/8391م) لنصرة فلسطين.

وفي (71/01/7491م) أقام الإخوان مؤتمرا في حيفا أعلنوا تصميمهم على الدفاع عن فلسطين.


 

مظاهرة في ميدان الأوبرا بالقاهرة:

اشترك فيها مجموعة من السياسيين العرب وخطب البنا فيهم قائلا : (أيها الزعماء إن هذا الشعب ليس هازلا ولكنهم جادون وإن كان ينقصنا اليوم السلاح فسنخلصه من أعدائنا، وقد عاهدنا الله أن نعيش كراما أو نموت كراما ).

في (92/11/7491م) صدر قرار بتقسيم فلسطين فخرج الإخوان في سوريا في مظاهرة حطمت أبواب السفارة الأمريكية ومكاتب فرنسية وبلجيكية ومكتب جريدة الشعب الشيوعية التي أيدت التقسيم.

أوفد البنا إلى فلسطين وكيل الإخوان -الصاغ محمود لبيب- للتوفيق بين مجموعتي (الفتوة والنجادة) فاعتقله الإنجليز وطردوه خارج البلاد، وقد كان يعدم أو يعتقل كل من يضبط متلبسا بجريمة تدريب أبناء فلسطين.

تشكيل هيئة وادي النيل لإنقاذ فلسطين سنة (7491م):

وجد البنا أنه لا بد من خوض غمار الحرب ضد اليهود وحمل المسؤولية إذا تخلى الناس عنها، فشكل مع عزام باشا -أمين الجامعة العربية- هذه الهيئة برئاسة علوبة باشا، وكان الحاج أمين أحد أعضائها، ونظمت الهيئة (أسبوع فلسطين) لجمع التبرعات وسلمت للحاج أمين.

معسكرات التدريب:

وطالبت هيئة وادي النيل لإنقاذ فلسطين الدول بفتح معسكرات وقدمت مصر (معسكر الهاكستب وقدمت سوريا معسكر قطنه وأوعز البنا إلى الإخوان أن يتسابقوا في هذا الميدان، فأرسل محمود عبده إلى قطنة ومجموعة من الإخوان إلى الهاكستب، كما بدأ المركز العام في جميع شعب وفروع الإخوان بالقاهرة والأقاليم بالتدريب على القتال، وبدأ تسلل أول فوج بعد تدريبه إلى صحراء النقب وقد كان هذا الفوج بقيادة كامل الشريف، وكان المربي والموجه فيه مندوب مكتب الإرشاد الأستاذ محمد فرغلي -الرجل الثاني في الدعوة- .

الفوج الأول من الإخوان يرجع من عمان:

وأما الأخوة الذين سبق لهم وأن دربوا فركبوا في طائرة ركاب وتوجهوا إلى عمان حتى يدخلوا فلسطين من هناك.

وعندما هبطت الطائرة في مطار عمان جاءهم الأمر بالعودة مباشرة إلى القاهرة دون أن يسمح لواحد منهم أن يطأ أرض عمان، وعندما عادوا إلى القاهرة حاولت مصر أن تمنعهم من الحركة ولكنهم مشوا على أقدامهم عبر صحراء سيناء حتى وصلوا النقب وبدأوا عمليتاهم.

تشديد حكومة فاروق:

بدأت مخابرات فاروق تطارد كل شاب يفتح فمه بحب الجهاد، وأخذت محطات البوليس تحاول انتزاع جوازات السفر من الشباب وتحول دون رحلاتهم حتى في القطار من مصر إلى القناة.

ولذا كانت (هيئة وادي النيل) فتحا عظيما للإخوان، لأنها باسم الجامعة العربية التي لا تستطيع الدول العربية مقاومتها علنيا .

وكم كانت روح الإخوان وثابة وهي تتسابق إلى التسجيل للجهاد في فلسطين، ولقد كانت المشاعر ملتهبة والقلوب متوثبة والنفوس متحفزة حتى تصل إلى الأرض المباركة أرض الأقصى، وكم من الشباب كانوا يتفجرون بالبكاء لأن المرشد يردهم أو لأن الدعوة لم تخترهم، ولقد أعلن عزام باشا أمين الجامعة أنه اتفق مع الدول العربية على إعداد معسكرات للتدريب على الأعمال الفدائية وحرب العصابات، وأن الجامعة العربية ستتكفل بالمتطوعين للجهاد طعاما ولباسا وسفرا وسلاحا وذخيرة، وقد اختير لتدريب الكتبية الأولى في الهاكاستب خيرة ضباط مصر وتكونت الكتيبة بعد التدريب، وكانت صفوة أبناء الدعوة وعصارة أبناء مصر.

الكتيبة الأولى مكونة من ثلاثمائة شخص:

وهي تضم أربع سرايا الأولى ثلاثة أرباعها من مصر الفتاة -أحمد حسين- وربعها من الإخوان.

السرية الثانية: ثلثاها من الإخوان وثلثها من مصر الفتاة.

السرية الثالثة: كلها من الإخوان.

السرية الرابعة: من الإخوان، واختير لقيادتها أحمد عبد العزيز (بكباشي أركان حرب) ضابط وطني فيه طيب، ويوزباشي عبد المنعم عبد الرؤوف (من الإخوان) وهو الذي أجبر الملك فاروق فيما بعد على التنازل عن العرش وسفره خارج مصر، وكان عبد المنعم قائدا للعمليات يساعده معروف الحضري في العمليات وهو من خيرة الإخوان، وكان معهم كمال الدين حسين من المحسوبين على الإخوان واختاروا من الدعوة مجموعة من الضباط برتبة (ملازم ثاني)، وسارت الكتيبة على بركة الله وكانت حقا خيرة أبناء العالم الإسلامي أدت دورا كبيرا في مواجهة اليهود.

المعركة الأولى:

كفار ديروم (21) مايو (8491م) ولقد كانت المستعمرة محصنة جدا ودفع الإخوة ثمنا باهظا في إقتحامها، مما أدى إلى استشهاد مجموعة كبيرة من الإخوة، وقد كان الدكتور محمد غراب في هذه الغزوة، ولقد أرسل البنا كذلك الدكتور أحمد الملط إلى يافا لعمل مستشفى ميداني ومعه د. حسان حتحوت ود. خطاب بالإتفاق مع الهلال المصري.

معسكر النسيرات:

وقد كونه الإخوان بعد أن انضمت قوات محمود عبده إلى الكتيبة الأولى، واستطاعوا أن يدمروا قافلة لليهود فيها أحد عشرة مصفحة يتقدمها ونش كبير، وعندما قلبوا الجثث وجدوا وشم المنجل والمطرقة على أيديهم فعرفوا أنهم من يهود روسيا، وقد كانت ضربة موجعة لليهود.

إلى معسكر البريج:

احتله الإخوان في (1) مايو بعد جلاء بريطانيا بيوم، وكان فيه كامل الشريف ومحمد فرغلي، ثم دخل الجيش المصري بقيادة المواوي وأمر أحمد عبد العزيز أن تكون قواته المتطوعة متنقلة، فتحرك أحمد عبد العزيز من خان يونس إلى بير السبع وأمر عبد المنعم عبد الرؤوف بالتحرك إلى العوجة، ولكنه توقف في العلوج لأنها محاطة بمعسكرات يهودية وقد تحتلها فتقطع الطريق بين الخليل وبئر السبع، وقصفت مستعمرات بيت إيشل ثم تحرك أحمد عبد الغزيز إلى الخليل وبيت لحم وبقي محمود عبده في بئر السبع واتخذ أحمد عبد العزيز بيت لحم مقرا له، وشهدت المنطقة ما بين القدس والخليل ملاحم سطرها الشباب المسلم بدمائهم يجدونها إن شاء الله بين أيديهم يوم القيامة.

مستعمرات حول القدس:

رامات راحيل، تل بيوت، مستعمرات الدجاج، أما تل بيوت فقد نسفها حسين حجازي بكاملها، وأما رامات راحيل ومستعمرة الدجاج فقد افتتحوها وغنموا كل ما فيها، أما الجنوب: غزة ورفح، خان يونس، وبئر السبع، فيحدثك عنه كتاب كامل الشريف (الإخوان المسلمون في حرب فلسطين) أما خط القدس الخليل فيحدثك عنه كتاب (جماعة افتدت أمه -حسين حجازي- ) يقول حسين حجازي في كتابه: جماعه افتدت امه ص(711): (ولو لم يحدث ما حدث من حكومة النقراشي التي -حلت جماعة الإخوان وإبراهيم عبد الهادي الذي قتل البنا- لاستطاعت هذه الحفنة من الشباب المؤمن الصامد تحرير فلسطين من الغاصبين).

تبة اليمن: (جبل مرتفع يشرف على الولجه وعين كارم والمالحة) شمال غرب بيت لحم استولى عليها اليهود فندبت القوات المصرية الإخوان المسلمين في صور باهر لتطهيرها) ولم تمر ساعة حتى طهروها وأطلقت عليها قيادة الجيش المصري (تبة الإخوان المسلمين) في (02) أكتوبر سنة (8491م).

حسن البنا وفلسطين:

لقد كان البنا يدرك أبعاد المؤامرة على فلسطين ويرى خطورة قيام دولة اليهود في فلسطين، ولذا فإنه كان يرى أن يحدد (وجهة الصراع: الهدف) ويوحدها، فكان يرى تركيز الجهود على فلسطين حتى لا يضرب اليهود بجذورهم فيفسدوا المنطقة بأسرها، وكان يرى تجاوز الصراع مع أي نظام أو حزب وتوجيه الطاقات لضرب اليهود، ولذا كان البنا يرى أن لا يصطدم مع نظام فاروق ما دام رأس الأفعى -اليهود- قائما ، ويرى أن الأنظمة وسائل وقفازات يستعملها رأس الأفعى فلا بد من ضرب الرأس، ولذا وجه الإخوان إلى فلسطين تحت اسم الجامعة العربية، واتصل بالشيخ مصطفى السباعي مراقب الإخوان في سوريا وأمره أن يخرج بكتيبته إلى فلسطين، وكذا الأمر مع الأستاذ الصواف مراقب الإخوان في العراق، وعبد اللطيف أبو قوره مسؤول الإخوان في الأردن.


 

كتيبة من عشرة آلاف مسلح:

كان البنا قد اتفق مع عبد الرحمن عزام على أن يعد البنا عشرة آلاف مسلح يخرج على رأسها لقتال اليهود، وقد أرسل البنا برقية إلى مؤتمر القمة العربي في عاليه آيار (8491م) قال فيها: إن الإخوان المسلمين على استعداد لإدخال عشرة آلاف مجاهد متطوع كدفعة أولى للقتال ضد اليهود في فلسطين.

حديث عبد البديع صقر (سكرتير البنا):

حدثني عبد البديع رحمه الله قائلا : لقد ودعنا آخر كتيبة للإخوان توجهت إلى فلسطين بحماس منقطع النظير وبهتافات مدوية بعد خطاب الأستاذ البنا، ثم أخذني البنا بيدي ودخلنا إحدى غرف دار الإخوان وقال لي: انتهت قضية فلسطين، فلقد وافقت الدول العربية على الهدنة، فثرت في وجهه قائلا : (أنت آثم ومسؤول عن دماء هؤلاء) فابتسم البنا قائلا : أنا لا أستطيع أن أصد عن الجهاد في سبيل الله هذه واحدة، وأما الثانية فالبشر يخططون ولعل هؤلاء الشباب يكونون قدر الله في إحباط المؤامرة العالمية.

تضحيات رائعة ونماذج فريدة:

لقد كانت كتائب الإخوان التي خرجت للجهاد قمما رائعة في التجرد والأخلاق الجهادية والتفاني في سبيل الله، وأضرب مثالا كما حدثني الدكتور أحمد الملط قال: كنت مع البنا إذ دخلت عليه امرأتان تصيحان تقولان: يا بنا أنت آثم لأنك تأخذ أولادنا وتريدنا أن نأكل الطوب (التراب) إذ كان عماد عيشنا فدان من الأرض يجره ثور وحمار، فقال إبننا (عبد السلام عجلان) وباعهما وهو الآن في السيارة التي باب دار الإخوان متوجهة إلى فلسطين فأرسل إليه البنا وقال له: نحن لا نريدك أن تذهب إلى فلسطين، وإذا بعبد السلام يستشيط غضبا ويرد على البنا بقوله: إن كنت تظن أنني ذاهب إلى فلسطين لإرضائك فأنت واهم، أنا ذاهب لنيل الشهادة في سبيل الله ودخول الجنة، ثم خرج من دار الإخوان وركب السيارة فأمر البنا بإنزاله من السيارة، فنزل فركب عبد السلام في المواصلات العامة، وكم كانت دهشة الإخوان أن وجدوه ينتظرهم على القنيطرة فاضطروا لأخذه.

المرتبات:

عرض على كتيبة الإخوان التي مع أحمد عبد العزيز رواتب من الجامعة العربية فردوا جميعا لا نريد رواتب.

وقال أحمل الملط: لقد أرسل وراءنا سليمان عزمي باشا (مدير الهلال الأحمر المصري) وقال: اطلبوا ما شئتم من المرتبات لأننا أعلنا في الصحف نطلب أطباء برواتب مغرية فلم يتقدم أحد، قال أحمد الملط: كنا ثلاثة أطباء من الإخوان أنا ود. حسان حتحوت ود. خطاب فقلنا: لا نريد إلا الطعام والمأوى فقال: ولكننا نكتب لكل طبيب دية تسلم عند استشهاده لمن يريد، ثم سلموا الثلاثة أوراق الدية وقيمتها (ثلاثة آلاف جنيه مصري) وكان للجنيه آنذاك قيمة كبيرة إذ كان ثمن الرغيف مليما واحدا .

فكتب الدكتور أحمد الملط: ديتي تسلم لحسن البنا، وعندما ودع الملط حسن البنا أفصح له بأن ديته تدفع له، فانفجر باكيا وشاركه البكاء مصطفى السباعي.

رأي البنا:

ولقد كان رأي البنا أن لا تدخل الجيوش العربية فلسطين، وعرض هذا الأمر على النقراشي ونصحه بأن يسمح للإخوان أن يواجهوا اليهود وحدهم، فإن قضى اليهود عليهم كان لمصر الذي أرادت وارتاحوا من الإخوان، وإن انتصروا على اليهود ارتاح العرب من اليهود، وكأنه يتأسى برسول الله ص حين قال يوم الحديبية: يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فما تظن قريش فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة (1)[ السالفة: صفحة العنق].

رأي: يبدوا أنه لم يكن يدور بخلد النبا أن السوء سيصل بالحكام العرب أن يوالوا أعداء الله ضد شعوبهم ويتولوا بأيديهم عملية ذبح الشعب الفلسطيني في مجازر شهوات سادتهم.

قيل لابن المبارك: من الملوك? قال: الزهاد، قيل: من السفله? قال: الذين يأكلون بدينهم، قيل له: من سفلة السفله? قال: الذين يصلحون دنيا غيرهم بإفساد دينهم.

المؤامرة: كان العالم يعلم أنه لن يقوم لليهود دولة ما دامت الحركة الإسلامية قائمة وأبناؤها يشرعون هاماتهم للموت في أرض النزال حول الأقصى، فكان لا بد من ضرب الحركة في منبتها -مصر- ولا بد من قتل قائدها وعقلها المفكر وقلبها النابض -البنا- ، ولا بد من إرجاع الشباب المجاهد من أرض القتال.

ضرب المؤسسات اليهودية والبريطانية في مصر:

قام الإخوان بنسف منازل في حارة اليهود ردا على مجزرة دير ياسين، وفي (92) تموز سنة (8491م) نسف الإخوان محلات شيكوريل وأوريكو، وفي أوائل آب نسفوا محلات بنزايون وجاتينيو وفي (22) أيلول جرى تدمير جزء من حارات اليهود، وفي (21) تشرين الأول دمرت شركة الإعلان الشرقية، وكل هذه المؤسسات يملكها اليهود.

استغاثة اليهود:

ولقد ألهب اليهود عواطف الغرب خاصة أمريكا ووقف دايان في أمريكا يقول: نحن لا نطلب السلاح لمواجهة الجيوش العربية فأمرها سهل علينا، نحن نطلب السلاح لمواجهة عصابات الإخوان المسلمين المتوحشة.

وبدأت الصحف الغربية تنبه إلى خطر الحركة الإسلامية الداهم وتستدر عطف الغرب وتستجيش مشاعرهم تجاه اليهود.

العذراء المصون (فلسطين):

وكان لا بد من إبعاد الشعب الفلسطيني عن المعركة وإسلام قياده إلى جيوش الدول العربية، وفلسطين (هذه العذراء المصون حصان رزان لا تزن بريبه) كعاتق في خدرها تتمنى الشمس رؤية وجهها، لا تمتد إليها يد لامس، ولكن هذه المحصنة الغافلة أغلقت حصنها على نفسها وألقت بمقاليد الأبواب ومفاتحها لأبناء جلدتها كيما يردوا الدواهي عن أسوارها، فما راعها إلا وشذاذ الآفاق وصعالكة الأمم ونفايات الأقوام يقتحمون عليها خلوتها، ويمزقون حجب حرمتها فماذا دهاها? لقد بكت دما بدل الدموع وهي ترى أن حماتها من أرحامها، هم الذين سلموا المفاتيح لحثالات الأمم، وسهلوا المسالك ومهدوا السبل للدخول عليها:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند

ومن بعيد أقبل قوم تسطع وجوههم نورا ويزيد زينتها اللحى التي تتوجها، ومن يكون هؤلاء أو ليسوا من فئة حملة المفاتيح الذي أدخلوا عليها نفايات الأقوام ولطخوها بطين المستنقع? لا، إنهم صنف جديد من الناس شعارهم مصحف وسيفان وأبلوا في الوغى أيما بلاء وقدموا في الجهاد المهج والدماء، وأعادوا إغلاق أبواب الحصن على العاتق المصون العذراء.

وجاء دور حملة المفاتيح مرة أخرى ، وقد أوعز إليهم أن يسحقوا هؤلاء الذين لا يشغلهم عن المكارم كأس راح، ولا تلهيهم رقصة غانية عن البأس، وكل واحد منهم يكاد يصدق عليه إذا أطريته:

وسيف لأنت السيف لا ما تسله لضرب ومما السيف منه لك الغمد

ورمح لأنت الرمح لا ما تبله نجيعا ولولا القدح لم يثقب الزند

الأمر بالإنسحاب:

وانسحبت الجيوش العربية من الجبهات الشمالية والوسطى والجنوبية، فانسحب أديب الشيشكلي من الشمال، وبدأ الجيش المصري في الجنوب بالإنسحاب، وانسحب فوزي القاوقجي بجيش الإنقاذ، ونشأ ما يسمى (بمثلث الفالوجه) إذ حوصر ثلث الجيش المصري (4) آلاف فيها من بينهم عبد الناصر، ويئست الجيوش العربية أن تنقذهم، وأخيرا لجأ قائد الجيش المصري عبد الجواد طباله إلى الإخوان قائلا : لم يبق إلا أنتم فقالوا: نحن لها وإن عظمت وأخذوا على عاتقهم الإنقاذ المقترن بالموت:

فلا تستنكرن له ابتساما إذا فهق المكر دما وضاقا

فقد ضمنت له المهج العوالي وحمل همه الخيل العتاقا

ملاقيه نواصيها المنايا معلمة فوارسها العناقا

وأدخلوا من خلال الطوق المضروب سبعة عشر قافلة محملة بالسلاح والدواء والغذاء كان آخرها قافلة فيها نجيب جويفل (عبد العزيز سالم) وأسر القائد معروف الحضري.

اجتماع فايد:

في (6) ديسمبر سنة (8491م) اجتمع السفراء الثلاثة (البريطاني والفرنسي والقائم بأعمال السفارة الأمريكية) وقرروا حل جماعة الإخوان، وألقوا بالقرار بين يدي النقراشي -رئيس وزراء مصر- لتنفيذه، وقرر النقراشي حل الجماعة في (8) ديسمبر سنة (8491م) وصادر ممتلكاتها، وزج بأبطالها في غياهب السجون، وترك البنا خارج السجن ليقتل خارج السجن، وفي نفس الشهر قتل النقراشي في مصعد داخل وزارة الداخلية من قبل أحد أبناء الحركة الإسلامية.

رسالة البنا إلى المجاهدين في فلسطين:

أيها الإخوان لا يهمنكم الأحداث التي تجري فوق أرض مصر، إن مهمتكم تحرير فلسطين من اليهود ولا تنتهي مهمتكم ما دام في فلسطين يهودي واحد.

وجاء قادة الجيش المصري إلى الإخوان في الجبهات يعتذرون ومنهم القائد العام المصري فؤاد صادق.

مقتل البنا:

وفي يوم عيد ميلاد فاروق (21) فبراير سنة (9491م) أرسل فاروق مدير مخابرات القصر الملكي (محمود عبد المجيد) وأطلق الناري على البنا باب دار الشبان المسلمين، وجرح البنا وكانت جراحه طفيفة، فأوفد الملك ضابطا اسمه محمد وصفي ليجهز على البنا في غرفة العمليات، وقطعت الكهرباء عن المنيل حيث يسكن البنا، وصلت عليه أربع نساء ونقلت جنازته بين صفوف الدبابات ودفن وحرس قبره.

معاهدة رودس:

وبدأت مصر في اليوم الثاني لمقتل البنا (31) فبراير المفاوضات ووقعت المعاهدة في(42) فبراير لإقرار اليهود على حدود آمنه.

مجاهدون سجناء:

وألقى فاروق أوامره بتمزيق جمع الشباب المجاهد في فلسطين، وكان أخطرها كتيبة أحمد عبد العزيز التي تحاصر مستعمرات اليهود في القدس، وقد خشيت الدول أن يحتل أحمد عبد العزيز القدس ويطهر اليهود منها فبعث الملك فاروق صلاح سالم وقتل أحمد عبد العزيز، ولقد كان غيظهم من أحمد قد استشاط عندما علموا أن أحمد قد التقى بالبنا ورجع يائسا من كل الدول العربية نافضا يده من جيوشها.

ثم شتتوا كتيبة أحمد عبد العزيز، وبقيت سرية حسين حجازي التي تحمي منطقة مار الياس وعددها ثلاثمائة يقودها اثنا عشر ضابطا ، فأرسل الجيش الأردني سبعة يقودهم شاويش للإستلام مكانه ريثما يتم التسليم إلى دايان، فرفض حسين حجازي وأخيرا أخذوه إلى السجن في الخليل بتهمة جاسوس مصري.

وأما الكتائب الأخرى من الإخوان التي كانت في الجنوب، غزه وبئر السبع والنقب فأوعز فاروق إلى جيشه باعتقالها وقبلت الإعتقال لأنها ما أحبت أن تدخل في معركة مع الجيش المصري وعادوا بها رهن الأغلال والقيود إلى معتقل الطور -القاهرهـ .

وأما الجيش العراقي فقد كان يردد (ماكو أوامر: لا أوامر).

وأما أهل فلسطين فقد كافحوا كفاحا مجيدا وأبلوا بلاء حسنا في الذود عن حياضهم، وقد قدموا اثني عشر ألف شهيد، وأضرب مثالا هنا باللد والرملة التي مكثت ستة أشهر يرابط أهلها أمام عصابات اليهود يرابط الرجال في الليل وترابط النساء في النهار، وأخيرا جاء الجيش الأردني واستلم المنطقة التي تمتد جبهتها على طول (84) كم ووزع الجيش مائة وخمسين جنديا لحماية هذه الجبهة ومعهم ضابط واحد، ولكن قائد المنطقة مستر لاش الإنجليزي -أحد قادة الجيش الأردني- الذي يرأسه جنرال جلوب باشا الإنجليزي.

وصدر قرار بعقوبة الإعدام على كل واحد من الأهالي يضبط متلبسا بجريمة حمل السلاح.

ولذا وفي آخر يوم من الهدنة الأولى هجم اليهود على اللد والرملة فلم تحتمل المعركة سوى ساعتين، وسقطت المدينتان.

محاكمة المجاهدين في فلسطين بعد خمسة أعوام في القاهرة:

وفي سنة (4591م) شكل عبد الناصر محكمة الشعب (الثورة) برئاسة جمال سالم وعضوية السادات والشافعي، وكان السؤال يلقى على المتهمين من الإخوان: أشهدت حرب فلسطين? فإن كان الجواب نعم فالحكم جاهز الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة.

ونفذ حكم الإعدام بمحمد فرغلي -ممثل مكتب الإرشاد في فلسطين- وعبد القادر عوده -وكيل الجماعة- ويوسف طلعت، هنداوي دوير، محمود عبد اللطيف، وإبراهيم الطيب وكانت الجريمة هي الجهاد في فلسطين والقتال!!.

جهاد الحركة الإسلامية سنة (9691- 0791م):

بعد هزيمة العرب سنة (7691م) تقدمت حركة فتح ووسعت كوادرها ونادت بالناس، وتقدم إليها كثير من الناس ولكن معظمهم غثاء، وتأخرت الحركة الإسلامية ولكنها قدمت ثلاث سرايا وكان لها أربع قواعد وكانت تحت اسم فتح وكان الناس يطلقون عليها (قواعد الشيوخ)، ولقد أبلت بلاء حسنا ، وكنت أميرا في إحدى القواعد (قاعدة بيت المقدس في مرو).

والحق أن السرية الأولى التي تقدمت وكنت منها كانت نماذج رفيعة وكان من بيننا مجموعة من الإخوة السودانيين على رأسهم الوزير السوداني (محمد صالح عمر) الذي استشهد فيما بعد في جزيرة (أبا) بقذائف الطيران المصري.

وكانت على خلق عال، وأدب إسلامي جم، وقد كتبت بعض ذكرياتها في رسائل من القلب إلى القلب في مجلة الجهاد -رسالة الإخلاص والزهد والإخوة والمحبة- كانوا يرفضون أن يحدثوا عن معاركهم خوفا من الرياء ولئلا ينقص ثوابهم، كان القائد الشهيد صلاح حسن يربينا بعمله دون قوله، وكان أخوه -أبو خليل- يعتبرنا أخوة له ولسنا تلاميذ، وكان قائدنا العام عبد العزيز علي له في قلوبنا هيبة وأيما هيبة، وحبا ومودة لا نظير لها.

وبقيت مجموعات الشيوخ تشق طريقها بين الأعاصير الهوجاء التي تريد أن تقتلعها من جذورها، ونحن نقيم علائق طيبة مع الجيش الأردني الذي كان يحترمنا أيما احترام، حتى كان خلف رافع -قائد اللواء- المسؤول عن حراسة الحدود -الغور- يوقف سيارته إذا رأى شابا من شبابنا.

ذكريات الرفيد وحرثا:

وكان بيننا وبين الأهالي صلة وثيقة ومحبة عميقة، خاصة الذين كانت قواعدنا في أكنافهم، وأخص بالذكر آل عبيدات -في الرفيد وحرثا- ولقد احتضنونا كأننا أبناؤهم ويودون لو يضعونا في أجفانهم وقلوبهم، ولقد وقفوا وقفة طيبة عندما دخل الجيش الأردني لضرب قواعدنا فقالوا: نحورنا دون المس بهم وصدورنا دون إيذائهم، قالوا: عرفناهم لأبنائنا معلمين ولمساجدنا أئمة وخطباء، ولقرانا ولمزارعنا حراسا أمناء، والحق أن ذكر الرفيد لا يمكن أن يأتي النسيان عليه -والله أعلم- ما دام لنا عين تطرف أو قلب ينبض، ولقد كان أحد أبنائهم أحمد قد عرفنا من خلال حديث أهله وقريته وعشيرته عنا فأحبنا عن بعد، ثم ارتقى مناصب عليا في الدولة حتى تسلم رئاسة الوزراء، فكان خير مدافع عنا إذا كثرت الأقاويل أو اشتدت علينا الحملات.

ولقد خاض الإخوة معارك كثيرة، وكان الجيش الأردني خير متعاون معنا، إذ أننا صدقناه فصدقنا وعاملناه بالرجولة الإسلامية فعاملنا بالمروءة والنخوة البدوية.

معركة المشروع:

وإن كنت أنسى فلا أنسى معركة المشروع (روتنبرغ) التي دخلناها، وكنت فيها وكان معنا أبو مصعب السوري الذي تحامل على جراحه البالغة التي أصابته في المعركة بجانبي، فجاء قائد الكتيبة الأردني واقتحم النيران الملتهبة من جراء القذائف المتصببة وأصابته شظية وجرح القائد ولكنه أنقذ أخانا وأوصله إلى المستشفى حيث أشرف على الموت وهيموجلوبين الدم.

معركة (5) حزيران سنة (0791م):

ستة من إخواننا، منهم أبو إسماعيل مهدي الإدلبي الحموي وإبراهيم (بن بله) وبلال الفلسطيني، وفي أرض مكشوفة تصدوا لدبابتين وكاسحة ألغام، وكان دايان أرسل مراسلا كنديا وأمريكيا ليطوف بهم على الحدود ويريهم أن العمل الفدائي قد انتهى، وإذا بجند الله يخرجون لهم كالجن المؤمن من باطن الأرض، وانهالت القذائف وجرح الصحفيان واعترف اليهود باثني عشر قتيلا ولكن قتلى الأعداء أكثر من هذا بكثير.

وقد ضج الإعلام العربي وخاصة -فتح- بهذه العملية الرائعة في رابعة النهار ضحى يوم (5) حزيران واستشهد ثلاثة من إخواننا منهم الحبيب المهدي الإدلبي أحد أبناء قاعدتي، وبلال المقدسي من قاعدة غزه.

عملية سيد قطب:

ولقد كان الأخ أبو عمرو (صلاح حسن) يعد لعملية بالصواريخ يسميها عملية سيد قطب ضد دورية من عدة دبابات، ورتب الخطة وأشرف على المكان وزرع الصواريخ التي سيطلقها بالكهرباء، ولكن المنية كانت له بمرصد إذ كمن له اليهود قرب الشارع ودارت بينهم معركة سقط فيها أبو عمرو شهيدا واستشهد معه محمود البرقاوي، وزهير قيشو (من حماه) ومن الموافقات العجيبة أن تاريخ الشهادة كان في نفس اليوم الذي استشهد فيه سيد قطب (92) أغسطس (آب) سنة (0791م).

وهكذا فاز أبو عمرو بالشاهدة -كما نرجو من الله ولا نزكي على الله أحدا- قبل ضرب العمل الفدائي في الأردن بعشرين يوما ، وشيعت جنازته بوداع مهيب في مطار عمان واستقبلت في مطار الكويت حيث يسكن أهله، وكان يوما من أيام المسلمين في الكويت.

وأما جنازة زهير فقد قمت بنقلها إلى حماه في سوريا ومكثت هناك عدة أيام في ضيافة الشيخ مروان حديد، وقد قدمت جنازة أخرى إلى حماه وأنا هناك وهي جنازة (نصر عيسى) شقيق الدكتور رشيد عيسى الذي قضى معنا في فلسطين فترة طيبة يرعى إخوانه من شباب حماه، وقد عاش معنا في هذه الفترة في فلسطين الأخ عبد الستار الزعيم.

وبدأ الإستعداد لضرب العمل الفدائي، واجتمعنا -نحن الإخوة المسؤولين عن الشباب- وقررنا فيما إذا اصطدم الجيش مع الفدائيين أن لا ندخل في هذا الصراع الذي لا طائل من ورائه، ونخشى أن نصيب دما حراما لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم ، وكذلك فالمعركة ليست واضحة والراية عمية وليست إسلامية خاصة وأن العمل الفدائي قد اجتاحه طوفان من الغثاء وأصبح الكثير منه زبدا رابيا ، فلم يكن قتال الجيش أمرا مقبولا شرعا ولا عقلا ولا مصلحة.

فأثرنا الوقوف على الحياد، ولقد دار حديث حول الأخطار التي تكتنف المرحلة القادمة والغموض الذي يلف الليالي المقبلة، ولكن عين الله كانت ترعى هذه المجموعة، فقلت للإخوة: إطمئنوا فلن يضيعنا الله ولن تكون نهاية هذه الصفوة السحق تحت جنازير الدبابات الأردنية.

(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)

(العنكبوت: 96)

وفي الحديث الصحيح: ثلاث حق على الله عونهم: الغازي في سبيل الله، والناكح يريد العفاف، والمكاتب (العبد) يريد الأداء .

ولقد كان فضل الله علينا عظيما ، إذ رعانا بعين رعايته وأحاطنا بعنايته فلم يمس أحد منا بأذى، رغم أن كثيرا من المدنيين قتلوا وعذبوا وسجنوا وأهينوا.

الشهداء:

واستشهد من أبناء الحركة الإسلامية (31) شهيدا منهم رضوان كريشان، ورضوان بلعه الدمشقي، ومحمد سعيد باعباد الضابط اليماني، وأبو الحسن إبراهيم الغزي وهو من مؤسسي حركة فتح، وكان من خيرة المدربين في معسكر العلوك.

رأي في جهاد الحركة الإسلامية سنة (9691م):

والحق أن الدعوة قصرت من ناحيتين:

1- الأولى: أنها تأخرت في التحرك للجهاد وسبقتها المنظمات العلمانية والقومية الشيوعية التي يجمعها جميعا العداء للإسلام ومحاربة الخط الإسلامي.

إذ قلما كنت تجد آنذاك مصليا في المنظمات، ولعلك تستطيع أن تدرك السوء البالغ الذي كانت تحياه المنظمات والدرك الهابط الذي كانت تتخبط فيه أنه في (4) نيسان سنة (0791م) -الذكرى المئوية لميلاد لينين المئوي- اتفقت المنظمات جميعا -دون استثناء- على أن تحتفل ولمدة أسبوع بهذه الذكرى المجيدة المشرفة!! واشترك وزير الأوقاف الأردني آنذاك بالترتيب للإحتفال وفي الإسهام في إنجاحه.

وبإمكانك بعد هذا أن تتصور الضيق البالغ الذي كان يأخذ بخناقنا -أبناء الحركة الإسلامية- ونحن نعيش في هذا الوسط المظلم المكفهر.

وأذكر أنني ط لبت لمحاكمة عسكرية لأنني انتقدت جيفارا فقلت للمثقف الثوري وهو يمثل الإدعاء العام (من هو جيفارا? فقال: مناضل شريف، فقلت له: ما هو دين فتح? فقال: فتح لا دين لها، فقلت له: أما أنا فديني الإسلام وجئت لأجاهد في سبيل الله، وأما جيفارا فهو تحت قدمي هذا.

وهذا الغثاء لم يكن موجودا سنة (8491م) لأن الحركة الإسلامية آنذاك كانت سيدة الموقف ورمز الصمود والنجم المتألق على الساحة الفلسطينية، وذلك لأنها سبقت الناس إلى الجهاد وبقيت ثابتة حتى عصفت بهم النوائب التي ساقها الله على يد حكامهم العرب يومئذ.

فإذا كانت الحركة الإسلامية تعيب على المنظمات الثورية بيساريتها وانحرافها وتخبطها وإغوائها للشباب، فما ذاك إلا لغياب الحركة الإسلامية.

وجدير إذا الليوث توارت أن يلي ساحها جموع الثغالب

2- والعامل الثاني: لتبجح أهل الباطل وانتفاشهم وانتفاخهم أن عدد المسلمين كان قليلا في منظمة فتح، لقد كانت المنظمات اليسارية تسب الله ورسوله عمدا أمامنا ليغيظونا، وقد كانت بجانبنا جبهة ديمقراطية (نايف حواتمه)، فكانت كلمة السر في الليل أثناء الحراسة شتم الله أو النبي أو الدين، وكنا أحيانا نلتقي في تجمع فنقف لنؤذن فيصطفون مقابلنا يرددون:

إن تسل عني فهذي قيمي أنا ماركسي لينيني أممي

والحق أنه لولا الله ثم لافتة فتح لمزقونا إربا إربا أو لمنعونا من الجهاد في سبيل الله.

إعتذار:

ونحن نعتذر للحركة الإسلامية أن رأسها كان رهن الأغلال والقيود في سجون عبد الناصر، وقد أعلن هذا الطاغوت من فوق قبر لينين سنة (5691م) أننا ألقينا القبض على سبعة عشر ألفا من الإخوان المسلمين، ولئن عفونا المرة الأولى فلن نعفو المرة الثانية، ولقد صب عليهم من العذاب ما لم تره حركة في الأرض أبدا ، يقول الأستاذ محمد قطب: راجعت تاريخ الإضطهاد في البشرية فلم أر جماعة اضطهدت وعذبت مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر اللهم إلا ما كان من محاكم التفتيش في إسبانيا التي أبادت المسلمين.

ويحضرني في هذا المجال كلمة كتبها أحمد رائف في كتابه البوابة السوداء قال: فتح علينا السجان ذات يوم باب الزنزانة فقلنا له: يا أفندم هذا شاب مات هذه الليلة من آثار التعذيب، فرد علينا قائلا : يا أولاد الكلب حنودي وشنا فين من الريس، ما متش إلا واحد هذه الليله!!.

هذا وبكل صفاقة وتبجح أنه يشعر بالخجل من الرئيس عبد الناصر لأنه لم يمت ليلتها إلا واحد.

الملاحقة التي لا تكف عن ضرب التجمعات الإسلامية:

وبعد أن رفع السادات فكي الكماشة عن الحركة الإسلامية واستيقظت الأجيال وبدأت الصحوة الإسلامية تقوى في مصر، وقد جاءت على قدر من الله ثم كانت ثمرة طبيعية لصبر الحركة الإسلامية الأم على المحن والضربات، هنا انتبه أعداء الله مرة أخرى وبدأوا يحذرون من التيار الإسلامي الذي بدأ يقوى بإذن ربه.

فجاءت الضربات المتلاحقة: القضية العسكرية التي انتهت بإعدام صالح سرية وكارم الأناضولي، ثم قضية التكفير والهجرة (جماعة المسلمين) والتي تمت بتعليق شكري مصطفى -رئيس الحركة- وخمسة من أصحابه على الأعواد.

ثم جاءت أحداث سنة (1891م) وقتل السادات وتلاحقت قضايا تنظيم الجهاد لا يكاد يمر عام إلا وعمليات السحق والإبادة تلاحق رؤوسه وتطحن قادته.

وفي فلسطين:

لقد كانت الأجهزة الصهيونية واليهودية قد نظمت أبناء فلسطين في الحزب الشيوعي اليهودي (راكاح) منذ وقت بكر (0291م) على يد (روز شتاين) (وجابوتينكس- أستاذ بيغن- ) (وافر وبوخ (أبو زيام) صديق لينين) وقد تولى رئاسة الحزب الشيوعي الفلسطيني من سنة (4291- 9291م).

وأبرزت الشيوعية اليهودية أميل توما سكرتيرا لنقابة العمال الشيوعية في حيفا وإميل حبيبي سكرتيرا لها في الناصرة وفؤاد نصار سكرتيرا لها في يافا.

وكان الجميع يطالبون بإقامة دولة يهودية لليهود في فلسطين ويرون أن قتال اليهود الشرفاء رجعية دينية متعاونة مع الإمبريالية، وأدخلت إسرائيل توفيق طوبي وأميل حبيبي في الكنيست الإسرائيلي، وكذلك أبرز اليهود محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد والأخيران في مجلس الكنيست الإسرائيلي، وكان محمود درويش وسميح القام يحملان العلم الإسرائيلي في مؤتمر صوفيا الدولي.

يقول رفيق رضا مساعد خالد بكواش: صحيحة قيادة الحزب الشيوعي اللبناني السوري (كانت قيادة الحزب الشيوعي بمثل حماس ابن غوريون على بعث الدولة اليهودية في فلسطين، فإسرائيل في نظرهم واحة ديمقراطية في الشرق).

وقال فهد -سكرتير الحزب العراقي- : مرحبا بإنشاء دولتين عربية ويهودية في فلسطين، واشترط لها الإشتراكية والتحالف ضد الرجعية الدينية العربية(1)[ أنظر التاريخ السري للعلاقات الشيوعية الصهيونية ص(171)].

وكانوا يقولون عن اليهود: شعب له حق الحياة كما لنا حق الحياة.

واستمر اليهود يبرزون أعداء الإسلام ثم تبنت الثورة الفلسطينية من أبرزتهم أجهزة الإعلام اليهودية مثل محمود درويش الذي يقول:

أنا من قرية عزلاء منسية وكل رجالها في الحقل والمعمل يحبون الشيوعية

وكان نشيد الثورة الذي يتردد على لسان كل طفل فلسطيني:

أنا يا أخي آمنت بالشعب المضيع والمكبل وحملت رشاشي لتحمل الأجيال بعدي منجل.

فالقتال في فلسطين لتحمل الأجيال (المنجل والمطرقة والشاكوش) شعار الشيوعية!!.

ويقول محمود درويش: وصرنا نقرأ مبادئ الماركسية التي أشعلتنا حماسا وأملا ، وفي سنة (1691م) دخلت الحزب الشيوعي فتحددت معالم طريقي.

ولذا ليس غريبا أن يكتب درويس: نامي فعين الله نائمة عنا وأسراب الشحارير.

ويقول: فسبحان التي أسرت بأوروتي إلى يدها (تعالى الله عما يشركون).

العودة إلى الله في فلسطين المحتلة:

بعد هزيمة سنة (7691م) نفض الشباب في فلسطين المحتلة أيديهم من الأصنام التي تعلقت بها الأوهام، ويئس الجيل من الطواغيت التي عبدوها ردحا من الزمن، وبدأوا يبحثون عن مخرج ويتلمسون عقيدة يعتنقونها -بعد أن سقطت كل الشعارات وتهاوت كل المنارات- فهداهم الله عزوجل إلى الإسلام، ولم يجدوا خيرا من قرآنهم الذي فيه الروح والحياة والنور والهدى ومن سنة نبيهم ص التي فيها الرشاد والحكمة.

الدعاة من أبناء الحركة الإسلامية:

وبدأ أبناء الحركة الإسلامية بعد سقوط الضفة الغربية يدخلون المنطقة المحتلة سنة (8491م)، ومن بين هؤلاء أحمد ياسين والشيخ محمد فؤاد أبو زيد وسعيد بلال وأحمد الحاج علي وإبراهيم أبو سالم، وقد نفع الله بهم كثيرا وصارت الجموع تدخل في دين الله أفواجا ، وخلصت من تلك الأسمال البالية التي ضاقت بها ذرعا ، فخلعت ثياب الشيوعية والقومية والناصرية والإشتراكية وعادت إلى الله تقول: (آيبون تائبون لربنا حامدون).

عبد الله نمر درويش:

وهذا الشاب يحتاج كتابا كاملا لنوفيه حقه، فهو من أبناء كفر قاسم التي شهدت المذبحة المشهورة وكان عضوا بارزا في الحزب الشيوعي ثم رجع إلى الله ودرس في المعهد الشرعي في نابلس، ثم أصبح معلما في أم الفحم التي كانت معقلا خطيرا من معاقل الشيوعية، وبدأ أبناؤها يعودون إلى الله ويخرجون من الشيوعية ويحملون الدعوة الإسلامية حتى غيروا اسم البلد إلى (أم النور) وتحدى عبد الله نمر كاهانا، وعبد الله يردد دائما (نحن شعب الله المختار) وقد تحولت أم النور إلى حصن شاهق من معاقل الإسلام.

ولقد بدأ عبد الله سرايا الجهاد واكتشفها اليهود مما جعلهم يرتعدون رعبا وفزعا ، وضيقوا على عبد الله وحددوا إقامته ومنعوا حركته.

إرهاصات جهاد الإنتفاضة:

كنت أحس منذ سنوات أن اليهود يتوجسون خيفة من هزة قادمة بسبب الزلزال الذي حدث في أفغانستان، وكنت ألمح من خلال التشديدات التي تجريها أجهزة الأمن الإسرائيلي على كل قادم من باكستان، وزاد رعبهم عندما وجدوا أفواج الشباب العربي تفد إلى أفغانستان، وبدأ الشهداء يتساقطون فانتفضت إسرائيل هلعا وحركوا أجهزة الحكم الغربية وأمريكا حتى تشدد على منح التأشيرات إلى باكستان، ثم الأوامر الصارمة التي ألقيت على شركات الطيران العالمية أن لا تقل على ظهرها راكبا إلا بعد التأكد من التأشيرة.

وكتب (شخترمان) اليهودي الأمريكي عن الجهاد الأفغاني: ما الذي فعلناه? لقد أيقظنا العملاق.

واشترط اليهود في معاهدة جنيف إغلاق المعسكرات الأفغانية في باكستان حتى لا يتدرب فيها الشباب العربي.

وفي المقابل كان التيار الإسلامي من أبناء الصحوة الإسلامية الذين تأثروا بالحركة الإسلامية الأم في فلسطين يرددون في أناشيدهم أعلام الجهاد الأفغاني الذين أصبحوا رمزا للتضحية وعنوانا للعزة والمجد والفداء.

وفي أهازيجهم الوطنية الفسطينية: أخي يا سياف الروس منك تخاف، أخي يا حكمتيار على العدا مثل النار، بنا (نريد) رجال تعد اجيال تقوم الليل تهد جبال كسياف الصامد.

وقد بدأ الشباب يتلقفون كتاب (آيات الرحمن في جهاد الأفغان) ويطبعونه ويوزعونه وقوات الأمن الإسرائيلي تتابعه وتطاردهم.

موقف الشعب الأفغاني:

وأما الشعب الأفغاني المسلم فهو ينظر إلى قضية فلسطين أنها قضية عقيدة ودين باعتبار المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ولذا فإن بعضهم يدعو الله عزوجل (اللهم افتح على أيدينا كابل ولا تمتنا إلا في بيت المقدس).

وكثيرا ما يردد سياف وحكمتيار ورباني أن قضية فلسطين هي أهم قضايا العالم الإسلامي.

وإن كنت أنسى فلا أنسى موقف الأخ أحمد شاه(1) [هو أحمد شاه زي، وقد تسلم رئاسة الحكومة المؤقتة أيام الجهاد الأفغاني]. الذي عقد صفقة سلاح مع تاجر إسباني، وبعد أن تمت الصفقة طلب التاجر الإسباني من أحمد شاه أن يوقع على ورقة يتعهد فيها أن لا يستعمل السلاح ضد اليهود، فرفض وألغى الصفقة فقال التاجر: وهل تريدون استعمالها ضد اليهود? قال: لا ولكنك تريدني أن أوقع على ورقة أتعهد فيها إيقاف حرب شنها رب العزة على اليهود منذ بضعة عشر قرنا ، وألغى الصفقة وعاد فقال التاجر: ما رأيت شعبا أعز منكم رغم فقركم.

بداية جهاد الإنتفاضه:

بدأ بعمليات عسكرية قام بها تنظيم الجهاد الذي يقوده عبد العزيز عوده وفتحي الشقاقي في غزه ومناطقها، وكذلك بعض العمليات التي قامت بها سرايا الجهاد، وبعض الشباب الراجع إلى الله ضمن فتح، مثل عملية حائط المبكى التي هزت اليهود ثم حصلت عملية جباليا التي داس فيها يهودي أربعة من أبناء المخيم انتقاما لأخيه، ثم تحرك المسلمون وأبناء فلسطين قاطبة وقام أحمد ياسين رمز صمود الحركة الإسلامية وبدأ الشارع الفلسطيني يرجع إلى الله على أصداء نغم الله أكبر، خيبر، خيبر خيبر يا يهود دين محمد سوف يعود، واشترك في هذا الجهاد جميع الطبقات والفئات من أبناء فلسطين، وبدأت المنظمة تدخل الأموال لدعم الإنتفاضة ولكن (حركة المقاومة الإسلامية حماس) قد برزت بشكل منظم واضح، وأخذت تشتد يوما بعد يوم ويصلب عودها ويقوى تيارها، وبدأت تستحوذ على اهتمام الجماهير وإعجابهم بسبب التزامها ونظامها، ونحن نرقب ذلك اليوم الذي يتحول فيه الحجر بأيدي حماس إلى رصاص ويتبدل الحجر وتحل القنبلة والبندقية، وهذا سهل بأمر الله إذا وجد الشباب الذين ينتزعون سلاحهم من أيدي أعدائهم ويقاتلونهم به، ونرقب اليوم الذي تهتز الأرض فيه تحت أقدام اليهود وتزيغ فيه أبصارهم، ونبتهل إلى الله أن يفتح لنا ثغرة إلى فلسطين نزال فيها عبادة القتال وفريضة الجهاد، وما ذلك على الله بعزيز.

(ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا)

(الإسراء: 15)

قيام الدولة الفلسطينية:

وعندما أعلنت حماس عن هويتها وأنها فرع من حركة الإخوان المسلمين انتفضت الدنيا كلها هلعا ، وتداعت دول الكفر من كل ناحية، وبسرعة كالبرق الخاطف اجتمع المجلس الفلسطيني بإيحاء من هذه الدول وأعلن قيام الدولة الفسطينية التي ليس لها شبر أرض تقف عليه، فهي معلقة في الهواء وليس بيدها أية ورقة ضاغطة على اليهود، فلا المواقف العسكرية القوية التي تحسم القضايا ولا الأرض الصلبة التي تستوي قائمة عليها.

وخلال أسبوع تعترف بها خمسون دولة تقريبا ، ثم فطنت أمريكا أنها تسرعت بالإعتراف فأخرجت مسرحية تأشيرة أبي عمار لدخول أمريكا، واعترفت المنظمة بدولة إسرائيل على مرأى من العالم كله، وقال أبو عمار هل يرضيكم هذا?

فقالت أمريكا: لا بل لا بد من أن تقرأ الكلمات التي نكتبها لك، وكتبت له الكلمات وأعاد قراءتها على شاشة التلفاز على مرأى ومسمع من الدنيا كلها، ومع هذا كله لا زالت إسرائيل رافضة أن تجتمع بالمنظمة، واعترف بالمنظمة حتى الآن أكثر من مائة دولة.

وصورة أخرى مشرقة تقابلها من فوق ذرى الهندوكوش من أولئك الأبطال الذين دوخوا روسيا فولت على أعقابها خاسرة، وقد مزق شملها وتشتت جمعها واندحرت على أدبارها خاسئة ذليلة تحدث لمن يعدها من دولة الكفر قائلة: (أنج سعد فقد هلك س عي د).

فقد طلب ريغان بنفسه مقابلة حكمتيار ورفض، فأرسل له رسالة مع ابنته (مورين ريغان) فرفض مقابلته ودعي من الكونجرس ورفض مقابلته، وقابل يونس خالص ريغان وعرض عليه الإسلام، ورفض خالص مقابلة كردوفيز مندوب الأمم المتحدة أكثر من مرة، وأعلن مجددي أننا لن نقابل روسيا، وعندما طلب فورنتسوف وكيل الخارجية الروسية مقابلة رباني اشترط عليه شروطا :

1- أن تكون المقابلة في أرض إسلامية كالسعودية وباكستان.

2- أن لا تتضمن المباحثات شكل الحكومة القادمة.

3- أن يدخل الوفد الروسي إلى القاعة قبل الوفد الجهادي حتى يقوم الروس للمجاهدين.

4- أن لا يصافح المجاهدون الروس.

وقبل الشروط كلها وطلب فورنتسوف من رباني أثناء المباحثات أن يدخلوا ثلاث وزراء مسلمين من حكومة نجيب في دولتهم ريثما يتم خروج القوات الروسية حتى يحفظوا ماء وجوههم أمام العالم، فقال المجاهدون: إن الإسلام لا يعطي حق الحياة للشيوعي (من بدل دينه فاقتلوه) فكيف يعطي حق الحكم للشيوعي?

وهربت روسيا من أفغانستان لا تحمل بيدها ورقة واحدة موقعة من المجاهدين، ولا أظن أن المجاهدين حتى الآن قدموا ورقة التماس واحدة لأية دولة من دول العالم الكبرى غريبة أو شرقية.

ومع هذا كله: فقد قامت دولة المجاهدين في أفغانستان فوق (09%) من أرض أفغانستان، وسيوفهم لا زالت تقطر دما من أعدائهم، ومعاركهم التي يخوضونها الآن لتصفية شراذم الشيوعيين الذين يشهقون شهقات الموت لم يشهد لها نظير في شراستها وعنفوانها.

ومع هذا كله لم تعترف بهم إلا السعودية والبحرين والسودان وماليزيا، جزاهم الله خيرا .

أما الدولة الفلسطينية فقد أنيط بها مهمة إخماد نار جهاد الإنتفاضة وإطفاء نورها وعبثا يحاولون.

(ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين، فتلك بيوتهم خاوية بما أظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون، وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون)

(النمل: 05- 35)

وما لنا ألا ننشد لجهاد حماس وأفغانستان مع أبي الطيب:

وصن الحسام ولا تذله فإنه يشكو يمينك والجماجم تشهد(1)

جف النجيع عليه وهو مجرد من غمد ه فكأنما هو مغمد(2)

ريان لو قذف الذي أسقيته لجرى من المهجات نهر مزبد(3)

ما شاركته منية في مهجة إلا شفرتها على يدها يد(4)

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

1- [الحسام: السيف].

2- [النجيع: الدم].

3- [ريان: مرتوي، المهجات: دماء القلوب].

4- [منية: موت، مهجة: روح].

حكم الجهاد في فلسطين

أو حكم الجهاد عند دخول الكفار بلدة من بلاد المسلمين


 

ففي هذه الحالة اتفق السلف والخلف وفقهاء المذاهب الأربعة والمحدثون والمفسرون في جميع العصور الإسلامية إطلاقا أن الجهاد في هذه الحالة يصبح فرض عين على أهل هذه البلدة التي هاجمها الكفار وعلى من قرب منهم، بحيث يخرج الولد دون إذن والده والزوجة دون إذن زوجها والمدين دون إذن دائنه، فإن لم يكف أهل تلك البلدة أو قصروا أو تكاسلوا أو قعدوا يتوسع فرض العين على شكل دوائر الأقرب فالأقرب، فإن لم يكفوا أو قصروا فعلى من يليهم ثم على من يليهم حتى يعم فرض العين الأرض، وشرط نفير المرأة أو الغلام الأمرد أن يكون مع ولي.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين واجب إجماعا ، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط (كالزاد والراحلة) بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء وغيرهم.

أولا : فقهاء الحنفية.

قال ابن عابدين: (وفرض عين إن هجم العدو على ثغر من ثغور الإسلام فيصير فرض عين على من قرب منه، فأما من وراءهم ببعد عن العدو فهو فرض كفاية إذا لم يحتج إليهم، بأن عجز من كان بقرب العدو على المقاومة مع العدو أو لم يعجزوا عنها ولكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا فإنه يفترض على من يليهم فرض عين كالصلاة والصوم لا يسعهم تركه، وثم وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا على هذا التدريج). وبمثل هذا أفتى الكاساني وابن نجيم وابن الهمام.

ثانيا : عند المالكية.

جاء في حاشية الدسوقي: ويتعين الجهاد بفجئ العدو، قال الدسوقي: (أي توجه الدفع بفجئ (مفاجأة) على كل أحد وإن امرأة وعبدا أو صبيا ويخرجون ولو منعهم الولي والزوج ورب الدين).

ثالثا : عند الشافعية.

جاء في نهاية المحتاج للرملي: (فإن دخلوا بلدة لنا وصار بيننا وبينهم دون مسافة القصر فيلزم أهلها الدفع حتى من لا جهاد عليهم من فقير وولد وعبد ومدين وامرأة).

رابعا : عند الحنابلة.

جاء في المغني لابن قدامة: ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع:

1. إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان.

2- إذا نزل الكافر ببلد وتعين على أهله قتالهم ودفعهم.

3- إذا استنفر الإمام قوما لزمهم النفير.

ويقول ابن تيمية: (إذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم ونصوص أحمد صريحة بهذا) وهذه الحالة تعرف بالنفير العام.

يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى (82/853): (فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجبا على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين كما قال تعالى: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) كما أمر النبي ص بنصر المسلم، وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن، وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة والمشي والركوب، كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد).

وقال الزهري: (خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له: إنك عليل فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع).

فيجب النفير إذا استنفرت الأمة، وفي حالة هجوم الكفار فالأمة مستنفرة لحماية دينها، ومدار الواجب على حاجة المسلمين أو استنفار الإمام كما قال ابن حجر في شرح هذا الحديث، قال القرطبي: (كل من علم بضعف المسلمين عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم(1)[(تفسير القرطبي 8/051)].

الصلح مع اليهود


 

أو شروط عقد معاهدة مع الكفار

اختلف الفقهاء في جواز الصلح مع الكفار، فمنهم من أجازه قياسا على صلح الحديبية، ومنهم من أجازه إذا كان المسلمون في ضعف شديد، ومنهم من لم يجز الصلح أبدا ، وقالوا نسخت آية السيف كل معاهدة مع الكفار، ولكننا نقول: يجوز للمسلمين عقد معاهدة مع الكفار إذا كان ذلك مصلحة للمسلمين، ولكن بشرط أن لا تتضمن المعاهدة شرطا يبطل المعاهدة أو يفسدها ومنها:

1- لا يجوز أن تتضمن المعاهدة شرطا فيه اعتراف أو إقرار الكفار على شبر من أراضي المسلمين (نهاية المحتاج (8/85))، لأن أرض الإسلام ليست لأحد فلا يحق لأحد أن يفاوض عليها، وهذا شرط يبطل العقد لأن الأرض لله ثم للإسلام، فلا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك غيره، ولا بيع لابن آدم فيما لا يملك، ولذا فلا يجوز الصلح مع اليهود أبدا في فلسطين.

2- إذا تعين الجهاد بطل الصلح، كما إذا دخل العدو أرض المسلمين أو كان طالبا لهم، جاء في فتح العلي لمالك (1/982) في الصلح والمعاهدة في المعيار -في باب الجهاد- ما نصه: (أوقع الخليفة الصلح مع النصارى والمسلمون لا يرون إلا الجهاد فمهادنته منقوضة وفعله مردود).

(وحيثما تعين الجهاد في موضع لم يجز فيه الصلح، كما لو كان العدو غالبا على المسلمين، وكل متنقل في تعيين فرض الجهاد مانع من الصلح، لاستلزامه إبطال فرض العين الذي هو الجهاد المطلوب فيه الإستنقاذ).

نقل القاضي ابن رشد الإتفاق على أن الجهاد إذا تعين أقوى من الذهاب إلى حجة الفريضة، لأن الجهاد إن تعين كان على الفور والحج قد قيل فيه أنه على التراخي، فالصلح المذكور يجب نقضه لأنه بمقتضى الشرع غير منبرم فحكمه غير لازم عند كل من حقق أصول الشريعة، والصلح المذكور فيه ترك الجهاد المتعين وترك الجهاد المتعين وكل ممتنع غير لازم.

3- كل شرط تضمن تعطيل شريعة الله أو إهمال شعائره فهو باطل.

4- لا يجوز أن يتضمن العقد شرطا فيه إذلال للمسلمين أو يشعر بهذا، كما جاء في الحديث عن الزهري (إعلاء السنن (21/8)) قال: لما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله ص إلى عيينة بن حصن بن حنيفة بن بدر والى الحارث بن أبي عوف المزني -وهما قائدا غطفان- ، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه فجرى بينه وبينهما صلح ولم تقع الشهادة، فلما أراد ذلك بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما فيه فذكر الحديث مفصلا وفيه: قد علمنا أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فهل ترون أن ندفع إليهم شيئا من ثمار المدينة? قالوا: يا رسول الله إن كنت قلت عن رأي فرأيك متبع، كنا لا ندفع إليهم تمرة إلا بشرى أو قرى ونحن كفار وقد أعزنا الله بالإسلام، فسر النبي ص بقوله) مرسل قوي.

وقد شعر الأنصار من هذا أن فيه إذلالا لهم، ولذا جاء في بعض الروايات: لا نعطيكم إلا السيف.

5- أن لا يتضمن العقد شرطا يخالف الشريعة الإسلامية مثل:

أ. إقرار المشركين السكن في أرض الحرمين لأنه في الحديث: أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب(1) [رواه مسلم (الفتح الرباني (41/021)].

ب. أو إرجاع امرأة مسلمة إلى الكفار (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) (الممتحنة: 01).

أما إرجاع المسلم إلى الكفار فقد اختلف الفقهاء فيه، بعضهم أجاز إرجاعه قياسا على شرط الحديبية، ولكن الفقهاء الآخرين رجحوا عدم جواز هذا الشرط، أما شرط الحديبية فهو خاص برسول الله ص لأنه علم أن الله سيجعل لهم مخرجا ، وهذا هو الراجح.

عن البراء بن عازب قال: وادع رسول الله ص المشركين يوم الحديبية على ثلاث -من أتاهم من.... عند النبي ص لن يردوه، ومن أتى إلينا منهم ردوه إليهم، قال ص: من ذهب منا إليهم فأبعده الله متفق عليه وزاد مسلم: ومن خرج منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا القرطبي (8/93).

6- ولا يجوز كذلك أن يتضمن العقد شعائر الكفار في بلاد المسلمين، مثل السماح لهم ببناء الكنائس والأديرة أو إرسال المبشرين الذين يفتنون المسلمين ويفسدون عقائدهم وخاصة في جزيرة العرب، وعليه: فالحل السياسي والمفاوضات في فلسطين باطلة بطلانا أصليا لا يلحقها الإجازة ولا التصحيح.

قال ابن حجر الهيثمي: (والشرط الفاسد يفسد العقد على الصحيح، بأن شرط فيه منع فك أسرانا، أو ترك ما استولوا عليه، أو رد مسلم أسير أفلت منهم، أو سكناهم الحجاز، أو إظهار الخمر بدارنا، أو أن نبعث إليهم من جاءنا منهم) [القرطبي (8/93)].

فتوى علماء فلسطين عام (5391م) في بيع الأراضي لليهود:

ففي فتوى الحاج أمين الحسيني -مفتي القدس ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين في تلك الفترة- ، أكد تحريم بيع الأرض لليهود وتحريم السمسرة، على هذا البيع والتوسط فيه وتسهيل أمره بأي شكل وصورة، وأن من يفعل ذلك وهو عالم بضرره ونتيجته وراض عنه فإنه يسلزم الكفر والإرتداد عن دين الإسلام باعتقاد حله...

ولقد انعقد في القدس في (62/1/5391م) اجتماع كبير لعلماء فلسطين من مفتين وقضاة ومدرسين وخطباء وأئمة ووعاظ وسائر علماء فلسطين، وأصدر هذه الفتوى بالإجماع ونحن نبينها هنا لأهميتها وقيمتها الكبيرة، ولقد نشرت هذه الفتوى في كتاب وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية (9191- 9391م) من أوراق أكرم زعيتر والذي نشرته مؤسسة الدراسات الفلسطينية (ص473- 783) وهذا نصها:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإننا نحن المفتين والقضاة والمدرسين والخطباء والأئمة والوعاظ وسائر علماء المسلمين ورجال الدين في فلسطين، المجتمعين اليوم في الإجتماع الديني المنعقد في بيت المقدس بالمسجد الأقصى المبارك حوله، بعد البحث والنظر فيما ينشأ عن بيع الأراضي في فلسطين لليهود من تحقيق المقاصد الصهيونية في تهويد هذه البلاد الإسلامية المقدسة وإخراجها من أيدي أهلها وإجلائهم عنها وتعفية أثر الإسلام منها بخراب المساجد والمعابد والمقدسات الإسلامية، كما وقع في القرى التي تم بيعها لليهود وأخرج أهلها مشردين في الأرض، وكما يخشى أن يقع لا سمح الله في أولى القبلتين وثالث المسجدين: المسجد الأقصى المبارك.

وبعد النظر في الفتاوى التي أصدرها المفتون وعلماء المسلمين في العراق ومصر والهند والمغرب وسوريا وفلسطين والأقطار الإسلامية الأخرى، والتي أجمعت على تحريم بيع الأرض في فلسطين لليهود، وتحريم السمسرة على هذا البيع والتوسط فيه وتسهيل أمره بأي شكل وصورة، وتحريم الرضا بذلك كله والسكوت عنه، وأن ذلك كله أصبح بالنسبة لكل فلسطيني صادرا من عالم بنتيجته راض بها، ولذلك فهو يستلزم الكفر والإرتداد عن دين الإسلام باعتقاد حله كما جاء في فتوى سماحة السيد أمين الحسيني مفتي القدس ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى.

بعد النظر والبحث في ذلك كله وتأييد ما جاء في تلك الفتاوي الشريفة والإتفاق على أن البائع والسمسار والمتوسط في الأراضي بفلسطين لليهود والمسهل له هو:

أولا : عامل ومظاهر على إخراج المسلمين من ديارهم.

ثانيا : مانع لمساجد الله أن يذكر فيها اسمه وساع في خرابها.

ثالثا : متخذ اليهود أولياء لأن عمله يعد مساعدة ونصرا لهم على المسلمين.

رابعا : مؤذ لله ولرسوله وللمؤمنين.

خامسا : خائن لله ولرسوله وللأمانة.

وبالرجوع إلى الأدلة المبينة للأحكام -في مثل هذه الحالات- من آيات كتاب الله كقوله تعالى:

(يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون، واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم)

(الأنفال: 72- 82)

وقوله تعالى:

(والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا)

(الأحزاب: 85)

وقوله تعالى:

(ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم)

(البقرة: 411)

وقوله تعالى:

(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون)

(الممتحنة: 8- 9)

وقوله تعالى في آية أخرى:

(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)

(الممتحنة: 1)

وقوله تعالى في آية أخرى:

(ومن يتولهم منكم فإنه منهم)

(المائدة: 15)

وقد ذكر الأئمة المفسرون أن معنى قوله تعالى: (فإنه منهم) أي من جملتهم وحكمه حكمهم.

فيعلم من جميع ما قد قدمناه من الأسباب والنتائج والأقوال والأحكام والفتاوي أن بائع الأرض لليهود في فلسطين سواء كان ذلك مباشرة أو بالواسطة وأن السمسار والمتوسط في البيع والمسهل له والمساعدة عليه بأي شكل -مع علمهم بالنتائج المذكورة- ، كل أولئك ينبغي أن لا يصلى عليهم ولا يدفنوا في مقابر المسلمين ويجب نبذهم ومقاطعتهم واحتقار شأنهم وعدم التودد إليهم والتقرب منهم، ولو كانوا آباء أو أبناء أو إخوانا أو أزواجا .

(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون، قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)

(التوبة: 32- 42)

هذا وإن السكوت عن أعمال هؤلاء والرضا به مما يحرم قطعا .

(يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وإنه إليه تحشرون، واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب)

(الأنفال: 42- 52)

جعلنا الله من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه فإنه مولانا وهو نعم المولى ونعم النصير.

تحريرا في (02) شوال سنة (3531هـ ) (62) كانون الثاني (5391م)

2- أصدر علماء الإسلام في نجد في يوليو (7391م) فتوى تقول: إن ولاية اليهود في بلاد الإسلام باطلة ومحرمة.

3- كما أصدر علماء الإسلام في العراق في يوليو (7391م) فتوى بواجب كل مسلم في مقاومة إنشاء دولة يهودية في فلسطين.


 

فتوى محمد رشيد رضا:

إن من يبيع شيئا من أرض فلسطين وما حولها لليهود أو للإنجليز فهو كمن يبيعهم المسجد الأقصى، وكمن يبيع الوطن كله، لأن ما يشترونه وسيلة إلى ذلك وإلى جعل الحجاز على خطر، فرتبة الأرض من هذه البلاد هي كرقبة الإنسان من جسده، وهي بهذا تعد شرعا من المنافع الإسلامية العامة لا من الأملاك الشخصية الخاصة، وتمليك الحربي لدار الإسلام باطلا وخيانة لله ولرسوله ولأمانة الإسلام، ولا أذكر هنا كل ما يستحقه مرتكب هذه الخيانة، وإنما أقترح على كل من يؤمن بالله وبكتابه وبرسوله خاتم النبيين أن يبث هذا الحكم الشرعي في البلاد مع الدعوة إلى مقاطعة هؤلاء الخونة الذين يصرون على خيانتهم في كل شيء: المعاشرة والمعاملة والزواج والكلام حتى رد السلام.

فتوى علماء الأزهر في الصلح مع اليهود سنة (6591م):

بعد قيام دولة اليهود في فلسطين سنة (8491م) بين علماء المسلمين حكم الصلح مع دولة اليهود، ففي الفتوى الصادرة عن لجنة الفتوى -فتوى الأزهر- سنة (6591م) إجابة على حكم الصلح والسلام مع دولة اليهود في فلسطين أعلنت اللجنة:

(إن الصلح مع (إسرائيل) لا يجوز شرعا لما فيه من إقرار للغاصب على الإستمرار في غصب ما اغتصبه وتمكينه والإعتراف بحقية يده على المعتدي من البقاء على عدوانه).

(فلا يجوز للمسلمين أن يصالحوا هؤلاء اليهود الذين اغتصبوا أرض فلسطين واعتدوا فيها على أهلها وعلى أموالهم، بل يجب على المسلمين أن يتعاونوا جميعا -على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم- لرد هذه البلاد إلى أهلها...

ومن قصر في ذلك أو فرط فيه أو خذل المسلمين عن الجهاد أو دعا إلى ما من شأنه تفريق الكلمة وتشتيت الشمل والتمكين لدول الإستعمار من تنفيذ مخططهم ضد العرب والإسلام وضد فلسطين فهو في حكم الإسلام -مفارق جماعة المسلمين ومقترف أعظم الآثام- ).


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

مطامع اليهود


 

وفي خزائن روتشلد -الذي أرسل إليه وعد بلفور- خريطة لأرض إسرائيل المرتقبة، تشمل بلاد الشام والعراق وبعضا من تركيا وشمال الكويت وشمال السعودية -بحيث تدخل ضمنها خيبر والمدينة المنورة- ، وشرقي مصر حتى النيل.

وعندما قدم اليهود سنة (9191م) تصورهم عن الحد الأدنى الذي يرغبونه لحدود الوطن القومي اليهودي وضعوا فيه بالإضافة إلى فلسطين أجزاء من لبنان وسوريا وشرق الأردن.

وعندما حصل قرار التقسيم لفسلسطين في الأمم المتحدة سنة (7491م) لم يكتف اليهود بالنصيب الذي فرضته دول الكفر لليهود، وهو (65%) حيث أضاف لذلك مساحات أخرى فأصبحت المساحة المحتلة المغتصبة من فلسطين (87%)(1)[ أنظر الخرائط المرفقة في آخر الكتاب].

مخاوف اليهود من الحل الإسلامي:

إن أخشى ما يخشاه اليهود أن تستيقظ روح الإسلام في النفوس وتنتشر روح الجهاد وحب الإستشهاد، وللقارئ أن يطلع على عشرات التصريحات في هذا الشأن.

- يقول ابن غوريون: نحن لا نخشى الإشتراكيات ولا الثوريات ولا الديمقراطيات في المنطقة، نحن فقط نخشى الإسلام هذا المارد الذي نام طويلا وبدأ يتململ من جديد.

- ويقول أيضا : إن أخشى ما أخشاه أن يظهر في العالم العربي محمد جديد.

- ويقول شمعون بيرز في مهرجان خطابي انتخابي (8791م): إنه لا يمكن أن يتحقق السلام في المنطقة ما دام الإسلام شاهرا سيفه ولن نطمئن على مستقبلنا حتى يغمد الإسلام سيفه.

- ويقول إسحق رابين في تصريح نشرته مجلة المجتمع سنة (6791م): إن مشكلة الشعب اليهودي في أن الدين الإسلامي ما زال في دور العدوان والتوسع، وليس مستعدا لقبول حلول مع إسرائيل، إنه عدونا اللدود الذي يهدد مستقبل إسرائيل وشعبها.

ويقول المعلق السياسي لراديو إسرائيل في يوم (5/9/8791م) الساعة العاشرة والنصف مساء: إن على اليهود وأصدقائهم أن يدركوا أن الخطر الحقيقي الذي تواجهه إسرائيل هو خطر عودة الروح الإسلامية إلى الإستيقاظ من جديد، وإن على المحبين لإسرائيل أن يبذلوا جهدهم لإبقاء الروح الإسلامية خامدة، لأنها إذا اشتعلت من جديد فلن تكون إسرائيل وحدها في خطر ولكن الحضارة الغربية كلها ستكون في خطر.

والعشرات من الأمثلة التي تقرأها في كتاب (عداء اليهود للحركة الإسلامية) وغيرها.

فهلا انتبه الغافلون? ألا هل بلغت? اللهم فاشهد، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

موقف الإستعمار من الصحوة الإسلامية:

(من مقال للأستاذ يوسف القرضاوي -بتصرف- البعث الإسلامي العدد (9) المجلد (33)).

تجرأ فؤاد زكريا بقوله: أن الإستعمار (وخاصة الصهيونية) لا يخشى الصحوة الإسلامية ولا يحاربها، مدعيا أن السادات كان يشجع التيار الإسلامي في نفس اللحظة التي قرر فيها أن يكون توجهه أمريكيا إلى غير ذلك من الإفتراءات، مع علمه أن الحركة الإسلامية مضطهدة من الغرب والشرق على حد سواء، وقوله هذا مخالف لمنطق الدين، يقول القرآن:

(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)

(البقرة: 021)

ومخالف لمنطق التاريخ: فالحرب لم تتوقف بين الإسلام وأعدائه من اليهود والنصارى منذ الصراع مع بني (قينقاع والنضير وقريضة) إلى يومنا هذا.

ومخالف للواقع الحافل بالأدلة على أنهم لا يخشون غير الإسلام، وننقل هنا قليلا مما نشرت الصحف عن قلقهم من الإسلام ومحاولتهم إخماد كل حركة بالدم والحديد حتى لا تتحول إلى ثورة فدولة.

الوثائق والحقائق تتكلم:

1- انتقدت يدعوت أحرنوت في (81/3/8791م) إجراء مقابلة تلفزيونية مع سعد حداد وإبراز معالم الفرح التي عمت قرى النصارى بسبب احتلال اليهود للبنان، لأن ذلك التصرف الطائش سبب ردة فعل عنيفة بين المسلمين في لبنان وغيرها وحرك فيهم الروح الإسلامية.

قالت الصحيفة: إن على وسائل إعلامنا أن لا تنسى حقيقة هامة هي جزء من استراتيجية إسرائيل في حربها مع العرب، وهي أننا نجحنا في إبعاد الإسلام بعيدا عن المعركة إلى الأبد، ويجب منع استيقاظ الروح الإسلامية بأي شكل ولو اقتضى الأمر الإستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف والبطش لإخماد أي بادرة ليقظة الروح الإسلامية في المنطقة المحيطة بنا، وقالت: لقد وقع تلفزيوننا في خطأ كاد أن ينسف كل خططنا لأنه تسبب في إيقاظ الروح الإسلامية ونخشى أن تستغل الجماعات الإسلامية هذه الفرصة لتحريك المشاعر ضدنا، وإذا فشلنا في إقناع أصدقائنا بتوجيه ضربة إليها في الوقت المناسب فإن على إسرائل أن تواجه عدوا حقيقيا لا وهميا حرصنا أن يبقى بعيدا عن المعركة.

2- يقول بيرغرين دروستون في مقال نشرته الصنداي تلغراف في (71/2/8791م): إن أكبر خطأ يرتكبه الغربيون هو عدم تفكيرهم بضرورة التدخل العسكري المباشر في المنطقة في حالة عجز الأنظمة العربية عن كبح جماح المتطرفين المسلمين، لأن خطرهم لا يقارن بأي خطر آخر مهما كان.

3- نقلت القبس الكويتية في (62/1) عن وكالة الأنباء قول دايان في خطاب له أمام يهود أمريكا: أن على أمريكا والغرب أخذ العبرة من أحداث إيران التي ممكن أن تهب بشكل مفاجيء في غيرها (كتركيا وأفغانستان) وأكد أن عدوه الأول هو (الإخوان المسلمون- وأنه في الوقت الذي تشعر فيه إسرائىل أن العرب في فلسطين بدأوا يتمسكون بالإتجاهات الإسلامية المتعصبة فستقذف بهم بعيدا لينضموا لإخوانهم اللاجئين.

4- قالت صحيفة (كمشلر الفيجلر) التي تصدر في ألمانيا الغربية: على الغرب إذا أراد المحافظة على مصالحه في الشرق الأوسط أن يبدي مرونة في تفهم مقاصد الإتجاهات الإسلامية.

5- قال حاييم هيرتزوغ في صحيفة (الجروزلم بوست) في (52/9/8791م): أن ظهور حركة اليقظة الإسلامية بهذه الصورة المفاجئة المذهلة قد أظهرت بوضوح أن جميع البعثات الدبلوماسية وقبل هؤلاء جميعا وكالة الإستخبارات الأمريكية كانت تغط في سبات عميق.

6- في مقابلة مع صحيفة هارتس في (21) شباط (9791م) قال مسؤول يهودي: إن الذي يثير قلقنا هو أن مواقف العرب داخل إسرائيل بدأت تتحول من مواقف مبنية على قاعدة قومية إلى مواقف تستند إلى قواعد دينية.

ثم قال: إن خطرا حقيقيا بدأ يهدد الإستقرار في الشرق الأوسط وقسما كبيرا من إفريقيا، وهذا الخطر هو خطر انتشار ثورة إسلامية شاملة يقوم بها متدينون متطرفون.

7- في ندوة في جامعة تل أبيب في (1/9791م) قال شارون: ما من قوة في العالم تضاهي قوة الإسلام من حيث قدرته على اجتذاب الجماهير، فهو يشكل القاعدة الوحيدة للحركة الوطنية الإسلامية.

وقال يوشواح بورات: أن المساجد هي -دائما - منبع دعوة الجماهير العربية إلى التمرد على الوجود اليهودي.

وقال البروفيسور الباريش: إن الإسلام قوة سياسية واجتماعية قادرة على توحيد الجماهير وخاصة في الضفة الغربية، حيث يقوم علماء الدين المسلمون بمهمة توحيد الصفوف ضد اليهود.

وقال موشيه شارون: إن جهود علماء المسلمين كالحسيني وحسن البنا ما زال لها تأثير كبير في كسب المسلمين إلى جانب عرب فلسطين باسم الإسلام وباسم حماية الأماكن المقدسة.

8- قال مستشار البيت الأبيض لشؤون الأمن القومي (بريجنسكي): إن الولايات المتحدة بحاجة إلى أعداد دراسة جديدة حول الحركة الإسلامية المتشددة، ليسهل على الإدارة الأمريكية وأصدقائها في المنطقة الإسلامية مراقبتها عن كثب، حتى لا تفاجأ باندلاع ثورة إسلامية جديدة في أي مكان في العالم الإسلامي، لأن أمريكا حريصة على عدم السماح للإسلام بأن يلعب دورا مؤثرا في السياسة الدولية.

9- وذكرت صحيفة القبس الكويتية في عددها الصادر في (4/1/9791م): أن مجلس الأمن القومي الأمريكي طلب من هيئة المخابرات البريطانية تزويد الإدارة الأمريكية بكل ما يتوافر لديها من معلومات تتعلق بالحركة الإسلامية للإستعانة بها في وضع الخطط الكفيلة بالقضاء على خطرهم قبل فوات الأوان.

01- أوردت وكالة الأنباء الفرنسية في نبأ لها من بيت المقدس بتاريخ (91) شباط (فبراير) (9791م) أن السلطات اليهودية قامت باعتقال اثني عشر عالما من علماء المسلمين، ومعظمهم من الشباب في بيت المقدس.

11- جاء في مقال فورتشن ما يلي: إن صحوة الإسلام الجديدة تزعج الإسرائيليين كثيرا ، فإسرائيل تعرف تماما أنه إذا فشلت محادثات السلام مع مصر، فإنها ستكون هدفا لحرب الجهاد المقدس التي ستشنها الصحوة الإسلامية المتزايدة، ثم قالت: إنه حتى في الجامعات العبرية في إسرائيل بدأ الطلاب العرب المسلمون يطلقون لحاهم ويؤدون العبادات الإسلامية، في حين بدأت الفتيات المسلمات في ارتداء الزي الإسلامي الشرعي(1)[القبس (03/6/6891م)].

هذه بعض الوثائق التي ترد ادعاءات الكاتب المصري العلماني (فؤاد زكيرا) وكلها تؤكد العداء السافر لليهود والنصارى ضد الإسلام، والحركات الإسلامية نقلناها باختصار من مقال للدكتور يوسف القرضاوي(2)[مجلة البعث الإسلامي عدد (9) جمادي الثانية (9041هـ )].

وصايا لأبناء حماس والصحوة الإسلامية:

1- عليك بإخلاص النية وصدق الطوية وإياك والرياء.

2- عليك بتلاوة جزء من القرآن يوميا .

3- احفظ من القرآن يوميا ولو آية.

4- عليك بأذكار الصباح والمساء.

5- داوم على قراءة أذكار اليوم والليلة (الماثورات) أدعية الطعام واللباس والخروج والمسجد والمنام.

6- احتفظ بتفسير صغير مثل الجلالين أو مختصر الطبري وكتاب رياض الصالحين.

7- إقرأ كتاب المنهج الحركي للسيرة النبوية (لمنير الغضبان).

8- إقرأ حياة الصحابة لمحمد يوسف الكاندهلوي.

9- إقرأ كتاب فقه السنة للسيد سابق.

01- إقرأ كتاب الإيمان -أركانه ونوقضهـ للدكتور محمد نعيم ياسين.

11- عليك بكتاب التأريخ الإسلامي لأحمد شاكر.

21- احفظ لسانك وابك على خطيئتك.

31- لا تضيع وقتك سدى وطالع في الكتب الإسلامية خاصة رسائل البنا، وآل قطب، وسعيد حوى، ومصطفى مشهور، والقرضاوي، وفتحي يكن، والمودودي ومحمد أبو فارس، وأحمد نوفل، ومحمد أحمد الراشد، وجاسم مهلهل.

41- إحفظ أعضاءك من المعاصي يحفظها الله لك نشيطة قوية.

51- لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي.

61- ابتعد عن المحرمات خاصة فيما يختص بالنساء فما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء .

71- نم مبكرا وقم مبكرا ولا تنم بعد الفجر.

81- عليك بقيام الليل.

91- بيت النية على الجهاد واستعد له وخذ له أهبته.


 


 


 


 


 

ميثاق حركة المقاومة الإسلامية فلسطين (حماس)

فلسطين (1) محرم (9041هـ ) (81) آب (8891م)


 

بسم الله الرحمن الرحيم


 

(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون)

(:)

(لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون، ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)

(آل عمران (011- 211)

(ستقوم إسرائيل وستظل قائمة إلى أن يبطلها الإسلام كما أبطل ما قبلها)

(الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله)

(إن العالم الإسلامي يحترق وعلى كل منا أن يصب ولو قليلا من الماء ليطفيء ما يستطيع أن يطفأه دون أن ينتظر غيره).

(الشيخ أمجد الزهاوي رحمه الله)


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

بسم الله الرحمن الرحيم


 

المق- - - - دمه


 

الحمد لله نستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوكل عليه ونصلي ونسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه، ودعا بدعوته واستن بسنته، صلاة وتسليما دائمين ما دامت السماوات والأرض وبعد:

أيها الناس: من وسط الخطوب، وفي خضم المعاناة، ومن نبضات القلوب المؤمنة والسواعد المتوضئة، وإدراكا للواجب، واستجابة لأمر الله، كانت الدعوة وكان التلاقي والتجمع، وكانت التربية على منهج الله، وكانت الإرادة المصممة على نادية دورها في الحياة، متخطية كل العقبات، متجاوزة مصاعب الطريق، وكان الإعداد المتواصل، والإستعداد لبذل النفس والنفيس في سبيل الله.

وكان أن تشكلت النواة، وأخذت تشق طريقها في هذا البحر المتلاطم من الأماني والآمال، ومن الأشواق والتمنيات، والمخاطر والعقبات والآلام والتحديات في الداخل والخارج.

ولما نضجت الفكرة، ونمت البذرة وضربت النبتة بجذورها في أرض الواقع، بعيدا عن العاطفة المؤقتة، والتسرع المذموم انطلقت حركة المقاومة الإسلامية لتأدية دورها مجاهدة في سبيل ربها، تتشابك سواعدها مع سواعد كل المجاهدين من أجل تحرير فلسطين، وتلتقي أرواح مجاهديها بأرواح كل المجاهدين الذين جادوا بأنفسهم على أرض فلسطين، منذ أن فتحها صحابة رسول الله ص وحتى يومنا هذا.

وهذا ميثاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس)(1) [حماس -الشدة والشجاعة- المعجم الوسيط ج1)]. يجلي صورها ويكشف عن هويتها، ويبين موقفها، ويوضح تطلعها، ويتحدث عن آمالها ويدعو إلى مناصرتها ودعمها، والإلتحاق بصفوفها، فمعركتنا مع يهود جد كبيرة وخطيرة، وتحتاج إلى جميع الجهود المخلصة، وهي خطوة لا بد من أن تتبعها خطوات، وكتيبة لا بد من أن تدعمها الكتائب تلو الكتائب من هذا العالم الإسلامي المترامي الأطراف، حتى يندحر الأعداء ويتنزل نصر الله، هكذا نلمحهم في الأفق قادمين.

(ولتعلمن نبأه بعد حين)

(ص: 88)

(كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز)

(المجادلة: 12)

(قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين)

(يوسف: 801)

الباب الأول: التعريف بالحركة

المنطلقات الفكرية:

حركة المقاومة الإسلامية: الإسلام منهجها، منه تستمد أفكارها ومفاهيمها وتصوراتها عن الكون والحياة والإنسان، وإليه تحتكم في كل تصرفاتها، ومنه تستلهم ترشيد خطاها.

صلة حركة المقاومة الإسلامية بجماعة الإخوان المسلمين:

المادة الثانية:

حركة المقاومة الإسلامية جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين، وحركة الإخوان تنظيم عالمي، وهي كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث، وتمتاز بالفهم العميق، والتصور الدقيق والشمولية التامة لكل المفاهيم الإسلامية في شتى مجالات الحياة، في التصور والإعتقاد، في السياسة والإقتصاد، في التربية والإجتماع، في القضاء والحكم، في الدعوة والتعليم، في الفن والإعلام، في الغيب والشهادة وفي باقي مجالات الحياة.

البنية والتكوين:

المادة الثالثة:

تتكون النبية الأساسية لحركة المقاومة الإسلامية من مسلمين أعطوا ولاءهم لله، فعبدوه حق عبادته.

(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)

(الذاريات: 65)

وعرفوا واجبهم تجاه أنفسهم وأهليهم ووطنهم، فاتقوا الله في كل ذلك، ورفعوا راية الجهاد في وجه الطغاة لتخليص البلاد والعباد من دنسهم وأرجاسهم وشرورهم.

(بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق)

(الأنبياء: 81)

المادة الرابعة:

ترحب حركة المقاومة الإسلامية بكل مسلم اعتقد عقيدتها، وأخذ بفكرتها، والتزم منهجها، وحفظ أسرارها، ورغب أن ينخرط في صفوفها لأداء الواجب وأجره على الله.

البعد الزماني والمكاني لحركة المقاومة الإسلامية:

المادة الخامسة:

بعد حركة المقاومة الإسلامية الزماني: باتخاذها الإسلام منهج حياة لها، يمتد إلى مولد الرسالة الإسلامية، والسلف الصالح، فاللهلله غايتها والرسول قدوتها والقرآن دستورها.

وبعدها المكاني: حيثما تواجد المسلمون الذين يتخذون الإسلام منهج حياة لهم، في أي بقعة من بقاع الأرض، فهي بذلك تضرب في أعماق الأرض وتمتد لتعانق السماء.

(ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون)

(إبراهيم: 42- 52)

التميز والإستقلالية:

المادة السادسة:

حركة المقاومة الإسلامية حركة فلسطينية متميزة، تعطي ولاءها لله، وتتخذ من الإسلام منهج حياة، وتعمل على رفع راية الله على كل شبر من فلسطين، ففي ظل الإسلام يمكن أن يتعايش أتباع الديانات جميعا في أمن وأمان على أنفسهم وأموالهم وحقوقهم، وفي غياب الإسلام ينشأ الصراع ويستشري الظلم وينتشر الفساد وتقوم المنازعات والحروب.

ولله در الشاعر المسلم محمد إقبال حيث يقول:

إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحي دينا

ومن رضي الحماة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينا

عالمية حركة المقاومة الإسلامية:

المادة السابعة:

بحكم انتشار المسلمين الذين ينهجون منهج حركة المقاومة الإسلامية في كل بقاع العالم، ويعملون على مناصرتها وتبني مواقفها، وتعزيز جهادها، فهي حركة عالمية، وهي مؤهلة لذلك لوضوح فكرتها ونبل غايتها، وسمو أهدافها.

وعلى هذا الأساس يجب أن ينظر إليها ويقدر قدرها، ويعترف بدورها، ومن غمطها حقها وضرب صفحا عن مناصرتها أو عميت بصيرته فاجتهد في طمس دورها، فهو كمن يجادل القدر، ومن أغمض عينيه عن رؤية الحقائق، بقصد أو بغير قصد فسيفيق، وقد تجاوزته الأحداث وأعيته الحجج في تبرير موقفه والسابقة لمن سبق.

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند

(وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون)

(المائدة: 84)

وحركة المقاومة الإسلامية حلقة من حلقات الجهاد في مواجهة الغزو الصهيونية تتصل وترتبط بانطلاقة الشهيد عز الدين القسام وإخوانه المجاهدين من الإخوان المسلمين عام (6391م)، وتمضي لتتصل وترتبط بحلقة أخرى تضم جهاد الفلسطينيين وجهود الإخوان المسلمين في حرب (8491م) والعمليات الجهادية للإخوان المسلمين عام (8691م) وما بعده.

هذا وإن تباعدت الحلقات وحالت دون مواصلة الجهاد العقبات التي يضعها الدائرون في فلك الصهيونية في وجه المجاهدين، فإن حركة المقاومة الإسلامية تتطلع إلى تحقيق وعد الله مهما طال الزمن والرسول ص يقول: لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبيء اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود (1)[ رواه البخاري ومسلم].

شعار حركة المقاومة الإسلامية:

المادة الثامنة:

الله غايتها والرسول قدوتها والقرآن دستورها والجهاد سبيلها والموت في سبيل الله أسمى أمانيها.

الباب الثاني: الأهداف

البواعث والأهداف:

المادة التاسعة:

وجدت حركة المقاومة الإسلامية نفسها في زمن غاب فيه الإسلام عن واقع الحياة، ولذلك اختلت الموازين، واضطربت المفاهيم، وتبدلت القيم وتسلط الأشرار، وساد الظلم والظلام، وتنمر الجبناء واغتصبت الأوطان، وشرد الناس، وهاموا على وجوههم في كل بقعة من بقاع الأرض، وغابت دولة الحق وقامت دولة الباطل ولم يبق شيء في مكانه الصحيح، وهكذا عندما يغيب الإسلام عن الساحة يتغير كل شيء، وتلك هي البواعث.

أما الأهداف: فهي منازلة الباطل وقهره ودحره، ليسود الحق، وتعود الأوطان، وينطلق من فوق مساجدها الأذان معلنا قيام دولة الإسلام، ليعود الناس والأشياء كل إلى مكانه الصحيح، والله المستعان.

(ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين)

(البقره: 152)

المادة العاشرة:

وحركة المقومة الإسلامية وهي تشق طريقها سند لكل مستضعف، ونصير لكل مظلوم، بكل ما أتيت من قوة، لا تدخر جهدا في إحقاق الحق وإبطال الباطل بالقول والفعل في هذا المكان وفي كل مكان يمكنها أن تصل إليه وتؤثر فيه.


 

الباب الثالث: الإستراتيجية والوسائل

استرتيجية حركة المقاومة الإسلامية: فلسطين أرض وقف إسلامي.

المادة الحادية عشرة:

تعتقد حركة المقاومة الإسلامية أن أرض فلسطين أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، لا يصح التفريط بها أو بجزء منها أو التنازل عنها أو عن جزء منها، ولا تملك ذلك دولة عربية أو كل الدول العربية ولا يملك ذلك ملك أو رئيس، أو كل الملوك والرؤساء، ولا تملك ذلك منظمة أو كل المنظمات سواء كانت فلسطينية أو عربية، لأن فلسطين أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، ومن يملك النيابة الحقة عن الأجيال الإسلامية إلى يوم القيامة?

هذا حكمها في الشريعة الإسلامية ومثلها في ذلك مثل كل أرض فتحها المسلمون عنوة، حيث وقفها المسلمون زمن الفتح على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة.

وكان ذلك أن قادة الجيوش الإسلامية بعد أن تم لهم فتح الشام والعراق قد أرسلوا لخليفة المسلمين عمر بن الخطاب يستشيرونه بشأن الأرض المفتوحة هل يقسمونها على الجند، أم يبقونها لأصحابها أم ماذا? وبعد مشاورات ومداولات بين خليفة المسلمين عمر بن الخطاب وصحابة رسول الله ص استقر قرارهم أن تبقى الأرض بأيدي أصحابها ينتفعون بها وبخيراتها، أما رقبة الأرض أما نفس الأرض فوقف على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة وامتلاك أصحابها امتلاك منفعة فقط، وهذا الوقف باق ما بقيت السماوات والأرض، وأي تصرف مخالف لشريعة الإسلام هذه بالنسبة لفلسطين فهو تصرف باطل مردود على أصحابه.

(إن هذا لهو حق اليقين فسبح باسم ربك العظيم)

(الواقعة: 59- 69)

الوطن والوطنية من وجهة نظر الحركة الإسلامية بفلسطين:

المادة الثانية عشرة:

الوطنية من وجهة نظر حركة المقاومة الإسلامية جزء من العقيدة الدينية، وليس أبلغ في الوطنية ولا أعمق من أنه إذا وطيء العدو أرض المسلمين فقد صار جهاده والتصدي له فرض عين على كل مسلم ومسلمة تخرج المرأة لقتاله بغير إذن زوجها، والعبد بغير إذن سيده.

ولا يوجد مثل ذلك في أي نظام من النظم الأخرى، وتلك حقيقة لا مراء فيها، وإذا كانت الوطنيات المختلفة ترتبط بأسباب مادية وبشرية وإقليمية، فوطنية حركة المقاومة الإسلامية لها كل ذلك، ولها فوق ذلك وهو الأهم أسباب ربانية تعطيها روحا وحياة، وحيث تتصل بمصدر الروح وواهب الحياة، رافعة في سماء الوطن، الراية الإلهية لتربط الأرض بالسماء برباط وثيق.

إذا جاء موسى وألقى العصا فقد بطل السحر والساحر

(قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويومن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم)

(البقرة: 652)

الحلول السلمية والمبادرات والمؤتمرات الدولية:

المادة الثالثة عشرة:

تتعارض المبادرات وما يسمى بالحلول السلمية والمؤتمرات الدولية لحل القضية الفلسطينية مع عقيدة حركة المقاومة الإسلامية، فالتفريط في أي جزء من فلسطين تفريط في جزء من الدين، فوطنية حركة المقاومة الإسلامية جزء من دينها، على ذلك تربى أفرادها ولرفع راية الله فوق وطنهم يجاهدون.

(والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

يوسف: 12)

وتثار من حين لآخر الدعوة لعقد مؤتمر دولي للنظر في حل القضية فيقبل من يقبل ويرفض من يرفض لسبب أو لآخر مطالبا بتحقيق شرط أو شروط ليوافق على عقد المؤتمر والمشاركة فيه، وحركة المقاومة الإسلامية لمعرفتها بالأطراف التي يتكون منها المؤتمر، وماضي وحاضر مواقفها من قضايا المسلمين لا ترى أن تلك المؤتمرات يمكن أن تحقق المطالب أو تعيد الحقوق، أو تنصف المظلوم، وما تلك المؤتمرات إلا نوع من أنواع تحكيم أهل الكفر في أرض المسلمين، ومتى أنصف أهل الكفر أهل الإيمان?!

(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير)

(البقرة: 021)

ولا حل للقضية الفلسطينية إلا بالجهاد، أما المبادرات والطروحات والمؤتمرات الدولية، فمضيعة للوقت، وعبث من العبث، والشعب الفلسطيني أكرم من أن يعبث بمستقبله، وحقه ومصيره، وفي الحديث الشريف: أهل الشام سوط في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده وحرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم ولا يموتوا إلا هما وغما (1)[ رواه الطبراني مرفوعا وأحمد موقوفا ، ولعله الصواب ورواتهما ثقات والله أعلم].

الدوائر الثلاث:

المادة الرابعة عشرة:

قضية تحرير فلسطين تتعلق بدوائر ثلاث: الدائرة الفلسطينية والدوائر العربية، والدائرة الإسلامية، وكل دائرة من هذه الدوائر الثلاث لها دورها في الصراع مع الصهيونية، وعليها واجبات وإنه لمن الخطأ الفادح والجهل الفاضح إهمال أي دائرة من هذه الدوائر، ففلسطين أرض إسلامية بها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين مسرى رسول الله ص.

(سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير)

(الإسراء: 1)

ولما كان الأمر كذلك فتحريرها فرض عين على كل مسلم حيثما كان، وعلى هذا الأساس يجب أن ينظر إلى القضية، ويجب أن يدرك ذلك كل مسلم، ويوم تعالج القضية على هذا الأساس الذي تعبأ فيه إمكانات الدوائر الثلاث فإن الأوضاع الحالية ستتغير ويقترب يوم التحرير.

(لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون)

(الحشر: 31)

الجهاد لتحرير فلسطين فرض عين:

المادة الخامسة عشر:

يوم يغتصب الأعداء بعض أرض المسلمين فالجهاد فرض عين على كل مسلم، وفي مواجهة اغتصاب اليهود لفلسطين لا بد من رفع راية الجهاد، وذلك يتطلب نشر الوعي الإسلامي في أوساط الجماهير محليا وعربيا وإسلاميا ولا بد من بث روح الجهاد في الأمة ومنازلة الأعداء والإلتحاق بصفوف المجاهدين.

ولا بد أن يشترك في عملية التوعية العلماء ورجال التربية والتعليم ورجال الإعلام ووسائل النشر، وجماهير المثقفين، وعلى الأخص شباب الحركات الإسلامية وشيوخها، ولا بد من إدخال تغييرات جوهرية على مناهج التعليم تخلصها من آثار الغزو الفكري، الذي لحق بها على أيدي المستشرقين والمبشرين، حيث أخذ ذلك الغزو يدهم المنطقة بعد أن دحر صلاح الدين الأيوبي جيوش الصليبيين، فقد أدرك الصليبيون أنه لا يمكن قهر المسلمين إلا بأن يمهد لذلك بغزو فكري يبلبل فكرهم ويشوه تراثهم ويطعن في مثلهم، وبعد ذلك يكون الغزو بالجنود، وكان ذلك تمهيدا للغزو الإستعماري، حيث أعلن ألمنبي عند دخول القدس قائلا : (الآن انتهت الحروب الصليبية) ووقف الجنرال غورو على قبر صلاح الدين قائلا : (ها قد عدنا يا صلاح الدين) وقد ساعد الإستعمار على تعزيز الغزو الفكري وعميق جذوره ولا يزال، وكان ذلك كله ممهدا لضياع فلسطين.

ولا بد من ربط قضية فلسطين في أذهان الأجيال المسلمة على أنها قضية دينية ويجب معالجتها على هذا الأساس، فهي تضم مقدسات إسلامية حيث المسجد الأقصى الذي ارتبط بالمسجد الحرام رباطا لا انفصام له ما دامت السماوات والأرض بإسراء رسول الله ص ومعراجه منه.

رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله والغدوة خير من الدنيا وما عليها (1)[رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه].

والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل (1)[ رواه البخاري ومسلم].

تربية الأجيال:

المادة السادسة عشرة:

لا بد من تربية الأجيال الإسلامية في منطقتنا تربية إسلامية تعتمد أداء الفرائض الدينية وداراسة كتاب الله دارسة واعية، ودراسة السنة النبوية والإطلاع على التاريخ والتراث الإسلامي من مصادره الموثقة، وبتوجيهات المتخصصين وأهل العلم، واعتماد المناهج التي تكون لدى المسلم تصورا سليما في الفكر والإعتقاد مع ضرورة الدراسة الواعية عن العدو وإمكاناته المادية والبشرية والتعرف على مواطن ضعفه وقوته، ومعرفة القوى التي تناصره وتقف إلى جانبه، مع ضرورة التعرف على الأحداث الجارية ومواجبة المستجدات ودراسة التحليلات والتعليقات عليها مع ضرورة التخطيط للحاضر والمستقبل، ودراسة كل ظاهرة من الظواهر، بحيث يعيش المسلم المجاهد عصره على علم بغايته وهدفه وطريقه وما يدور حوله.

(يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير، يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور، ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور)

(لقمان: 61- 81)

دور المرأة المسلمة:

المادة السابعة عشرة:

للمرأة المسلمة في معركة التحرير دور لا يقل عن دور الرجل فهي مصنع الرجال، ودورها في توجيه الأجيال وتربيتها دور كبير، وقد أدرك الأعداء دورها وينظرون إليها على أنه إن أمكنهم توجيهها وتنشأتها النشأة التي يريدون بعيدا عن الإسلام فقد ربحوا المعركة، ولذلك تجدهم يعطون محاولاتهم جهدا متواصلا من خلال الإعلام والأفلام، ومناهج التربية والتعليم بوساطة صنائعهم المندمجين في منظمات صهيونية تتخذ أسماء وأشكالا متعددة كالماسونية ونوادي الروتاري وفرق التجسس وغير ذلك، وكلها أوكار للهدم والهدامين، وتتوفر لتلك المنظمات الصهيونية إمكانيات مادية هائلة، تمكنها من لعب دورها وسط المجتمعات بغية تحقيق الأهداف الصهيونية، وتعميق المفاهيم التي تخدم العدو وتعمل تلك المنظمات عملها في غيبة الإسلام عن الساحة، وغربته بين أهله، وعلى الإسلاميين أن يؤدوا دورهم في مواجهة مخططات أولئك الهدامين، ويوم يملك الإسلام توجيه الحياة يقضي على تلك المنظمات المعادية للإنسانية والإسلام.

المادة الثامنة عشرة:

والمرأة في البيت المجاهد والأسرة المجاهدة أ ما كانت أو أختا لها الدور الأهم في رعاية البيت وتنشأة الأطفال على المفاهيم والقيم الأخلاقية المستمدة من الإسلام، وتربية أبنائها على تأدية الفرائض الدينية استعدادا للدور الجهادي الذي ينتظرهم، ومن هنا لا بد من العناية بالمدارس والمناهج التي تربى عليها البنت المسلمة، لتكون أما صالحة واعية لدورها في معركة التحرير.

ولا بد لها من أن تكون على قدر كاف من الوعي والإدراك في تدبير الأمور المنزلية، فالإقتصاد والبعد عن الإسراف في نفقات الأسرة من متطلبات القدرة على مواصلة السير في الظروف الصعبة المحيطة، وليكن نصب عينيها أن النقود المتوافرة عبارة عن دم يجب ألا يجري إلا في العروق لاستمرار الحياة في الصغار والكبار على حد سواء.

(إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما)

(الأحزاب: 53)

دور الفن الإسلامي في معركة التحرير:

المادة التاسعة عشرة:

للفن ضوابط ومقاييس بها يمكن أن يعرف هل هو فن إسلامي أم جاهلي? وقضايا التحرير الإسلامية بحاجة إلى الفن الإسلامي الذي يسمو بالروح ولا يغلب جانبا في الإنسان على جانب آخر، ولكن يسمو بجميع الجوانب في توازن وانسجام.

والإنسان تكوين عجيب غريب من قبضة الطين ونفخة الروح، والفن الإسلامي يخاطب الإنسان على هذا الأساس والفن الجاهلي يخاطب الجسد ويغلب جانب الطين.

فالكتاب والمقالة والنشرة والموعظة والرسالة والزجل والقصيدة الشعرية والأنشودة والمسرحية وغير ذلك إذا توافرت فيه خصائص الفن الإسلامي فهو من لوازم التعبئة الفكرية والغذاء المتجدد لمواصلة المسيرة والترويح عن النفس، فالطريق طويل والعناء كثير والنفوس تمل والفن الإسلامي يجدد النشاط ويبعث الحركة ويثير في النفس المعاني الرفيعة والتدبير السليم.

لا يصلح النفس إن كانت مدبرة إلا التنقل من حال إلى حال

كل ذلك جد لا هزل معه فالأمة المجاهدة لا تعرف الهزل

التكافل الإجتماعي:

المادة العشرون:

المجتمع المسلم محتمع متكافل والرسول ص يقول: نعم القوم الأشعريون كانوا إذا جهدوا في حضر أو سفر جمعوا ما عندهم ثم قسموه بينهم بالسوية .

وهذه الروح الإسلامية هي التي يجب أن تسود في كل مجتمع مسلم،والمجتمع الذي يتصدى لعدو شرس نازي في تصرفاته لا يفرق بين رجل وامرأة أو كبير وصغير، هو أولى أن يتحلى بروح الإسلام هذه، وعدونا يعتمد أسلوب العقاب الجماعي، سلب الناس أوطانهم وممتلكاتهم، ولاحقهم في مهاجرهم وأماكن تجمعهم، فاعتمد تكسير العظام وإطلاق النار على النساء والأطفال والشيوخ بسبب وبدون سبب، وفتح المعتقلات ليزج فيها بالآلاف المؤلفة في ظروف لا إنسانية، هذا فضلا عن هدم المنازل وتيتيم الأطفال، وإصدار الأحكام الظالمة على آلاف الشباب ليقضوا زهرة شبابهم في غياهب السجون.

وقد شملت نازية اليهود النساء والأطفال فالترويع للجميع، يحاربون الناس في أرزاقهم ويبتزون أموالهم ويهددون كرامتهم، وهم بأعمالهم الفظيعة يعاملون الناس كأعنف ما يكون مجرموا الحرب، والإبعاد عن الوطن نوع من أنواع القتل.

وفي مواجهة هذه التصرفات لا بد من أن يسود التكافل الإجتماعي بين الناس،، ولا بد من مواجهة العدو كجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

المادة الحادية والعشرون:

ومن الكافل الإجتماعي تقديم المساعدة لكل محتاج سواء كانت مادية أو معنوي، أو المشاركة في إنجاز بعض الأعمال، وعلى عناصر حركة المقاومة الإسلامية أن ينظروا إلى مصالح الجماهير نظرتهم إلى مصالحهم الخاصة، وعليهم أن لا يدخروا جهدا في سبيل تحقيقها والمحافظة عليها، وعليهم أن يحولوا دون التلاعب بكل ما يؤثر في مستقبل الأجيال أو يعود على مجتمعهم بالخسارة، فالجماهير منهم ولهم، وقوتها قوة لهم، ومستقبلها مستقبلهم، على عناصر حركة المقاومة الإسلامية أن يشاركوا الناس في أفراحهم وأتراحهم وأن يتبنوا مطالب الجماهير وما يحقق مصالحها ومصالحهم، ويوم تسود هذه الروح تتعمق الألفة ويكون التعاون والتراحم وتتوثق الوحدة ويقوى الصف في مواجهة الأعداء.

القوى التي تدعم العدو:

المادة الثانية والعشرون:

خطط الأعداء منذ زمن بعيد وأحكموا تخطيطهم كي يتوصلوا إلى ما وصلوا إليه، آخذين بالأسباب المؤثرة في مجريات الأمور، فعملوا على جمع ثروات مادية هائلة ومؤثرة، سخروها لتحقيق حلمهم، فبالأموال سيطروا على وسائل الإعلام العالمية، من وكالات أنباء وصحافة ودور نشر، وإذاعات وغير ذلك، وبالأموال فجروا الثورات في مختلف بقاع العالم، لتحقيق مصالحهم وجني الثمار، فهم من وراء الثورة الفرنسية والثورة الشيوعية ومعظم ما سمعنا ونسمع عن ثورات هنا وهناك، وبالأموال كونوا المنظمات السرية التي تنتشر في مختلف بقاع العالم لهدم المجتمعات وتحقيق مصالح الصهيونية كالماسونية ونوادي الروتاري والليونز وأبناء العهد وغير ذلك، وكلها منظمات تجسسية هدامة، وبالأموال تمكنوا من السيطرة على الدول الإستعمارية، دفعوها إلى استعمار كثير من الأقطار لكي يستنزفوا ثروات تلك الأقطار وينشروا فيها فسادهم.

وعن الحروب المحلية والعالمية حدث ولا حرج، فهم من خلف الحرب العالمية الأولى، حيث تم لهم القضاء على دولة الخلافة الإسلامية، وجنوا الأرباح المادية، وسيطروا على كثير من موارد الثروة وحصلوا على وعد بلفور وأنشأوا عصبة الأمم المتحدة ليحكموا العالم من خلال تلك المنظمة، وهم من خلف الحرب العالمية الثانية، حيث جنوا الأرباح الطائلة من تجارتهم في مواد الحرب، ومهدوا لإقامة دولتهم، وأوعزوا بتكوين هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن بدلا من عصبة الأمم المتحدة ولحكم العالم من خلال ذلك.

وما من حرب تدور هنا أو هناك إلا وأصابعهم تلعب من خلفها.

(كلما أوقدوا نارا للحرب أطفئها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين)

(المائدة: 46)

فالقوى الإستعمارية في الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي تدعم العدو بكل ما أوتيت من قوة ماديا وبشريا ، وهي تتبادل الأدوار ويوم يظهر الإسلام تتحد في مواجهته قوى الكفر فملة الكفر واحدة.

(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون)

(آل عمران: 811)

وليس عبثا أن تختم الآية بقوله تعالى (إن كنتم تعقلون).

الباب الرابع: موقفنا من...

أ- الحركات الإسلامية:

المادة الثالثة والعشرون:

تنظر حركة المقاومة الإسلامية إلى الحركات الإسلامية الأخرى نظرة احترام وتقدير، فهي إن اختلفت معها في جانب أو تصور، اتفقت معها في جوانب وتصورات، وتنظر إلى تلك الحركات -إن توافرت النوايا السليمة والإخلاص للهـ بأنها تندرج في باب الإجتهاد ما دامت تصرفاتها في حدود الدائرة الإسلامية ولكل مجتهد نصيب.

وحركة المقاومة الإسلامية تعتبر تلك الحركات رصيدا لها، وتسأل الله الهداية والرشاد للجميع، ولا يفوتها أن تبقى رافعة لراية الوحدة وتسعى جاهدة إلى تحقيقها على الكتاب والسنة.

(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)

(آل عمران: 201)

المادة الرابعة والعشرون:

لا تجيز حركة المقاومة الإسلامية الطعن أو التشهير بالآفراد أو الجماعات فالمؤمن ليس بطعان ولا لعان، مع ضرورة التفريق بين ذلك وبين المواقف والتصرفات للأفراد والجماعات، فعندما يكون خطأ في الموقف والتصرفات فلحركة المقاومة الإسلامية الحق في بيان الخطأ والتنفير منه والعمل على بيان الحق وتبنيه في القضية المطروحة بموضوعية، فالحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها.

(لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما، إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا)

(النساء: 841- 941)

ب- الحركات الوطنية على الساحة الفلسطينية:

المادة الخامسة والعشرين:

تبادلها الإحترام، وتقدر ظروفها والعوامل المحيطة بها والمؤثرة فيها، وتشد على يدها ما دامت لا تعطي ولاءها للشرق الشيوعي أو الغرب الصليبي، وتؤكد لكل من هو مندمج بها أو متعاطف معها بأن حركة المقاومة الإسلامية حركة جهادية أخلاقية واعية في تصورها للحياة، وتحركها مع الأخرين، تمقت الإنتهازية ولا تتمنى إلا الخير للناس أفرادا وجماعات، لا تسعى إلى مكاسب مادية، أو شهرة ذاتية، ولا تبغي أجرا من الناس، تنطلق بإمكانياتها الذاتية وما يتوافر لها.

(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)

(الأنفال: 06)

لأداء الواجب، والفوز برضوان الله لا مطمع لها غير ذلك.

وتطمئن كل الإتجاهات الوطنية العاملة على الساحة الفلسطينية من أجل تحرير فلسطين، بأنها لها سند وعون، ولن تكون إلا كذلك، قولا وعملا حاضرا ومستقبلا تجمع ولا تفرق تصون ولا تبدد وتوحد ولا تجزئ، تثمن كل كلمة طيبة، وجهد مخلص ومساع حميدة تغلق الباب في وجه الخلافات الجانبية، ولا تصغى للشائعات والأقوال المغرضة مع إدراكها لحق الدفاع عن النفس.

وكل ما يتعارض أو يتناقض مع هذه التوجهات فهو مكذوب من الأعداء أو السائرين في ركابهم بهدف البلبلة وشق الصفوف والتلهي بأمور جانبية.

(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)

(الحجرات: 6)

المادة السادسة والعشرون:

حركة المقاومة الإسلامية وهي تنظر إلى الحركات الوطنية الفلسطينية -التي لا تعطي ولاءها للشرق أو الغرب- هذه النظرة الإيجابية، فإن ذلك لا يمنعها من مناقشة المستجدات على الساحة المحلية والدولية، حول القضية الفلسطينية مناقشة موضوعية تكشف عن مدى انسجامها أو اختلافها مع المصلحة الوطنية على ضوء الرؤية الإسلامية.

ج- - منظمة التحرير الفلسطينية:

المادة السابعة والعشرون:

منظمة التحرير الفلسطينية من أقرب المقربين إلى حركة المقاومة الإسلامية، ففيها الأب أو الأخ أو الصديق، وهل يجفو المسلم أباه أو أخاه أو قريبه أو صديقه فوطننا واحد ومصابنا واحد ومصيرنا واحد وعدونا مشترك.

وتأثرا بالظروف التي أحاطت بتكوين المنظمة -وما يسود العالم العربي من بلبلة فكرية نتيجة للغزو الفكري الذي وقع تحت تأثيره العالم العربي منذ اندحار الصليبيين وعززه الإستشراق والتبشير والإستعمار ولا يزال- تبنت المنظمة فكرة الدولة العلمانية وهكذا نحسبها.

والفكرة العلمانية(1) [العلمانية تعني اللادينية -SCCULARISM-]. مناقضة للفكرة الدينية مناقضة تامة، وعلى الأفكار تبنى المواقف والتصرفات وتتخذ القرارات.

ومن هنا مع تقديرنا لمنظمة التحرير الفلسطينية -وما يمكن أن تتطور إليهـ وعدم التقليل من دورها في الصراع العربي الإسرائيلي، لا يمكننا أن نستبدل إسلامية فلسطين الحالية والمستقبلية لنتبنى الفكرة العلمانية، فإسلامية فلسطين جزء من ديننا ومن فرط في دينه فقد خسر.

(ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه)

(البقرة: 031)

ويوم تتبنى منظمة التحرير الفلسطينية الإسلام كمنهج حياة، فنحن جنودها، ووقود نارها التي تحرق الأعداء، فإلى أن يتم ذلك -ونسأل الله أن يكون قريبا- فموقف حركة المقاومة الإسلامية من منظمة التحرير الفلسطيني هو موقف الإبن من أبيه والأخ من أخيه والقريب من قريبه، يتألم لألمه إن أصابته شوكة ويشد أزره في مواجهة الأعداء ويتمنى له الهداية والرشاد.

أخاك أخاك إن من لا أخا له كساع إلى الهيجا بغير سلاح

وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه وهل ينهض البازي بغير جناح

د- الدول والحكومات العربية والإسلامية:

المادة الثامنة والعشرون:

الغزوة الصهيونية غزوة شرسة لا تتورع عن سلوك كل الطرق مستخدمة جميع الوسائل الخسيسة والخبيثة لتحقيق أغراضها، وتعتمد اعتمادا كبيرا في تغلغلها وعمليات تجسسها على المنظمات السرية التي انبثقت عنها كالماسونية ونوادي الروتاري والليونز وغيرها من مجموعات التجسس، وكل تلك المنظمات السرية منها والعلنية تعمل لصالح الصهيونية وبتوجيه منها، وتهدف إلى تقويض المجتمعات وتدمير القيم وتخريب الذمم، وتدهور الأخلاق والقضاء على الإسلام، وهي من خلف تجارة المخدرات والمسكرات على اختلاف أنواعها ليسهل عليها السيطرة والتوسع.

والدول العربية المحيط بإسرائيل مطالبة بفتح حدودها أمام المجاهدين من أبناء الشعوب العربية والإسلامية ليأخذوا دورهم ويضموا جهودهم إلى جهود إخوانهم من الإخوان المسلمين بفلسطين.

أما الدول العربية والإسلامية الأخرى فمطالبة بتسهيل تحركات المجاهدين منها وإليها وهذا أقل القليل.

ولا يفوتنا أن نذكر كل مسلم بأن اليهود عندما احتلوا القدس الشريف عام (7691م) ووقفوا على عتبات المسجد الأقصى المبارك هتفوا قائلين: (محمد مات خلف بنات).

فإسرائيل بيهوديتها ويهودها تتحدى الإسلام والمسلمين (فلا نامت أعين الجبناء).

هـ - التجمعات الوطنية والدينية والمؤسسات والمثقفين والعالم العربي والإسلامي:

المادة التاسعة والعشرون:

تأمل حركة المقاومة الإسلامية أن تقف تلك التجمعات إلى جانبها على مختلف الأصعدة تؤيدها وتتبنى مواقفها وتدعم نشاطها وتحركاتها وتتعمل على كسب التأييد لها، لتجعل من الشعوب الإسلامية سندا وظهيرا لها وبعدا استراتيجيا على كل المستويات البشرية والمادية والإعلامية الزمانية والمكانية، من خلال عقد المؤتمرات التضامنية وإصدار النشرات التوضيحية والمقالات المؤيدة والكتيبات الهادفة وتوعية الجماهير حول القضية الفلسطينية وما يواجهها ويدبر لها، وتعبئة الشعوب الإسلامية فكريا وتربويا وثقافيا لتأخذ دورها في معركة التحرير الفاصلة كما أخذت دورها في هزيمة الصليبيين وفي دحر التتار وإنقاذ الحضارة الإنسانية وما ذلك على الله بعزيز.

(كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز)

(المجادلة: 12)

المادة الثلاثون:

الأدباء والمثقفون ورجال الإعلام والخطباء ورجال التربية والتعليم وباقي القطاعات على اختلافها في العالم العربي والإسلامي، كل أولئك مدعون إلى القيام بدورهم، وتأدية واجبهم نظرا لشراسة الغزوة الصهيونية وتغلغلها في كثير من البلاد وسيطرتها المادية والإعلامية وما يترتب على ذلك في معظم دول العالم.

فالجهاد لا يقتصر على حمل السلاح، ومنازلة الأعداء، فالكلمة الطيبة والمقالة الجيدة والكتاب المفيد والتأييد والمناصرة كل ذلك -إن خلصت النوايا لتكوين راية الله هي العليا- فهو جهاد في سبيل الله.

من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا (1)[ رواه البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي].


 

و- أهل الديانات الأخرى:

المادة الحادية والثلاثون:

حركة المقاومة الإسلامية حركة إنسانية:

حركة المقاومة الإسلامية حركة إنسانية ترعى الحقوق الإنسانية وتلتزم بسماحة الإسلام في النظر إلى أتباع الديانات الأخرى ، لا تعادي منهم إلا من ناصبها العداء، أو وقف في طريقها ليعيق تحركها أو يبدد جهودها.

وفي ظل الإسلام يمكن أن يتعايش أتباع الديانات الثلاث (الإسلام والمسيحية واليهودية) في أمن وأمان، ولا يمكن أن يتوافر الأمن والأمان إلا في ظل الإسلام، والتاريخ القريب والبعيد خير شاهد على ذلك.

وعلى أتباع الديانات الأخرى أن يكفوا عن منازعة الإسلام في السيادة على هذه المنطقة، لأنهم يوم يسودون فلا يكون إلا التقتيل والتعذيب والتشريد، فهم يضيقون ذرعا ببعضهم البعض فضلا عن أتباع الديانات الأخرى، فالماضي والحاضر مليئان بما يؤكد ذلك.

(لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون)

(الحشر: 41)

والإسلام يعطي كل ذي حق حقه، يومنع الإعتداء على حقوق الآخرين، والممارسات الصهيونية النازية ضد شعبنا لا تطيل عمر غزوتهم فدولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة.

(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)

(الممتحنة: 8)

محاولة الإنفراد بالشعب الفلسطيني:

المادة الثانية والثلاثون:

تحاول الصهيونية العالمية والقوى الإستعمارية بحركة ذكية وتخطيط مدروس أن تخرج الدول العربية واحدة تلو الأخرى من دائرة الصراع مع الصهيونية، لتنفرد في نهاية الأمر بالشعب الفلسطيني، وقد أخرجت مصر من دائرة الصراع إلى حد كبير جدا باتفاقية (كامب ديفد) الخيانية وهي تحاول أن تجر دولا أخرى إلى اتفاقيات مماثلة لتخرج من دائرة الصراع.

وحركة المقاومة الإسلامية تدعو الشعوب العربية والإسلامية إلى العمل الجاد لعدم تمرير ذلك المخطط الرهيب وتوعية الجماهير إلى خطر الخروج من دائرة الصراع مع الصهيونية، فاليوم فلسطين وغدا قطر آخر من أقطار أخرى، والمخطط الصهيوني لا حدود له، وبعد فلسطين يطمعون في التوسع من النيل إلى الفرات، وعندما يتم لهم هضم المنطقة التي يصلون إليها يتطلعون إلى توسيع آخر وهكذا، ومخططهم في (بروتوكولات حكماء صهيون) وحاضرهم خير شاهد على ما نقول.

فالخروج من دائرة الصراع مع الصهيونية خيانة عظمى ولعنة على فاعليها.

(ومن يتولهم يومئذ إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير)

(الأنفال: 61)

ولا بد من تجميع كل القوى والطاقات لمواجهة هذه الغزوة النازية التترية الشرسة، وإلا كان ضياع الأوطان وتشريد السكان ونشر الفساد في الأرض وتدمير كل القيم الدينية، وليعلم كل إنسان إنه أمام الله مسؤول.

(فمن يعمل مثقال ذرة خير يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)

(الزلزلة: 7- 8)

وفي دائرة الصراع مع الصهيونية العالمية تعتبر حركة المقاومة الإسلامية نفسها رأس حربة أو خطوة على الطريق وهي تضم جهودها إلى جهود كل العالمين على الساحة الفلسطينية، ويبقى أن تتبع ذلك خطوات وخطوات من الشعوب العربية والإسلامي، ومن التجمعات الإسلامية على مستوى العالم العربي والإسلامي، فهي المؤهلة للدور المقبل مع اليهود تجار الحروب.

(وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين)

(المائدة: 46)

المادة الثالثة والثلاثون:

وحركت المقاومة الإسلامية -وهي تنطلق من هذه المفاهيم العامة والمتناسقة والمتساوقة مع سنن الكون كما تتدفق في نهر القدر في مواجهة الأعداء ومجاهدتهم دفاعا عن الإنسان المسلم والحضارة الإسلامية والمقدسات الإسلامية، وفي طليعتها المسجد الأقصى المبارك- لتهيب بالشعوب العربية والإسلامية وحكوماتها وتجمعاتها الشعبية والرسمية أن تتقي الله في نظرتها لحركة المقاومة الإسلامية، وفي تعاملها معها، وأن تكون لها كما أرادها الله سندا وظهيرا يمدها بالعون والمدد تلو المدد حتى يأتي أمر الله، وتلحق الصفوف بالصفوف ويندمج المجاهدون بالمجاهدين وتنطلق الجموع من كل مكان في العالم الإسلامي ملبية نداء الواجب مرددة حي على الجهاد نداء يشق عنان السماء ويبقى مترددا حتى يتم التحرير ويندحر الغزاة ويتنزل نصر الله.

(ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز)

(الحج: 04)

الباب الخامس: شهادة التاريخ

عبر التاريخ في مواجهة المعتدين:

المادة الرابعة والثلاثون:

فلسطين صرة الكرة الأرضية، وملتقى القارات ومحل طمع الطامعين، منذ فجر التاريخ، والرسول ص يشير إلى ذلك في حديثه الشريف الذي يناشد به الصحابي الجليل معاذ بن جبل حيث يقول: يا معاذ إن الله سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات رجالها ونساؤها وإماؤها مرابطون إلى يوم القيامة، فمن اختار منكم ساحلا من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة.

وقد طمع الطامعون بفلسطين أكثر من مرة فدهموها بالجيوش لتحقيق أطماعهم، فجاءتها جحافل الصليبين يحملون عقيدتهم ويرفعون صليبهم، وتمكنوا من دحر المسلمين ردحا من الزمن ولم يسترجعها المسلمون إلا عندما استظلوا برايتهم الدينية، وأجمعوا أمرهم، وكبروا ربهم، وانطلقوا مجاهدين بقيادة صلاح الدين الأيوبي قرابة عقدين من السنين فكان الفتح المبين واندحر الصليبيون وتحررت فلسطين.

(قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد)

(آل عمران: 21)

وهذه هي الطريقة الوحيدة للتحرير ولا شك في صدق شهادة التاريخ وتلك سنة من سنن الكون وناموس من نواميس الوجود، فلا يفل الحديد إلا الحديد، ولا يغلب عقيدتهم الباطلة المزورة إلا عقيدة الإسلام الحقة، فالعقيدة لا تنازل إلا بالعقيدة، والغلبة في نهاية الأمر للحق والحق غلاب.

(ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون)

(الصافات: 171- 371)

المادة الخامسة والثلاثون:

تنظر حركة المقاومة الإسلامية إلى هزيمة الصليبيين على يد صلاح الدين الأيوبي واستخلاص فلسطين منهم، وكذلك هزيمة التتار في عين جالوت وكسر شوكتهم على يد قطز والظاهر بيبرس وإنقاذ العالم العربي من الإجتياح التتري المدمر لكل معاني الحضارة الإنسانية، تنظر إلى ذلك نظرة جادة تستلهم منها الدروس والعبر، فالغزوة الصهيونية الحالية سبقتها غزوات صليبية من الغرب وأخرى تترية من الشرق، فكما واجه المسلمون تلك الغزوات وخططوا لمنازلتها وهزموها يمكنهم أن يواجهوا الغزوة الصهيونية ويهزموها، وليس ذلك على الله بعزيز، إن خلصت النوايا وصدق العزم واستفاد المسلمون من تجارب الماضي وتخلصوا من آثار الغزو الفكري واتبعوا سنن أسلافهم.

الخاتمة

حركة المقاومة الإسلامية جنود:

المادة السادسة والثلاثون:

وحركة المقاومة الإسلامية -وهي تشق طريقها- لتؤكد المرة تلو المرة لكل أبناء شعبنا والشعوب العربية والإسلامية أنها لا تبغي شهرة ذاتية، أو مكسبا ماديا أو مكانة اجتماعية، وأنها ليست موجهة ضد أحد من أبناء شعبنا لتكون له منافسا أو تسعى لأخذ مكانته ولا شيء من ذلك على الإطلاق، وهي لن تكون ضد أحد من أبناء المسلمين أو المسالمين لها من غير المسلمين في هذا المكان وفي كل مكان، ولن تكون إلا عونا لكل التجمعات والتنظيمات العاملة ضد العدو الصهيوني والدائرين في فلكه.

وحركة المقاومة الإسلامية تعتمد الإسلام منهج حياة وهو عقيدتها وبه تدين ومن اعتمد الإسلام منهج حياة سواء كان هنا أو هناك تنظيما كان أو منظمة أو دولة أو أي تجمع آخر فحركة المقاومة الإسلامية له جنود ليس إلا.

نسأل الله أن يهدينا وأن يهدي بنا وأن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق.

(ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين)

(الأعراف: 98)

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


 


 

ليست هناك تعليقات:

البحث في المدونة

المواضيع الأكثر مشاهدة