مدونة الدروس الصوتية والكتب في التنمية الذاتية و تطوير النفس وتعلم الأشياء المفيدة في حياتك

القول المبين في أخطاء المصلين


 

القول المبين في أخطاء المصلين

تأليف

الفقير إلى عفو رّبه

أبو عبيدة مشهور بن حسن بن محمود بن سلمان

المقدمة


 


 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره ونسترشده ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ،وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبدُهُ ورسولُهُ .


﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ (1) ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾(2)

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(3)


 


 


 

أما بعد:

فإن أحسن الكلام كلام الله سبحانه وتعالى ، وخير الهدي هدي محمد r، وشرّ الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالة ، وكل ضلالة في النار(1).

فهذا كتاب (( القول المبين في أخطاء المصلّين )) يتضمّن بيان أخطاء المصلين التي درجوا عليها ، من إحداث أقوال وأفعال مخترعة ، وفعْلِ بعض الأركان والسنن في غير مكانها ، أو على غير وجهها ، ولا يخفى أن محو اعتقاد غير الصواب من صدور العامّة ، بتمحيص الحقّ ، باب عظيم من أبواب الدّعوة إلى الخير .

وضمّنتُ كتابي هذا : التّنبيه على ترك كثير من المصلّين لكثير من السنن أحياناً ، والواجبات والأركان أحياناً أُخرى ، التي تفوّت عليهم الأجر العظيم ، والثّواب الجسيم ، بل توقعهم في الوزر والإثم ، إن كانت من القسم الآخر .

ولا يخفى عليك - عزيزي القارئ - أن الصّلاة هي اَّحد أركان الإسلام الخمسة - كما قال الرسول r - وأنها أولى الواجبات الإسلامية بعد التّوحيد ، وأنها إذا صلحت صلح عمل المسلم كله ، وإذا فسدت ، فسد عمله كله .

ولذا فهي جديرة بالاهتمام والاعتناء ، وخصوصاً أن كثيراً من البدع والمخالفات فيها فشت في النّاس ، وخصوصاً العامّة منهم ، وانطلاقاً من وجوب العناية بأمر العامة ، بالهدي والإرشاد ، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، كتبتُ مبحثي هذا .

وقد جعلت مبحثي هذا في سبعة فصول :


 

الفصل الأوّل :

جماع أ خطاء المصلّين في ثيابهم وستر عوراتهم في الصّلاة ، وبيّنتُ فبه مخالفات المصلّين في ثيابهم ، وحصرتُها في النقاط التالية :

الصّلاة في الثّياب الحازقة التي تصف العورة .

الصّلاة في الثّياب الرقيقة الشّفافة .

الصّلاة والعورة مكشوفة ، وذكرتُ فيه ثلاث صور من دارجة من واقع النّاس المشاهد خلال صلاتهم .

صلاة مسبل الإزار.

سدل الثّوب والتلثّم في الصّلاة .

كف الثّوب في الصّلاة ((تشميره)) .

صلاة مكشوف العاتقين .

الصّلاة في الثّوب الذي عليه صورة ، واستطردتُ فتكلّمت تحت هذا العنوان عن حكم صلاة حامل الصّورة ، الصلاة في الثّوب المعصفر ، صلاة مكشوف الرأس .


 

أما الفصل الثاني :

فيدور حول جماع أخطاء المصلّين في أماكن صلاتهم ، واشتمل على التنبيه على ستة أخطاء ، يقع في الأولى منها : الرافضة المبتدعة ، وذكرتُه خوفاً من موافقة العوام لهم في هذا الخطأ ،الذي هو من البدع ، وحرصاً على رفع المسلم الملتزم التهمة عن نفسه ، وهذا الخطأ هو:

السجود على تربة كربلاء ، واتّخاذ قرص منها للسجود عليه عند الصلاة ، واعتقاد الأجر والفضل في ذلك .

ومن ثم نبهتُ على الأخطاء التالية :

الصلاة إلى أماكن عليها صور أو على سجادة فيها صور و نقوش ، أو في مكان فيه صور.

الصلاة على القبور و إليها .

تخصيص مكان للصّلاة في المسجد .

أخطاء المصلين في السترة .

الانحراف عن القبلة .


 

أما الفصل الثالث :

فيدور حول أخطاء المصلّين في صفة صلاتهم ، واعتنيت فيه بأخطاء المصلين من قيامهم للصلاة إلى التّسلم ، وقسمتُه إلى ست نقاط ، كانت على النحو التالي :

  • الجهر بالنيّة ، والقول بوجوب مقارنتها مع تكبيرة الإحرام .
  • عدم تحريك اللسان في التكبير وقراءة القرآن وسائر الأذكار .
  • جملة من أخطاء المصلّين في القيام ، وبحثت تحته : ترك رفع اليدين عند التحريمة والركوع وعند الرفع منه ، إسبال اليدين وعدم وضعهما على الصدر أو تحته وفوق السرّة ، ترك دعاء الاستفتاح والاستعاذة قبل قراءة الفاتحة ، تكرير الفاتحة ، رفع البصر إلى السماء أو النّظر إلى غير مكان السّجود ، تغميض العينين في الصّلاة , كثرة الحركة والعبث في الصلاة .
  • جملة من أخطاء المصلّين في الركوع والقيام منه , وبحثت تحته :

    عدم تعمير الأركان , عدم الطمأنينة في الركوع والاعتدال منه ، القنوت الراتب وتركه عند النّوازل .

  • جملة من أخطاء المصلّين في السجود ، وبحثت تحته :

عدم تمكين أعضاء السجود من الأرض ، عدم الطمأنينة في السجود ، أخطاء في كيفية السجود ، القول بوجوب كشف بعض أعضاء السجود أو بوجوب السجود على الأرض أو على نوعٍ منها , رفع شيء للمريض ليسجد عليه ، قول ((سبحان من لا يسهو ولا ينام)) في سجود السهو .

  • جملة من أخطاء المصلّين في الجلوس والتشهد والتّسليم , وبحثت تحته الأخطاء والأغلاط التالية:

غلط قول ((السلام عليك أيها النبي)) في التشهد ، زيادة لفظ ((سيدنا)) في التشهد أو في الصّلاة على رسول r في الصلاة ، تنبيهات ، الإنكار على من يحرك سبابته في الصّلاة ، ثلاثة أخطاء في التسليم .


 

أما الفصل الرابع :

فيدور حول جماع أخطاء المصلّين في المسجد وصلاة الجماعة ، وقسمتُهُ إلى أربعة أقسام :

الأول : أخطاؤهم حتى إقامة الصّلاة ، وبحثتُ تحته :

جملة من أخطاء المؤذنين ومستمعي الأذان ، الإسراع في المشي إلى المسجد و تشبيك الأصابع فيه ، الخروج من المسجد عند الأذان ، دُخُول الرَّجُلَيْنِ المسجد وتقام الصلاة ويحرم الإمام وهما في مؤخره يتحدّثان ، ترك تحية المسجد والسّترة لها وللسّنة القبليّة ، قراءة سورة الإخلاص قبل إقامة الصّلاة ، صلاة النّافلة إذا أُقيمت الصّلاة ، التنفّل بعد طلوع الفجر بصلاةٍ لا سبب لها ؛ سوى ركعتي الفجر ، أكل الثّوم والبصل وما يؤذي المصلّين قبل الحضور للجماعة .

والثاني : أخطاؤهم من إقامة الصّلاة حتى تكبيرة الإحرام ، وبحثتُ تحته :

أخطاء مقيمي الصّلاة ومستمعيها ،عدم إتمام الصفوف وترك التراص وسد الفرج فيها ، ترك الصّلاة في الصف الأول ووقوف غير أولي النهى خلف الإمام فيه ، الصّلاة في الصّفوف المقطّعة ، الوقوف الطويل والدّعاء قبل تكبيرة الإحرام والهمهمة بكلماتٍ لا أصل لها .

والثالث : أخطاؤهم من تكبيرة الإحرام حتّى التّسليم ، وبحثتُ تحته :

غلط في النُّطق بـ (الله أكبر) في تكبيرة الإحرام وتكبيرات الانتقال , غلط الأئمة في الجهر والإسرار بالبسملة ، غلط في كيفية قراءة الفاتحة ، دعاء المأمومين أثناء قراءة الإمام الفاتحة وعند الانتهاء منها ، والتنبيه على أغلاط في التأمين وأثناء قراءة الإمام وفيها ، مسابقة الإمام ومساواته في أفعال الصّلاة ، تكبير المسبوق للإحرام وهو نازل إلى الرّكوع ، انشغال المسبوق بدعاء الاستفتاح وتأخّره عن اللحوق بصلاة الجماعة .

والرابع : أخطاؤهم في ثواب صلاة الجماعة ، وبعض أخطاء المتخلّفين عنها ، والتّشديد في حقّ مَنْ تركها ، وبحثت تحته :

ثواب الصلاة في بيت المقدس ، صلاة الجماعة في غير المساجد ، صلاة الجماعة الثانية وتعدد الجماعات في المسجد الواحد ،والأنفة عن الصّلاة خلف المخالف في المذهب التّشديد في التخلّف عن الجماعة .


 

أما الفصل الخامس :

فيدور حول جماع أخطاء المصلّين بعد الصّلاة ، جماعة كانت أم منفردة ، وبحثت فيه ستة أخطاء للمصلّين ، كانت كما يلي :

أخطاء المصلّين في السلام و المصافحة .

أخطاء المصلّين في التسبيح ، وفيه :

ترك التسبيح دبر الصلوات والاشتغال بالدّعاء .

خروج المأموم وانصرافه قبل انتقال الإمام عن القبلة .

الوصل بين الفريضة والنفل .

التسبيح بالشّمال والسبحة .

ومن ثم ذكرت فيه :

السجود للدعاء بعد الفراغ من الصلاّة .

السمر بعد صلاة العشاء .

التسبيح الجماعي والتّشويش على المصلّين .

المرور بين يدي المصلّين .


 

أما الفصل السادس :

فيدور حول جماع أخطاء المصلّين . في صلاة الجمعة والتّشديد في حقّ مَنْ تركها ،وبحثتُ فيه الأخطاء التالية :

تخلف آلاف من مشاهدي كرة القدم عن صلاة الجمعة .

تخلّف حرس الملوك والسّلاطين عن صلاة الجمعة ووقوفهم على أبواب المسجد ، حاملي السّلاح ،حراسة عليهم .

تخلف العروس عن صلاة الجمعة والجماعة ،جملة من أخطاء تفوّت على أصحابها ثواب الجمعة أو بعضه ، وذكرت تحته :

ترك التبكير لصلاة الجمعة ، ترك الاغتسال والتطيّب والتسوّك لصلاة الجمعة ،

الكلام وعدم الاستماع لخطيب الجمعة ، وفيه : الدوران على الناس بالماء وبصندوق لجمع التبرعات والإِمام يخطب ، تحدّث الرجلين مع بعضهما والإمام يخطب ، التسبيح وقراءة القرآن وردّ السّلام وتشميت العاطس والإمام يحطب ، النوم والإمام يخطب ، استدبار الإِمام والقبلة والإمام يخطب ، العبث بالحصى والسبحة ونحوهما والإمام يخطب ومن ثم ذكرت خطأ تخطّي الرّقاب وإيذاء المصلّين ، ومن ثم تعرّضتُ إلى :

سنة الجمعة القبليّة ، واعتنيتُ بشُبَهِ المثبتين لها ،وعملت على دحضها ، ومن ثم تكلمت عن أخطاء المصلّين في صلاة تحية المسجد يوم الجمعة . وحصرتُها بالنّقاط التالية :

تركها عند الدخول والإمام يخطب ، حثّ الخطيب للدّاخل على تركها ، الجلوس وصلاتها عند قعود الخطيب بين الخطبتين ،تأخيرها لإجابة المؤذّن و الشروع فيها عند بدء الخطيب للخطبة .

ومن ثم تعرضت لأخطاء الخطباء ، وقسمتها إلى : أخطاء قولية ، وأخطاء فعليّة ، ومن ثم ذكرت أخطاءهم في صلاة الجمعة .

وختمت هذا الفصل بأخطاء المصلّين في سنّة الجمعة البعديّة .

أما الفصل السابع والأخير :

فعالجتُ فيه أخطاءً تتعلّق بصلاة أهل الأعذار والصلوات الخاصة وغيرها من الإِفاضات والإِضافات ، وكان هذا الفصل بمثابة شذرات متفرّقات ، ومن ثم ختمتُ الكتاب بأحاديث موضوعات وواهيات دارجة على ألسنة الناس في الصلاة .

وقد رَعَيْتُ في كتابي هذا مجموعة أُمور :

أولاً : تعرّضتُ إلى الأخطاء الشّائعة الدّارجة ، وبيّنتُ الصّواب عقب ذكر الخطأ ، واخترتُ منها ما تكون الحاجة إلى معالجته ماسة ، والضّرورة إلى معرفته ملحة .

ثانياً : عرضت الأخطاء ومعالجتها عرضاً يناسب أهل العصر ، على اختلاف درجاتهم في الثّقافة والفهم .

ثالثاً : ليس كلُّ خطأ مبحوثٍ في هذا الكتاب ، يترتّبُ عليه بطلان الصّلاة أو الإثم ، وإنما فيه قسمٌ من المختلَف فيه بين العلماء ، وأشرتُ إلى الخلاف في الأعم الأغلب ، واعتبرتُ المختلَفَ فيه خطأ ، إن كان الدليلُ الصّحيحُ على خلافه ، أو لم يقم عليه دليل ، إذ الأصل في العبادات المنع ، حتى يأتي دليل الصحيح على مشروعيتها ، أو كان دليلُه غير صحيح ، أو غير ظاهر ، وهنالك أظهر منه ، أو كان الإجماع(1) على أن الأفضل خلافُهُ ، فعلاً كان أم تركاً ، ولكن الخلافَ في البطلان أو الحرمة ونحوهما ، إذ ليس مقصودُنا إلا ذكر ما يخالف هديه r الشائع بين المصلّين ، وتبيين الصواب فيه ، الذي كان يفعله r هو ، فإنه قِبلَةُ القصد ، إليه التوجُّهُ في هذا الكتاب ، وعليه مدارُ التّفتيش والطّلب ، وهذا شيء ، والجائز الذي لا ينكر فعلُه وتركُه شيء ، فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز ، ولما يحرم(1)، وإنما مقصودُنا فيه هديُ النبي r الذي كان يختاره لنفسه ، فإنّه أكملُ الهدي وأفضلُه .

فبيّنتُ في هذا الكتاب كلّ فعل يفعله المصلّون مخالف لهدي النبي r وما أرشد إليه ، وأرجو إنْ تجنّب المصلى الأخطاء التي عالجتُها فيه ، أن يلمس أثر الصّلاة ، من طمأنينة قلب ، وراحة فؤاد في الدّنيا ، وأن تنقذ من مصائب الدّنيا ، وأهول القيامة ، وان تعمل على ذهاب سيّئاته ، وترتقي به إلى أعلى مقاماته . ولا بُدّ ـ أخي المُصلّي ـ من الوقوف على الخطأ لتجنّبه ، على حدّ قول الشاعر :

عـرفـتُ الـشـر لا لـلشـــ ــر لـكــن لـتــوقــيــه

ومـن لا يــعــرف الـشًّـرًّ مـن الـخيـر يـقـع فـيــه

وهذا المعنى مستقى من السنّة ، فقد قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه : كان النّاس يسألون رسول الله r عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني .

ولهذا كان من الضّروري جدّاً تنبيهُ المسلمين إلى أخطائهم في الأقوال والأفعال التي دخلت في الدّين ، خوفاً من خفائها على بعضهم فيقعوا فيها ، متقرّبين بها إلى الله سبحانه وتعالى !! ومن أهم ما ينبغي تبيينُه لهم : أخطاؤهم في الصّلاة ، وتكاسلهم عن هدي النبي r فيها ، لأن الصّلاة بمنزلة الهدية التي يتقرّب بها النّاسُ إلى ملوكهم وكبرائهم ، فليس مَنْ عمد إلى أفضل ما يقدر عليه ، فيزينه ويحسّنه ما استطاع ، ثم يتقرّب به إلى مَنْ يرجوه ويخافه ، كمن يعمد إلى أسقط ما عنده وأهونه عليه ،فيستريح منه ، ويبعثه إلى مَنْ لا يقع عنده بموقعٍ ، وليس مَنْ كانت الصَّلاةُ ربيعاً لقلبه وحياةً له ، وراحةً وقرةً لعينه ، وجلاءً لحزنه ، وذهاباً لهمّه وغمّه ، ومفزعاً إليه في نوائبه ونوازله ، كمن هي سُحْتٌ لقلبه ، وقيْدٌ لجوارحه ، وتكليف له ، وثقل عليه ، فهي كبيرة على هذا ، وقرة عين وراحة لذلك .

قال تعالى : ﴿ َاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ* الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾(2).

فإنما كبرت لخلوّ قلوبهم من محبّة الله تعالى وتكبير وتعظيمه والخشوع له وقلّة رغبتهم فيه ، فإن حضور العبد في الصّلاة وخشوعه فيها ، وتكميله لها ، واستفراغ وسعه في إقامتها وإتمامها على قدر رغبته في الله .

قال الأمام أحمد : إنما حظُّهُم من الإسلام على قدر حظّهم من الصّلاة ، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصّلاة ، فاعرف نفسك يا عبد الله ، احذر أن تلقى الله ـ عزّ وجلّ ـ ولا قدر للأسلام عندك ، فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصّلاة في قلبك(1).

وقال أيضاً :واعلموا أنه لو أن رجلاً أحسن الصّلاة ، فأتمّها وأحكمها ، ثم نظر إلى مَنْ أساء في صلاته وضيَّعها ، وسبق الإمامَ فيها ، فسكت عنه ، ولم يعلّمه إساءته في صلاته ومسابقته الإمام فيها ، ولم ينهه عن ذلك ، ولم ينصحه ، شاركه في وزرها وعارها . فالمحسن في صلاته ، شريك المسيء في أساءته ، إذا لم ينهه ولم ينصحه(2).

فأنعم النّظر _ أخي المصلّي _ فيما سطرتُه في هذه الورقات ،فإن اقتنعتَ بها ، وخالطتْ بشاشة الإِيمانِ في قلبك ، فاعملْ على نشرها ، واحرص على تعليمها ، لا سيّما لمن لك سلطة عليه ، كأهل بيتك ، أو تلاميذك ، أو جمهور المصلّين ، إنْ كنت إماماً أو واعظاً ، فإن سكتّ، شاركتَ المسيئي صلاتهم في إثمهم _ والعياذ بالله تعالى _، كما قال إمامُ أهل السنّة أحمد بن حنبل.

وأخيراً … (( لاينبغي لأحدٍ من المسلمين أن يتّخذ من الخلاف في المسائل المبحوثة وأشباهها، وسيلة إلى النّزاع والتّهاجر والفرقة، فإن ذلك لا يجوز للمسلمين(3)، بل الواجب على الجميع بذل الجهود في التّعاون على البرّ والتّقوى ، وإيضاح الحق بدليله ، والحرص على صفاء القلوب وسلامتها من الغلّ والحقد من بعضهم على بعض ، كما أن الواجب الحذر من أسباب الفرقة والتهاجر ، لأن الله سبحانه ، أوجب على المسلمين ان يعتصموا بحبله جميعاً ، وأن لا يتفرقوا ، كما قال تعالى : ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾(4).

وقال النبي r : (( إن الله يرضى لكم ثلاثاً : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تعتصموا

بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا ، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ))(1)

فعلينا جميعاً ـ معشر المسلمين ـ أن نتقي الله ـ سبحانه ـ وأن نسير على طريقة السَّلف الصّالح قبلنا في التّمسك بالحق والدّعوة إليه ، والتّناصح فيما بيننا ، والحرص على معرفة الحق بدليله ، مع بقاء المحبّة والأخوّة الإيمانية ، وعدم التقاطع و التّهاجر من أجل مسألة فرعيّة ، قد يخفى فيها الدّليل على بعضنا ، فيحمله اجتهادُه على مخالفة أخيه في الحكم .

فنسأل الله بأسمائه الحسنى ، وصفاته العلى ،أن يزيدنا ـ وسائر المسلمين ـ هدايةً وتوفيقاً ، وأن يمنحنا جميعاً الفقه في دينه ، والثّبات عليه ، ونصرته ، والدّعوة إليه ، إنه وليّ ذلك ، والقادر عليه .

وصلى الله على نبيّنا محمد وآله وصحبه ، ومن اهتدى بهداه ، وعظّم سنّته إلى يوم الدّين ))(2)


 


 


 

الفصل الأول


 

جماع أخطاء المصلّين في ثيابهم وستر عوراتهم في الصلاة


 

* تمهيد .

* الصّلاة في الثّياب الحازقة التي تصف العورة .

* الصّلاة في الثّياب الرّقيقة الشّفافة .

* الصّلاة والعورة مكشوفة .

* صلاة مُسْبلِ الإزار .

* سدل الثّوب والتلثّم في الصّلاة .

* كفّ الثّوب في الصَّلاة ((تشميره)).

* صلاة مكشوف العاتقين .

* الصَّلاة في الثَّوب في الذي عليه صورة(1).

* الصَّلاة في الثَّوب المعصفر .

* صلاة مكشوف الرأس .


 

* تمهيد :

أخرج مسلم في ((صحيحه )) بسند إلى أبي عثمان النَّهدي قال :كتب إلينا عمر ، ونحن بأَذْرَبِيجَان : يا عُتْبةُ بن فرْقَد !! إنه ليس مِن كَدِّك ولا مِنْ كَدّ أبيك ، ولا مِنْ كَدّ أُمّك ، فأشبع المسلمين في رحالهم ، مما تشبع منه في رحلك(1) ، وإيّاكم والتنعُّم ، وَزِيٍّ أهل الشّرك ، وَلَبُوس الحرير(2).

وجاء في (( مسند علي بن الجعد )) : ((…فائتزروا وارتدوا وانتعلوا وألقوا الخفاف وألقوا السراويلات ، … وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل ، وإيّاكم والتنعيم وزيّ العجم …))(3).

وأخرج وكيع وهناد في (( الزهد )) عن ابن مسعود قال : (( لا يشبه الزي الزي ، حتى تشبه القلوب القلوب ))(4).

وكلام عبد الله بن مسعود مأخوذ من قوله r : ((من تشبّه بقوم فهو منهم ))(5).

ولهذا : أمر عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ رعيته أن يلقوا الخفاف والسراويلات ، كما أمرهم بغير ذلك من لبوس العرب وعاداتهم ، ليحافظوا على مشخصاتهم ، فلا يندفعوا في الأعاجم .

وإن في تشبه أفراد أمتنا بأعدائهم في اللباس وغيره ، دليلاً على ضعف التزامهم وسلوكهم ، وأنهم مصابون بداء التلوّن والتمرّغ ، وأن سيرتهم متخلخلة لا قرار لها ، وأنها كمادة سائلةٍ ، مستعدّة للانصهار في كل قالب في كل حين ، وفوق هذا : فإن هذا النوع من التشبّه ، فعلة شنيعة ، مثلها كمثل رجلٍ ينسب نفسه إلى غير أبيه !!

والذين يسلكون هذا المسلك وهذا السبيل : لا هم من الأمّة التي ولدوا فيها ، ولا من الأمة التي يحبّون أن يعدّوا منها : { لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء }(1).

وقد يقال : لِمَ لَمْ يقاوم العلماء المسلمون هذه العادات ، قبل استفحال أمرها ؟

والجواب : أنهم قاوموها كأشدّ ما تكون المقاومة (2)، بيد أن سنّة تأثر المغلوب بالغالب ، لم تنجح معها مقاومة العلماء ، فتورط في عادات المشركين ولباسهم كثيرٌ من المسلمين ، بل كثير ممن ينتسبون إلى العلم ، فكانوا مثالاً سيّئاً للمسلمين ، والعياذ بالله تعالى(3).

ويزيد الطّين بِلّة : أن منهم مَنْ يعتذرون عن الصّلاة ، بأنها تحدث في السراويل ((البنطلون)) تجعّداً يشوّه مَنظره !! سمعنا هذا بآذاننا من كثيرين .

ويزيد الطّين بِلّة أيضاً :


 

[1] * الصّلاة في الثّياب الحازقة التي تصف العورة :

لبس الثياب الحازقة الضّاغطة مكروه شرعاً و طبّاً ، لضررها بالبدن ، حتى إن بعضها يتعذّر السجود على لابسه ، فإذا أدّى لبسها إلى ترك الصّلاة حرم قطعاً ، ولو لبعض الصّلوات .

وقد ثبت بالتجارب أن أكثر مَنْ يلبسونها لا يصلّون ، أو إلا قليلاً كالمنافقين !! وكثير من

المصلّين هذه الأيام ، يصلّون بثيابٍ تصف السّوأَتيْن : إحداهما أو كلتيهما !!

وحكى الحافظ ابن حجر عن أشهب ، فيمن اقتصر على الصّلاة في السّراويل مع القدرة :

يعيد في الوقت ، إلا إن كان صفيقاً ، وعن بعض الحنفيّة يكره(1).

هذا عن سراويلهم الواسعة جداً ، فما بالك في ((البنطلون)) الضّيق جدّاً !!

قال العلاّمة الألباني : ((و((البنطلون)) فيه مصيبتان :

المصيبة الأولى : هي أن لابسه يتشبّه بالكفّار ، والمسلمون كانوا يلبسون السراويل الواسعة الفضفاضة ، التي ما زال البعض يلبسها في سوريا ولبنان .

فما عرف المسلمون ((البنطلون)) إلا حينما استعمروا ، ثم لما انسحب المستعمرون ، تركوا آثارهم السيئة ، وتبنّاها المسلمون ، بغباوتهم وجهالتهم .

المصيبة الثّانية : هي أن ((البنطلون)) يحجّم العورة ، وعورة الرجل من الرّكبة إلى السرّة . والمصلي يفترض عليه : أن يكون أبعد ما يكون عن أن يعصي الله ، وهو له ساجد ، فترى إِِليتيه مجسمتين ، بل وترى ما بينهما مجسماً !! فكيف يصلي هذا الإنسان ، ويقف بين يدي ربّ العالمين ؟

ومن العجب : أن كثيراً من الشباب المسلم ، ينكر على النساء لباسهن الضيّق ، لأنه يصف جسدهن ، وهذا الشباب ينسى نفسه ، فإنه وقع فيما ينكر ، ولا فرق بين المرأة التي تلبس اللباس الضيّق ، الذي يصف جسمها ، وبين الشباب الذي يلبس (( البنطلون )) ، وهو أيضاً يصف إِليتيه ، فإلية الرجل وإلية المرأة من حيث إنهما عورة ، كلاهما سواء ، فيجب على الشباب أن ينتبهوا لهذه المصيبة التي عمّتهم إلا مَنْ شاء الله ، وقليل ما هم ))(2).

أما إذا كان ((البنطلون)) واسعاً غير ضيق ، صحت فيه الصلاة ، والأفضل أن يكون فوقه قميص يستر ما بين السرة والركبة ، وينزل عن ذلك إلى نصف الساق ،أو إلى الكعب ، لأن ذلك أكمل في الستر(1).


 

[2] * الصلاة في الثيّاب الرقيقة الشّفافة :

كما تكره الصلاة في الملابس الحازقة ، التي بضيقها تحكي العورة وتصف شكلها وحجمها ، فإنه لا تجوز الصلاة في الثياب الرقيقة التي تشفّ عما وراءها من البدن ، كملابس بعض المفتونين اليوم بهذه الطُرز من الثياب ، يقصدون هذه العيوب الشرعيّة قصداً ، لأنهم أسرى الشهوات ، وعبيد العادات ، ولهم مِنْ دعاة الإِباحة مَنْ يرغّبهم فيها ، ويفضّلها لهم على غيرها ، بأنها من الجديد اللائق ، بمجددي الفسق و الفجور ، وليست من العتيق البالي المذموم ، لأنه قديم(2) !!

ومن هذا الباب :

[1/2] الصّلاة في ملابس النّوم (( البيجامات )) .

أخرج البخاريّ في (( صحيحه )) بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال : قام رجل إلى النبي r فسأله عن الصّلاة في الثّوب الواحد ، فقال : (( أوَ كلّكم يجد ثوبين )) ؟! ثم سأل رجل عمر ، فقال : إذا وسّع اللهُ فأوسعوا : صلّى رجل في إزارٍ ورداء ، في إزار وقميص ، في إزار وقباء ، في سراويل ورداء ، في سراويل وقميص ، في سراويل وقباء ، في تُبّان وقباء ،في تُبّان وقميص (3).

ورأى عبد الله بن عمر نافعاً يصلي في خلوته ، في ثوبٍ واحدٍ ، فقال له : ألم أكسك ثوبين ؟

قال : بلى . قال : أفكنت تخرج إلى السوق في ثوبٍ واحد ؟ . قال : لا . قال : فالله أحق أن يتجمّل له (4).

وهكذا مَنْ يصلّي في ملابس النوم ،فإنه يستحيي أن يخرج إلى السوق بها ،لرقّتها وشفافيتها .

قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) : (6/369) : (( إن أهل العلم يستحبّون للواحد المطق على الثياب ، أن يتجمّل في صلاته ما استطاع بثيابه ، وطيبه ، وسواكه )) .

قال الفقهاء في مبحث شروط صحة الصّلاة : مبحث ستر العورة : ((ويشترط في الساتر أن يكون كثيفاً ، فلا يجزىء الساتر الرقيق ، الذي يصف لون البشرة))(1) .

وهذا في حق الذّكر و الأنثى ، سواء صلّى منفرداً أم جماعةً ، فكلّ مَنْ كشف عورته مع القدرة على سترها ،لا تصح صلاته ، ولو كان منفرداً في مكانٍ مظلم للإجماع على أنه فرض في الصلاة ، ولقوله تعالى : { يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ }(2)

المراد بالزّينة : محلها وهو الثّوب ، وبالمسجد الصّلاة ، أي : البسوا ما يواري عورتكم عند كلّ صلاة(3).

ومن هذا الباب :

[2/2] صلاة بعضهم في الثوب الساتر للجسد (( دشداش )) رقيق ، يصف لون البشرة ، دون سروالٍ تحته (*) . وفي مقولة عمر السّابقة ، التي قدم فيها أكثر الملابس ستراً ، أو أكثرها استعمالاً ، وضمّ إلى كلّ واحدٍ واحداً ، ولم يقصد الحصر في ذلك ، بل يلحق بذلك ما يقوم مقامه، دليلٌ على وجوب الصّلاة في الثياب الساترة ، وأن الاقتصار على الثّوب الواحد ، كان لضيق الحال ، وفيه : أن الصّلاة في الثوبين ، أفضل من الثّوب الواحد ، وصرّح القاضي عياض بنفي الخلاف في ذلك(4).

قال الإمام الشافعي : (( وإن صلى في قميص(1) يشف عنه ، لم تجزه الصّلاة ))(2).

وقال : [3/2] (( والمرأة في ذلك أشدّ حالاً من الرجل ، إذا صلّت في درع وخمار ، يصفها الدّرع ، وأحب إليّ أن لا تصلي في جلباب فوق ذلك ، وتجافيه عنها لئلا يصفها الدّرع ))(3).

فعلى المرأة أن لا تصلي في الملابس الشفافة من (( النّايلون )) و (( الشيفون )) ، فإنها لا تزال كاسية سافرة ، ولو غطى الثوب بدنها كله ، حتى لو كان فضفاضاً . ودليل ذلك :

قوله r : ((سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات …))(*).

قال ابن عبد البر : (( أراد r : النساء اللواتي يلبسن من الثياب ، الشيء الخفيف ، الذي يصف ولا يستر ، فهن كاسيات بالاسم ، عاريات في الحقيقة ))(4).

وعن هشام بن عروة : أن المنذر بن الزّبير قدم من العراق ، فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر بكسوة من ثياب مرويّة وقوهية – من نسيج ((قوهستان)) ناحية بخراسان – رقاق عتاق ، بعدما كفّ بصرها ، قال : فلمستها بيدها ، ثم قالت : أف ، ردّوا عليه كسوته . قال :فشقّ ذلك عليه ، وقال : يا أمّة ، إنه لايشف . قالت : إنها إن لم تشف ، فإنها تصف(5).

قال السفاريني في ((غذاء الألباب)) : (( إذا كان اللباس خفيفاً ، يبدي – لرقّته وعدم ستره – عورة لابسه ، من ذكر أو أنثى فذلك ممنوع ، محرّم على لابسه ، لعدم سترة العورة المأمور بسترها شرعاً ، بلا خلاف ))(6)

وقال الشوكاني في (( نيل الأوطار )) : (2/115) : ((يجب على المرأة أن تستر بدنها بثوب لا يصفه ، وهذا شرط ساتر العورة )) .

وذكر بعضُ الفقهاء أن الثياب التي تشف في بادىء النظر ، وجودها كعدمها(1)، وعليه فلا صلاة للابسها .

وصرّح بعضهم أن زيّ السلف لم يكن محدّداً للعورة بذاته لرقّته ، أو بغيره ، أو لضيقة وإحَاطته(2)


 

[3] * الصّلاة والعورة مكشوفة : يقع في الخطأ ، الأصناف التّالية من النّاس :

[1/3] أولاً : مَنْ يلبس (( البنطلون )) الذي يحجم العورة أو يصفها ويشفها ، ويلبس قميصاً قصيراً ، وعند الركوع والسجود ينحسر القميص عن (( البنطلون )) ، ويظهر ظهر المصلي وجزء من سوأته – في بعض الأحايين إن لم يكن في معظمها – وبهذا تكون قد ظهرت عورته المغلّظة ، وهو راكع أو ساجد لله سبحانه ، ونعوذ بالله من الجهل و الجهلاء ، لأن كشف العورة في هذه الحالة ، تؤدي إلى بطلان الصّلاة ، والسبب في ذلك (( البنطلون )) المستورد من دول الكفر(3).

قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجيرين منبّهاً على بعض الأخطاء التي يفعلها بعض المصلين في صلاتهم : (( كثير من الناس الذين لا يلبسون الثياب السابغة ، وإنما يلبس أحدهم السراويل وفوقه جبّة (قميص) على الصّدر والظهر ، فإذا ركع تقلصت الجبّة ، وانحسرت السّراويل ، فخرج بعضُ الظهر ، وبعضُ العجز ، مما هو عورة ، بحيث يراه مَنْ خلفه ، وخروج بعض العورة ، يبطل الصّلاة(*).

[2/3] ثانياً : مَنْ لم تتعاهد ملابسها ولم تكن حريصةً على ستر جميع بدنها ، وهي بين يدي ربّها عزّ وجلّ ، إما جهلاً أو كسلاً أو عدم مبالاة .

واتَّفق الجمهور على أن اللباس المجزىء للمرأة في الصّلاة ، هو درع وخمار(4).

فقد تدخل إحداهُنّ في الصّلاة وشعرها أو جزءٌ منه أو مِنْ ساعدها أو ساقها ، وهو

مكشوف ، وحينئذ فعليها ـ عند جمهور أهل العلم ـ أن تعيد في الوقت وبعده .

ودليل ذلك ما روته السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النّبيّ r قال : (( لا يقبل الله صلاة حائضٍ إلاّ بِخِمارٍ ))(1).

والمراد بالحائض : الموصوفة بكونها من أهل الحيض ، لا مَنْ يجري دمها ، فالحائض وصف عام ، يقال على مَن لها ذلك وصفاً ، إن لم يكن قائماً بها(2).

وسئلت أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ : ماذا تصلّي فيه المرأة من الثّياب ؟ فقالت : في الخمار والدّرع السّابغ ، الذي يغيب ظهور قدميها(3).

وسئل الإمام أحمد : المرأة في كم ثوبٍ تصلّي ؟ قال : أقلّه : درع وخمار ، وتغطّي رجليها ، ويكون درعاً سابغاً ، يغطي رجليها(4).

وقال الإمام الشافعي : ((وعلى المرأة أن تغطي في الصلاة كل شيء ، ما عدا كفيها ووجهها )) . وقال أيضاً : (( وكل المرأة عورة إلا كفيها ووجهها ، وظهر قدميها عورة ، فإذا انكشف الرجل في صلاته شيء مما بين سرّته وركبته ، ومن المرأة في صلاتها شيء من شعرها ، قلَّ أو كثر ،ومن جسدها سوى وجهها وكفيها ومما يلي الكف من موضع مفصلها ولا يعدوه ـ علما أو لم يعلما ـ أعادا الصلاة معاً ، إلا أن يكون تنكشف بريح أو سقطة ، ثم يعاد مكانه ، لا لبث في ذلك ، فإن لبث بعدها قدر ما يمكنه إذا عالجه إعادته مكانه : أعاد ، وكذلك هي ))(5).

وعليه : فعلى المسلمات أن يعتنين بملابسهن في الصّلاة ـ فضلاً عن خارجها ـ وكثير منهن ((يبالغن في ستر أعلى البدن ، أعني الرأس ، فيسترن الشّعر والنحر ، ثم لا يبالين بما دون ذلك ، فيلبسن الألبسة الضيقة والقصيرة ، التي لا تتجاوز نصف السّاق !! ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍أو يسترن النصف الآخر بالجوارب اللحمية ، التي تزيده جمالاً . وقد تصلي بعضُهنّ بهذه الهيئة ، فهذا لايجوز ، ويجب عليهن، أن يبادرن إلى إتمام الستر ، كما أمر الله تعالى ، أسوة بنساء المهاجرين الأولين ، حين نزل الأمر بضرب الخمر ، شققن مروطهن ، فاختمرن بها ، ولكننا لا نطالبهن بشقّ شيء من ثيابهن ، وإنما بإطالته وتوسيعه ، حتى يكون ثوباً ساتراً !‍‍‍‍ ))(1).

ولما اشتهر لبسُ الجلباب القصير في بعض البلاد الإسلاميّة بين كثير من الفتيات المؤمنات ، والصّلاة به ، رأيتُ أن أُبيّن ـ بإيجازٍ ـ أن قدم المرأة وساقها عورة ، فأقول وبالله التّوفيق : قال تعالى:{ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ }(2).

ووجه الدلالة من الآية : أن النّساء يجب عليهن أن يسترن أرجلهنّ أيضاً . وإلا لاستطاعت

إحداهُنّ أن تبدي ما تخفي من الزينة ـ وهي الخلاخيل ـ ولاستغنت بذلك عن الضّرب بالرّجل ،

ولكنها كانت لا تستطيع ذلك ، لأنه مخالفة للشّرع مكشوفة ، ومثل هذه المخالفة ، لم تكن معهودة

في عصر الرسالة ، ولذلك كانت إحداهن تحتال بالضّرب بالرّجل ، لتعلم الرّجال ما تخفي من الزّينة ، فنهاهن الله تعالى عن ذلك .

وبناءً على ما أوضحنا ، قال ابن حزم : (( هذا نص على أن الرّجلين و الساقين ، مما يخفي ، ولا يحلّ إبداؤه ))(3). ويشهد لهذا من السنّة :

حديث ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله r : (( مَنْ جرّ ثوْبه خيلاء ، لم ينظر الله إليه يوم القيامة )) .

فقالت أم سلمة : فكيف يصنع النّساءُ بذيولهنّ ؟ قال : يرخين شبراً (4). فقالت : إذن تنكشف أقدامهن ! قال : فيرخينه ذراعاً ، لا يزدن عليه .

وفي رواية : (( رخص رسول الله r لأمهات المؤمنين شبراً ، ثم استزدنه ، فزادهنّ شبراً ، فكن يرسلن إلينا ، فنذرع لهن ذراعاً ))(1).

وأفادت هذه الرواية : قدر الذّراع المأذون فيه ، وأنه شبران بشبر اليد المعتدلة ، قال البيهقي : (( وفي هذا دليل على وجوب ستر قدميها ))(2)

ويستفاد من كلمة (( رخّص )) ومن سؤال أم سلمة السّابق :(( فكيف يصنع النساء

بذيولهن )) بعد سماعها وعيد جرِ الثّوب : التعقّب على مَنْ قال : إن الأحاديث المطلقة في الزّجر عن الإسبال مقيّدة بالأحاديث الأخرى المصرّحة بمن فعله خيلاء .

ووجه التعقّب : أنّه لو كان كذلك لما كان في استفسار أم سلمة عن حكم النّساء في جرّ ذيولهنّ معنى ، بل فهمت الزّجر عن الإسبال مطلقاً ، سواء كان عن مخيلة أم لا ، فسألت عن حكم النساء في ذلك لاحتياجهنّ إلى الإسبال من أجل ستر العورة ، لأن جميع قدمها عورة ، فبيّن لها : أن حكمهنّ في ذلك خارج عن حكم الرّجال في هذا المعنى فقط .

وقد نقل عياض الإجماع على أن المنع في حقِّ الرّجال دون النّساء ، ومراده منع الإسبال ، لتقريره r أم سلمة على فهمها .

والحاصل : أن للرجل حالين :

حال استحباب : وهو أن يقتصر بالإزار على نصف السّاق .

حال جواز : وهو إلى الكعبين .

وكذلك للنّساء حالان :

حال استحباب : وهو ما يزيد على ما هو جائز للرّجال ، بقدر الشبر .

حال جواز : بقدر الذّراع(3).

وعلى هذا جرى العمل من في عهد r وما بعده .

ومن أجل ذلك كان من شروط المسلمين الأوّلين على أهل الذمة : أن تكشف نساؤهم عن سوقهن وأرجلهن ، لكي لا يتشبهن بالمسلمات ، كما جاء في ((اقتضاء الصّراط المستقيم ))(1).

ويقع في خطأ : الدخول في الصّلاة و العورة مكشوفة :

[3/3] ثالثاً : الآباء الذين يلبسون أبناءهم السّراويل القصيرة ((الشورطات))ويحضرونهم المساجد ، وهم على هذه الحالة ، لقوله r :(( مروهم بالصّلاة ، وهم أبناء سبع ))(2).

ولا شك : أن هذا الأمر ، يشمل أمرهم بشروطها وأركانها أيضاً(3)، فتنبه ، ولا تكن من الغافلين .


 

[4] * صلاة مُسْبِل الإزار :

عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : بينما رجل يصلّي مُسْبِلاً إِزاره ، قال له رسولُ الله r : ((اذهب فتوضّأ ، فذهب فتوضّأ ، ثم جاء ، فقال : اذهب فتوضّأ ، فقال له رجل : يا رسول الله !! ما لك أَمرتَهُ أن يتوضّأ ؟ ثم سكت عنه . قال : إنّه كان يُصَلِّي ، وهو مسبلٌ إزارَه ، إن الله لا يقبل صلاة رجلٍ مسبلٍ إزارَه))(4).

وعن عبدالله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله r قال : (( لا ينظر الله إلى صلاة رجل ، يجرّ إزاره بطراً ))(1) .

وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال : سمعتُ رسول الله r يقول : ((مَنْ أسبل إزاره في صلاته خُيلاء ، فليس من الله في حِلٍّ ولا حرام ))(2).

أي : لا ينفع للحلال ولا للحرام ، فهو ساقط من الأعِين ، لا يلتفت إليه ، ولا عبرة به ولا بأفعاله .

وقيل : ليس في حلّ من الذّنوب ، بمعنى : أنه لا يغفر له ، ولا في احترام عند الله ، وحفظ منه ، بمعنى : أنه لا يحفظه من سوء الأعمال .

وقيل : لا يؤمن بحلال الله وحرامه . وقيل : ليس من دين الله في شيء ، أي : قد برىء من الله تعالى ، وفارق دينه(3).

فالحديث يدلّ على تحريم إرخاء الإزار في الصّلاة ، إذا كان بقصد الخيلاء ، وإلى ذلك ذهبت الشافعية والحنابلة ، ويدل على الكراهة ، إذا كان بغير قصد الخيلاء(4)، عند الشافعّية(5).

وتعقّب الشيخ أحمد شاكر ابنَ حزم في تحقيقه ((المحلى)) عند هذا المبحث ، فقال : ((ثم إنّ المؤلّف ترك حديثاً ، قد يكون دليلاً قوياً على بطلان صلاة المسبل خيلاء)) ثم ذكر الحديث الأوّل ، ثم قال : ((وهو حديث صحيح . قال النّووي في ((رياض الصّالحين)) : إسناده صحيح على شرط مسلم))(6).

قال ابن قيم شارحاً الحديث الأوّل : ((ووجه هذا الحديث – والله أعلم -: أن إسبال الإزار معصية ، وكل من واقع معصية ، فإنه يؤمر بالوضوء والصّلاة ، فإن الوضوء يطفىء حريق

المعصية))(1).

ولعل السر في أمره r له بالوضوء ، وهو طاهر : أن يتفكر الرجل في سبب ذلك الأمر ، فيقف على ما ارتكبه من المخالفة ، وأن الله تعالى ببركة أمره r إيّاه بطهارة الظّاهر ، يطهّر باطنه من دنس الكبر ، لأن طهارة الظّاهر تؤثر في طهارة الباطن(2).

ومن الجدير بالذّكر : أن ((الإِسبال [يكون] في السراويل والإِزار و القميص))(3).

فعلى المصلّي ((أن يتعاهد ملابسه إذا استرخت حتى يرفعها ، ولا يعد ممن يجّر ثيابه خيلاء ، لكونه لم يسبلها ، وإنما قد تسترخي عليه ، فيرفعها ويتعاهدها ، ولا شك أن هذا معذور . أما مَنْ يتعمد إرجاءها ، سواء كانت ((بشتاً)) أو ((سراويل)) أو ((قميصاً)) فهو داخل في الوعيد ، وليس معذوراً في إسباله ملابسة ، لأن الأحاديث الصحيحة المانعة من الإسبال تعمّه بمنطوقها وبمعناها ومقاصد ها . فالواجب على كل مسلم أن يحذر الإسبال ، وأن يتّقي الله في ذلك ، وألا تنزل ملابسة عن كعبه ، عملاً بهذه الأحاديث الصحيحة ، وحذراّ من غضب الله وعقابه ، و الله وليّ التوفيق))(4).


 

* فتوى في إمامة المبتدع والمسبل إزاره ، للشيخ عبد العزيز بن باز :

سئل حفظه تعالى : هل تصح الصّلاة وراء المبتدع والمسبل إزاره ؟ فأجاب ، بما نصه :

(( نعم ، تصح الصّلاة خلف المبتدع ، وخلف المسبل إزاره وغيره من العصاة ، في أصح قولي العلماء ، ما لم تكن البدعة مكفّرة لصاحبها ، فإن كانت مكفّرةً له ، كالجهمي ونحوه ، ممن بدعتهم تخرجهم عن دائرة الإسلام ، فلا تصح الصلاة خلفهم .

ولكن على المسؤولين ، أن يختاروا للإِمامة مَنْ هو سليم من البدعة والفسق ، مرضيّ السيرة ، لأن الإمامة أمانة عظيمة ، القائم بها قدوة للمسلمين ، فلا يجوز أن يتولاّها أهل البدع والفسق ، مع القدرة على تولية غيرهم . والإسبال من جملة المعاصي ، التي يجب تركها ، والحذر منها ، لقول النبي r : (( ما أسفل الكعبين من الإزار فهو في النّار))(1) ، رواه البخاري في ((صحيحه)) .

وما سوى الإزار حكمه الإزار ، كالقميص والسراويل والبشت ونحوه ذلك ، وقد صحّ عن رسول الله r أنه قال : (( ثلاثة لا يكلمهم الله ، ولا ينظر إليهم يوم القيامة ، ولا يزكّيهم ، ولهم عذاب أليم : المسبل إزاره ، والمنّان فيما أعطى ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ))(2).

أخرجه مسلم في ((صحيحه)) .

وإذا صار صحبه للإزار ونحوه من أجل التكبّر ، صار ذلك أشدّ في الإثم ، وأقرب إلى العقوبة العاجلة ، لقول النبي r : (( مَنْ جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر اللهُ إليه يوم القيامة ))(3).

والواجب على كلّ مسلم ، أن يحذر ما حرم الله عليه من الإسبال وغيره المعاصي))(4) انتهى

هذا ، وإنه ليسوءنا ، ويسوء كلّ غيور على دينه ، حريص على سعادة أمته ، أن نرى مخالفة هذه الأدلة بين ظهرانينا من الرّجال و النّساء .

فنرى الرّجال يسبلون الثّياب ، تجرّ على الأرض ذيولها ، ويتركون الحبل على الغارب للنّساء ، فيقصرن الثياب ، ويكشفن الرؤوس والنحور والصدور ، ويسرن في الطرقات متعطرات متبرجات متهتكات ، كاسيات عاريات ، مائلات مميلات ، يبدين زينتهن ، ويظهرن أطرافهن على مرأى ومشهد من القريب والبعيد ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .


 


 

[5] * سدل الثوب والتلثّم في الصّلاة :

عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السّدل في الصّلاة ، وأن يغطّي الرّجل فاه(1).

وذهب ابن مسعود والنّخعي والثّوري وابن المبارك ومجاهد والشافعي وعطاء إلى كراهة السّدل في الصّلاة .

واختلف في السّدل على أقوال :

قيل : أن يرسل الثّوب حتى يصيب الأرض . وهذا تفسير الشافعي (2) .

وهو على هذا المعنى : يشترك في معنى الإسبال ، المبحوث في الخطأ السّابق .

وقيل : أن يرخي الرّجل ثوبه على عاتقه ثم لا يمسه .

وهو على هذا المعنى : خوفاً من كشف العاتقين ، وسيأتي بحثه ، إن شاء الله تعالى .

والتّفسير السّابق للإمام أحمد(3).

وقال صاحب ((النهاية)) : ((هو : أن يلتحف بثوبه ، ويدخل يديه من داخل ، فيركع ويسجد ، وهو كذلك)) .

قال : ((وهذا مطّرد في القميص وغيره من الثياب ))(4).

قلت : وهو على هذا المعنى : يشترك في معنى ((اشْتمال الصَّمَّاء)) .

عن أبي سعيد الخدري أنه قال : ((نهى رسول الله r عن اشْتمال الصَّمَّاء))(5).

قال أهل اللغة : هو أن يخّلل جسده بالثّوب ، لا يرفع منه جانباً ، ولا يبقي ما يخرج منه يده.

قال ابن قتيبة : سمّيت صماء ، لأنه يسدّ المنافذ كلّها ، فتصير كالصّخرة الصمّاء ، التي ليس فيها خرق(6).

وعلى هذا المعنى :

[1/5] تعلم خطأ كثير من المصلّين ، عندما يصلون ، و((الجاكيت)) على كتفيهم من غير أن يدخلوا أيديهم في كمّها !!

ويؤيّد هذا : ما قاله أبو عبيد : (( السّدل : هو إسبال الرّجل ثوبَه من غير أن يُضمّ جانبيه بين يديه ، فإنْ ضمّه فليس بِسَدْلٍ))(1).

وظاهره :إن كان جانبا الثّوب مضمومين ، مع عدم إدخال اليدين في الكمّين ، فلا يعتبر إسدالاً ، مثل : الصّلاة في ((القَباء)) و ((العباءة)) .

قال السّفاريني : سئل شيخ الإسلام ابن تيمية : عن طرح ((البقاء))(2)على الكتفين من غير أن يدخل يديه في كمّيه ، هل هو مكروه أم لا ؟ فأجاب : ((بأنه لا بأس بذلك باتّفاق الفقهاء ، وليس هذا من السّدل المكروه ، لأن هذه اللبسة ، ليست لبسة اليهود))(3)انتهى .

ودليله : ما رواه مسلم في ((صحيحه)) عن وائل بن حُجْر : ((أنه رأى النَّبيَّ r حين دخل في الصّلاة ، كّبر ، ثم التحف بثوبه ، ثم وضع يديه اليمنى على اليسرى ، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثّوب ، ثم رفعهما ...))(4).

[2/5] ويكره أن يصلّي الرّجل ، وهو مُتَلَثِّم(5)، للحديث السّابق : ((أن يغطّي الرّجلُ فاه)).

ويكره أن يضع يده على فمه في الصّلاة ، إلاّ إذا تثاءب ، فإن السنّة : وضع اليد على فيه .

عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ : أَنَّ النَّبيَّ r قال : ((إذا تثاوب أحدُكم ، فَلْيُمْسِك بيده على فِيهِ ، فإن الشّيطان يَدْخُلُ))(6)والمرأة والخنثى كالرّجل في هذا .

وهذه كراهة تنزيه ، لا تمنع صحة الصّلاة(1)، وأما التلثّم على الأنف ،فعلى روايتين :

إحداهما : يكره لأن عمر كرهه ، والأُخرى : لا يكره ، لأن تخصيص الفم بالنّهي عن تغطيته ، يدّل على إباحة تغطية غيره(2)، ولا يُتصَوّر تغطية الأنف في الصّلاة ، إلا بتغطية الفم ، لأنه دونه ، وعليه فالكراهة متحققة ، في هذه المسألة ، والله تعالى أعلم .

وتستثنى كراهة التلثم في الصّلاة ، إن كانت لعلّة(3).


 

[6] * كفّ الثّوب في الصّلاة ((تشميره)) :

ومن أخطاء بعض المصلّين : أنهم يكفّون ـ أي : يشّمرون ـ ثيابهم ، قبل دخولهم في الصّلاة.

عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله r :

((أَمرتُ أن أسجد على سبعةٍ ، ولا أكفّ شعراً ولا ثوباً ))(4).

ترجم أبن خزيمة ـ رحمه الله تعالى ـ على هذا الحديث بـ : ((باب الزّجر عن كفّ الثّياب في الصّلاة ))(5).

قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ ((اتّفق العلماء على النّهي عن الصّلاة وثوبه مشمّر أو كمّه أو نحوه ))(6)

وقال الإمام مالك : فيمن صلّى مشمّراً كمّيه : ((إن كان ذلك لباسه قبل ذلك وهيئته ، وكان يعمل عملاً ، فشمّر لذلك العمل ، فدخل في صلاته كما هو ، فلا بأس بأن يصلّي بتلك الحال . وإن كان إنما فعل ذلك ليكفت شعراً أو ثوباً فلا خير فيه ))(7).

قلت : وظاهر النّهي مطلق ، سواء شمّر للصّلاة ، أم كان مُشمِّراً قبلها ، ودخل فيها ، وهو على تلك الحالة .

قال النووي بعد كلامه السّابق : (( وهو ـ أي :النهي عن تشمير الثّوب ـ كراهة تنزيه ، فلو صلّى كذلك فقد أساء وصحت صلاته . واحتجّ قي ذلك أبو جعفر محمد بن جرير الطّبري بإجماع العلماء . وحكى ابنُ المنذر الإعادة فيه عن الحسن البصري ))(1).

ثم قال رحمته الله تعالى : (( ثم مذهب الجمهور : أنّ النّهي مطلق ، لمن صلّى كذلك ، سواء تعمّده للصّلاة أم كان قبلها كذلك ، لا لها ، بل لمعنى آخر . وقال الداودي : يختص النّهي بمن فعل ذلك للصّلاة . والمختار الصحيح هو الأوّل . وهو ظاهر المنقول عن الصحابة وغيرهم ))(2).


 

[7] * صلاة مكشوف العاتقين(*):

عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله r : ((لايصلين أحدكم في الثّوب الواحد ، ليس على عاتقه منه شيء )) . متفق عليه(3).

وفي رواية مسلم : ((على عَاتِقَيْهِ)) . ورواه أحمد باللفظين(4).

قال ابن قدامة : ((يجب أن يضع المصلّي على عاتقه شيئاَ من اللباس ، إن كان قادراً على ذلك . وهو قول ابن المنذر . وحكي عن أبي جعفر : أنّ الصّلاة لا تجزىء مَنْ لم يخمّر منكبيه .

وقال أكثر الفقهاء : لا يجب ذلك ، ولا يشترط لصحة الصّلاة به . وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي ، لأنهما ليسا بعورة ، فأشبها بقيّة البدن))(5).

والنهي الوارد في الحديث السّابق يقتضي التحريم ، ويقدم على القياس . مذهب الجمهور : عدم البطلان ، ولكنهم قالوا : ((هذا النهي للتنزيه ، لا لتحريم ، فلو صلى في ثوب واحد ، ساترٍ لعورته ، ليس على عاتقه منه شيء ، صحت صلاته ، مع الكراهة ، سواء قدر على وضع شيء يجعله على عاتقه أم لا ))(1) .

وأخطأ الكرماني ، فادّعى أن الإجماع منعقد على جواز تركه(2). وكلامه منقوص بمذهب أحمد وابن المنذر ـ كما بيّنا ـ و ((بعض السلف))(3) و ((طائفة قليلة))(4) و ((بعض أهل العلم))(5)

قال أبن حجر متعقّباً الكرماني : ((كذا قال !! وغفل عما ذكره بعد قليل عن النووي من حكاية ما نقلناه عن أحمد ، وقد نقل ابن المنذر عن محمد بن علي عدم الجواز ، وكلام الترمذي يدلّ على ثبوت الخلاف أيضاً ، وعقد الطحاوي له باباً في ((شرح المعاني))(6) ونقل المنع عن ابن عمر ثم عن طاوس والنخعي ، ونقله غيره عن ابن وهب وابن جرير . ونقل الشيخ تقيّ الدّين السبكي وجوب ذلك عن نص الشّافعي واختاره ، لكن المعروف في كتب الشافعيّة خلافه ))(7).

قال القاضي : وقد نقل عن أحمد ما يدلّ على أنه ليس بشرط ، وأخذه من رواية مثنى عن أحمد فيمن صلّى وعليه سراويل ، وثوبه على أحد عاتقيه والآخر مكشوف : يكره . قيل له : يؤمر أن يعيد ؟ فلم ير عليه إعادة .

وهذا يحتمل : أنه لم ير عليه الإعادة ، لستره بعض المنكبين ، فاجتزىء بستر أحد العاتقين عن ستر الآخر ، لامتثاله للفظ الخبر . ووجه اشتراط ذلك : أنه منهي عن الصلاة مع كشف المنكبين ، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه ، ولأنها سترة واجبة في الصّلاة ، فالإخلال بها يفسدها كستر العورة(8).

ولا يجب ستر المنكبين جميعهما ، بل يجزىء ستر بعضهما(9)، ويجزىء سترهما بثوب خفيف، يصفّ لون البشرة ، لأن وجوب سترهما بالحديث ، وهو يقع في هذه الحالة ، والحالة التي قبلها ، أعني : سواء عم ّ المنكبين أم لا(1)، وقد ذكرنا نص الإمام أحمد فيمن صلّى ، وأحد منكبيه مكشوف ، فلم يوجب عليه الإِعادة .

قال الفقهاء : إن طرح على كتفه حبلاً أو نحوه ، فهل يجزئه ؟

وظاهر كلام الخرقي : ((إذا كان على عاتقه شيء من اللباس )) لايجزئه ، لقوله : ((شيء من اللباس )) ، وهذا لا يسمى لباساً ، وهو قول القاضي ، وصححه ابن قدامة .

قال : ((والصحيح : أنه لايجزئه ، لأن النبي r قال : ((إذا صلى أحدكم في ثوب واحد ، فليخالف بين طرفيه على عاتقيه )) ، من الصحاح ورواه أبو داود .

ولأن الأمر بوضعه على العاتقين للستر ، ولا يحصل ذلك بوضع خيطٍ ، ولا يسمّى

سترة ))(2).

ومن هذا : تعلم خطأ بعض المصلّين ، عندما يصلّون خصوصاً في فصل الصّيف ـ بـ((الفنيلة)) ذات الحبل اليسير الذي يكون على الكتف . فصلاتهم على هذه الحالة باطلة عند الحنابلة وبعض السّلف ، مكروهة عند الجمهور . هذا إذا لم يقع هؤلاء وهم على هذه الحالة في خطأ ((الصّلاة في الثّياب الحازقة التي تصفّ العورة)) أو ((الصّلاة في الثياب الرقيقة الشفّافة)) المبحوثْين سابقاً ، والله المستعان لا ربّ غيره .


 

[8] * الصَّلاة في الثّوب الذي عليه صورة :

عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : قام رسول الله يصلّي في خميصةٍ ، ذات أعلام ، فلما قضى صلاته قال: اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم بن حذيفة ، وأتوني بأنْبِجَانيّة ، فإنها ألهتني آنفاً في صلاتي(3).

والأنبجانيّة التي طلبها الرسول r ، هي كساء غليظ ، لاعلم فيه ، بخلاف الخميصة التي

ردّها فهي ذات أعلام ، ولعل كلمة أعلام أبلغ من الصّور .

قال الطيبي : ((في حديث الأنبجانيّة : إيذان بأن للصّور والأشياء الظاهرة تأثيراً في القلوب الطّاهرة ، والنّفوس الزّكيّة ، فضلاً عمّا دونها))(1).

وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : كان قِرام لعائشة ، سترت به جانبَ بيتها ، فقال لها النَّبيُّ r ((أميطي عنّي ، فإنه لا تزال تصاويرُه تَعْرِضُ لي في صلاتي ))(2).

واستشكل هذا بحديث عائشة الذي فيه : أن الرسول r لم يدخل البيت الذي فيه السّتر المصوّر(3)، وأُجب باحتمال أن تكون التصاوير في حديث عائشة ذات أرواح ، وهذا الحديث من غيرها(4)، وحديث أنس يدلّ بدلالة الأولى على كراهة الصّلاة في الثوب الذي عليه صورة .

ووجه الدلالة : ما قاله القسطلاني : ((وإذا كانت الصّور تلهي المصلّي ، وهي مقابلة ، فأولى إذا كان لابسها)) (5)، وعلّق العيني على تبويب البخاري : ((كراهية الصّلاة في التصاوير )) فقال : ((أي : هذا باب في بيان كراهية الصّلاة في البيت الذي فيه الثياب ، التي فيها التصاوير ، فإذا كرهت في مثل هذا ، فكراهتها وهو لابسها أقوى وأشدّ))(6).

وبوّب البخاري على حديث أنس السابق : ((باب إنْ صلَّى في ثوبٍ مُصَلَّبٍ أو تصاويرَ هل تَفْسُدُ صلاتُه ؟ وما ينهى عن ذلك))(7).

وأفاد ابن حجر والعيني أن معنى قول البخاري ((هل تَفْسُدُ صلاتُه ؟ )) بأنه استفهام على سبيل الاستفسار ، جرى البخاريّ في ذلك على عادته ، في ترك القطع في الشيء الذي فيه اختلاف، لأن العلماء اختلفوا في النّهي الوارد في الشيء ، فإن كان لمعنى في نفسه ، فهو يقتضي الفساد فيه ، وإن كان لمعنى في غيره ، فهو يقتضي الكراهة أو الفساد ، فيه خلاف(8).

ويستفاد مما سبق : أن خلافاً وقع في صلاة مَنْ على ثوبه صورٌ . لم يجزم البخاري ببطلانها ، واستفسر بـ ((هل)) عليه ، وهذا يدلّ على أنّ قولاً أو وجهاً فبه يقتضي بذلك ، ومذهب جمهور الفقهاء الكراهة(1) ، ويدل عليه ما روته السيّدة عائشة قالت : كان لي ثوب ، فيه صورة ، فكنت أبسطه ، وكان رسول الله r يصلّي إليه ، فقال لي : أخّريه عني ، فجعلت منه وسادتين(2).

قال النووي بعد ذكر الحديث : ((وأما الثّوب الذي فيه صور أو صليب أوما يلهي ، فتكره الصّلاة فيه وإليه وعليه الحديث ))(3).

واستكمالاً للفائدة ، وإتماماً لهذا المبحث ، نتكلم ـ بإيجازٍ ـ عن :

* حكم صلاة حامل الصّور :

سئل الإمام مالك ـ رحمه الله تعالى ـ عن الخاتم يكون فيه التماثيل ، أيلبس ويصلّى به ؟ قال : لا يلبس ولا يصلّى به(4).

وقال البيهوتي : ((ويكره للمصّلي حمله فصّاً فيه صورة أو حمله ثوباً ونحوه كدينار أو درهم فيه صورة))(5) ، ورخص علماء الحنفيّة في صلاة الرّجل ، ومعه دراهم يحملها ، وعليها صور .

قال السّمرقندي : ((إذا صلّى الرّجل ، ومعه دراهم فيها تماثيل الملك !! فلا بأس به ، لأن هذا يقلّ، ويصغر عن البصر))(6).

وأحاديث النّهي السّابقة متقاربة المعنى ، ووقع التصريح فيها أن النهي عن الصلاة في الصّورة أو إليها ، من أجل ((اشتغال القلب بها عن كمال الحضور في الصّلاة ، وتدبّر أذكارها وتلاوتها ومقاصدها من الانقياد والخضوع))(1) وفيها : ((منع النّظر من الامتداد إلى ما يشغل وإزالة ما يخاف اشتغال القلب به . وغير ذلك من الشّاغلات ، لأن النبي r جعل العلّة في إزالة الخميصة هذا المعنى ))(2).

وهذه العلَّة غير متحققة في المصلّي حامل الصورة ، ولاكن يبقى حكمه حكم حامل الصورة خارج الصّلاة ، ولما كانت الصورة على الدّراهم ممتهنة ، بالإنفاق والمعاملة ، ووضعها في الجيب أو حملها ،لا يعني تعظيمها ، أرى أنه لاحرج على صلاة حامل الدّراهم التي عليها صور ، والله تعلى أعلم .

وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز ـ حفظه الله ـ عن الصلاة بالساعة التي فيها صليب أو بداخلها صورة لبعض الحيوانات ، هل تجوز أم لا ؟ فأجاب ، بما نصه : إذا كانت الصور في الساعات مستورة ، لا ترى ، فلا حرج في ذلك . أما إذا كانت ترى في ظاهر الساعة أو في داخلها إذا فتحها ، لم يجز ذلك ، لما ثبت عنه r من قوله لعلي رضي الله عنه : ((لاتدع صورة إلا طمستها)) وهكذا الصليب لا يجوز لبس الساعة التي تشتمل عليه ، إلا بعد حكّه أو طمسه بـ ((البوية)) ونحوها ، لما ثبت عنه r ((أنه كان لايرى شيئاً فبه تصليب إلا نقضه ـ و في لفظ ـ إلاقضبه))(3).


 

[9] * الصَّلاة في الثَّوب المعَصْفَر :

عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله r ، رأى عليه ثوبين معصفرين ، فقال : ((إنّ هذه من ثياب الكفّار ، فلا تَلْبَسْهَا))(4).

وفي رواية قال له : ((أأمك أمرتك بهذا ؟ قلت إغسلهما ؟ قال بل إحرقهما))

وزاد في رواية : ((ففعلت))(5) ، وفي رواية أنّ النّبيّ r رأى عليه رَيْطةً مُضَرَّجَةً بالعُصْفر ، فقال: ما هذه الرَّيْطَة التي عليك ؟ فعرفتُ ما كره ، فأتيتُ أهلي ، وهم يَسْجُرُونَ تنُّوراً لهم ، فقذفتها فيه ، ثم أتيتُه من الغَدّ ، فقال : ((يا عبد الله ما فعلت الرَّيْطَة ؟ )) ، فأخبرتُه ، فقال : ((هَلاَّ كَسَوْتَها بعضَ أهلك ، فإنه لا بأس بها للنّساء))(1).

وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : نهى النّبيُّ r أن يتزعفر الرّجل(2).

وعن عليّ ـ رضي الله عنه ـ قال : نهى النّبيُّ r عن لباس المُعَصْفَر(3).

نقل البيهقي عن الشافعي أنه قال : أنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر، وآمره إذا تزعفر أن يغسله ، وأرخص في المعصفر ، إلا ما قال علي : ((نهاني ولا أقول نهاكم)) .

قال البيهقي : وقد ورد ذلك عن غير علي ، وساق حديث عبد الله بن عمرو السابق ، قال : فلو بلغ ذلك الشافعي لقال به ، اتّباعاً للسنّة ، كعادته(4).

قال ابن قدامة : ((وأما الصّلاة في الثّوب الأحمر ، فقال أصحابنا : يكره للرّجال لبسه والصّلاة فيه))(5).

وقال ابن القيم : ((وفي جواز لبس الأحمر من الثّياب والجوخ وغيرها ، نظرٌ ، وأما كراهته : فشديدة جدّاً ، فكيف يُظنّ بالنّبيّ r أنه لبس الأحمر القاني ، كلا ، لقد أعاذه اللهُ منه ، وإنما وقعت الشبهةُ من لفظ الحلّة الحمراء))(6).

وقال عند كلامه على حلّة النبي r الحمراء(7) ما نصّه : ((وغلط مَنْ ظنّ أنها كانت حمَراء بحتاً ، لا يخالطها غيره ، وإنما الحلّة الحمراء : بردان يمانيان ، منسوجان بخطوط حمر مع الأسود ، كسائر البرود اليمنية ، وهي معروفة بهذا الإسم ، باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر ، وإلا فالأحمر البحتُ منهي عنه أشدّ النّهي))(1).

وردّه الشوكاني في ((شرح المنتقى)) بأن الصحابي قد وصف حلته r بأنها حمراء : وهو من أهل اللسان ، والواجب الحمل على المعنى الحقيقي ، وهو الحمراء البحت ، والمصير إلى المجاز ، أعني : كون بعضها أحمر دون بعض ، لا يحمل ذلك الوصف عليه دون لموجب ، فإن أراد إن ذلك معنى الحلة الحمراء لغة فليس في كتب اللغة ما يشهد لذلك ، وإن أراد أن ذلك حقيقة شرعة فيها ، فالحقائق الشرعيّة لا تثبت بمجرد الدّعوى ، والواجب حمل مقالة ذلك الصحابي على لغة العرب لأنها لسانه و لسان قومه(2).

ولقد لخص الشوكاني هذه المسألة ، فأفاد وأجاد ، فقال رحمه الله تعالى : ((هذا المقام من المعارك ، والحق : أنّه يتوجّه النّهي عن المعصفر إلى نوع خاص من الأحمر ، وهو المصبوغ بالعصفر ، لأن العصفر يصبغ صِباغاً أحمر ، فما كان من الأحمر مصبوغاً بالعصفر ، فالنهي متوجه إليه ، وما كان من الأحمر غير مصبوغ بالعصفر فلبسه(3) جائز))(4).

فالحذر الحذر ـ أخي المسلم ـ أن تقف بين يدي مولاك ـ جَلّ وعزّ ـ وأنت لابس ثوباً معصفراً ، فعليك بالاهتداء والإتباع ، وإياك والمخالفة والابتداع . وفّقنا الله وإياك لمحبّته ورضاه ،إنه جواد كريم ، سميع مجيب .


 

[10] * صلاة مكشوف الرأس :

تجوز صلاة حاسر الرأس إذا كان رجلاً ، والرأس عورة من المرأة دون الرجل . ولكن يستحب أن يكون المصلي في أكمل اللباس اللائق به ، ومنه غطاء الرأس بعمامة أو قلنسوة أو (طاقية أو عرقية) ، ونحوه ذلك مما اعتاد لبسه .

فكشف الرأس لغير عذر مكروه ، ولا سيما في صلاة الفريضة ، ولا سيما مع الجماعة(5).

قال الألباني : ((والذي أراه : أن الصلاة حاسر الرأس مكروهة ، ذلك أنه من المسلَّم به :

استحباب دخول المسلم في الصلاة في أكمل هيئة إسلاميّة للحديث : ((فإن الله أحق أن يُتَزَيَّن له))(*)، وليس من الهيئة الحسنة في عرف السّلف ، اعتياد حسر الرأس ، والسيّر كذلك في الطرقات والدخول كذلك في أماكن العبادات ، بل هذه عادة أجنبيّة ، تسرّبت إلى كثير من البلاد الإسلاميّة ، حينما دخلها الكفار ، وجلبوا إليها عاداتهم الفاسدة ، فقلّدهم المسلمون فيها ، فأضاعوا بها وبأمثالها من التقاليد شخصيتهم الإسلاميّة ، فهذا العرض الطاري(1) لا يصلح أن يكون مسوغاً لمخالفة العرف الإسلامي السابق ، ولا إتخاذه حجة لجواز الدخول في الصّلاة حاسر الرأس .

وأما استدلال بعض إخواننا من أنصار السّنة في مصر على جوازه ، قياساً على حسر المحرم في الحج ، فمن أبطل قياس قرأته عن هؤلاء الإخوان ، كيف ، والحسر في الحج شعيرة إسلامية ، ومن مناسكه التي لا تشاركه فيه عبادة أخرى ، ولو كان القياس المذكور صحيحاً ، للزم القول بوجوب الحسر في الصلاة ، لأنه واجب في الحج . وهذا إلزام لا انفكاك لهم عنه ، إلا بالرجوع عن القياس المذكور ، ولعلهم يفعلون))(2).

ولم يثبت أنه r صلّى ـ في غير الإحرام ـ وهو حاسر الرأس ، دون عمامة ، مع توفّر الدّواعي لنقله أو فعله . ومن زعم ثبوت ذلك ، فعليه الدّليل ، والحقّ أحق أن يتّبع(3).

ومن الجدير بالذّكر ، أن صلاة الرجل حاسر الرأس مكروهة فقط ، وإلا فهي صحيحة ، كما أطلقه البغوي وكثيرون(4) ، فامتناع العوام عن الصلاة خلف حاسر الرأس ، غير صحيح ، نعم ، هو أولى المصلين ، بأن تتوافر فيه شروط التمام والكمال ، وأن يكون وقّافاً ملتزماً بسنة النبي r .

والله الموفق .


 


 


 

الفصل الثاني


 

جماع أخطاء المصلّين في أماكن صلاتهم


 

  • السجود على تربة كربلاء، واتخاذ قرص منها للسجود عليه عند الصلاة، واعتقاد الأجر والفضل في ذلك
  • الصلاة إلى أماكن عليها صور أو على سجادة فيها صور ونقوش ، أو في مكان فيه صور .
  • الصّلاة على القبور وإليها.
  • تخصيص مكان للصّلاة في المسجد.
  • أخطاء المصلّين في السترة.
  • الانحراف عن القبلة.


 


 


 


 


 


 

[11] * السجود على تربة كربلاء، واتخاذ قرص منها للسجود عليه عند الصّلاة، واعتقاد الأجر والفضل في ذلك :

ليس في شيء من الأحاديث الصحيحة ما يدل على قداسة كربلاء ، وفضل السجود على أرضها ، واستحباب اتخاذ قرص منها للسجود عليه عند الصلاة، كما عليه الشّيعةُ اليوم ، ولو كان ذلك مستحبّاً لكان أحرى به أن يتخذ من أرض المسجدين الشريفين : المكي والمدني ، ولكنه من بدع الشّيعة ، وغلوّهم في تعظيم أهل البيت وآثارهم ، ومن عجائبهم : أنهم يرون أن العقل من مصادر التشريع عندهم ، ولذلك فهم يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين ، ومع ذلك فإنهم يرون في فضل السجود على ارض كربلاء ، من الأحاديث ما يشهد العقل السليم ببطلانه بداهةً .

قال العلّامة الألباني : فقد وقفت على رسالة لبعضهم ، وهو المدعو السيد عبد الرضا (!!) المرعشي الشهرستاني بعنوان ((السجود على التربة الحسينيّة)) ومما جاء فيها : (( وورد أن السجود عليها أفضل ، لشرفها وقداستها وطهارة مَنْ دفن فيها. فقد ورد الحديث عن أئمة العترة الطاهرة عليهم السلام ، أن السجود عليها ينور إلى الأرض السابعة .

وفي آخر : أنه يخرق الحجب السبعة ، وفي آخر: يقبل الله صلاة من يسجد عليها ما لم يقبله من غيرها .

وفي [آخر] : أن السجود على طين قبر الحسين ينوّر الأرضين))(1).

قال(2) : ومثل هذه الأحاديث ظاهر البطلان عندنا ، وأئمة أهل البيت ـ رضي الله عنهم ـ براء منها ، وليس لها أسانيد عندهم ، ليمكن نقدها على نهج علم الحديث وأصوله ، وإنما هي مراسيل ومعضلات !!

ولم يكتف مؤلف الرسالة بتسويدها بمثل هذه النقول المزعومة عن أئمة أهل البيت ، حتى راح يوهم القرّاء أنها مرويّة في كتبنا نحن أهل السنة ، فها هو يقول : ((وليست أحاديث فضل هذه التربة الحسينية وقداستها منحصرة بأحاديث الأئمة عليهم السلام ، إذ أن أمثال هذه الأحاديث لها شهرة وافرة في أمهات كتب بقيّة الفرق الإسلامية ، عن طريق علمائهم ورواتهم، ومنها ما رواه السيوطي في كتابه((الخصائص الكبرى)) في ((باب إخبار النبي r بقتل الحسين عليه السلام)) وروى فيه ما يناهز العشرين حديثاً عن أكابر ثقاتهم، كالحاكم و البيهقي وأبي نعيم والطبراني(3) و الهيثمي في ((المجمع)) (4) وأمثالهم من مشاهير رواتهم))(5).

فاعلم أيها المسلم : أنه ليس عند السيوطي ولا الهيثمي ، ولو حديث واحد ، يدل على فضل التربة الحسينية وقداستها ، وكل ما فيها مما اتفقت عليه مفرداتها إنما هو إخباره r بقتله فيها ، فهل ترى فيها ما ادّعاه الشيعي في رسالته على السيوطي و الهيثمي !!

اللهم لا ، ولكن الشيعة في سبيل تأييد ضلالاتهم وبدعهم ، يتعلّقون بما هو أوهى من بيت العنكبوت !! .

ولم يقف أمره عند هذا التدليس على القرّاء ، بل تعداه إلى الكذب على رسول الله r ، فهو يقول : ((وأوّل من اتخذ لوحة من الأرض للسجود عليها هو نبيّنا محمد r في السنة الثالثة من الهجرة ، لما وقعت الحرب الهائلة بين المسلمين وقريش في أحد ، وانهدم فيها أعظم ركن للإسلام ، وهو حمزة بن عبد المطلب ، عم رسول الله r ، أمر النبي r نساء المسلمين بالنّياحة عليه في كلّ مأتم ، واتسع الأمر في تكريمه ، إلى أن صاروا يأخذون من تراب قبره ، فيتبركون به ، ويسجدون عليه لله تعالى ، ويعملون المسبحات منه ، كما جاء في كتاب ((الأرض والتربة الحسينية)) وعليه أصحابه ، ومنهم الفقيه …))(1).

والكتاب المذكور هو من كتب الشيعة ، فتأمل أيها القارئ الكريم ، كيف كذب على رسول الله r ، فادّعى أنه أوّل من اتخذ قرصاً للسجود عليه ثم لم يسق لدعم دعواه إلا أكذوبة أخرى ، وهي أمره r النساء بالنياحة على حمزة في كل مأتم ، ومع أنه لا ارتباط بين هذا ـ لو صحّ ـ ، وبين اتخاذ القرص كما هو ظاهر ، فإنه لا يصح عن النبي r ، كيف وهو قد صح عنه أنه أخذ على النساء في مبايعته إياهن ألا ينحن ، كما رواه الشيخان وغيرهما عن أم عطية .

ويبدو لي أنه بنى الأكذوبتين السابقتين على أكذوبة ثالثة ، وهي قوله في أصحاب النبي r : ((واتسع الأمر في تكريمه إلى أن صاروا يأخذون من تراب قبره ، فيتبركون به ، ويسجدون عليه لله تعالى . . …)) !!

فهذا كذب على الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وحاشاهم مِنْ أن يقارفوا مثل هذه الوثنّية ، وحسب القارئ دليلاً على افتراء هذا الشيعي على النبي r وأصحابه ، أنه لم يستطع أن يعزو ذلك لمصدرٍ معروفٍ من مصادر المسلمين سوى كتاب (( الأرض و التربة الحسينية )) وهو من كتب بعض متأخريهم ، و لمؤلِّفٍ مغمورٍ منهم ، و لأمر ما ، لم يجرؤ الشيعي على تسميته ، و الكشف عن هويته ، حتى لا يفتضح أمره بذكره إياه مصدراً لأكاذيبه !!

ولم يكتف حضرته !! بما سبق من الكذب على السّلف الأول ، بل تعداه إلى الكذب على مَنْ بعدهم ، فاسمع إلى تمام كلامه السابق : (( ومنهم الفقيه الكبير ، المتفق عليه : مسروق بن الأجدع، ( المتوفّى سنة62 ) ، تابعي عظيم ، من رجال الصّحاح السّت ، كان يأخذ في أسفاره لبنةً من تربة المدينة المنوّرة يسجد عليها (!!) كما أخرجه شيخ المشايخ الحافظ إمام السنّة أبو بكر ابن أبي شيبة في كتابه (( المصنف)) في المجلد الثاني في (( باب مَنْ كان يحمل في السفينة شيئاً يسجد عليه)) فأخرجه بإسنادين أن مسروقاً كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنه من تربة المدينة يسجد عليها))(1)

قلت (الألباني) : وفي هذا الكلام عديد من الكذبات :

الأولى : قوله : ((كان يأخذ في أسفاره)) فإنه بإطلاقه يشمل السفر براً ، وهو خلاف الأثر الذي ذكره !!

الثانية : جزمه بأنه كان يفعل ذلك ، يعطي أنه ثابت عنه ، وليس كذلك ، بل ضعيف منقطع ، كما يأتي بيانه .

الثالثة : قوله : ((… بإسنا دين)) كذب ، وإنما هو إسناد واحد ، مداره على محمد بن سيرين ، اختلف عليه فيه ، فرواة ابن أبي شيبة في ((المصنف)) : (2/43/2) من طريق يزيد بن إبراهيم عن ابن سيرين قال : نبئتُ أن مسروقاً كان يحمل معه لبنة في السفينة ، يعني : يسجد عليها.

ومن طريق ابن عون عن محمد : أن مسروقاً كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها .

فأنت ترى : أن الإسناد الأول من طريق ابن سيرين ، والآخر من طريق محمد ، وهو ابن سيرين ، فهو في الحقيقة إسناد واحد ، ولكن يزيد بن إبراهيم قال عنه : ((نبئت)) ، فأثبت أن ابن سيرين أخذ ذلك بالواسطة عن مسروق ، ولم يثبت ذلك ابنُ عون ، وكل منهما ثقة فيما روى ، إلا أن يزيد بن إبراهيم قد جاء بزيادةٍ في السّند ، فيجب أن تقبل كما هو مقرر في ((المصطلح)) لأن من حفظ حجّة على مَنْ لم يحفظ ، وبناء عليه : فالإسناد بذلك إلى مسروق ضعيف ، لا تقوم به حجة ، لأن مداره على راوٍ لم يسم مجهول ، فلا يجوز الجزم بنسبة ذلك إلى مسروق ـ رضي اللَّه عنه ورحمه ـ كما صنع الشيعي .

الرابعة : لقد أدخل الشيعي في هذا الأثر زيادة ، ليس لها أصل في ((المصنف)) وهي قوله : ((من تربة المدينة المنوّرة )) ! فليس لها ذكر في كل من الروايتين عنده ، كما رأيت .

فهل تدري لِمَ افتعل الشيعي هذه الزّيادة في هذا الأثر ؟

لقد تبيّن له أنه ليس فيه دليل مطلقاً على اتخاذ القرص من الأرض المباركة ( المدينة المنوّرة) للسجود عليه ، إذا ما تركه ، على ما رواه ابن أبي شيبة ، ولذلك ألحق به هذه الزّيادة ، ليوهم القراء أن مسروقاً- رحمه اللّه – اتخذ القرص من المدينة ، للسجود عليه تبركاً ، فإذا ثبت له ذلك ، ألحق به جواز اتخاذ القرص من أرض كربلاء ، بجامع اشتراك الأرضين في القداسة !!

وإذا علمت أن المقيس عليه باطل ، لا اصل له ، وإنما هو من اختلاق الشيعي ، عرفت أن المقيس باطل أيضا ، لأنه كما قيل : وهل يستقيم الظّل ، والعود أعوج ؟!

فتأمل أيها القارئ الكريم ، مبلغ جرأة الشيعة على الكذب ، حتى على النبي r في سبيل تأييد ما هم عليه من الضلال ، يتبيّن لك صدق مَنْ وصفهم مِنَ الأئمة : ((أكذب الطوائف الرافضة))(1) .

قال الشيخ علي القاري رحمه الله تعالى : (( يستحب ترك موافقة الرافضة فيما ابتدعوه و صار شعاراً لهم، كما هو مقرر في المذهب ، كوضع الحجر فوق السجادة ، فإنه وإن كانت السجدة على جنس الأرض باتفاق الأئمة مع جوازها على البساط و الغرف و نحوهما عند أهل السنة ، لكن وضع نحو الحجر و المدر فوق السجادة بدعة ابتدعوها ، وصار علامة لمعشرهم ، فينبغي

الاجتناب عن فعلهم للسببين : أحدهما : نفس موافقتهم في البدعة . وثانيهما : رفع التهمة ))(2).


 

[12] * الصلاة إلى أماكن فيها صور ،أو على سجّادةٍ فيها صور و نقوش ، أو في مكان فيه صور :

عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : قام رسول الله r يصلّي في خميصةٍ ، ذات أعلام ، فلما قضى صلاته ، قال : اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم بن حذيفة ، وأتوني بأَنْبِجَانيّة(3)، فإنها ألهتني آنفاً في صلاتي(4)

قال الصنعاني :((وفي الحديث : دليل على كراهة ما يشغل عن الصّلاة من النقوش ، ونحوها مما يشغل القلب)) (5)

وقال العز بن عبد السلام : ((تكره الصلاة على السجادة المزخرفة الملمّعة ، وكذلك على

الرفيعة الفائقة ، لأن الصلاة حال تواضع وتمسكن ، ولم يزل الناس في مسجد مكة والمدينة يصلون على الأرض والرّمل والحصى تواضعاً لله)) .

ثم قال رحمه الله : ((فالأفضل إتباع الرسولr في دقّ أفعاله وأقواله ، وجلّها ، من أطاعه اهتدى وأحبّه الله عز وجل ، ومن خرج عن طاعته والإقتداء به ، بَعُد عن الصّواب بقَدْر تباعده عن إتباعه)))1( .

وعن انس رضي الله عنه قال : كان قِرام لعائشة ، سترت به جانب بيتها ، فقال لها النبي r: أميطي عني ، فإنه لا تزال تصاويره ، تعرض لي في صلاتي)2(.

في هذا الحديث دلالة على كراهة الصلاة بمكان فيه تصاوير ، وعلى وجوب إزالة ما يشغل بال المصلى ، سواء كان صوراً أم غير صور ، والحديث يدل أيضاً على أن الصّلاة لا تفسد مع وجود الصور ، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقطعها ، ولم يعبها ، ولم يعدها)3(.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ((والمذهب الذي عليه عامة الأصحاب : كراهة دخول الكنيسة المصوّرة ، والصلاة فيها ، وفي كل مكان فيه تصاوير ، أشدّ كراهة ، وهذا هو الصواب ، الذي لا ريب فيه ولاشك)))4(.

وذكر المرغيناني الحنفي مراتب كراهة الصلاة في المكان فيه صور من حيث أماكنها ، فقال : ((وأشدها كراهة أن تكون أمام المصلّي ، ثم من فوق رأسه ، ثم عن يمينه ثم عن شماله ، ثم خلفه)))5(.

وجامع المسألة : التعظيم والانشغال ، ولذا كرهت الصلاة إلى التصاوير ، لأنها تشغل المصلي بالنّظر إليها ، وتذهله عن الصلاة ، بل يكره استقبال ما يلهي أيضاً .

وبناء على الجامع المذكور ، ذهب الفقهاء على الصحيح من قولهم إلى كراهية الصلاة إلى صورة منصوبة ، سواء كانت في جدار أم غير جدار ، ولأن فيه تشبهاً بعبادة الأوثان والأصنام أيضاً)1(.

وكذلك الصلاة على سجادة فيها صورة ، ففيه تشبه بعبادة الأصنام والصور، والسجود عليها فيه معنى التعظيم)2( ، بل نص بعض الفقهاء على كراهة الصلاة على السجادة التي فيها صورة ، ولو كانت تداس)3( .

ومن الأدلة على ما سبق :

أولاً: قوله r : ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة)))4( .

قال النووي : ((قال العلماء : سبب امتناعهم من بيت فيه صورة ، كونها معصيةً فاحشة ، وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى ، وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله تعالى)))5(.

ثانياً : امتناع الرسول r عن دخول الكعبة ، حتى محيت كل صورة فيها .

عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي r أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح ، وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة ، فيمحو كل صورة فيها ، فلم يدخلها النبي r حتى محيت كلّ صورةٍ فيها)6(.

ثالثاً : فعل الصحابة ـ رضوان اللّه عليهم ـ فقد كانوا يصلّون في الكنيسة عند عدم وجود الصور.

قال عمر بن الخطاب : إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور)7( .

وكان ابن عباس يصلّي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل)8(.

و المراد بالصور هنا هو صورة الأرواح.

قال ابن القيم : ((فأما الصور فهي كل ما تصور من الحيوان ، سواء في ذلك الصورة المنصوبة القائمة التي لها أشخاص ، وما لا شخص لها من المنقوشة في الجدر، والمصوّر فيها ، وفي الفرش و الأنماط)))1(.

و أخرج بعضهم من النهي صورة الشجر و نحوه)2(.

والذي أراه أن الصلاة على صورة الشّجر و نحوه مكروهة أيضاً ، لأنها تشغل بال المصلي ، أخذاً من حديث الأنْبجانية السّابق ، و اللّه أعلم .


 

[13] * الصّلاة على القبور و إليها :

عن جندب بن عبد اللّه البجليّ ـ رضي اللّه عنه ـ قال : سمعتُ رسول اللّه r قبل أن يموت بخمس يقول : إني أبرأ إلى اللّه منكم ، أن يكون لي خليل ، فإن اللّه قد اتّخذني خليلاًً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً خليلاً، لاتّخذتُ أبا بكر خليلاً ، ألا وإن مَنْ كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإني أنهاكم عن ذلك)3(.

وعن أبي هريرة –رضي اللّه عنه-:أن رسول اللّهr قال : قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)4( .

وعن عائشة – رضي الله عنها -: قال رسول الله r في مرضه الذي مات فيه : لعن الله اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)5( .

وعن ابن مسعود رضي الله عنه : أن النبي r قال : إن مِنْ شرار الناس مَنْ تدركهم الساعة، وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد)6( .

أفادت هذه الأحاديث:

[1/13] حرمة اتخاذ القبور مساجد . وصرح عامة علماء الطوائف بالنهي عن ذلك، متابعة للأحاديث الواردة في النهي عن ذلك، ولا ريب في القطع بتحريمه .

وتتعيّن إزالة المساجد المبنيّة على القبور، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء المعروفين، وتكره الصلاة فيها من غير خلاف. ولا تصح عند الإمام أحمد في ظاهر مذاهبه، لأجل النهي و اللعن الوارد في ذلك.

وكذلك الصّلاة عندها مكروهة , و إنْْْ لم يُبْْنَ عليها مسجد ، فإن كلّ موضعٍٍ يُصلَّى فيه فهو مسجد ، وإن لم يكن هناك بناء ، و النبي r قد نهى عن ذلك بقوله : ((ولا تجلسوا على القبور ، ولا تصلوا إليها)))1(

و قال : ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً)))2(

أي : كما أن القبور لا يصلى عندها ولا إليها ولا عليها ، فلا تجعلوا بيوتكم كذلك .

ولا تصح الصّلاةُ بين القبور في مذهب الإمام احمد ، و تكره عند غيره .

واعلم أن مِنَ الفقهاء ، مَن اعتقد أن سبب كراهة الصّلاة في المقبرة ، ليس إلا كونها مظنّة النجاسة ، ونجاسة الأرض مانع من الصّلاة عليها ، سواء كانت مقبرة أم لم تكن ، وليس ذلك كل المقصود بالنهي ، وإنما المقصود الأكبر بالنهي هو مظنّة اتخاذها أوثاناً .

كما ورد عن الإمام الشافعي ـ رحمه اللّه تعالى ـ أنه قال : ((وأكره أن يُعظَّم مخلوق ، حتى يجعل قبره مسجداً ، مخافة الفتنة عليه من بعده ، من الناس)))3(

و قد نص النبيُّ r على العلّة بقوله : ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)))4(.

و أخبر r أنّ الكفّار إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ، و صوّروا فيه تلك التصاوير ، أولئك شر الخلق عند اللّه يوم القيامة)1( .

فجمع r بين التماثيل وبين القبور)2(

إذا تقرر ما تقدم ، تبيّن لك ما يلي :

[2/13] أولاً : أن الصحيح المنع من الصلاة حتى على القبر الفَذّ ، و إنْ لم يكن عنده قبر آخر .

ذكر شيخ الإسلام في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) خلاف أصحاب الإمام أحمد في المقبرة

المجردة عند مسجد، هل حدّها ثلاثة أقبر أو ينهى عن الصلاة عند القبر ، وإن لم يكن عنده قبر آخر؟ على وجهين .

و الوجه الثاني هو الذي رجّحه في ((الاختيارات العلميّة)) فقال : ((وليس في كلام أحمد و عامّة أصحابه هذا الفرق ، بل عموم كلامهم و تعليلهم و استدلالهم يوجب منع الصّلاة عند قبرٍ واحدٍ من القبور، وهو الصواب ، والمقبرة كل ما قبر فيه ، لا أنه جمع قبر . وقال أصحابنا : وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور ، لا يصلّى فيه ، فهذا يعين أن المنع يكون متناولاً لحرمة القبر المنفرد ، و فنائه المضاف إليه)))3( .

[ 3/13] ثانياً: أن الصحيح المنع من الصلاة في المسجد الذي بين القبور، حتى يكون بين حائط المسجد و بين المقبرة حائل آخر، وأن جدار المسجد لا يكفي حائلاً بينه وبين المقبرة)4(.

[4/13] ثالثاً: أن كراهة الصلاة في المساجد المبنيّة على القبور، مضطردة في كلّ حال، سواء كان القبر أمامه أم خلفه ، يمينه أم يساره،فالصلاة فيها مكروهة على كل حال ، ولكن الكراهة تشتدّ إذا كانت الصّلاة إلى القبر، لأن المصلّي في هذه الحالة ، يرتكب مخالفتين ، الأولى : الصلاة في هذه المساجد ، و الأخرى : الصلاة إلى القبر ، وهي منهي عنها مطلقاً ، سواء كان في المسجد ، أم غير المسجد ، بالنّص الصحيح عن رسول اللّه r
)1(.

[5/13] رابعاً : العبرة في المنع من الصّلاة على القبور أو إليها ، إنما هي في القبور الظاهرة ، وأن ما في بطن الأرض من القبور ، لا يرتبط به الحكم الشرعي السابق ، بل الشريعة تتنزّه عن مثل هذا الحكم ، لأننا نعلم بالضرورة والمشاهدة أن الأرض كلها مقبرة الأحياء ، كما قال تعالى : ) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا((2) .

قال الشعبي : (( بطنها لأمواتكم ، وظهرها لأحيائكم )))3(

[6/13] خامساُ : في معنى ما تقدّم من صور الكراهة : الصلاة على الجنازة ، وهي في القبلة المصلّين .

قال الشيخ القاري : (( وهو مما ابتلى به أهل مكة ، حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها)))4(

وعلّق عليه الألباني : ((قلت : يعني في صلاة الفريضة ، وهذا بلاء عام ، قد تعدّاه إلى بلاد الشّام والأناضول وغيرها .

وقد وقفنا منذ شهر على صورةٍ شمسيّةٍ ، قبيحة جداً ، تمثل صفّاً من المصلّين ، ساجدين تجاه نعوش مصفوفة أمامهم ، فيها جثث جماعة من الأتراك ، كانوا ماتوا غرفاً في باخرة)))5( .

وبهذه المناسبة نلفت النّظر إلى أن الغالب من هدية r ، هو الصّلاة على الجنائز في ((المصلّى)) خارج المسجد ، ولعل من حكمة ذلك إبعاد المصلِّين عن الوقوع في مثل هذه المخالفة ، التي نبّه عليها العلّامة القاري رحمه الله تعالى)6(.

فاقتد – أيها المسلم – إن كنت عبد الله ، بسلفك الصالح ، وتحقق بالتوحيد الخالص ، فلا تعبد إلا الله ، ولا تشرك بربك أحداً ، كما أمر تعالى بقوله :

) فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(
)1(.


 

[14] * تخصيص مكان للصّلاة في المسجد :

يكره لغير الإمام التزام مكان خاص من المسجد ، لا يصلّي الفرض إلا به ، بدليل حديث

عبد الرحمن بن شبل قال : نهى رسول الله r عن نقرة الغراب ، وافتراش السبع ، وأن يُوَطّن الرَجل المكان في المسجد كما يوطّنُ البعير)2( .

ولا يعارضه : حديث يزيد بن أبي عبيد قال : كنت آتي سلمة بن الأكوع فيصلِّي ، عند الأسطوانة ، التي عند المصحف ، فقلت : يا أبا مسلم أراك تتحرّى الصّلاة عند هذه الأسطوانة . قال : فإني رأيت النبي r يتحرى الصلاة عندها)3( .

لأنه محمول على النّفل ، أو للاقتداء برسول الله r في هذا الموطن في النّفل أيضاً )4(، فهو من مخصّصات الحديث السّابق ، وقد صرح بذلك سلمة بن الأكوع ، فقال : ((فإني رأيتُ النبيr يتحرى الصلاة عندها)) .

ففعل سلمة ما ترى ، اقتداء بسيد الورى ، لأنه هو أعلم و أدرى بالذي هو أولى وأحرى .

ودل الحديث على أنه ينبغي مزيد التأسي بالنبي r حتى في الأزمنة والأمكنة ، التي كان يتحرى وقوع العبادة فيها ، واستحباب تتبع آثاره r .

و الأسطوانة المذكورة ، قال فيها ابن حجر : ((حقق لنا بعض مشايخنا أنها المتوسطة في الروضة المكرمة ، وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين . قال : وروى عن عائشة أنها كانت تقول : (( لو عرفها الناس لاضطربوا عليها بالسّهام)) وأنها أسرّتها إلى ابن الزّبير ، فكان يكثر الصلاة عندها . ثم وجدتُ ذلك في ((تاريخ المدينة)) لابن النجار . وزاد : (( إن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها )) وذكره قبله محمد بن الحسن في (( أخبار المدينة )))1(.

وقوله r في الحديث السابق : (( وأن يوطن الرجل المكان في المسجد، كما يوطن البعير)) .

معناه : لا ينبغي للرجل أن يتخذ لنفسه مكاناً خاصاً من المسجد ، لا يصلي إلا فيه ، كالبعير لا يبرك إلا في مبرك اعتاده)2(.

قال صاحب ((كشاف القناع )) : (( ويكره اتخاذ غير الإمام مكاناً بالمسجد ، لا يصلّي فرضه إلا فيه ، لنهيه r عن إيطان المكان ، كإيطان البعير . ولا بأس باتخاذ مكان لا يصلي إلا فيه النفل ، للجمع بين الأخبار)3(.

قلت : ويدخل في النهى الإمام أيضاً لعموم النهى ، ومنه يعلم خطأ كثير من الأئمة في تخطي رقاب الناس ليصلّوا صلاة السنة في المحراب ، ولاسيما القبلية منها . والله اعلم

وحكمه النهى عن ذلك :

أولاً: انه قد يؤدّي إلى الشّهرة والرّياء والسمعة.

ثانياً: فيه الحرمان من تكثير مواضع العبادة، التي تشهد له يوم القيامة.

ثالثاً:لأن العبادة فيه تصير له طبعاً، وتثقل في غيره. والعبادات إذا صارت طبعاً، فسبيلها إلى الترك)4( .


 

[15] * أخطاء المصلّين في السترة :

عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال : قال رسول الله r : (( لا تصلّ إلا إلى سترة، ولا تدع أحداً يمرّ بين يديك ، فإن أبى فلتقاتله ، فإن معه القرين )))1(

عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله r : (( إذا صلّى أحدكم فليصلّ إلي سترة ، وليدن منها ، ولا يدع أحداً يمر بينه وبينها ، فإن جاء أحد يمر فليقاتله ، فإنه شيطان)))2(. وفي رواية(( فإن الشيطان يمرّ بينه وبينها )) .

وعن سهل ابن أبي حثمة رضي الله عنه : عن النبيr قال: ((إذا صلى أحدكم إلى سترة، فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته )))3(.

وفي رواية :(( إذا صلى أحدكم فليستتر ، وليقترب من السترة ، فإن الشيطان يمرّ بين يديه )))4(.

قال الشوكاني معلّقاً على حديث أبي سعيد السابق: ((فيه أن اتخاذ السترة واجب )))5( .

وقال : (( وأكثر الأحاديث مشتملة على الأمر بها ، وظاهر الأمر الوجوب ، فإن وجد ما يصرف هذه الأوامر عن الوجوب إلى النّدب فذاك ، ولا يصلح للصّرف قوله r فإنه لا يضره ما مر بين يديه)) لأن تجنب المصلّى لما يضرّه في صلاته ، ويُذهِبُ بعضَ أجرها، واجب عليه )))6(.

و مما يؤكّد وجوبها : أنها سبب شرعي لعدم بطلان الصلاة بمرور المرأة البالغة ، والحمار ، والكلب الأسود ، كما صحّ ذلك في الحديث ، ولمنع المارّ من المرور بين يديه . وغير ذلك من الأحكام المرتبطة بالسّترة )1(.

ولهذا حرص السّلف الصالح – رضوان اللّه عليهم – على السترة في صلاتهم ، فجاءت أقوالهم و أفعالهم تترى في الحثّ عليها ، و الأمر بها، والإنكار على مَنْ لم يصل إليها .

عن قرّة بن إياس قال : رآني عمر ، وأنا أُصلي بين اسطوانتين، فأخذ بقفائي فأدناني إلى سترة، فقال : صل إليها)2( .

قال الحافظ ابن حجر : أراد عمر بذلك أن تكون صلاته إلى سترة )3(.

وعن ابن عمر قال : إذا صلى أحدكم ، فليصلّ إلى سترة ،وليدن منها ، كيلا يمر الشيطان أمامه)4(.

و قال ابن مسعود : أربع من الخلفاء : أن يصلي الرّجل إلى غير سترة … أو يسمع المنادي ثم لا يجيبه)5(.

(( فانظر – يا أخي القارىء ، هداني اللّه و إياك – كيف أتت الأوامر من النبي r ، الذى طاعته طاعة اللّه عزّ وجلّ ، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وكيف أمر أصحابُه بما أمر به، حتى إن عمر- رضي اللّه عنه – الخليفة الراشد، الذى هو مَنْ هو ، يأتي لصحابي جليل، وهو يصلّي، فيأخذ بقفائه، ليدنيه إلى سترة، يصلي إليها ، وانظر إلى ابن مسعود، كيف قرن صلاة الرجل إلى غير سترة مع سماع المؤذّن ، ثم لا يجيبه السامع)))6(.

وعن انس قال : لقد رأيتُ أصحاب النبي r يبتدرون السّواري عند المغرب ، حتى يخرج النبي r
)7( .

وفي رواية : وهم كذلك يصلّون الرّكعتين قبل المغرب )8( .

فهذا أنس يحكي عن الصّحابة في الوقت الضّيق، كيف يبتدرون السواري لصلاة الركعتين قبل المغرب.

وعن نافع قال : كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلاً إلي سارية من سواري المسجد، قال لي: ولّني ظهرك)1( .

وعنه أيضاً قال : كان ابن عمر لا يصلّي إلا إلى سترة )2( .

وكان سلمة بن الأكوع ينصب أحجاراً في البرية، فإذا أراد أن يصلِّي ،ثم صلَّى إليها)3( .

في هذا الأثر: لافرق بين الصحاري والعمران، وظاهر الأحاديث السابقة، وفعل الرسول r ، يؤيّد ذلك، كما نص عليه الشوكاني)4( .

قال العلامة السفاريني -رحمه الله تعالى-: (( اعلم أنه يستحب صلاة المصلّى إلى سترة اتّفاقا ، ولو لم يخش مارّاً ، خلافاً لمالك ، وأطلق في ((الواضح)) : يجب من جدار أو شيء شاخص ، وعرض السترة أعجب إلى الإمام أحمد)))5(.

والإطلاق اصح ، لأن (( التعليل المذكور مجرد رأي، لا دليل عليه، وفيه إهدار بمجرد الرأي للنصوص الموجبة لاتخاذ السترة وقد سبق ذكر بعضها، وهذا لايجوز، وبخاصة أنه يمكن أن يكون المار من الجنس الذي لايراه الإنسي، وهو الشيطان، وقد جاء ذلك صريحاً من قوله r وفعله)))6( .

قال ابن خزيمة بعد ذكره لبعض الأحاديث التي فيها الأمر باتّخاذ السّترة : (( فهذه الأخبار كلها صحاح ، قد أمر النبيr المصلّي أن يستتر في صلاته .

وزعم عبد الكريم عن مجاهد عن ابن عباس : أن النبي r صلّى إلى غير سترة، وهو في فضاء)*(، لأن عرفات ، لم يكن بها بناء على عهد رسول اللّه r ، يستتر به النبي r !! وقد زجر r أن يصلّي المصلي إلا إلى سترة، فكيف يفعل ما يزجر عنه r ؟!)))1(.

قلت : وعدم وجود البناء لا يمنع من اتخاذ السترة ، وقد وقع التصريح بذلك في حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما.

فعن ابن عباس قال : (( يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار)))2(.

وورد عنه من طريق آخر صحيح أنه قال:

(( ركزت العنزة بين يدي رسول اللّه r بعرفات، وصلّى إليها، والحمار من وراء العنزة)))3(.

قال ابن التركماني :

(( قلت : لا يلزم من عدم الجدار، عدم السترة، ولا أدري ما وجه الدليل في رواية مالك على أنه صلى إلى غير سترة)) )4(.

نقول بعد ما تقدم :

[ 1/15] تبيّن لنا بوضوحٍ : خطأ مَنْ يصلّي ولم يستتر بسترةٍ بين يديه، حتى لو أمن مرور الناس، أو كان في فضاء، ولا فرق بين مكة و غيرها في أحكام السّترة على الإطلاق)5( .

[2/15] واستحب بعض أهل العلم أن يجعل المصلّى السترة إلى يمينه قليلاً أو إلى شماله، ولا يستقبلها استقبالاً)6( ، ولا دليل يصح في ذلك)7) ، وعليه فكلّ جائز )8(.

ومن الجدير بالذّكر:

[3/15] أن مقدار السترة المجزئة ، التي تستر المصلّي ، وتدفع عنه ضرر المارّ ، طول مؤخّرة الرّحل ، ولا يجوز أن يكتفي المصلّي في وقت السَّعة بما دون ذلك ، ودليله :

عن طلحة قال : قال رسول الله r : إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخّرة الرحل ، فليصل ، ولا يبالي مَنْ مرّ وراء ذلك)1(.

و عن عائشة قالت : سئل رسول اللّه r في غزوة تبوك عن سترة المصلّي ، فقال : كمؤخرة الرحل)2(.

و عن أبي ذر قال : قال رسول اللّه r : إذا قام أحدكم يصلي ، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل ، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل ، فإنه يقطع صلاته الحمار و المرأة و الكلب الأسود)3(.

وأهل العلم يرون أن تأخير البيان ، عن وقت الحاجة ، لا يجوز ، و النبي r إنما سئل عما يجزىء ، فلو كان يجزىء أقل من ذلك ، لما جاز أن يؤخّره عن وقت السؤال)4(.

و الرّحل مقداره ذراع ، كما صرح به عطاء وقتادة والثوري ونافع)5(، و الذراع ما بين طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى)6(، ويقدر بـ (2و46) سم )7(.

و ثبت أن النبي r صلى إلى العنزة والرمح ونحوهما ، والمعلوم أنهما من الدّقة بمكان ، وهذا يؤكّد أن المقصود ببلوغ السترة ذراعاً في الطول لا في العرض .

قال ابن خزيمة : ((و الدليل من أخبار النبي r أنه أراد مثل آخرة الرّحل ، في الطول لا في العرض ، قائم ثابت ، منه أخبار النبي r أنه كان تركز له الحربة ، يصلي إليها ، وعرض الحربة لا يكون كعرض آخرة الرحل)))8(.

وقال أيضاً : ((وفي أمر النبي r بالاستتار بالسهم في الصلاة ، ما بان وثبت أنه r أراد بالأمر بالاستتار، بمثل آخرة الرحل في طولها، لا في طولها و عرضها جميعاً)))1
(.

وعليه : فلا يجوز اتخاذ الخط سترة ، مع القدرة على اتخاذ غيره ، ولو كان عصا أو متاعاً أو خشبة أو تراباً، حتى لو جمع حجارةً فوق بعضها بعضاً ، كما فعل سلمةُ بن الأكوع رضي اللّه عنه.

ومن الجدير بالذّكر : أنّ حديث اتّخاذ الخطّ سترة ضعيف ، أشار إلى ضعفه سفيان بن عيينة والشافعي والبغوي وغيرهم .

وقال الدار قطني : لا يصح ولا يثبت . وقال الشافعي في ((سنن حرملة)) : ولا يخط المصلي بين يديه خطاً ، إلا أن يكون ذلك في حديث ثابت ، فيتّبع .

وقال مالك في ((المدونة)) : ((الخط باطل)) .

و ضعّفه من المتأخرين ابن الصلاح والنووي والعراقي وغيرهم)2(.

بقي بعد هذا أن يقال :

[4/15] إن المأموم لا تجب عليه سترة ، والسترة في صلاة الجماعة من مسؤولية الإمام ، ولا يتوهم متوهم أن كلّ مصلّ سترته المصلّي الذي أمامه ، فإن ذلك لا يكون في الصّف الأوّل ، ثم إنه يقتضي منع المار بين الصفوف ، والدّليل على خلافه:

عن ابن عباس قال : جئت أنا والفضل على أتان، ورسول اللّه r بعرفة، فمررنا على بعض الصّفّ، فنزلنا، فتركناها ترتع، ودخلنا مع رسول اللّه r في الصّلاة، فلم يقل لنا رسول اللّه r شيئاً)3(.

وفي رواية : أن الأتان مرت بين يدي بعض الصف الأوّل)4( .

فهذا ابن عباس والفضل يمرّان على حمار أنثى ، بين يدي الصف الأول ، فلم يردهما أحد من الصحابة ، ولم ترد الأتان أيضاً ، ثم لم ينكر أحد عليهم ذلك ، ولا النبي r .

فإن قال قائل : من الممكن أن يكون النبي r لم يعلم بذلك !! فيقال له : إن لم رآهما النبي

r بجانبه ، فقد رآهما من خلفه ، فقد قال r : (( هل ترون قبلتي ها هنا ، فواللّه لا يخفى عليّ خشوعكم ولا ركوعكم ، إني لأراكم من وراء ظهري )))1( .

قال ابن عبد البر : ((حديث ابن عباس هذا، يخص حديث أبي سعيد : (( إذا كان أحدكم يصلّي فلا يدع أحداً يمر بين يديه )) فإن ذلك مخصوص بالإمام والمنفرد . فأما المأموم فلا يضرّه مَنْ مرّ بين يديه ، لحديث ابن عباس هذا، قال : وهذا كله لا خلاف فيه بين العلماء)))2( .

ومنه تعلم : أنّ صلاة الجماعة صلاة واحدة بالعدد، لا أنها صلوات بعدد مَنْ فيها، ولذا اكتفي بها بسترة واحدة ، ولو كانت صلوات لا حتاج كل مَنْ فيها إلى سترة)3(.

[5/15] فإن لم يتخذ الإمام سترة . فقد أساء، وكان التقصير منه، ولا يجب على كل مأموم أن يتخذ سترة لنفسه، وأن يمنع المار)4(.

[6/15] مسألة : إذا قام المسبوق يقضي ما فاته مع الإمام ، خرج عن كونه مأموماً ، فماذا يفعل؟

قال الإمام مالك : (( ولا بأس أن ينحاز الذي يقضي بعد سلام الإمام إلى ما قرب منه من الأساطين بين يديه وعن يمينه وعن يساره ، وإلى خلفه ، يقهقر قليلاً ، يستتر بها إذا كان ذلك قريباً ، وإن بَعُد أقام ، ودرأ المارَّ جهده)))5(.

وقال ابن رشد : (( إذا قام لقضاء ما فاته من صلاته : فإن كانت بقربه سارية، سار إليها، وكانت سترةً له في بقيّة صلاته ، وإن لم تكن بقربه سارية ، صلى كما هو ، ودرأ من يمر بين يديه ما استطاع ، ومن مر بين يديه فهو آثم . أما من مر بين الصفوف ، إذا كان القوم في الصلاة مع إمامهم ، فلا حرج عليه في ذلك ، لأن الإمام سترة لهم . وبالله التوفيق)))6(.

وهذا الذي قاله الإمام مالك وتبعه عليه ابن رشد ، الذي لا ينبغي خلافه ، وذلك لأن المسبوق

دخل في صلاته كما أُمر ، وليس عليه في ذلك سترة ، وحالته مشابهة لمن اتخذ دابة سترة فانفلتت ، فليس مقصّراً في تلك الحالة .

ولكن إن تيسّر له اتخاذ سترة ، لئلا يوقع المارّين في الإثم ، فعليه أن يفعل ذلك ، وإن لم يتيسر ردّ المارَّ بين يديه)1( .


 

[16] * الانحراف عن القبلة :

مما يحزّ في النفس أن أكثر مساجدنا القديمة ـ لعدم توفر الأدوات الدقيقة في تحديد القبلة _ تجدها منحرفة عنها ، انحرافاً يكون فاحشاً أحياناً ، مما اضطر بعض القائمين على أمرها إلى اتخاذ حبال خاصّة ، مدوها في الأرض ، ليحددوا بها القبلة تحديداً أقرب إلى الصواب .

وهذه الحبال ، هي غير الحبال التي اخترعت مؤخّراً ، ومدّت في المساجد ، بقصد تقويم الصف ، وكأن المسلمين ، وصل بهم الإِهمال في شأن تسوية الصفوف ، والتزاحم بالأقدام والمناكب ، إلى درجة أنهم احتاجوا إلى مثل هذه الحبال ، التي يتعثر بها المارون في المسجد ، والتي إنْ دلّت على شيء ، فإنما تدل على مبلغ جهل المسلمين بالتحاذي الصحيح ، والوقفة الصحيحة)2(، التي سيأتي التنبيه عليها ـ إن شاء الله تعالى ـ في ((جماع أخطاء المصلّين في صلاة الجماعة)) ، والله الموفّق، لا ربّ غيره .


 


 


 

الفصل الثالث


 

جماع أخطاء المصلّين في صفة صلاتهم


 

* الجهر بالنيّة والقول بوجوب مقارنتها مع تكبيرة الإِحرام .

* عدم تحريك اللسان في التكبير وقراءة القرآن وسائر أذكار الصَّلاة .

* جملة من أخطائهم في القيام:

( ترك رفع اليدين عند التحريمة والركوع وعند الرفع منه، إسبال اليدين

وعدم وضعهما على الصّدر أو تحته وفوق السرّة، ترك دعاء الاستفتاح

والاستعاذة قبل قراءة الفاتحة ، تكرير الفاتحة ، رفع البصر إلى السّماء أو

النّظر إلى غير مكان السّجود، تغميض العينين في الصلاة ، كثرة الحركة

والعبث في الصّلاة ).

* جملة من أخطائهم في الرّكوع والقيام منه :

( عدم تعمير الأركان، عدم الطمأنينة في الركوع والاعتدال منه، القنوات

الرّاتب وتركه عند النّوازل ).

* جملة من أخطائهم في السّجود:

( عدم تمكين أعضاء السجود من الأرض ،عدم الطمأنينة في السجود ،أخطاء

في كيفية السجود، القول بوجوب كشف بعض أعضاء السجود أو بوجوب

السجود على الأرض أو على نوع منها ،رفع شيء للمريض ليسجد عليه،

قول ((سبحان من لا يسهو ولا ينام)) في السهو ).

* جملة من أخطائهم في الجلوس والتّشهد والتسّليم:

(غلط (( السلام عليك أيها النبي)) في التّشهد، زيادة لفظ ((سيدنا )) في

التشهد أوفي الصّلاة على رسول الله r في الصّلاة، تنبيهات، الإنكارّ على

من يحرك سبابته في الصّلاة ثلاثة أخطاء في التسليم


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

[17] * الجهر بالنيّة والقول بوجوب مقارنتها مع تكبيرة الإحرام:

[1/17] الجهر بالنيّة لا يجب ولا يستحب باتّفاق علماء المسلمين ، بل الجاهر بالنيّة مبتدع مخالف للشريعة ، وإذا فعل ذلك معتقداً أنه من الشّرع فهو جاهل ضال يستحق التعزير ، وإلا فالعقوبة على ذلك إذا أصرَّ عليه بعد التعريف والبيان له ، لاسيّما إذا آذى مَنْ إلى جنبه برفع صوته ، أو كرّر ذلك مرّة بعد مرّة .

وقد أفتى غير واحد من علماء المسلمين بذلك ، فمنهم : القاضي أبو الربيع سليمان بن الشافعي ، قال : (( الجهر بالنّية وبالقراءة خلف الإمام ليس من السنّة ، بل مكروه، فإن حصل به تشويش على المصلّين فحرام ، ومن قال بإن الجهر بلفظ النيّة من السنّة فهو مخطئ ، ولا يحلّ له ولا لغيره أن يقول في دين الله تعالى بغير علم)) .

ومنهم : أبو عبد الله محمد بن القاسم التونسي المالكي ، قال : (( النيّة من أعمال القلوب، فالجهر بها بدعة ، مع ما في ذلك من التشويش على الناس )) .

ومنهم : الشيخ علاء الدّين بن العطّار قال : ورفع الصّوت بالنيّة مع التشويش على المصلّين حرام إجماعاً ، ومع عدمه بدعة قبيحة ، فإن قصد به الرّياء كان حراماً من وجهين ، كبيرة من الكبائر ، والمنْكِرُ على مَنْ قال بأن ذلك من السنّة مصيب ، ومصوّبة مخطئ ، ونسبته إلي دين الله اعتقاداً كفر ، وغير اعتقاد معصية . ويجب على كل مؤمن تمكَّن مِن زجره ، ومنعه وردعه ، ولم ينقل هذا النقل عن رسول اللهr ، ولاعن أحدٍ من أصحابه ، ولا عن أحد ممن يقتدى به من علماء الإسلام )))1(.

وكذلك التلفّظ بالنيّة سرّاً لا يجب عند الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين ، فلم يقل أحد بوجوب ذلك ، لا في الطهارة ولا في الصلاة ولا الصوم .

سأل أبو داود الإمام احمد ، فقال : بقول المصلّي قبل التكبير شيئاً؟ قال: لا)2(.

قال السيوطي : ((ومن البدع أيضاً : الوسوسة في نيّة الصّلاة ، ولم يكن ذلك من فعل النبي r ولا أصحابة ، كانوا لا ينطقون بشيء من نية الصلاة بسوى التكبير . وقد قال تعالى :

)لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة ((1) .

وقال الشافعي رضي الله عنه :الوسوسة في نية الصّلاة والطهارة من جهلٍ بالشرع ،أو خبلٍ بالعقل ))(2).

وللتلفظ بالنيّة آثار سيّئة كثيرة ، فترى المصلّي ينطق بنيّة الصلاة واضحة مفسّرة ، ثم يهمُّ بالتكبير ، فيظن أنه يستحضر النيّة .

قال ابن الجوزي :((ومن ذلك : تلبيسه عليهم في نية الصّلاة . فمنهم مَنْ يقول : أُصلّي صلاة كذا ، ثم يعيد ، هذا ظنّاً منه أنه قد نقض النية ، والنية لا تنقض ، وإن لم يرض اللفظ . ومنهم : مَنْ يكبّر ثم ينقض ثم يكبر ثم ينقض ، فإذا ركع الإمام كبر الموسوس وركع معه ، فليت شعري ! ما الذي أحضر النية حينئذ ؟! وما ذاك إلا لأن إبليس أراد أن يفوته الفضيلة . وفي الموسوسين مَنْ يحلف بالله لا كّبرتُ غير هذه المرّة . وفيهم مَنْ يحلف بالله بالخروج من ماله أو بالطلاق ، وهذه كلها تلبيسات إبليس . والشريعة سمحة سهلة سليمة من هذه الآفات ، وما جرى لرسول الله r ولا لأصحابه شيء من هذا ))(3) .

وسبب هذا الوسواس : أن النيّة تكون حاضرةً في قلب هذا الموسوس ، ويعتقد أنها ليست في قلبه ، فيريد تحصيلها بلسانه ، وتحصل الحاصل محال !

وقد غلط أبو عبد الله الزّبيري من الشافعيّة على الإمام الشافعي – رحمه الله تعالى – إذ خرّج وجهاً من كلام الإمام زاعماً أنه يوجب التلفّظ بالنيّة في الصّلاة ! والسبب في غلطه : سوءُ فهمه لعبارة الشافعي .

فعبارة الشّافعي هذا نصّها : إذا نوى حجّاً وعمرة أجزأ ، وإنْ لم يتلفّظ وليس كالصّلاة لا تصح إلا بالنّطق ))(4).

قال النووي : ((قال أصحابنا : غلط هذا القائل ، وليس مراد الشافعي بالنّطق في الصّلاة هذا ، بل مراده التكبير ))(5) .

وقال بن أبي العزّ الحنفي : (( لم يقل أحد من الأئمة الأربعة ، لا الشّافعيّ ولا غيره باشتراط التلفّظ بالنيّة ، وإنما النيّة محلّها القلب باتّفاقهم ، إلا أن بعض المتأخرين أوجب التلفّظ بها ، وخرج وجهاً في مذهب الشافعي ! قال النووي رحمه الله : وهو غلط ، انتهى . وهو مسبوق بالإجماع قبله ))(1) .

وقال ابن القيم : (( كان r إذا قام إلى الصّلاة ، قال : (( الله أكبر )) ولم يقل شيئاً قبلها ، ولا تلفَّظ بالنيّة البتة . ولا قال : أصلي لله صلاة كذا مُستقبل القبلة أربع ركعات إماماً أو مأموماً ، ولا قال : أداءً ولا قضاءً ، ولا فرض الوقت ، وهذه عشرُ بدع ، لم يَنْقُل عنه أحد قط بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ ولا مسندٍ ولا مرسلٍ لفظةً واحدةً منها البتة ، بل ولا عن أحدٍ من أصحابه ، ولا استحسنه أحدٌ من التّابعين ، ولا الأئمة الأربعة وإنما غَرَّ بعضَ المتأخرين قولُ الشافعي - رضي الله عنه - في الصّلاة : إنها ليست كالصّيام ولا يدخل فيها أحدُ إلا بذكر ، فظنّ أن الذّكر تلفُّظُ المصلّي بالنّية وإنما أراد الشافعيُّ - رحمه الله – بالذّكر : تكبيرة الإحرام ، ليس إلا ، وكيف يستحِبُّ الشافعيُّ أمراً لم يفعله النبي r في صلاة واحدة ، ولا أحدٌ من خلفائه وأصحابه ، وهذا هديُهم وسيرتُهم ، فإن أَوْجَدَنا أحدٌ حرفاً واحداً عنهم في ذلك ، قبلناه ، وقابلناه بالتّسليم والقبول ، ولا هديَ أكملُ من هديهم ، ولا سنة إلا ما تلقَّوه عن صاحب الشّرع r ))(2) .

نخلص مما تقدّم إلى : أن نصوص العلماء على اختلاف الأمصار والأعصار على أن الجهر بالنيّة بدعة(3) ، ومن قال بسنّيته فقد غلط على الإمام الشافعي .

وعلى هذا الأدلة من السنة النّبويّة .

عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : كان رسول الله r يستفتح الصَّلاة بالتّكبير(4) .

عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته ، عندما قال له : علّمني يا رسول الله . قال له : إذا قمت إلى الصّلاة فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة ، فكبّر ، ثم

اقرأ بما تيسر معك من القرآن(1).

وعن عبد اللّه بن عمر – رضي اللّه عنهما- قال : رأيت النَّبيَّ r افتتح التكبير في الصلاة ، فرفع يديه(2) .

فهذه النصوص و مثلها كثير عن الرسول r تدلّ على افتتاح الصّلاة بالتكبير ، وأنه لم يقل قبلها شيئاً . ويؤكد ذلك : إجماع العلماء على أنه إذا خالف اللسان القلب ، فالعبرة بما في القلب (3)، فما الفائدة من النطق بالنيّة إذا كان الإجماع قد انعقد على أنه لا عبرة به إذا خالف ما استقرَّ في القلب ؟ !

[ 2/17 ] وتجدر الإشارة هنا إلى تناقض مَنْ يقول بوجوب مقارنة النية للتكبير مع استحباب أو وجوب التلفظ بها ، إذ كيف سينطق بالنيّة في الوقت الذي يكون لسانه مشغولاً بالتكبير ؟! هذا محال .

قال ابن أبي العزّ الحنفي : (( قال الشافعي رحمه الله : لايجوز ما لم يكن الذّكر اللساني مقارناً للقلبي . وأكثر النّاس عاجزون عن ذلك باعترافهم . والذي يدّعي المقارنة ، يدّعي ما يردّه صريح العقل . وذلك أن اللسان ترجمان ما يحضر بالقلب ، والمترجم عنه سابق قطعاً على أن الحروف الملفوظ بها في النيّة ، منطبقة إلى آخر الزّمان ، وهي منقضية منصرمة ، لا تتصور المقارنة بين أنفسها ، فكيف تتصور مقارنتها لما يكون قبلها ؟!))(4) .


 

[18] * عدم تحريك اللسان في التكبير وقراءة القرآن وسائر أذكار الصّلاة :

[1/18] من الأخطاء الشائعة في الصّلاة :

عدم تحريك اللسان في التكبير وقراءة القرآن والأذكار والاكتفاء بتمريرها على القلب !! وكأن الصّلاة أفعال فحسب ، وليس فيها أقوال ولا أذكار !! وإلى هذا ذهب ابو بكر الأصم و سفيان بن عيينة(5) ، حتى قالا : يصح الشروع في الصلاة من غير تكبير !!

وجه قولهما : أن قوله تعالى : ( و أقيموا الصّلاة ) مجمل ، بيّنة النَّبيُّ r بفعله ، ثم قال : ((

صلوا كما رأيتموني أُصلّي )) (1) و المرئي هو الأفعال دون الأقوال، فكانت الصلاة اسماً للأفعال، و لهذا تسقط الصّلاة عن العاجز عن الأفعال ، وإن كان قادراً على الأذكار ، ولو كان على القلب لا يسقط ، و هو الأخرس !! و هذا القول من الأقوال الشّاذة ، التي تخالف النّصوص الشرعيّة : فقوله تعالى : ( فاقرءوا ما تيسّر من القرآن ) (2) يرده إذ مطلق الأمر للوجوب ، وقد قيّد النبي r مطلق هذا الأمر ، فقال : (( لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب )) (1) .

وأما قوله r : ((صلوا كما رأيتموني أُصلّي )) فالرؤية أُضيفت إلى ذاته لا إلى الصّلاة ، على أنا نجمع بين الدلائل ، فتثبت فرضية الأقوال بما ذكرنا . والقراءة فرض في الصلوات كلها عند عامة العلماء وعامة الصحابة رضي الله عنهم(4) .

ولو كان تمرير الآيات على القلب مجزئاً في الصلاة – وهيهات – لما قال النبي r للمسيء صلاته : ((ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ))(5) إذ القراءة غير التمرير ، ومن مقتضيات القراءة – في اللغة والشرع – تحريك اللسان ، كما هو معلوم ، ومنه :

قوله تعالى : }لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ {
(6) .

ولهذا قرر العلماء المانعون الجنب من قراءة القرآن ، جواز تمرير الآيات على القلب ، إذ أن التمرير غير القراءة ..

قال النووي رحمه الله تعالى : ((يجوز للجنب والحائض والنفساء إجراء القرآن على القلب من غير لفظ ،وكذلك النظر في المصحف ، وإمراره على القلب ))(1) .

(( أما قراءة الرّجل في نفسه ، ولم يحرك بها لسانه ، ليس بقراءة [على] الصحيح ، لأن القراءة إنما هي النّطق باللسان ، وعليها تقع المجازاة ، والدّليل على ذلك :

قول الله – عزَّ وجَلَّ - : } لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ {
(2).

وقول النبي r : (( تجاوز الله لأمتي عما حدّثت به أنفسها ))(3) .

فكما لا يؤاخذ الإنسان بما حدّثت به نفسه من الشر ، و لا يضره ، فكذلك لا يجازى على ما حدّث به نفسه من القراءة أو الخير ، المجازاة التي يجازي بها على تحريك اللسان بالقراءة و فعل الخير )) (4).

وقال النووي : (( . . . وأما غير الإمام ، فالسنّة الإسرار بالتكبير ، سواء المأموم والمنفرد ، وأدنى الإِسرار : أن يسمع نفسه ، إذا كان صحيح السّمع ، ولا عارض عنده من لغطٍ وغيره ، وهذا عام في القراءة ، والتكبير ، والتسبيح في الركوع وغيره، والتشهد ، والسلام ، والدعاء، سواء

واجبها ونفلها ، لا يحسب شيء منها حتى يسمع نفسه ، إذا كان صحيح السمع ولا عارض ، فإن لم يكن كذلك ، رفع ، بحيث يسمع لو كان كذلك ، لا يجزئه غير ذلك . هكذا نصّ عليه الشافعي .

واتّفق عليه الأصحاب . قال أصحابنا : ويستحب أن لا يزيد على إسماع نفسه . قال الشافعي في «الأم» : يسمع نفسه ومن يليه ، لا يتجاوزه ))(5) .

وقد نص الشافعيّة على أن الطارئ خرسه ، يجب عليه أن يحرك لسانه بالتكبير و القراءة والتشهد و غيرهما ، لأن ذلك يتضمن نطقاً و تحريك اللسان ، فما تعذّر فهو عفو ، و ما يقدر عليه

، فلا بدّ من الإِتيان به (1).

و اشتراط إسماع القارئ نفسه – حيث لا مانع – ذهب إليه الجمهور ، ويكفي عند المالكية أن يحرك بالقراءة لسانه ، و الأولى أن يسمع نفسه ، مراعاةً للخلاف (2).

و إذا تقرر هذا :

[ 2/18 ] عُلِمَ خطأ ذلك الرأي الفقهي القائل : أنه يجوز لمن نام عند صاحبه أو قريبه ، واستيقظ جنباً ، أن يصلّي بالحركات ، دون تحريك اللسان و التلفظ بشئ ، خوفاً من الريبة ، التي ربما ستلحق بالضّيف !!

و هذا رأي لبعض أئمة الحنفية ، فالمروي عن أبي يوسف – رحمه الله – أنه أجاز للمسافر و الضيف ، الذي خاف الريبة ، الصلاة مع عدم وجوب الغسل ، إذا احتلم و أمسك ذكره ، عندما أحسّ بالاحتلام ، إلى أن فترت شهوته ، ثم أرسله .

قال ابن عابدين : (( قوله هذا خلاف الراجح في المذهب ))(3).


 

[ 19 ] * جملة من أخطائهم في القيام :

تتعدّد أخطاءُ المصلّين في حالة وقوفهم بين يدي ربهم عزّ وجلّ ، فتارة يتركون السنن ، و يعرضون عن الحق و الصواب وصفة صلاة رسول الله r ، و تارة أُخرى يقتحمون المكروهات ، ويحسبونها من السنة ، أو هكذا وجدوا آباءهم يفعلون !!

[ 1/19] * ترك رفع اليدين عند التحريمة و الركوع و عند الرفع منه :

فبعضهم يترك رفع اليدين عند التحريمة ( تكبيرة الإحرام ) ، و عند الركوع و الرفع منه ، وبعد القيام من التشهد الأول ، وربما تجد قسماً من هؤلاء التّاركين هذه السنة في صلاتهم ، يفعلونها حال كون رفعها من الأخطاء ، مثل : رفع اليدين في تكبيرات الصّلاة على الميت(4) ، والتكبيرات الزوائد في صلاة العيد(5)!!

وبعضهم يحتجّ بأحاديث ليس لها أصل ، أو على غير وجهها ، في تركهم رفع اليدين عند

الركوع والقيام منه .

من مثل : ((من رفع يديه في الصّلاة ، فلا صلاة له))(1)

و من مثل : قول ابن عمر – رضي الله عنهما - : أرأيتم رفعكم أيديكم في الصّلاة هكذا ، و الله إنها لبدعة ، و ما زاد رسول الله r على هذا شيئاً قط ، وأومأ حماد إلى ثديية(2).

فهو فضلاً عن ضعفه لا يصلح الاحتجاج به في المسألة ، قال ابن حبان : ((وقد تعلق بهذا جماعة ممن ليس الحديث صناعتهم ، فزعموا أن رفع اليدين في الصّلاة عند الركوع ، و عند رفع الرأس منه ، بدعة ، وإنما قال ابن عمر : أرأيتم رفعكم أيديكم في الدعاء بدعة يعني إلى أذنيه ، ما زاد رسول الله r على هذا – يعني ثدييه- هكذا فسره حماد بن زيد ، وهو ناقل الخبر)) ثم ذكر الحديث ، وزاد : ((والعرب تسمّي الصّلاة دعاء، فخبر حماد هذا ، أراد به الدّعاء ، و الدليل على صحة ما قلتُ ، ثم ذكر عن الحسن بن سفيان بسنده عن ابن عمر قال : والله ما رفع نبيُّ الله r يديه فوق صدره في الدعاء . جوّد الحسين بن واقد – أحد رواته – حفظه ، وأتى الحديث على جهته ، كما ذكرنا))(3).

ومما يجعل قول أبن حبان متعيّناً ، أن الثّابت عن ابن عمر : أن رسول الله r كان إذا افتتح الصّلاة ، رفع يديه حذْوَ منكبيه ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما أيضاً كذلك(1) .

ورواه من الصّحابة نحو خمسين رجلاً ، منهم : العشرة المبشرون بالجنّة(2) .

قال الإمام البخاري : ((قال الحسن وحميد بن هلال : كان أصحاب رسول الله r يرفعون أيديهم ، لم يستثن أحداً من أصحاب النبي r دون أحد ))(3) .

وقال : ولم يثبت عند أهل النظر ممن أدركنا من أهل الحجاز وأهل العراق ، منهم : الحميدي وابن المديني وابن معين واحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ، وهؤلاء أهل العلم من بين أهل زمانهم ، فلم يثبت عند احد منهم ، علم في ترك رفع الأيدي عن النبيr ، ولا عن احد من

الصحابة ، أنه لم يرفع يديه(4) .

وقال ابن القيم : (( وانظر إلى العمل في زمن رسول الله r و الصحابة خلفه ، و هم يرفعون أيديهم في الصلاة عند الركوع و الرفع منه ، ثم العمل في زمن الصحابة بعد ، حتى كان عبد الله بن عمر إذا رأى من لا يرفع حصبه . وهو عمل كأنه رأي عين ))(5).

و قال المروزي : (( أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة ))(6).

وقال الإمام الشافعي : (( لا يحل لأحد سمع حديث رسول الله r في رفع اليدين في افتتاح

الصلاة و عند الركوع و الرفع من الركوع ، أن يترك الاقتداء بفعله r ))(1).

وعن عبد الملك بن سليمان قال : سألت سعيد بن جبير عن رفع اليدين في الصّلاة ، فقال : هو شئ تزيّن به صلاتك(2).

وقال الكشميري : ((واعلم أن الرفع متواتر إسناداً و عملاً ، ولم ينسخ منه ولا حرف))(3).

فاحرص – أخي المصلّي – على سنّة نبيّك ، وهي (( سنة متواترة )) على حد تعبير الإمام الذهبي(4)- ودع عنك القيل و القال ، و كثرة المراء و الجدال ، فقد وصل الخلاف في هذه المسألة عند الهمج الرّعاع أن همّوا بقتل فاضل من العلماء ، و عالم من الفضلاء !!

قال ابن العربي المالكي : ولقد كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع ، و عند رفع رأسه منه ، فحضر عندي يوماً بمحرس ابن الشوّاء بالثّغر ، موضع تدريسي عند صلاة الظهر ، و دخل المسجد من المحرس المذكور ، فتقدّم إلى الصف الأول ، و أنا في مؤخره قاعد على طاقات البحر ، اتنسم الرّيح من شدّة الحر ، و معه في صف واحد أبو ثمنة رئيس البحر و قائده مع نفرٍ من أصحابه ، ينتظر الصلاة . فلما رفع الشيخ يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه ، قال أبو ثمنة لأصحابه : ألا ترون إلى هذا المشرقي ، كيف دخل مسجدنا ؟! فقوموا إليه فاقتلوه ، وارموا به البحر ، فلا يّراكم أحد . فطار قلبي من بين جوانحي ، وقلت : سبحان الله هذا الطُّرطُوشي ، فقيه الوقت !!

فقالوا لي : ولم يرفع يديه ؟ فقلت : كذلك كان النبي r يفعل ، وهو مذهب مالك في رواية أهل المدنية عنه* ، وجعلت أسكنهم وأسكتهم حتى فرغ من صلاته ، وقمت معه إلى المسكن من المحرس ، ورأى تغير وجهي فأنكره ، وسألني ، فأعلمتُه ، فضحك ، وقال : من أين لي أن أقتل

على سنة ؟ فقلت له : لا يحل لك هذا ، فإنك بين قومٍ إن قمت بها قاموا عليك ، وربما ذهب دمك

! فقال : دع هذا الكلام ، وخذ في غيره(1) .

والسنّة رفع الأيدي ممدودة الأصابع ، لايفرج بينها ولا يضمّها ، وكان r يجعلهما حذو منكبيه ، وربما كان يرفعهما حتى يحاذي بهما فروع أذنيه ، وكان يرفع يديه تارة مع التكبير ،وتارة بعد التكبير ، وتارة قبله(2) .

[2/19] * إسبال اليدين وعدم وضعهما على الصّدر أو تحته وفوق السرّة :

عن سهل بن سعد قال : كان النّاس يؤمرون أن يضع الرجل اليمنى على ذراعه اليسرى في الصَّلاة(3).

وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن رسول الله r قال : إنا معشر الأنبياء أمِرنا أن

نُؤخّر سحورنا ، ونُعجِّل فطرنا ، وأن نُمسِك بأيماننا على شمائلنا في صلاتنا(4) .

من هذين الحديثين : يتبين لنا خطأ من يرسل يديه ، إذ أن وضع اليد اليمنى على اليسرى من هدي نبينا r ، وهدي الأنبياء قبله(5) .

قال ابن عبد البر : لم يأت عن النبي r فيه خلاف ، وهو قول الجمهور من الصحابة والتّابعين ، وهو الذي ذكره مالك في ((الموطأ)) ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره ، وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال ، وصار إليه أكثرُ أصحابه ، وعنه التفرقة بين الفريضة والنّفل(6)، ومنهم من كره الإمساك . ونقل ابن الحاجب أن ذلك حيث يمسك معتمداً لقصد الرّاحة (7).

وذكر المالكية في رواية سنيّة القبض في الفرض و النفل : أنها ((الأظهر ، لأن الناس كانوا يؤمرون به في الصّدر الأول))(1).

و المشهور في كتب المتأخرين من المالكيّة : أن وضع اليدين تحت الصدر ، فوق السرة ، مندوب للمصلّي المتنفل ، وكذا للمفترض ، إن قصد بالوضع الاتباع ، أو لم يقصد شيئاً ، أما إن قصد الاعتماد و الاتكاء على يده بوضعهما كره له ذلك .

قال الباجي من كبار المالكية : (( وقد يحمل قول مالك بكراهة قبض اليدين على خوفه من اعتقاد العوام ، أن ذلك ركن من أركان الصلاة ، تبطل الصلاة بتركه )) .

فلعل من يتأمل جميع هذه الآراء في هذه المسألة ، يعلم علماً قاطعاً أنهم جميعاً يعترفون بأن سنّة النبي r هي وضع اليدين أمام المصلي ، لا إرسالهما بجنبه ، و أن الإمام مالك قال بإرسالهما – إنْ صَحَّ هذا عنه – ليحارب عملاً غير مسنون ، وهو قصد الاعتماد ، أو اعتقاداً فاسداً ، وهو ظنّ العامي وجوب ذلك ، وإلا فهو – على التحقيق – لم يقل بالإرسال البتة ، وهذا غلط عليه في فهم عبارة (( المدونة )) ، و خلاف منصوصه المصرّح به في (( الموطأ )) القبض ، و قد كشف عن هذا جمع من المالكية و غيرهم في مؤلَّفات مفردة ، تقارب ثلاثين كتاباً ، سوى الأبحاث التابعة في الشروح و المطولات (*).

وبعد … أليس اللائق بعد كلّ ما سبق أن يترك إخواننا المالكيّون إرسال أيديهم ، ظنّاً منهم أنهم يحافظون على سنّة ! و بذلك يتفقون مع بقيّة إخوانهم المسلمين (2).

ومن السنّة : وضع اليدين على الصّدر ، ووضع اليد اليمنى على ظهر كفّه اليسرى و الرّسغ و السّاعد.

عن وائل بن حجر قال : لأنظرنّ إلى رسول الله r كيف يصلّي ، قال : فنظرتُ إليه ، قام فكبّر ، ورفع يديه ، حتى حاذتا أُذنيه ، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفّه اليسرى و الرسغ و السّاعد (3).

والمراد : أنه وضع يده اليمنى على كفّ يده اليسرى ورسغها و ساعدها(1).

وثبت عنه r أنه كان – أحياناً – يقبض باليمنى على اليسرى(2) .

ففي هذا الحديث دليل على أن من السنّة القبض ، و في الحديث الأول الوضع ، فكل سنة ، ومن أخطاء بعض المصلين : الجمع بين القبض و الوضع ، وصورته : أن يضع يمينه على يساره ، آخذاً رسغها بخنصره وإبهامه ، ويبسط الأصابع الثلاث ، كما في بعض كتب المتأخرين (3).

ودلّ الحديثان السّابقان : أن وضع اليدين على الصّدر هو الذي ثبت في السنة ، و خلافه إما ضعيف و إما لا أصل له (4)، وقد عمل بهذه السنة الإمام إسحاق بن راهويه ، فقال المروزي في (( المسائل)) (5):

((كان إسحاق يوتر بنا .. و يرفع يديه في القنوت ، ويقنت قبل الركوع ، و يضع يديه على ثدييه أو تحت الثديين)) و قريب منه ما روى عبد الله بن أحمد في ((مسائله))(6) قال : ((رأيت أبي إذا صلى وضع يديه إحداهما على الأُخرى فوق السرّة))(7).

قال العلامة ابن أمير الحاج الذي تبع شيخه ابن الهمام في التحقيق وسعة الاطلاع في (( شرح المنية)) : إن الثابت من السنّة : وضع اليمين على الشمال ، ولم يثبت حديث يوجب تعيين المحل الذي يكون الوضع فيه من البدن إلاَّ حديث وائل المذكور ، وهكذا قال صاحب ((البحر الرائق)) كذا في ((فتح الغفور)) (8).

وقال الشوكاني : ((ولا شئ في الباب أصح من حديث وائل المذكور ، وهو المناسب لما أسلفنا من تفسير علي وابن عباس لقوله تعالى : }فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ { بأن النحر وضع اليمين على الشمال في محلّ النحر و الصدر))(1).

و الحكمة في هذه الهيئة : أنه صفة السائل الذليل ، وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع ، ومن اللطائف قول بعضهم : القلب موضع النيّة ، و العادة أن من احترز على حفظ شئ جعل يديه عليه(2).


*ترك دعاء الاستفتاح و الاستعاذة قبل قراءة الفاتحة .

كثير من عوامّ المصلّين يتركون دعاء الاستفتاح للصّلاة و الاستعاذة ، وذلك من مستحبات الصّلاة .

و الظاهر مشروعية الاستعاذة في كلّ ركعة ، لعموم قوله تعالى :

} فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ {
(3).

وهو الأصح في مذهب الشافعية ، ورجحه ابن حزم (4).

[ 3/19 ] * تكرير الفاتحة :

يكره للمصلّي تكرير الفاتحة ، كلاً أو بعضاً ، لأنه لم ينقل عنه r ولا أصحابه ، وهذا مذهب جمهور العلماء ، و عليه الأئمة الأربعة ، و في بطلان الصلاة به خلاف ، ولا أعلم له دليلاً ، وهو قول عند الحنابلة ، وإن كررها سهواً سجد للسهو عند الحنفية و الشافعية ، وكذا إن كررها عمداً عند الشافعية ، و يأثم عند الحنفية ، وعليه إعادة الصّلاة لرفع الإثم . ويحرم تكريرها عمداً عند المالكية ، ولا تبطل به الصلاة ، وإن كررها سهواًً سجد للسهو ، و لعله الراجح (5).

[4/19 ] * رفع البصر إلى السّماء أو النظر إلى غير مكان السجود :

ومن أخطاء المصلّين : رفع البصر إلى السماء ، أو النظر إلى الأمام ، أو عن اليمين و الشّمال ، مما يسبب السّهو و حديث النّفس ، وقد ورد الأمر بخفض البصر ، و النّظر إلى موضع السجود(1)، إلا في حالة الجلوس للتشهد ، فإن النّظر يكون إلى الإشارة بالسبابة لا يتجاوزها ، فقد ثبت في هديه r في الصلاة : ((لا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إشَارتَهُ))(2).

وسئل العز بن عبد السلام : إي حجة لمن يقول : يستحب للمصلّي أن ينظر في ركوعه إلى قدمه ، وفي سجوده إلى أنفه ، وفي قعوده إلى حجره من حديث أو أثر أو حكمة ؟ فأجاب في ((الفتاوى)) : (ص 68) ما نصه : ((ليس هذا قولاً صحيحاً ، ولا حجة لقائله من كتاب ولا سنّة ، والله أعلم)) .

عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : سألت رسول الله r عن الالتفات في الصّلاة ، قال : هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد( 3).

وعن أنس – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله r : ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السّماء في صلاتهم ، فاشتدّ قوله في ذلك ، حتى قال : لينتهُنَّ عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم (4).

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله r قال : لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدّعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم (5).

وعن جابر بن سمرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله r : لينتهين أقوام يرفعون

أبصارهم إلى السماء في الصلاة ، أو لا ترجع إليهم (6).

في هذه الأحاديث : النهي الأكيد ، والوعيد الشديد ، عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة ، وقد نقل الإجماع في النهي عن ذلك(1).

ويكره أن يلتفت المصلّي في صلاته لغير حاجة(2)، للحديث الأول ، إذ أضيف الالتفات إلى الشيطان ، لأن فيه انقطاعاً من ملاحظة التوجّه إلى الحق سبحانه ، وسمي فعله ذلك : ((اختلاساً)) وهو ما يؤخذ سلباً مكابرة، أو الذي يخطف من غير غلبة ويهرب ولو مع معاينة المالك له ، والناهب يأخذ بقوّة ، والسارق يأخذ في خفية ، فلما كان الشيطان قد يشغل المصلي عن صلاته بالالتفات إلى شيء ما بغير حجة يقيمها ، أشبه المختلس ، وسمي ((اختلاساً)) تصويراً لقبح تلك الفعلة بالمختلس ، لأن المصلي يقبل عليه الربّ ـ سبحانه وتعالى ـ والشيطان مرتصد له ، ينتظر فوات ذلك عليه ، فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة فسلبه تلك الحالة(3) .

ولا تبطل الصلاة بالالتفات ، إلا أن يستدير بجملته عن القبلة أو يستدبر القبلة ، قال ابن عبد البر: وجمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصّلاة إذا كان يسيراً .

ويكره أيضاً أن يصلّي على شيء يلهيه أو في مكان صور ، أو على سجادة فيها صور ونقوش ، أو إلى مكان عليه صور ، كما تقدم في ((جماع أخطاء المصلّين في أماكن صلاتهم)) خوفا من نقص الخشوع ، أو ترك استقبال القبلة ببعض البدن .

[ 5/19] * تغميض العينين في الصّلاة .

قال ابن القيم : ((ولم يكن من هديه r تغميضُ عينيه في الصّلاة ، وقد تقدّم انه كان في التشهد يُومئ ببصره إلى أصبعه في الدّعاء ، ولا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إشارَتَهُ))(4) .

وقال الفيروز آبادي : ((كان r يفتح عينه المباركة في الصَّلاة ، ولم يكن يغمضها كما يفعله بعض المتعبّدين))(5) .

ودلّت كثير من الأحداث على أنه لم يكن يغمض عينيه في لصّلاة ، مثل : مدّ يده في صلاة

الكسوف ليتناول العنقود لما رأى الجنّة ، وكذلك رؤيته النار وصاحبة الهرة فيها ، وحديث مدافعته للبهيمة التي أرادت أن تمرّ بين يديه ، وردّه الغلام والجارية ، وكذلك أحاديث ردّ السلام بالإشارة على مَنْ سلّم عليه وهو في الصّلاة ، فإنه كان يشير إلى من يراه ، وكذلك حديث تعرُّض الشيطان له ، فأخذه فخنقه ، وكان ذلك رؤية عين ، فهذه الأحاديث وغيرها ، يستفادُ من مجموعها بأنه لم يكن يُغْمِضُ عينيه في الصلاة .

وقد اختلف الفقهاء في كراهته ، فكرهه الإِمامُ أحمد و غيره ، و قالوا : هو فعل اليهود ، و أباحه جماعة ولم يكرهوه ، و قالوا : قد يكون أقربَ إلى تحصيل الخشوع الذي هو روحُ الصّلاة و سرُّها و مقصودُها .

و الصّواب أن يُقال : إنْ كان تفتيح العين لا يُخِلُّ بالخشوع ، فهو أفضل ، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة و التّزويق أو غيره مما يُشوش عليه قلبه ، فهنالك لا يُكره التغميضُ قطعاً ، والقول باستحبابه في هذا الحال أقربُ إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة ، والله أعلم(1).

[6/19] * كثرة الحركة والعبث في الصّلاة .

ومن أخطاء المصلّين : الحركة الزّائدة في الصّلاة التي لا حاجة لها ، سوى العبث واللهو والإعراض عن الخشوع في الصّلاة ، كتشبيك الأصابع ، وتنظيف الأظافر ، والتحريك المستمر للقدمين ، وتسوية العمامة أو العقال ،والنظر في الساعة ،وربط الإزار ،ونحو ذلك مما يبطل أجرها .

((والخشوع هو لبّ الصّلاة وروحها ، فالمشروع للمؤمن أن يهتم بذلك ،ويحرص عليه ، أما تحديد الحركات المنافية للطمأنينة و للخشوع بثلاث حركات فليس ذلك بحديث عن النبي r ، وإنما ذلك من كلام بعض أهل العلم ، و ليس عليه دليل يعتمد . ولكن يكره العبث في الصّلاة ، كتحريك الأنف و اللحية و الملابس و الاشتغال بذلك ، وإذا كثر العبث و توالى أبطل الصلاة .. أما إن كان قليلاً عرفاً ، أو كان كثيراً ، ولكن لم يتوال ، فإن الصلاة لا تبطل به ، ولكن يشرع للمؤمن أن يحافظ على الخشوع ، و يترك العبث ، قليله و كثيره ، حرصاً على تمام الصلاة و كمالها))(2).

وقد رأى النبي r أقواماً يعبثون بأيديهم في الصلاة ، و يحركونها من غير حاجة ، فقال لهم :

((ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْسٍ(1) ، اسكنوا في الصّلاة))(2) .

ففي هذا الحديث : الأمر بالسكون في الصلاة ، و الخشوع فيها ، و الإقبال عليها .

و من المناسب في هذا المقام : أن أُشير إلى وضع ذلك الحديث الدّارج على ألسنة كثير من المسلمين ، يزعمون : أن النبي r رأى رجلاً يعبث بلحيته وهو في الصلاة ، فقال : لو خشع قلب هذا ، لخشعت جوارحه .

وهذا حديث موضوع ، عزاه السيوطي في ((الجامع الصغير)) : (5/319 ـ مع شرحه ) للحكيم و أشار إلى ضعفه ، وقال شارحه المناوي : ((قال الزين العراقي في ((شرح الترمذي)) : فيه سليمان بن عمرو هو أبو داود النخعي ، متفق على ضعفه ، وإنما يعرف هذا عن ابن المسيب ، و قال في ((المغني)) : سنده ضعيف ، والمعروف أنه من قول سعيد .

ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) و فيه رجل لم يسم . وقال ولده : فيه سليمان بن عمرو مجمع على ضعفه . وقال الزيلعي : قال ابن عدي : أجمعوا على أنه يضع الحديث)) (3).

قلت : وهو موقوف على سعيد عند ابن المبارك في ((الزهد)) عن رجل عنه ، بل و هذا سند ضعيف لجهالة الرجل ، فالحديث موضوع مرفوعاً ، ضعيف موقوفاً بل مقطوع (4).

ومن أخطاء المصلين في حالة وقوفهم بين يدي ربهم – سبحانه و تعالى – العجلة الزّائدة في قراءة الفاتحة ، وعدم إتقانهم لها على الوجه الصحيح ، بإسقاط بعض الحروف ، أو بلحنهم الجلي تارة والخفي تارة أُخرى ، و سيأتيك تفصيل ذلك في مبحث ((جماع أخطاء المصلين في صلاة الجماعة)) إن شاء الله تعالى .


 

[20 ] * جملة من أخطائهم في الرّكوع و القيام منه :

يقع كثير من المصلّين في مجموعة مخالفات عند الركوع و القيام منه واستدعى ذلك التنبيه عليها ، لا سيما أن بعضاً منها من الأركان و الواجبات ، وهي :

[ 1/20 ] * عدم تعمير الأركان .

يكره عند الجمهور للمصلّي تأخير الأذكار المشروعة في الانتقال من ركن إلى ركن إلى غير محلّها ، بأن يكبّر للركوع بعد إتمامه ، و يقول : سمع الله لمن حمده بعد اعتداله ، لأن السنّة ـ عندهم ـ تعمير الركن بذكره ، بأن يبتدئ بالذّكر ثم يشرع بالركوع أو السجود (1).

وقالت المالكية : إن ذلك خلاف المندوب .

قلت : واحرص ـ أخي المصلي ـ على تكبيرات الانتقال ، وإياك أن تتهاون فيها ، أو أن تضعها في غير موضعها .

قالت الحنابلة : إنه مبطل للصلاة إن تعمده ، و يجب عليه سجود السهو إن فعله ساهياً ، لأن تعمير الأركان بالذّكر واجب عندهم ( 2).

و الراجح : ما ذهب إليه الحنابلة ، إذ عدُّ هذه التكبيرات من السنن ، ينافي أمر النبي r المسيء صلاته بها ، كما جاء في روايةٍ لأبي داود وغيره من حديث رفاعة بن رافع (3)، فهي إذن واجبة ، و مؤيّد بعموم قوله r ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) .

وقد قرر الإمام الشوكاني في ((نيل الأوطار))(4) ثم في ((السيل الجرار)) (5) أن الأصل في جميع الأمور الواردة في حديث المسيء صلاته الوجوب ، وفد نصّ الشوكاني نفسه في ((النيل)) أن هذه التكبيرات مما جاء فيه في بعض الروايات ، ثم نسي ذلك في ((السيل)) فذكرها (1/ 227 ـ 228) في جملة السنن !!

فسبحان ربّي لا يضلّ ولا ينسى ، وقد ذهب إلى الوجوب الإِمام أحمد ، كما حكاه النووي

في ((المجموع)) (1)عنه ، واحتجّ له بالعموم السابق ، و خفي عليه حديث المسيء ، فإنه قال محتجّاً عليه لمذهبه : ((ودليلنا على أحمد : حديث المسيء صلاته ، فإن النبي r لم يأمره بتكبيرات الانتقال ، و أمره بتكبيرة الإحرام)) !! فلم يتنبه لرواية أبي داود وغيره(2) .

وقد جاءت هذه التكبيرات في أحاديث كثيرة ، منها :

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : كان رسول الله r إذا قام إلى الصّلاة يكبّر حين يقوم ، ثم يكبر حين يركع ، ثم يقول : سمع الله لمن حمده ، حين يرفع صُلبَه من الرّكعة ، ثم يقول وهو قائم : ربَّنا لك الحمد – وقال بعض الرواة : ولك الحمد – ثم يكبّر حين يهوي ، ثم يكبّر حين يرفع رأسه ، ثم يكبر حين يسجد ، ثم يكبّر حين يرفع رأسه ، ثم يفعل ذلك في الصّلاة كلّها حتى يقضِيَها ، و يكبّر حين يقوم من الثِّنتَين بعد الجلوس (3) .

و الحكمة في شرعية تكرار التكبير : تنبيه المصلّي على أن الله سبحانه أكبر من كل كبير ، و أعظم من كل عظيم ، فلا ينبغي التشاغل عن طاعته بشيء من الأشياء ، بل ينبغي الإقبال عليها بالقلب و القالب ، و الخشوع فيها تعظيماً له سبحانه ، و طلباً لرضاه (4).

[ 2/20] ومن أخطاء المصلّين في تركهم تعمير الأركان ، ما قاله النووي بعد ذكره أن رسول الله r كان إذا قال سمع الله لمن حمده ، قال : اللهم ربنا ولك الحمد ، و حديث ((صلّوا كما رأيتموني أُصلي)) قال : ((فيقتضي هذا مع ما قبله : أن كلّ مصلّ يجمع بينهما ، و لأنه ذكر يستحب للإمام فيستحب لغيره، كالتسبيح في الرّكوع و غيره ، ولأن الصّلاة مبنيّةٌ على أن لا يفتر عن الذّكر في شيء منها ، فإن لم يَقُلْ بالذّكرَيْن في الرفع و الاعتدال ، بقي أحد الحالين خالياً عن الذّكر .

و أما الجواب عن قوله r : ((و إذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد)) فقال أصحابنا : فمعناه : قولوا ربنا لك الحمد مع ما قد علمتموه من قول : ((سمع الله لمن حمده)) وإنما خصّ هذا بالذّكر ، لأنهم كانوا يسمعون جهر النبي r بسمع الله لمن حمده ، فإن السنة فيه الجهر ، ولا يسمعون قوله : ((ربنا لك الحمد)) ، لأنه يأتي به سراً ، وكانوا يعلمون قوله r : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) مع قاعدة التأسي به r مطلقاً ، وكانوا يوافقون في ((سمع الله لمن حمده)) فلم يحتج إلى الأمر به ، ولا يعرفون ((ربنا لك الحمد)) فأمروا به ، والله أعلم))(1) انتهى .

قلت : من الواضح أن في حديث أبي هريرة السابق ((… ثم يقول : سمع الله لمن حمده ، حين يرفع صلبه من الركعة ، ثم يقول وهو قائم : ربنا ولك الحمد)) ذكرين اثنين :

أحدهما : قوله : ((سمع الله لمن حمده)) في اعتداله من الركوع .

و الآخر : قوله : ((ربنا ولك الحمد)) إذا استوى قائماً .

فإذا لم يقل المقتدي ذكر الاعتدال ، فسيقول مكانه ذكر الاستواء ، وهذا أمر مشاهد من جماهير المصلّين ، فإنهم ما يكادون يسمعون منه ((سمع الله لمن حمده)) إلا سبقوه بقولهم : ((ربنا ولك الحمد)) وفي هذا مخالفة صريحة للحديث ، فإن حاول أحدهم تجنّبها وقع في مخالفة أخرى ، وهي إخلاء الاعتدال من الذّكر المشروع فته بغير حجّة(2).

[3/20] * عدم الطمأنينة في الركوع و الاعتدال منه .

عن زيد بن وهب قال : رأى حذيفةُ رجلاً لا يُتِمُّ الرّكوع و السجود ، قال : ما صلَّيت ، ولو مُتَّ مُتَّ على غير الفطرة التي فطر الله محمداً r
(3).

ففي هذا الأثر : وجوب الطمأنينة في الركوع و السجود ، وأن الإخلال بها مبطل ، لأنه قال له : ((ما صليت)) وهو نظير قوله r للمسيء صلاته ، كما في الحديث الآتي :

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : إن النبي r دخل المسجد ، فدخل رجل ، فصلّى ، ثم جاء فسلّم على النبي r ، فردّ عليه السلام ، فقال : ارْجِعْ ، فَصَلِّ ، فإنّك لم تُصَلّ ، ثلاثاً .

فقال : والذي بعثك بالحقّ ، ما أحسن غيره ، فعلّمني . قال : إذا قُمتَ إلى الصَّلاة ، فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة فَكبِّر ، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن ، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (1).

فيه : دليل على وجوب الطمأنينة ، وأن مَنْ تركها ، لم يفعل ما أُمر به، فيبقى مطالباً بالأمر .

و تأمل أمره بالطمأنينة في الركوع و الاعتدال في الرفع منه ، فإنه لا يكفي مجرد الطمأنينة في ركن الرفع حتى تعتدل قائماً . فلم يكتف من شرع الصلاة بمجرد الرفع حتى يأتي به كاملاً ، بحيث يكون معتدلاً فيه(2).

وهذا الخطأ – أعني : عدم الطمأنينة في الاعتدال من الركوع – يقع فيه من يشار إليه ، أو يظن به العلم !! لا سيما في صلاة النافلة .

قال القرطبي : ((ينبغي للإنسان أن يحسن فرضه ونفله ، حتى يكون له نفل يجده زائداً على فرضه يقرّبه من ربه ، كما قال سبحانه وتعالى : ((وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتى أحبه . . . .)) . فأما إذا كان نفل يكمل به الفرص ، فحكمه في المعنى حكم الفرض . ومن لا يحسن أن يصلّي الفرض ، فأحرى وأولى ألا يحسن التّنفّل ، لا جرم تنفل الناس في أشدّ ما يكون من النقصان والخلل ، لخفته عندهم ، وتهاونهم به ، حتى كأنّه غير معتدٍ به !! ولعمر الله ، قد يشاهد في الوجود ، مَنْ يشار إليه ، ويظن به العلم ، تنفّله كذلك ، بل فرضه ، إذ ينقره نقر الدّيك ، لعدم معرفته بالحديث ، فكيف بالجهّال الذين لا يعلمون ؟!

وقد قال العلماء :ولا يجزئ ركوع ولا سجود ، ولا وقوف بعد الركوع ، ولا جلوس بين السجدتين ، حتى يعتدل راكعاً وواقفاً وساجداً وجالساً . وهذا هو الصحيح في الأثر ، وعليه جمهور العلماء ، وأهل النّظر))(3).

وقد جاءت أحاديث صحيحة في وجوب الاعتدال عند القيام من الركوع.

عن أبي مسعود البدري – رضي الله عنه – قال :قال رسول لله صلى الله عليه وسلم: لا تُجزئ صلاةُ الرجّل ، حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود(1).

وهذا نص صريح في أن الرفع من الركوع و السجود ، والاعتدال فيه ، و الطمأنينة فيه ركن ، لا تصح الصّلاة إلا به(2).

وقد جعل رسول الله r لص الصّلاة و سارقها شراً من لص الأموال و سارقها .

عن أبي قتادة قال : قال رسول الله r : أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته ، لا يتم ركوعها ولا سجودها ، ولا خشوعها ، أو قال : لا يقيم صلبه في الركوع و السجود (3).

فصرح بأنه أسوأ حالاً من سارق الأموال ، ولا ريب أن لص الدين شر من لص الدنيا (4).

وقد نهى النبي r عن نقر المصلّي صلاته ، وأخبر أنه صلاة المنافقين .

عن عبد الرحمن بن شبل قال : نهى رسول الله r عن نقرة الغراب ، وافتراش السبع . وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير (5).

وعن علاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر ، وداره بجنب المسجد ، فلما دخلنا عليه قال : أصليتم العصر ؟ فقلنا له : إنما انصرفنا الساعة من الظهر . قال : فَصَلُّوا العصر ، فقمنا فصلّينا ، فلما انصرفنا ، قال : سمعت رسول الله r يقول : تلك صلاة المنافق ، يجلس يَرْقُبُ الشّمس ، حتى إذا كانت بين قَرْني الشيطان ، قام فنقرها أربعاً ، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً(6).

وحالة من ينقر صلاته، كما هو مشاهد عند بعض المصلّين ، أن يمر بالأركان مرّ السهم ، لا يزيد على (( الله أكبر )) في الركوع و السجود بسرعة ، ويكاد سجوده يسبق ركوعه ، وركوعه يكاد يسبق قراءته ، وربما ظن الاقتصار على تسبيحة واحدة أفضل من ثلاث !!

و أني ـ والله ـ سمعت مراراً و تكراراً و ممن يقتدى به !! في بعض الأحايين ـ التلفظ بالتحميد ، عندما تكاد تصل الجبهة إلى الأرض ، و التأمين على الفاتحة ، عند النزول للركوع ، وكأن رجلاً يلاحقه بعصا ، وما علم أنه بفعله هذا كالمستهزئ اللاعب !!

وحكي قديماً عن بعضهم !!. أنه رأى غلاماً يطمئن في صلاته ، فضربه ، وقال :لو بعثك السلطان في شغل ، أكنت تبطئ في شغله مثل هذا الإبطاء ؟

وهذا كله تلاعب بالصّلاة ، وتعطيل لها ، وخداع من الشيطان ،وخلاف لأمر الله ورسوله ، حيث قال الله تعالى }وَأَقِيمُواْ الصَّلاَة {
(1) فأمرنا بإقامتها ، وهو الإتيان بها قائمة تامة القيام والركوع والسجود والأذكار ، وقد علّق الله – سبحانه – الفلاح بخشوع المصلي في صلاته ، فمن فاته خشوع الصلاة ، لم يكن من أهل الفلاح ، ويستحيل الخشوع مع العجلة والنّفر قطعاً ، بل لا يحصل الخشوع قطّ إلا مع الطمأنينة ، وكلما زاد طمأنينة ، ازداد خشوعاً ، وكلما قلّ خشوعه ، اشتدّت عجلته ، حتى تصير حركة يديه بمنزلة العبث الذي لا يصحبه خشوع ولا إقبال على العبودية ( 2).

وأكثر ما يقع فيه الناس ترك القومة بعد الركوع ، وترك الجلسة بين السجدتين ، أو عدم الطمأنينة فيهما ، قال الإمام علي القاري رحمه الله : (( ثم اعلم أنّ أكثر الناس تركوا القومة و الجلسة فضلاً عن الطمأنينة ، فإنها صارت كالشريعة المنسوخة ، حتى يسمي العامة فاعلها من أرباب الرياء و السمعة !! ))(3) .

أما الركوع ، فقد وردت في كيفيته أحاديث ، منها :

عن ابن عباس قال :سأل رجل النبي r عن شيء من أمر الصلاة ؟ فقال له رسول الله r :

إذا ركعت فضع كفّيك على ركبتيك حتى تطمئن ، وإذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض ، حتى تجد حجم الأرض (4).

وورد في صفة ركوعهr : أنه كان إذا ركع سوّى ظهره ، حتى لو صُبَّ عليه الماءُ لاستقرَّ(1).

ومنه تعلم خطأ بعض المصلين عندما يعملون على تدلية رؤوسهم ، و أن الصّواب تسوية الظهر ، مع عدم رفع الرأس ولا خفضه ، لأنه ورد أنه ((كان لا يصب رأسه ولا يقنع))(2) ولا بد من الطمأنينة في الركوع حتى تسترخي المفاصل .

فقد قال r للمسىء صلاته :((إنها لا تتم صلاةُ أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله .. ثم يكبّر .. ويركع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي ، ثم يقول : سمع الله لمن حمده ، ثم يستوي قائماً حتى يقيم صلبه …))(3) .

وأخيراً .. ((يجب أن يعلم أن الاطمئنان الواجب لا يحصل إلا بتحقيق ما يأتي :

1- وضع اليدين على الركبتين .

2- تفريج أصابع الكفّين .

3- مدّ الظّهر .

4- التمكين و المكث فيه حتى يأخذ كلُّ عضوٍ مأخذه .

وهذا كله ثابت في روايات عديدة))(4).

واعلم أن في ترك الطمأنينة آفات كثيرة في الدنيا و العقبى (5) ؛

منها : إيراث الفقير ، فإن تعديل أركان الصلاة و تعظيمها من أقوى الأسباب الجالبة للرزق الحلال ، وتركه من الأمور السّالبة له على وجه الكمال .

ومنها : إيراث البغض لمن يرى من العلماء و الفضلاء ، لا سيما من المشايخ ، ومن يدّعي أنّّه من الصّلحاء ، و سقوط حرمته عندهم ، حيث لا يبقى له اعتماد على أقوالهم وأفعالهم .

ومنها : إهانة نفسه وإضاعة حق غيره بسقوط شهادته ، فإن من اعتاد ترك القومة أو الجلسة أو الطمأنينة في أحدهما صار مصرّاً على المعصية ، فلا تقبل له الشهادة .

ومنها : إيقاع الناس في المعصية ، فإنه يجب الإنكار على كل قادر يرى منكراً ، فإذا لم ينكر صار سبب لمعصية الغير .

ومنها : إظهار المعصية للناس في كل يوم وليلة مرات كثيرة ، وهو أبعد من المغفرة،لأنها معصية ، وإظهارها معصية أخري ، بخلاف المعصية المخْفِيّة ، فإنها للمغفرة أحرى .

ومنها : وجوب الإعادة أو فرضيتها ، فإذا لم يعدها تعددت المعصية وكثرت المصيبة .

ومنها : ضرر اقتداء العالم به ، على ظن أنه العالم بحكمه ، فلولا أنه جاز تركه لما أصرّ عليه مثله ، فيكون ضالاً مضلاً .

ومنها : أن العجلة من الشيطان ، والتؤدة من الرحمن .

ومنها : أنه سبب لإتيان الأذكار المشروعة في الانتقالات ، بعد تمام الانتقال ، وهو مكروه ، كما صرح به في ((التاتارخانية)) ،بل قال في ((المنية)) : فيه كراهتان : تركها عن موضعها ، وإتيانها في غير محلّها . وتوضيحة : أنه ـ مثلاً ـ إذا ترك القومة أو الطمأنينة فيها ، يقع التسميع والتحميد ـ أو هما معاً ـ حين الانخفاض ، بل قد يقع التكبير بعد السجود ، والسنة أن يقع التسميع حين رفع الرأس ، والتحميد حين الطمأنينة .

ومنها : أنه باعث لِلَحْن في الأذكار ، وهو حرام بلا خلاف . وبيانه : أن الإسراع يوجب ترك الحركة ، أو تحريك السكون بلا مهلة ، بل قد يقتضي ترك الحرف ، من غاية السرعة ، وهو إنْ كان مغيّراً للمعنى فمبطل ، وإلا فمكروه وفعل مضلّ . إذا عرفت هذا ، فاعلم مجملاً وقِسْ عليه مفصّلاً : أنك إذا اقتصرت في يوم وليلة على الفرائض المكتوبة والسنن المؤكدة يكون عدد ركعاتك اثنتين وثلاثين ركعة ، وفي كل ركعة قومة وجلسة ، فلو تركت طمأنينة كل منهما تكون قد ارتكبت أربعة وستين معصية ، فكيف إذا انضم إلى ذلك عدم الطمأنينة في الركوع والسجود ؟!

[4/20] * ومن أخطاء المصلّين عند الاعتدال من الركوع : زيادة لفظه ((والشكر)) عند قولهم : ((ربنا ولك الحمد)) وهذه الزّيادة لم تثبت عن رسول الله r .

[5/20] * القنوات الرّاتب وتركه عند النّوازل .

اعتمد القائلون بمشروعية القنوات الراتب على حديث أنس رضي الله عنه قال : ما زال رسول الله r يقنت في الصبح حتى فارق الدّنيا(1) .

وهذا لم يصح ، لأن مدارة على أبي جعفر الرازي : قال ابن المديني : كان يخلط . وقال أبو زرعة : كان يهم كثيراً . وقال ابن حبان : كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير(1).

ولا يحتج بما تفرد به أحدّ من أهل الحديث البتة ، ولو صح ، لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين البتة، فإنه ليس فيه أن القنوت هذا الدعاء ، فإن القنوت يطلق على القيام والسكوت ودوام العبادة والدعاء والتسبيح والخشوع ،

كما قال تعالى : ) وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ {(2) .

وقال تعالى : }أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ{(3).

وقال تعالى : } وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ {(4) .

وقال زيد بن أرقم : لما نزل قوله تعالى : }وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ {(5)أُمرنا بالسّكوت ، ونُهينا عن الكلام(6) .

وأنس ـ رضي الله عنه ـ لم يقل : لم يزل يقنت بعد الركوع رافعاً صوته : ((اللهم اهدني فيمن هديت . . .)) إلى آخره ، ويؤمّن مَنْ خلفه ، ولا ريب أن قوله : ((ربنا ولك الحمد ، ملء السماوات ، وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد ، أهل الثّناء والمجد ، أحقّ ما قال العبد ،. . .)) إلى آخر الدّعاء والثناء الذي كان يقوله ، قنوتٌ ، وتطويلُ هذا الرّكن قنوت ، وتطويل القراءة قنوت ، وهذا الدّعاء المعيّن قنوت ، فمن أين لكم أن أنساً إنما أراد هذا الدّعاء المعيّن دون

سائر أقسام القنوت ؟!

ولا يُقال : تخصيصُه القنوت بالفجر دون غيرها من الصلوات دليل على إرادة الدعاء المعين ، إذ سائر ما ذكرتم من أقسام القنوت مشترك بين الفجر وغيرها ، وانس خصَّ الفجر دون سائر الصلوات بالقنوت ، ولا يمكن أن يقال : إنه الدّعاء على الكفار ، ولا الدعاء للمستضعفين من المؤمنين ، لأن أنساً قد أخبر أنه كان قنت شهراً ثم تركه ، فتعيَّن أن يكون هذا الدعاء الذي داوم عليه هو القنوت المعروف .

الجواب من وجوه :

أحدها : أن أنسا قد أخبر أنه r كان يقنت في الفجر والمغرب ، كما ذكره البخْاري ، فلم يخصص القنوت بالفجر ، وكذلك ذكر البراء بن عازب سواء(1) فما بال القنوت اختص بالفجر ؟!

فإن قلتم : قنوت المغرب كان قنوتاً للنوازل لا قنوتاً راتباً . قال منازعوكم من أهل الحديث : نعم ، كذلك هو ، وقنوتُ الفجر سواء ، وما الفرق ؟

قالوا : ويدل على أن قنوت الفجر كان قنوت نازلة ، لا قنوتاً راتباً : أن أنساً نفسه أخبر بذلك ، و عمْدَتُكم في القنوت الراتب إنما هو أنس ، وأنس أخبر أنه كان قنوت نازلة ثم تركه .

ففي ((الصحيح)) عن أنس قال : قنت رسولُ الله r شهراً يدعو على حيّ من أحياء العرب ، ثم تركه (2) .

الثاني : أن أنساً أخبر أنهم لم يكونوا يقنتون ، وأن بدء القنوت هو قنوتُ النبي r يدعو على رِعل وذَكوان .

ففي ((الصحيحين)) من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال :

بعث رسول الله r سبعين رجلاً لحاجة ، يقال لهم القُرَّاء ، فعرض لهم حيَّانِ من بني سليم ورِعل وذَكوان عند بئر يقال له : بئر معونة ، فقال القوم : والله ما إيّاكم أردنا ، وإنما نحن مجتازون في حاجة لرسول الله r ، فقتلوهم ، فدعا رسولُ الله r شهراً في صلاة الغداة ، فذلك بدءُ القنوت ، وما كنا نقنتُ (1) .

فهذا يدلّ على أنه لم يكن من هديه r القنوت دائماً ، وقول أنس : فذلك بدء القنوت ، مع قوله : قنت شهراً ثم تركه ، دليل على أنه أراد بما أثبته من القنوت قنوتَ النوازل ، وهو الذي وقّته بشهر ، وهذا كما قنت في صلاة العتمة شهراً ، كما في حديث أبي هريرة : أن رسول الله r قنت في صلاة العتمة شهراً يقول في قنوته : اللهم أَنْجِ الوليد بن الوليد ، اللهم أَنْجِ سلمة بن هشام ، اللهم أَنْجِ عيّاش بن أبي ربيعة ، اللهم أَنْجِ المستضعفين من المؤمنين ، اللهم اشدد وطْأَتَكَ على مُضَرَ ، اللهم اجعلها عليهم سنين كَسِني يوسف .

قال أبو هريرة : وأصبح ذات يوم فلم يدعُ لهم ، فذكرتُ ذلك له ، فقال : أو ما تراهم قد قَدِموا(2).

فقنوته في الفجر كان هكذا ، لأجل أمر عارض و نازلة ، ولذلك وقتّه أنس بشهر .

وقد ثبت عن أبي هريرة أنه قنت لهم أيضاً في الفجر شهراً (3) .

والحاصل في المسألة : أنه لما صار القنوتُ في لسان الفقهاء ، وأكثر الناس ، هو هذا الدّعاء المعروف :: اللهم اهدني فيمن هديت … إلى آخره ، وسمعوا أنه لم يزل يقنُت في الفجر حتى فارق الدنيا ، وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصّحابة ، حملوا القنوت في لفظ الصحابة على القنوت في اصطلاحهم ، ونشأ مَنْ لا يعرف غير ذلك ، فلم يشك أن رسول الله r وأصحابه ، كانوا مداومين عليه كلّ غداة ، وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهورُ العلماء ، وقالوا : لم يكن هذا من فعله الراتب ، بل ولا يثبت عنه أنه فعله(4).

والعجب ترك الأحاديث الصحيحةِ الصريحة بقنوت النّوازل ، والعمل بالحديث الذي لم يثبت في القنوت الراتب(5) !!

[ 6/20 ] * (( وقد ترك الناس القنوت في النوازل التي تنزل بالمسلمين ، وما أكثرها في هذه العصور ، في شؤون دينهم و دنياهم ، حتى صاروا من تفرّقهم ، وإعراضهم عن التعاون ، حتى بالدّعاء في الصّلوات ، صاروا كالغرباء في بلادهم ، وصارت الكلمة فيها لغيرهم . والقنوت في النوازل بالدعاء للمسلمين ، و الدعاء على أعدائهم ثابت عن النبي r في الصلوات كلها ، بعد قوله : (( سمع الله لمن حمده )) في الركعة الآخرة ))(1) كما قدمنا في حديث أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما .

قال الأثرم : سمعت أبا عبد الله يقول لما سئل عن القنوت في الفجر ، فقال : إذا نزل بالمسلمين أمر ، قنت الإِمام وأمَّن مَنْ خلفه ، ثم قال : مثل ما نزل بالناس من هذا الكافر ، يعني بابك (2) .

وقال إسحاق الحربي : سمعتُ أبا ثور يقول لأبي عبد الله أحمد بن حنبل : ما تقول في القنوت في الفجر ؟ فقال أبو عبد الله : إنما يكون القنوت في النّوازل .فقال له أبو ثور : وأي نوازل أكثر من هذه النّوازل التي نحن فيها ؟ قال : فإذا كان كذلك ، فالقنوت(3) .

وقال عبد الله ابن الإِمام أحمد : قلت لأبي : يقنت في الغداة على ما قنت النبيّ r : دعا على المشركين ، واستنصر للمسلمين ؟فقال : لا بأس إذا قنت الإِمام قنتوا(4) .

قال ابن الهمام : يجب أن يكون بقاء القنوت في النّوازل مجتهداً فيه ، لأنه لم ينقل عنه من قوله r إلا قنوت في نازلة بعد هذه ، بل مجرد العدم بعدها ، فيتجه الاجتهاد أن ذلك إنما هو لعدم وقوع نازلة بعده يستدعي القنوت ، فتكون شرعيته مستمرة ، وهو محمل قنوت مَنْ قنت بعد وفاته r
(5) .

فقد ثبت أن أبا بكر قنت عند محاربة مسيلمة . وكذلك قنت عمر و عليّ ومعاوية للنوازل .

وقال النووي : ((واعلم أن المنقول عن عمر – رضي الله عنه - : ((عذّب كفرة أهل الكتاب)) ، لأن قتالهم ذلك الزمان مع كفرة أهل الكتاب ، وأما اليوم فالاختيار أن يقول : (( عذّب الكفرة)) فإنه أعمّ))(1) .

[ 7/20 ] * ولم يرد عن صحابة رسول الله r حال القنوت في الصلاة إلا التأمين ، ومن أخطاء المأمومين زيادة عبارات لم يرد بها الأثر ، وإنما هي مجرد نظر ، من مثل قولهم : ((حق)) و ((أشهد)) !! وكذلك قلب أيديهم(2) عند الدعاء على الكفرة ، أو عند الدعاء برفع الشر أو البلاء .

[ 8/20 ] * ومن أخطاء المصلّين في القنوت فتح عين ((ولا يَعِزّ)) في دعاء القنوت .

سئل السيوطي في الدعاء القنوت ((ولا يعز من عاديت)) هل هو بكسر العين أو فتحها ؟

فقال : ((الجواب : هو بكسر العين مع فتح الياء ، بلا خلاف بين العلماء ، من أهل الحديث واللغة والتّصريف ، وألَّفتُ في ذلك مؤلَّفاً سمّيتُه أولاً : ((الإعراض والتولّي عمن لا يحسن يصلّي)) ثم عدلت عن هذا الاسم . وسميته : ((الثبوت في ضبط القنوتُ))(3) .

ومن الخطأ أيضاً : ضم عينها ، كقول بعضهم ((يَعُزّ)) فتنبه .

ومن الجدير بالذكر هنا أن هذه اللفظة ثابتة عند البيهقي وغيره ، وهذا مما فات النووي في ((روضة الطالبين)) : (1/253) فذكر أنها زيادة من العلماء !!

[9/20] ومن الخطأ أيضاً : مسح الوجه بعد الدّعاء ، حتى قال العز بن عبد السلام : ((ولا يمسح وجهه بيديه عقيب الدّعاء إلا جاهل))(4) .

[10/20] * ومن الخطأ أيضاً : تخصيص القنوت في النصف الثاني من رمضان في الوتر . وهذا مشهور عند الشافعية ، وبه قال الزهري ، وهو رواية عن مالك وأحمد ، ولكنهما رجعا عنه ، والدليل الوارد في ذلك ضعيف ، رواه أبو داود في ((سننه)) : (2/65) ، وفيه انقطاع ، إذ رواه الحسن عن عمر ، و الحسن لم يدركه .

وكذا ورد فيه حديث عن أنس قال : ((كان رسول الله r يقنت في النصف الآخر من رمضان ….)) .

وراويه عن أنس أبو العاتكة ، وهو ضعيف ، و لذا قال صاحب ((عون المعبود)) : ((وأبو عاتكة ضعيف ، قال البيهقي : لا يصح إسناده)) (1). نعم ، لقنوت الوتر في النصف الثاني من رمضان حالة خاصة ، دل عليه أثر في ((صحيح ابن خزيمة)) (2/155 ـ 156) رقم (1100) بسند صحيح ، ولكن القنوت ليس مختصاً في هذا الوقت ، ومنحصراً به ، في الوتر ، بل هو مشروع في السنة كلها .

[11/20] * و مِنْ خَلْطِ كثير من النّاس و خبطهم أنهم يقولون في قنوت النوازل ((اللهم اهدني فيمن هديت ، …)) ولا شك أن هذا الدعاء لا يتناسب وحال النازلة ، بل هذا الدعاء محله قنوت الوتر فقط ، ولا ينبغي أن يزاد عليه شىء ، مثل قول كثير من الأئمة فيه : ((فلك الحمد على ما قضيت ، أستغفرك و أتوب إليك)) ، فهذا مما ينبغي إن لا يقال في قنوت الوتر فضلاً عن قنوت صلاة الفجر ، وقوفاً عند الثابت عنه r ، أما الصلاة على رسول الله r فقد ثبتت في حديث إمامة أُبيّ بن كعب الناس في قيام رمضان في عهد عمر رضي الله عنه ، فهي من عمل السلف وإنْ ضعفها ابن حجر .

ومن الجدير بالذّكر أن القنوت في الوتر يكون قبل الركوع ، وفي النازلة بعده ، إلا في النصف الثاني من رمضان فإن له شبهاً بالقنوتين . إذا وقعت بالمسلمين نازلة ، كما في الأثر رواه ابن خزيمة(2) .

ومن الأخطاء في القنوت ، حتى عند القائلين بسنيته في الفجر على وجهٍ راتب !! – تطويله ورفع الصوت الزائد به ، ولقد سمعتُ – والله – من بعض من يشار إليه بالبنان ، في حال إمامته للفجر ، ودعائه في القنوت – غير المشروع كما قدمنا – كأنه يخطب يوم الجمعة ، ويقول صبحكم ومساكم ، هذا عدا تطويله ، وهكذا الشر ، فلا يلد عنه إلا مثله ، فإلى الله المشتكى .


 

[ 21] * جملة من أخطائهم في السجود :

تتعدد أخطاء المصلّين في السجود ، وفيما يلي محاولة حصر لتلك المخالفات ، ولو كان أغلبها من سنن الصلاة ومكملاتها .

[1/21] * عدم تمكين أعضاء السجود من الأرض .

عن العباس بن عبد المطلب : عن النبي r قال :أُمرتُ أن أسجد على سبع(1): الجبهة و الأنف و اليدين و الركبتين و القدمين (2) .

فهذا الحديث : يدل على أن أعضاء السجود سبعة ، وأته ينبغي للساجد أن يسجد عليها كلها .

قال الشوكاني : وقد اختلف العلماء في وجوب السجود على هذه السبعة الأعضاء : فذهبت العترة و الشافعي في أحد قوليه إلى وجوب السجود على جميعها . وقال أبو حنيفة و الشافعي في أحد قوليه واكثر الفقهاء : الواجب السجود على الجبهة فقط ، والحق ما قاله الأولون (3) .وهذا هو الحق ، لقوله r :((لا صلاة لمن لم يمس أنفه الأرض))(4) .

ومنه تعلم : خطأ من يسجد على جبهته و يرفع أنفه ، أو يرفع قدميه عن الأرض ، أو يضع إحداهما فوق الأخرى ، دون أن تمس الأرض ، فلا يكون ساجداً إلا على خمسة أو ستة أعضاء ،

مع أن أعضاء السجود سبعة معروفة كما في الحديث السابق .

وقال للمسيء الصّلاة :((إذا سجدتَ فمكّن لسجودك))(5).

[ 2/21 ] * عدم الطمأنينة في السجود :

قد قدمنا في ((جملة أخطاء الركوع و القيام منه)) أنه r كان يحكم ببطلان صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع و السجود ، وأمر المسيء صلاته بالاطمئنان في السجود ، و أنه كان يقول فيه : إنه من أسوأ الناس سرقة .

ولا بد من الطمأنينة في السجود حتى يعود كل عظم إلى موضعه ، فقد قال r للمسيء صلاته : ((إذا أنت سجدت ، فأَثْبِتْ وجهك و يديك ، حتى يطمئن كلُّ عظم منك إلى موضعه))(1).

وجاء في صفة صلاة النبي r أنه ((كان يمكّن أنفه وجبهته من الأرض)) و ((كان يمكّن أيضاً ركبتيه و أطراف قدميه))(2).

والطمأنينة أن يكون السجود على الأعضاء السبعة المذكورة ، مع بسط الكفّين ، وعدم التفريج بين الأصابع ، و توجيههما قِبَل القبلة ، و أن يكونا حذو المنكبين أحياناً ، وحذو أذنيه أحياناً ، مع استقبال القبلة بأطراف أصابع القدمين ، ورص العقبين ، مع نصب الرجلين ، مع رفع الذراعين عن الأرض ، و مباعدتهما عن الجنبين ، حتى يبدو بياض الإبطين ، مع عود كل عضو – والمصلي على الحالة السابقة – إلى موضعه ، وتمكين الأعضاء التي على الأرض منها .

[3/21] * أخطاء في كيفية السجود :

تبيّن لنا من معالجتنا للخطأ السابق ، صفة السجود الصحيح ، و يقع بعض المصلين في مجموعة أخطاء ، فيخرجون عن صفة سجود النبي r ، ويقع بعضهم في بعض المنهيات ، وهو أقرب ما يكون من ربّه – سبحانه و تعالى - !!

و إليك تفصيل ذلك :

بعض المصلين يتركون سنة التجافي في السجود ، وصفة التجافي المطلوب : أن يرفع بطنه عن فخذيه ، ويبعد عضديه عن جنبيه ، بقدر ما يمكنه ، ولا يضايق من يليه ، وأن يرفع ذراعيه عن الأرض ، و يضع كفيه حذاء منكبيه أو أذنيه ، لا حذاء ركبتيه ، لكن لا يبالغ في التجافي كثيراً ، فيمد صلبه (ظهره) كهيئة المضطجع على بطنه ، بحيث يصل رأسه إلى الصف الذي أمامه ، و يكلّف نفسه بهذا الامتداد ( 1).

ومنه تعلم خطأ عدم التوسط في السجود بين المدّ و الاجتماع .

وبعضهم يتشبه بالحيوانات ، وهو في صلاته ! وهذا مشعر بالتهاون وقلة الاعتناء بالصّلاة ، فيصلّي وهو يلتفت كالتفات الثعلب ، أو يفترش ذراعيه في السجود كافتراش السبع ، أو ينقرها كنقرة الغراب ، أو يلزم مكاناً معيّناً من المسجد ، يتوطنه كما يتوطّن البعير ، أو يقعي كإقعاءِ الكلب ، أو يرفع يديه يميناً و شمالاً عند السلام ، كأذناب الخيل .

قال العلامة ابن القيم : ((جاءت الشريعة بالمنع من التشبّه بالكفار و الحيوانات و الشياطين و النساء و الأعراب وكل ناقض ، حتى نهى في الصلاة عن التشبه بشبه أنواع من الحيوان يفعلها ، أو كثيراً منها الجهّال))(2).

عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ عن النبي r قال : ((اعتدلوا في السجود ، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب)) (3) .

قال الإِمام النووي ـ رحمه الله تعالى ـ : مقصود الحديث أنه ينبغي للساجد أن يضع كفَّيه على الأرض ، ويرفع مرفقيه عن الأرض وعن جنبيه رفعاً بليغاً بحيث يظهر باطن إبطيه ، إذا لم يكن مستوراً ، وهذا أدب متفق على استحبابه ، فلو تركه كان مسيئاً مرتكباً للنهي والنهي للتنزيه وصلاته صحيحة ، والله أعلم . قال العلماء : والحكمة في هذا أنه أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض ، وأبعد من هيئات الكسالى ، فإنّ المنبسط كشبه الكلب ،
ويشعر حاله بالتهاون بالصلاة وقلّة الاعتناء بها ، والإقبال عليها ))(4) .

أما ترك نصب القدمين ، وضمهما وإلزاق العقبين ببعضهما ، والتوجّه بأطراف أصابعهما إلى القبلة(5) ، حال السجود ، فهو من السنن المهجورة عند كثيرين ، فلعلّهم عند قراءة هذه السطور يفعلون ، وفقنا الله جميعاً لسنة النبي الأمين صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أجمعين .

[4/21] * القول بوجوب كشف بعض أعضاء السجود أو بوجوب السجود على الأرض أو على نوع منها .

عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : كنّا نصلّي مع النبي r في شدّة الحرّ ، فإذا لم يستطع أحدُنا أن يمكن جهته من الأرض ، بسط ثوبه ، فسجد عليه(1) .

قال الشوكاني : ((وقد استدل بالحديث على جواز السجود على الثوب المتّصل بالمصلّي . قال النووي : وبه قال أبو حنيفة والجمهور ، وحمله الشافعي على الثّوب المنفصل .

ويجمع بين هذا الحديث ، وحديث : ((شكونا إلى رسول الله r حرّ الرّمضاء في جباهنا و أكفنا فلم يشكنا))(2).

بأن الشكاية كانت لأجل تأخير الصّلاة ، حتى يبرد الحر ، لا لأجل السجود على الحائل ، إذ لو كان ذلك ، لأذن لهم بالحائل المنفصل ، كما ثبت أنه كان r يصلي على الخمرة))(3).

وظاهر الحديث السابق : ((أُمرت أن أسجد على سبع . . .)) يدل على أنه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء ، لأن مسمى السجود يحصل بوضعها ، دون كشفها .

ومنه تعلم : أن الصلاة و أصابع اليدين بالكفوف لا مانع منها (4)، وأن ذلك كالصلاة و القدمان في الجوربين أو الخفين .

وقدمنا في مبحث ((جماع أخطاء المصلّين في أماكن صلاتهم)) أنه لم يرد حديث صحيح يدل على قداسة كربلاء ، و فضل السجود عليها ، وأن اتخاذ أقراص منها للسجود عليه عند الصّلاة ، من بدع الرافضة و شعارهم ، وصار علامة لمعشرهم . فينبغي اجتنابه لسببين :

أحدهما : نفس موافقتهم في البدعة .

و الآخر : رفع التّهمة .

[5/21] * رفع شىء للمريض ليسجد عليه .

عن عبد الله ابن عمر- رضي الله عنهما - قال : عاد رسول الله r رجلاً من أصحابه مريضاً ، وأنا معه ، فدخل عليه ، وهو يصلّي على عود ، فوضع جبهته على العود ، فأومأ إليه ، فطرح العود ، وأخذ وسادة ، فقال رسول الله r : دعها عنك (يعني : الوسادة) ، إن استطعت أن تسجد على الأرض ، وإلا فأوم إيماء ، واجعل سجودك أخفض من ركوعك(1) .

وذهب جمهور أهل العلم إلى كراهة سجود المريض على شيء يرفع إليه ، من وسادة أو عود ، أو نحو ذلك.

قال مالك في المريض الذي لا يستطيع السجود : أنه لا يرفع إلى جبهته شيئاً ، ولا ينصب بين يديه وسادة ولا شيئاً عليه(2) .

وقال الشافعي : لا يرفع إلى جبهته شيئاً ليسجد عليه ، لأنه لا يقال له ساجد ، حتى يسجد بما يلصق بالأرض ، فإن وضع وسادة على الأرض فسجد عليها أجزأه ذلك إن شاء الله تعالى(3) .

وكره للمريض أن يسجد على شيء يرفع إليه ، كثير من السلف ، وبعضهم اعتبر ذلك محدثاً لم يكن معروفاً في عهد النبي r .

عن عمر بن محمد قال : دخلنا على حفص بن عاصم نعوده في شكوى ، قال : فحدثنا قال : دخل عليّ عمي عبد الله بن عمر قال : فوجدني قد كسرتُ لي نمرقة - يعني الوسادة - قال وبسطت عليها خمرة ، قال : فأنا أسجد عليها . قال : فقال لي : يا ابن أخي لا تصنع هذا ,تناول

الأرض بوجهك فإن لم تقدر على ذلك ، فأومىء برأسك إيماء (4) .

وسئل رضي الله عنه عن صلاة المريض على العود ، فقال : لا آمركم أن تتخذوا من دون الله أوثاناً ، إن استطعت أن تصلّى قائماً ، وإلا فقاعداً ، وإلا فمضطجعاً(5) .

وعن عبد الله بن مسعود أنه دخل على أخيه يعوده وهو مريض ، فوجده يسجد على عود ، فطرحه ، وقال : إن هذا شيء عرض به الشيطان ، ضع وجهك على الأرض ، فإن لم تستطيع ، فأوم إيماءً .

وروى ابن أبي شيبة نحو ذلك عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ، وكرهه أيضاً الحسن البصري ويونس و شريح القاضي و عطاء بن أبي رباح ، وخلق كثير من الصحابة والتابعين(1).

وهذا الذي يتفق مع يسر الإسلام وسهولته ، ورفعه الحرج والمشقة عن المريض في الصلاة ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها . و قد بيّن النبي r بفعله و قوله رفع الحرج عن المريض في الصّلاة ، و صلى جالساً . ولم يرفع شيئاً يسجد عليه ، و أمر الصحابة إذا كان أحد منهم مريضاً أن يصلي على قدر طاقته ، بل قد نهى صحابته عن الصلاة على الوسادة و العود . ولا شك أن السجود على حجر أو عود أو وسادة و نحو ذلك ، فيه تشبه بأرباب الأوثان و الأصنام و أصحاب البدعة و الخرافات ، فلهذا لما سئل ابن عمر عن صلاة المريض على العود قال للسائل لا آمركم أن تتخذوا من دون الله أوثاناً .

والحق أنه إذا عجز المريض عن القيام و القعود للصّلاة ، صلّى على جنبه مومئاً ، ويستقبل القبلة حسب طاقته ، أو على ظهره مستلقياً(2).

ومن المفيد – بهذه المناسبة – أن أنبّه إلى أن بعض الناس يعجز عن السجود ، فيصلّي على كرسي ، وهذا لا مانع منه ، ولكن هنالك شرط ، وهو : إذا قدر على الوقوف في كل ركعة لقراءة الفاتحة وما بعدها فيجب عليه الوقوف في كل ركعة لأجل قراءتها ، إذ أنه لا يعفى الشخص عما يقدر عليه .

[6/21] * قول ((سبحان من لا يسهو و لا ينام)) في سجود السهو .

ومن أخطاء العوام في الصلاة : قول بعضهم عند سهوه في الصلاة ، في سجود السهو : (( سبحان من لا يسهو و لا ينام)) ولا يوجد لهذا القول أصل يعتمد عليه في الشرع .

قال صاحب ((السنن و المبتدعات))(3).

((ولم يحفظ عنه r ذكر خاص لسجود السهو ، بل أذكاره كسائر أذكار سجود الصّلوات . و أما ما يُقال من أنه يقول فيه : ((سبحان من لا يسهو ولا ينام)) فلم يفعله النبي r ولا أصحابه ، ولم يدل عليه دليل من السنّة البتة ، و إنما هو منام رآه بعض كبار مخرفي الصّوفية ، فلا تلتفتوا إليه ، وخذوا دينكم من كتب السنّة الصحيحة ، وما عداه فردّوه إلى قائله ، ثم إثبات هذا في المؤلفات ، و جعله ديناً وشرعاً ، ضلال كبير ، و فساد عريض)) .

[7/21] * خطأ في سبب سهو الإمام .

ومن المفيد أن أشير بهذه المناسبة إلى خطأ اعتقاد بعضهم أن سبب سهو الإمام في الصّلاة ، أو التباس القراءة عليه ، عدم إحسان المأمومين أو بعضهم الطهور ، ومعتمدهم في ذلك :

عن شبيب أبي روح عن رجل من أصحاب النبي r أنه صلّى صلاة الصبح ، فقرأ (الروم) ، فالتبس عليه ، فلما صلى قال : ما بال أقوام يصلّون معنا ، لا يحسنون الطهور ؟! فإنما يلبس علينا القرآن أولئك .

والحديث ضعيف ، فيه شبيب وهو ابن نعيم ، ويُقال ابن أبي روح ، وكنيته : أبو روح الحمصى ، قال ابن القطان : لا تعرف عدالته ، وفيه علّة أخرى(1) ، مع مخالفة متنه لظاهر قوله تعالى : } وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا{(2) .

[ 8/21] * خطأ في حكم سجود السهو .

ذهب بعض الفقهاء إلى أن سجود السهو مستحب وليس واجباً !! وهو قول مرجوح ، فالراجح أنه واجب لا مستحب ، لأمره صلى الله عليه وسلم به ، ومداومته عليه ،كلما وقع منه ما يقتضي السجود.

قال ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) : (23/26) : ((وأما وجوبه ، فقد أمر به النبي r في حديث أبى هريرة المتقدّم لمجرد الشك ، فقال : إذا قام أحدكم يصلى ، جاءه الشيطان ، فلبّس عليه صلاته ، حتى لا يدرى كم صلى فإذا وجد أحدكم ذلك ، فليسجد سجدتين وهو جالس)) وذكر أربعة أحاديث أخرى ، ثم قال : ((فهذه خمسة أحاديث صحيحة ، فيها كلها يأمر الساهي بسجدتي السهو ، وهو لما سهى عن التشهد الأول سجدها بالمسلمين قبل السلام ، ولما سلم في الصلاة من ركعتين أو من ثلاث ، صلى ما بقي ، وسجدها بعد الصلاة ، ولما ذكّروه أنه صلى خمساً سجدها بعد السلام والكلام .

وهذا يقتضى مداومته عليهما وتوكيدهما ، وأنه لم يدعهما في السهو المقتضي لهما قط ، وهذه دلائل بيّنة واضحة على وجوبهما ، وهو قول جمهور العلماء ، وهو مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة وليس مع من لم يوجبوهما حجة تقارب ذلك)) .

[9/21] * جملة أخطاء في كيفية سجود السهو ومكانة والأسباب الموجبة له .

اختلف الفقهاء في كيفية الأخذ بالأحاديث الواردة في سجود السهو ، فمنهم من قال : إنه يكون قبل السلام بإطلاق ! ومنهم من ذهب إلى أنه بعد السلام بإطلاق !! وأصح الأقوال وأظهرها ـ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوي)) : (23/24) ـ الفرق بين الزيادة والنقص ، وبين الشك مع التحرى ، والشك مع البقاء على اليقين ، وهذا إحدى الروايات عن أحمد ، وقول مالك قريب منه ، وليس مثله . فمن ترك التشهد الأول سجد قبل السلام ، ومن زاد سجد بعد السلام ، وإذا شك فتحرى سجد بعد السلام ، وإذا شك فبنى على اليقين سجد قبل السلام ، وإذا سلم من نقص سجد بعد السلام .

يقول ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ أيضاً : ((وهذا القول هو الذي يستعمل فيه جميع الأحاديث ، لا يترك منها حديث ، مع استعمال القياس الصحيح فيما لم يرد فيه نص ، وإلحاق ما ليس بمنصوص بما يشبهه من النصوص)) .

ومن الأخطاء التي تقع لبعض المصلين في الحالة التي ينبغي عليهم أن يسجدوا بعد السلام : تركه حال نسيانه ، فمن الفقهاء من قال : إذا طال الفصل لم يسجد ، ولم يبن ، ولم يحدّ هؤلاء طول الفصل لغير قولهم ، وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي و أحمد .

وقيل : يسجد ما دام في المسجد ، فإنْ خرج انقطع ، وهذا هو الذي ذكره الخرقي و غيره ، وهو منصوص عن أحمد ، وهو قول الحكم وابن شبرمة .

وقيل : كلٌّ منهما مانعٌ من السجود : طول الفصل ، و الخروج من المسجد .

وعن أحمد رواية أخرى : أنه يسجد ، و إنْ خرج من المسجد و تباعد ، وهو قول للشافعي ، وهذا هو الأظهر ، فإن تحديد ذلك بمكان أو بزمان لا أصل له في الشرع ، أفاده شيخ الإسلام في (( مجموع الفتاوى)) : (23/43) .

ومن الأخطاء أيضاً في الحالة السابقة قراءة التشهد بعد سجود السهو ، وقبل السلام ! نعم أخرج أبو داود في ((سننه)) : رقم (1039) و الترمذي في ((جامعه)) : رقم (395) وابن حبان في ((صحيحه)) : رقم (536 – موارد) وابن خزيمة في ((صحيحه)) : (2/134) والحاكم في (( المستدرك)) : (1/323) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) : (2/355) وابن الجارود في ((المنتقى)) : رقم (347) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري ثنا أشعث بن عبد الملك عن محمد بن سيرين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن المهلب عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : ((صلى رسول الله r بالناس ، فسها في صلاته ، فسجد سجدتي السهو ، ثم تشهد ، ثم سلّم ) ، إلا أن هذا حديث ضعيف شاذ .

وإنْ قال الحاكم : ((صحيح على شرط الشيخين)) ووافقه الذهبيُّ !!

قلت : لا ، وأشعث بن عبد الملك وإن كان ثقةً ، فإن مسلماً لم يُخرج له مطلقاً ، وعلَّق له البخاريُّ في ((الصحيح)) فلا يكونُ على شرط واحدٍ منهما . والله أعلم .

وقال الترمذيُّ : ((حديث حسنُ غريبٌ)) .

وفي بعض النسخ زيادة : ((صحيحُ)) .

قلت : وهذا السندُ وإن كان ظاهرُهُ الصحة ، فإن ذكر التشهد قبل السلام من سجود السهو شاذ ؛ لأن أشعث بن عبد الملك هو الذي تفرد بذكر التشهد في سجود السهو .

وقد صحّ الحديث بدون هذه الزيادة .

فأخرجه مسلم (574) ، وأبي عوانة (2/198-199) ، وأبو داود (1018) ، والنسائي ( 3/26) وابنُ ماجه ( 1215) ، وأحمد (4/427 ، 441 ، والطيالسيُّ (847) ، وابن خزيمة ( 2/130) ، وابنُ حبان (ج 4/رقم 2663) ، وابنُ الجارود (245) ، والطحاويُّ في ((شرح المعاني )) ( 1/442/443) ، والبيهقيُّ ( 2/335، 354 ، 355 ، 359 ) من طرقٍ عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وآلـه وسلم صلى صلاة العصر ثلاث ركعات ، فسلَّم ، فقيل له . فصلى ركعةً ، ثم سلَّم ، ثم سجد سجدتين ، ثم سلَّم)) .

وقد رواه عن خالد الحذَّاء جماعة منهم : ((شعبة ، ووهيب ، وابنُ عُلَيَّةَ ، والثقفي ، وهشيم ، وحماد بن زيد ، ومعتمر بن سليمان ، ويزيد بن زريع ، ومسلمة بن محمد و غيرهم)) .

فثيت بذلك أن الحديث ثابت بغير هذه الزيادة ، يدلُّ على ذلك أن محمد بن سيرين ، قيل له : فالتشهُّدُ ؟! – يعني بعد سجود السهو – قال : ((لم أسمع في التشهد شيئاً)) .

وقال ابنُ المنذر : ((لا أحسب التشهد في سجود السهو يثبُتُ)) .

وقال البيهقيُّ : ((أخطأ أشعث فيما رواه)) .

و أغرب ابن التركماني – رحمه الله – في ردِّه على البيهقيّ في ((الجوهر النقي)) إذ زعم أن هذه زيادة ثقة ، فيجب أن تقبل . وما ذكرتُه من التحقيق يردُّهُ .

وقال الحافظ في ((الفتح)) : ((زيادة أشعث شاذَّةٌ)) .

ثم رأيت النسائي (3/26) ، وابن خزيمة (2/134) رويا هذا الحديث من طريق أشعث بسنده المتقدم كرواية الجماعة عن خالد الحذاء يعني لم يذكر التشهد .

فهذا يؤكد شذوذ هذه الزيادة.

ولكن قال الحافظ في ((الفتح)) (3/99) : ((لكن قد ورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود و النسائيّ . وعن المغيرة عند البيهقيّ ، وفي إسنادهما ضعف ، فقد يُقال : إن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحُسْن . قال العلائي : وليس ذلك ببعيد)) ا . هـ .

قلت : ولا يُفهم من هذا أن الحافظ يميلُ إلى تقوية هذه الزيادة ، فإنه إنما أورد هذا الكلام على لسان من يُظن أنه يعترض على الحكم بشذوذها . وإن كان سكوت مثله ـ رحمه الله ـ عن سوق هذا الاعتراض بدون التعقب عليه غير سديد .

فلننظر في هذه الشواهد :

أولاً : حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ .

أخرجه النسائيُّ في الصلاة ـ من ((الكبرى)) ـ كما في ((تحفة الأشراف)) (7/158) ، وأبو داود (1028) ومن طريقه الدار قطنيُّ (1/378) ، والبيهقيُّ (2/336 ، 355 ، 356) من طريق محمد بن سلمة ، عن خُصيف ، عن أبي عبيدة ، عن أبيه عبد الله بن مسعود مرفوعاً : ((إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاثٍ أو أربعٍ ، وأكبرُ ظنك على أربع ، تشهدت ، ثم سجدت سجدتين و أنت جالسٌ قبل أن تُسلِّم ، ثم تشهدت أيضاً ثم تُسلِّمْ)) .

قال أبو داود : ((رواه عبدُ الواحد عن خصيف ، ولم يرفعه . ووافق عبد الواحد أيضاً

سفيان ، و شريك ، وإسرائيل . واختلفوا في متن الحديث ، ولم يسندوه)) .

قلت : يشير أبو داود إلى أنه اختلف عن خصيف في إسناده فالأكثرون رووه موقوفاً .

ورواية الثوري أخرجها عبد الرزاق في ((المصنف)) (2/314/3499) عنه ، عن خصيف ، عن أبي عبيدة ، عن ابن مسعود أنه تشهد في سجدتي السهو .

وأخرجه عبد الرزاق أيضاً (2/312) ، والبيهقيُّ (2/345) من هذا الوجه عن ابن مسعود من قوله وكذلك يضاف إلى من ذكرهم أبو داود ، محمدُ بنُ فضيل .

أخرجه أحمد (1/429) ، وابنُ أبي شيبة (2/31) قالا : حدثنا محمد بن فضيل ، ثنا خصيف ، ثنا أبو عبيدة ، عن أبيه موقوفاً بلفظ الثوري المتقدم .

فحاصل الأمر أن خمسة من الثقات خالفوا محمد بن سلمة فيه و محمد بن سلمة ثقةٌ رفيعُ القدر ، وهذا الاختلاف هو من جهة خصيف بن عبد الرحمن .

ضعّفه أحمد قال : ((ليس بحُجَّةٍ ، ولا قوي في الحديث)) .

وقال مرةً : ((شديد الاضطراب في المُسند)) .

يشير إلى أنه يرفع أحاديث ، وهي في الأصل موقوفة .

وقال أبو حاتم : ((صالحٌ ، يخلطُ . وتكلم في سوء حفظه)) .

ووثقه جماعة كابن معين ، وأبي زرعة و غيرهما .

فرفعُهُ لهذا الحديث هو آت من سوء حفظه .

فالراجح في الحديث أنه موقوف ، ثم فوق ذلك فإنه منقطع لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ، فيكون الموقوفُ ضعيفاً أيضاً …

وقال البيهقيُّ : هذا غير قوي ، ومختلفٌ في رفعه و متنه . وفي ((نيل الأوطار)) (3/138) عن البيهقيّ قال : ((ومتنه غير قوي)) .

ثانياً : حديث المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه - .

أخرجه البيهقيُّ (2/355) من طريق عمران بن أبي ليلى ، عن ابن أبي ليلى ، قال : حدثني الشعبيُّ عن المغيرة بن شعبة ((أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تشهد بعد أن رفع رأسه من سجدتي السهو)) .

قال البيهقيُّ : ((وهذا يتفرد به محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن الشعبي . ولا يفرح بما يتفرد به . واللهُ أعلمُ)) ا . هـ .

وعمران : هو ابن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وثقه ابن حبان .

وقال الحافظ عنه : ((مقبولٌ)) يعني عند المتابعة .

وقد تابعه هشيم بن بشير على إسناده و لكنه خالفه في متنه فرواه عن ابن أبي ليلى ، عن الشعبي قال : ((صلى بنا المغيرة بنُ شعبة فنهض في الركعتين . فسبَّح به القومُ ، وسبَّح بهم . فلما صلى بقية صلاته سلَّم ، ثم سجد سجدتي السهو ، وهو جالس . ثم حدثهم أن رسول الله r فعل بهم مثل الذي فعل)) .

أخرجه الترمذيُّ (364).

فلم يذكر ما ذكره عمران بن محمد عن أبيه في رواية البيهقيّ وتابع هشيماً عليه ، سفيان الثوري .

أخرجه أحمد (4/248) حدثنا عبدُ الرزاق ، أنا سفيان به فهذا الاضطراب في متنه هو من ابن أبي ليلى وهو سيىء الحفظ جدّاً ونقل الترمذيُّ عن أحمد عقب الحديث قوله :((لا يُحتج بحديث ابن أبي ليلى)) .

وعن البخاري قال : ((ابنُ أبي ليلى هو صدوقٌ ، ولا أروي عنه ، لأنه لا يدري صحيح حديثه من سقيمه ، وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً)) .

وقال البيهقيُّ في ((المعرفة)) : ((لا حجة فيما تفرد به لسوء حفظه ، وكثرة خطئه في الروايات)) نقله الشوكاني في ((النيل)) (3/139) .

قلت : فهذا ما ذكره الحافظ و نقل عن العلائي أنه لا يستبعد حسنه . وتبين من التحقيق أنها شواهد ضعيفة لا تصلح أن يقوي بعضها بعضاً لشدة الاختلاف فيها

وهنالك حديث آخر عن عائشة وفيه : ((وتشهدي وانصرفي ثم اسجدي سجدتين وأنت قاعدة ، ثم تشهَّدي)) .

أخرجه الطبراني وفي إسناده موسى بنُ مُطيْر ، عن أبيه . وموسى واهٍ تركه أبو حاتم و النسائيُّ وغيرهما ، بل كذبه يحيلا بن معين .

وأبوه قال أبو حاتم : ((متروك الحديث)) . فالحديث ساقط . والله أعلم (1).

ونشير في ختام هذا المبحث إلى أن بعض الفقهاء قد أوجبوا سجود السهو في حالاتٍ لم يقم الدليل عليها !! بل قام الدليل على عكسها ، كما في قنوت الفجر الراتب ، فقد نص بعضهم على سجود السهو حال تركه ، والصحيح ـ كما تقدم ـ أنه لم يثبت عن النبي r البتة ، وكذا قول بعضهم بوجوب سجود السهو إنْ قرأ المصلّي في الأخريين زيادة على فاتحة الكتاب ، وقد تقدم أن الزيادة على فاتحة الكتاب كانت من هدي النبي r في بعض الأحاديث ، لذا قال أبو الحسنات اللكنوي في ((التعليق الممجد على موطأ محمد)) : (ص 102) ما نصه :

((و أغرب بعض أصحابنا ، حيث أوجبوا سجود السهو بقراءة سورة في الأخريين ، وقد ردّه شراح ((المنية)) : إبراهيم الحلبي ، وابن أمير حاج ، وغيرهما ، بأحسن رد ، ولا شك في أن من قال بذلك لم يبلغه الحديث ، ولو بلغه لم يتفوّه به)) .

قلت : ومن هذا الباب ما ذكره بعض الفقهاء من وجوب سجود السهو على من يقرأ الصلاة الإبراهيمية أو بعضها في جلوس الركعة الثانية من الثلاثية أو الرباعية بعد التشهد ، والصحيح قراءة ذلك كما سيأتي في موطنه إن شاء الله تعالى .


 

[22] * جملة من أخطائهم في الجلوس و التّشهد و التسليم :

من أركان الصلاة : الجلوس الأخير ، و التّشهد فيه ، و يقع بعض المصلّين في مجموعة أخطاء فيهما ، يجدر التّنبيه عليها ، فنقول ، وعلى الله الاعتماد و التّكلان :

[1/22] * غلط قول ((السلام عليك أيها النبي)) في التّشهد .

أخرج البخاري في ((صحيحه)) أن رسول الله r قال : ((…. فإذا صلّى أحدكم ، فليقل : التحيّات لله و الصّلوات و الطيّبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله و بركاته ، ….))(2).

قال الحافظ ابن حجر : ((وقد ورد في بعض طرقه ، ما يقتضي المغايرة بين زمانه r ، فيقال : بلفظ الخطاب ، وأما بعده فيقال بلفظ الغيبة .

ففي الاستئذان من ((صحيح البخاري)) (11/56) رقم (6265) من طريق أبي معمر عن ابن مسعود بعد أن ساق حديث التشهد ، قال : ((وهو بين ظهرانينا ، فلما قبض ، قلنا : السلام)) يعني على النبي ، كذا وقع في البخاري ، وأخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) والسراج والجوزقي وأبو نعيم الأصبهاني والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري ، بلفظ : ((فلما قبض ، قلنا : السلام على النبي)) بحذف لفظ يعني ، وكذلك رواه ابن أبي شثيبة عن أبي نعيم .

قال السبكي في ((شرح المنهاج)) بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة وحده : إن صح هذا عن الصّحابة ، دلّ على أن الخطاب في السلام بعد النبي r غير واجب ، فيقال : السلام على النبي . قلت(1): قد صح بلا ريب ، وقد وجدتُ له متابعاً قوياً :

قال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون ، والنبي r حيّ : السلام عليك أيها النبي ، فلما مات قالوا : السلام على النبي ، وهذا إسناده صحيح))(2).

وقال ابن حجر أيضاً : ((فالظاهر أنهم كانوا يقولون (السلام عليك أيها النبي) بكاف الخطاب في حياة النبي r ، فلما مات النبي r تركوا الخطاب ، وذكروه بلفظ الغيبة ، فصاروا يقولون ((السلام على النبي))(3).

[2/22] * زيادة لفظ ((سيدنا)) في التّشهد ،أو في الصّلاة على رسول الله r في الصّلاة.

قال الشيخ محمد جمال الدّين القاسمي : للعلماء اختلاف في زيادة لفظ ((سيدنا)) في الصّلاة على النّبي r ، وقد وقفتُ على سؤالٍ رفع لابن حجر العسقلاني ، فأجاب عنه وأجاد ، وهاكه بنصه :

سئل الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ عن صفة الصّلاة على النبي r في الصلاة أو خارج الصّلاة ، سواء قيل بوجوبها أم بندبها : هل يشترط فيها أن يصفه r بالسِّيادة ، بان يقول مثلاً : اللهم صلّ على سيّدنا محمد ، أو على سيّد الخلق ، أو سيّد ولد آدم ، أو يقتصر على قوله : اللهم صلّ على محمد ، وأيهما أفضل : الإتيانُ بلفظ السيادة لكونها صفةً ثابتةً له r ، أو عدمُ الإتيان لعدم ورود ذلك في الآثار ؟

فأجاب رضي الله عنه : نعم ، اتّباع الألفاظ المأثورة أرجح ، ولا يُقال : لعلّه ترك ذلك

تواضعاً منه r ، وأمّتُه مندوبةٌ إلى أن تقول ذلك كلما ذكر ، لأنا نقول : لو كان ذلك راجحاً ، لجاء عن الصّحابة ، ثم عن التابعين ، ولم نقف في شيء من الآثار عن أحد من الصحابة ولا التابعين ، أنه قال ذلك مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك ، وهذا الإمام الشافعي ـ أعلى الله درجته ، وهو من أكثر الناس تعظيماً للنبي r ـ قال في خطبة كتابه الذي هو عمدة أهل مذهبه : اللهم صلّ على محمد(1) .


 

* تنبيهات :

ومن الجدير بالذّكر أن أُشير هنا إلى أمور :

[3/22] الأوّل : وضع الحديث : ((لا تسيّدوني في الصلاة)) وهو ملحون ، وصحة اللفظ : ((لا تسودوني)) ، وهو حديث لم يصح ولم يثبت عن رسول الله r ، بل لا أصل له(2)، ولو صح لكان دليلاً لنا على صحة ما ذكرناه .

[4/22] الثاني : أن جمهور المصلّين في صلاتهم على النبي r في الصّلاة ، يلفّقون صيغة من مجموع الصّيغ المشروعة ، فجلّهم يقولون :

((اللهم صلّ على محمد ، وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم ، في العالمين ، إنك حميد مجيد)) .

ولا يشرع هذا التلفيق ، إذ الأصل في العبادات التوقيف ، فلا يجوز الزيادة عليها ، ولا النقصان منها ، ولم ترد في السنة النبوية الصيغة السابقة ، وإنما هي ـ كما قدمنا ـ تلفيق من صيغتين ، هما :

الأولى : اللهم صل على محمد ، وعلى(3) آل محمد ، كما صليت على [إبراهيم ، و على ] آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد ، و على آل محمد ، كما باركت [ على إبراهيم ، وعلى ] آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد  . ‌

والأخرى : اللهم صل على محمد [النبي الأُمي] ، و على آل محمد ، كما صليت على [ آل] إبراهيم ، و بارك على محمد [النبي الأُمي] و على آل محمد ، كما باركت على [ آل] إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد(1) .‌

وعندما يأتي المسلم بالصلاة النبوية بإحدى رواياتها ، عليه أن يحافظ على لفظها بدون زيادة شيء من عنده عليها ، ولا أن ينقص شيئاً منها ، لأن الصيغة الواردة توقيفيّة متعبّد بها ، والتوقيفي في العبادات يؤتى بنصِّ لفظه ، بلا زيادةٍ ولا تنقيصٍ ولا تبديل .

وقد هجر الناس الصلاة النبوية التوقيفية ، واقتصروا على غيرها ، وزاد بعضهم ، فقال : إنّ غيرَها أنفعُ منها ، فليحذر المسلم من هذا الهجر ، ومن هذا القول ، فمحمد r أنفعُ الخلق وأرفعهم ، وفعلُه أرفع الأفعال وأنفعها ، وقوله أرفع الأقوال وأنفعها .

وبعد أن عرفنا أن الصّلاة على النبي r عبادة ، وأنها توقيفية ، فقد صار واجباً علينا أن نصلّي على النبي r بما ثبت عنه من الألفاظ والصلوات الإبراهيمية الصحيحة ، ولا يجوز لنا الزيادة عليها ، أو اختراع صيغ جديدة ، لأنّ في ذلك استدراكاً على صاحب الشريعة الذي أُمرنا بطاعته وحُبِّه.

وكما أنه لا يجوز لنا أن نزيد في التشهد أو أن نستبدل به ألفاظاً أخرى ، كذلك لا تجوز الزيادة على الصلوات الإِبراهيمية ، أو استبدال أُخرى بها ، لأنّ كُلاّ من التشهد والصلاة الإِبراهيمية توقيفيٌّ حدّده النبي r حين سُئل عن ذلك ، وهو لا يختار إلا الأحسن والأعظم ثواباً . فليكن هدفُنا دائماً الاتباع ، ولنحذر الابتداع(2) .

قلت : وكذا من الخطأ قول بعضهم في أول التشهد : ((بسم الله)) وكذا قولهم آخره : ((أسال الله الجنة)) و ((أعوذ بالله من النار)) ، وبعضهم يقول هذا مع التسليم وسيأتي التنبيه عليه في آخر هذا الفصل . قال مسلم في ((التمييز)) : (141-142) :

وقد روي التشهد عن رسول الله r من أوجه عدّة صحاح ، فلم يذكر في شيء منه . . . قوله : بسم الله وبالله ، ولا في آخره من قوله : أسأل الله الجنة و أعوذ بالله من النار)) .

[5/22] الثّالث : قال الإِمام النووي ـ رحمه الله تعالى ـ :

أعلم أن العلماء اختلفوا في وجوب الصّلاة على النبي r عقب التشهد الأخير في الصلاة ، فذهب أبو حنيفة ومالك ـ رحمهما الله تعالى ـ والجماهير إلى أنها سنّة ، لو تركت صحت الصلاة ، وذهب الشافعي وأحمد ـ رحمهما الله تعالى ـ إلى أنها واجبة ، لو تركت لم تصح الصّلاة ، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما ، وهو قول الشعبي وقد نسب جماعةٌ الشافعيَّ ـ رحمه الله تعالى ـ في هذا إلى مخالفة الإجماع ، ولا يصح قولهم ، فإنه مذهب الشعبي كما ذكرنا ، وقد رواه عن البيهقي .

وفي الاستدلال لوجوبها خفاء ، وأصحابنا يحتجّون بحديث أبي مسعود الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ المذكور هنا : أنهم قالوا :((كيف نصلّي عليك يا رسول الله ؟ فقال : قولوا : اللهم صلّ على محمد . . .))الخ

قالوا : والأمر للوجوب .

وهذا القدر لا يظهر الاستدلال به إلا إذا ضمّ إليه الرواية الأُخرى : كيف نصلّي عليك إذا نحن صلّينا عليك في صلاتنا ؟ فقال r : قولوا : اللهم صل على محمد . . . الخ .

وهذه الزّيادة صحيحة ، رواها الإمامان الحافظان أبو حاتم ابن حبان البستي والحاكم أبو عبد الله في ((صحيحيهما)) .

قال الحاكم : هي زيادة صحيحة .

واحتج لها أبو حاتم وأبو عبد الله أيضا في ((صحيحيهما ))
بما روياه عن فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - : أن رسول الله r رأى رجلا يصلّي ، لم يحمد الله ولم يمجده ، ولم يصلّ على النبي r ، فقال النبي r : عجّل هذا ، ثم دعاه النبي r ، فقال : إذا صلّى أحدكم ، فليبدأ بحمد ربّه والثّناء عليه ، وليصلّ على النبي r ، وليدع ما شاء .

قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم .

وهذان الحديثان ، وإن اشتملا على ما لا يجب بالإِجماع !! كالصّلاة على الآل والذّريّة

والدّعاء ، فلا يمتنع الاحتجاج بهما ، فإن الأمر للوجوب ، فإذا خرج بعض ما يتناوله الأمر عن الوجوب بدليل ، بقي الباقي على الوجوب ، والله أعلم .

والواجب عند أصحابنا : اللهم صل على محمد ، وما زاد عليه سنّة ، ولنا وجه شاذ أنه يجب الصلاة على الآل ، وليس بشيء، والله أعلم(1) انتهى .

قال الأمير الصنعاني : ودعوى النووي و غيره الإجماع على أنَّ الصّلاة على الآل مندوبة ، غيرُ مسلَّمة، بل نقول : الصّلاة عليه r لا تتم ، ولا يكون العبد ممتثلاً بها ، حتى يأتي بهذا اللفظ النبوي ، الذي فيه ذكر الآل ، لأنه قال السائل : كيف نصلّي عليك ؟ فأجابه بالكيفية أنها الصّلاة عليه وعلى آله ، فمن لم يأت بالآل ، فما صلّى عليه بالكيفية التي أمر بها ، فلا يكون ممتثلاً للأمر ، فلا يكون مصلّياً عليهr
(2).

وقد رجّح ابن العربي وجوب الصّلاة عليه في الصلاة ، فقال رحمه الله تعالى :

الصّلاة على النبي r فرض في العمر مرة بلا خلاف ، فأما في الصّلاة فقال محمد بن الموّاز و الشافعي : إنها فرض ، فمن تركها بطلت صلاته . وقال سائر العلماء : هي سنة في الصّلاة . و الصحيح ما قاله محمد بن الموّاز للحديث الصحيح : إن الله أمرنا أن نصلّي عليك ، فكيف نصلّي عليك ؟ فعلم الصلاة ووقتها ، فتعيّنا كيفيّة ووقتاً(3).

وقد ذهب إلى الوجوب أيضاً شيخنا الألباني في ((صفة صلاة النبي r))(4). فإنه ذكر تحت عنوان ((وجوب الصّلاة على النبي r)) حديث فضالة بن عبيد ، الذي ذكره النووي وقال : (( رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة والحاكم و صححه ووافقه الذهبي)) . ثم قال : ((واعلم أن هذا الحديث يدّل على وجوب الصّلاة عليه r في هذا التشهد للأمر بها ، وقد ذهب إلى الوجوب الإِمام الشافعي وأحمد في آخر الروايتين عنه ، وسبقهما إليه جماعة من الصحابة و غيرهم ، ومن نسب الإِمام الشافعي إلى الشذوذ لقوله بوجوبهما فما أنصف ، كما بيّنه الفقيه الهيتمي في ((الدر المنضود في الصّلاة والسلام على صاحب المقام المحمود)) انتهى .

[6/22] الرابع : إذا علمت هذا ، فاعلم أن الصّلاة على النبي r لا تختص بالتشهد الأخير ، بل هي مشروعة في الأول أيضاً .

وهو نص الإمام الشافعي في ((الأم)) فقال : ((والتشهد في الأولى والثانية لفظ واحد لا يختلف ، ومعنى قولي ((التشهد)) التشهد والصلاة على النبي r ، لا يجزيه أحدهما عن الآخر))(1).

وليس من السنة ، ولا يكون المصلّي منفذاً للأمر النبوي ، إذا اقتصر على قوله : ((اللهم صل على محمد)) فحسب ، بل لا بد من الإتيان بإحدى الصيغ المشروعة ، وقد قدمنا كلام الأمير الصنعاني في هذا (2).

بل دلت الأحاديث الصحيحة على مشروعية الدعاء عقب التشهد الأول ، عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال : كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين ، غير أن نسبّح ، ونكبّر ، ونحمد ربَّنا ، وإن محمداً r علَّم فواتح الخيرِ ، وخواتمَهُ ، فقال : إذا قعدتم في كل ركعتين ، فقولوا : التحيّات لله ، و الصّلوات ، والطّيّبات ، السلام عليك أيها النبي ، ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا ، وعلى عباد الله الصّالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، و أن محمداً عبده ورسوله ، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه(3).

ففي الحديث مشروعية الدّعاء في التشهد الأول ، ولم أرَ مَنْ قال به من الأئمة غير ابن حزم ، والصواب معه ، وإن كان هو استدلّ بمطلقات ، يمكن للمخالفين ردّها بنصوصٍ أُخرى مقيّدة ، أما هذا الحديث ، فهو في نفسه نصّ واضحٌ مفسرٌٌ ، لا يقبل التقييد ، فرحم الله امرءاً أنصف ، واتبع السنّة(4).

[7/22] الخامس : من أحدث قبل السلام بطلت صلاته ، مكتوبة كانت أم غير مكتوبة(1).

[8/22] السادس : من أخطاء بعض المصلّين : فعل التّورك في الثّنائيّة ، كالفجر و الجمعة والنّافلة ، أو تركه في الرّباعيّة أو الثّلاثية في التّشهد الأخير منها ، وإن كان فعله وتركه غير مخلّ ٍ بصحة الصّلاة ، لكن العمل بالسنّة أفضل ، وهو أن يكون التورّك في التشهد الأخير في الثلاثيّة أو الرباعيّة ، على أن لا يضايق مَنْ بجانبه مِنَ المصلّين (2).

[9/22] السابع : الأشهر في تفسير الصالح في التشهد : ((عباد الله الصالحين)) أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله و حقوق عباده ، و تتفاوت درجاته . قال الترمذي الحكيم : من أراد أن يحظى بهذا السّلام الذي يسلّمه الخلق في الصّلاة ، فليكن عبداً صالحاً ، و إلا حرم هذا الفضل العظيم(3).

[10/22] الثامن : قال القفال في ((فتاويه)) :

ترك الصّلاة يضرّ بجميع المسلمين ، لأن المصلّي لا بدّ أن يقول في التّشهد : (( السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين )) فيكون تارك الصلاة مقصّراً بخدمة الله ، وفي حقّ رسوله ، وفي حق نفسه ، وفي حق كافة المسلمين ، ولذلك عظمت المعصية بتركها (4).

ولا بد في هذا المقام من الإشارة إلى أن التشهد الأوسط ـ في أصح قولي أهل العلم ـ واجب ، وعلى هذا جمهور المحدثين ، حتى قال الشوكاني في ((السيل الجرار)) : (1/228) : (( الأوامر بالتشهد لم تخص التشهد التشهد الأخير ، بل هي واردة في مطلق التشهد فما قدمنا في التشهد الأخير من الاستدلال على وجوبه ، فهو بعينه دليل على وجوب التشهد الأول ، ومع هذا فالتشهد الأوسط مذكور في حديث المسيء ، الذي هو مرجع الواجبات ، ولم يرد ذكر التشهد الأخير في في حديث المسيء ، فكان القول بإيجاد التشهد الأوسط أظهر من القول بإيجاب الأخير ، وأما الاستدلال على عدم وجوب الأوسط ، بكون النبي r تركه سهواً ، ثم سجد للسهو ، فهذا إنما يكون دليلاً ، لو كان سجود السهو مختصّاً بترك ما ليس بواجب ، وذلك ممنوع ))(5).

[11/22] * الإنكار على مَنْ يحرك سبابته في الصّلاة .

ثبت في ((مسند أحمد)) : (4/318) و ((المجتبى)) للنسائي : (2/126 -127) و ( 3/371) و ((سنن أبي داود)) : رقم (713) و ((صحيح ابن خزيمة)) رقم (480) و (714) و ((المنتقى)) لابن الجارود : رقم (208) و ((صحيح ابن حبان)) : رقم (1851 – موارد) و (( السنن الكبرى)) للبيهقي : (2/27 و 28 و 132) و ((المعجم الكبير)) للطبراني : (22/35) عن وائل بن حُجر ـ رضي الله عنه ـ قال : لأنظرنّ إلى رسول الله r كيف يصلّي ؟

فنظرت إليه ، فكبَّر ، ورفع يديه … إلى أن قال : ثم قعد … ثم رفع أصبعه ورأيتُه يُحركها ، يدعو بها .

فهذه رواية صحيحة صريحة في تحريك الأصبع ، وجاء وصف فعله r بـ (( يحرِّك )) وهو فعل مضارع ، يفيد الاستمراريّة حتى تسليم المصلّي و فراغه من صلاته ، ويدل على ذلك ، قوله :

((يدعو بها)) ، فما قيّده بعض الفقهاء من أن الرفع يكون عند ذكر لفظ الجلالة أو الاستثناء ، مما لا دليل عليه البتة(1).

قال الشيخ العظيم آبادي معلقاً على الحديث : وفيه تحريكها دائماً(2).

وثبت في ((صحيح مسلم)) : (2/90) وغيره عن عبد الله بن الزّبير ـ رضي الله عنهما ـ قال : كان رسول الله r إذا قعد في الصّلاة ، جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه ، وفرش قدمه اليمنى ، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ،ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ، وأشار بأصبعه .

فإن قيل : أليس العمل بهذا الحديث مقدّم على العمل بالحديث الأوّل ، لا سيما :

أولاً : أنه وردت في بعض الروايات زيادة في حديث ابن الزبير : ((يشير بأصبعه إذا دعا ، ولا يحركها)) كما في ((سنن أبي داود)) : رقم (989) .

ثانياً : أن البيهقي في ((سننه)) : (2/130) قال : يحتمل أن يكون المراد بالتحريك : الإشارة بها ، لا تكرير تحريكها ، فيكون حديث وائل موافقاً لحديث ابن الزبير .

قلت : لم تثبت زيادة ((ولا يحركها)) ، لأن الحديث من رواية محمد بن عجلان عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه ، وابن عجلان متكلم فيه ، وقد رواه عنه أربعة من الثّقات دون قوله : ((لا يحركها)) وكذلك رواه ثقتان عن عامر ، فثبت بذلك شذوذ هذه الزيادة وضعفها ، وحسبك دلالة على وهنها أن مسلماً أخرج الحديث – كما سبق – دونها من طريق ابن عجلان أيضاً(1).

قال ابن القيم : ((وأما حديث أبي داود عن عبد الله بن الزّبير أنّ النبيّ r كان يشير بأصبعه إذا دعا ولا يُحركها ، فهذه الزّيادة في صحتها نظر ، وقد ذكر مسلم الحديث بطوله في ((صحيحه)) عنه ، ولم يذكر هذه الزّيادة ، بل قال : كان رسول الله r إذا قعد في الصّلاة ، جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه ، وفرش قدمه اليمنى ، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ، وأشار بأصبعه .

وأيضاً فليس في حديث أبي داود عنه : أن هذا كان في الصلاة(2).

وأيضاً لو كان في الصّلاة ، لكان نافياً ، وحديث وائل بن حُجر مثبتاً ، وهو مقدَّم . وهو حديث صحيح))(3) انتهى .

ولو ثبتت هذه الزّيادة ، لكان يمكن العمل بها ، مع الإبقاء على ظاهر حديث وائل ، ويجمع بينهما ، بأنه كان تارةً يحرك ، وتارةً لا يحرك ، كما ذهب إليه القرطبي ، فقال :

((اختلفوا في تحريك أصبع السبابة ، فمنهم من رأى تحريكها ، ومنهم مَنْ لم يره ، و كل ذلك مرويٌّ في الآثار الصحاح المسندة عن النبي r ، وجميعه مباح ، والحمد لله))(4).

وهذا اختيار الأمير الصنعاني في ((سبل السلام)) : (1/187 – 188) ومن قبله : الرافعي ، كما حكاه المباركفوري عنه ، ومن ثم أيّده بقوله :

((والحق ما قال الرافعي ومحمد بن إسماعيل الأمير))(5)و الأرجح وفقاً للقاعدة الفقهية : ((المثبت مقدَّم على النافي)) التحريك ، و العجب من بعض شراح ((المنهاج)) للنووي ، عندما قال بعد ذكر حديث وائل وحديث ابن الزّبير ، ولحظ الترجيح السابق ، إلا أنه عدل عنه ولم يرتضه ، وتحكم في ذلك ، فقال : ((وتقديم الأول ـ النافي ـ (أي أنه لا يحركها) على الثاني ـ المثبت (أي كان يحركها) لما قام عندهم في ذلك ، ولعله طلب عدم الحركة في الصّلاة))(1).

قلت : وزاد بعض المتأخرين ، فقال : ((ولا يحركها لعدم وروده)) !!

وقال أيضاً : ((وفي وجه : أنه حرام ! مبطل للصّلاة !! حكاه النووي في ((شرح المهذب ))(2).

وهذا من التعصب المذهبي ، إذ من طباع البشر و أخلاقهم : أن يألفوا ما أخذوه بالرّضا و التّسليم ، و يأنسوا به ، فإذا وجدوا لهم مخالفاً فيه ، تعصّبوا له ، ووجّهوا قواهم إلى استنباط ما يؤيّده و يثبته ، ويدفع عنه حجج المخالفين لهم فيه ، لا يلتفتون إلى تحري الحق ، واستبانة الصّواب ، فيما تنازعوا فيه .

وذكر النووي في ((شرح المهذب)) ثلاثة وجوه في تحريكها : لا يحركها ، ويحرم تحريكها ، وقال ما نصه : ((يحرم تحريكها ، فإن حركها بطلت صلاته ، حكاه عن أبي علي ابنُ أبي هريرة ، وهو شاذ ضعيف)) .

ومن ثم قال :((يستحب تحريكها ، حكاه الشيخ أبو حامد و البندنيجي و القاضي أبو الطيب وآخرون . وقد يحتج بحديث وائل بن حجر : ((ثم رفع أصبعه ، فرأيتُه يحركها ، يدعو بها))

رواه البيهقي بإسناد صحيح))(3).

والقول بالبطلان لتحريك الأصبع شاذ ضعيف ، كما قال النووي ، و يردده بعضهم بناء على أنه إذا تحرك المصلّي ثلاث حركات تبطل صلاته !! وهو مما لا دليل عليه البتة ، قال الشيخ ابن باز فيه : (( أما تحديد الحركات المنافية للطمأنينة و للخشوع بثلاث حركات ، فليس ذلك بحديث عن النبي r ، وإنما ذلك من كلام بعض أهل العلم ، وليس عليه دليل يعتمد )) (4).

وأما حديث ابن الزبير الذي فيه الإِشارة فحسب ، فليس نصّاً في نفي التحريك ، لما هو

معهود في الاستعمال اللغوي ، أنه قد يقترن معها التحريك في كثير من الأحيان ، فنَصْبُ الخلاف بينهما غير سليم لغةً و فقهاً (1).

والصواب الجمع بين الروايتين ، والأخذ بالتحريك والعمل به ، فتكون السنّة : الإشارة بالسبابة وتحريكها حركة شديدة ، كما قال الإمام أحمد في ((مسائل ابن هانىء)) : (1/80 ) ، والله تعالى أعلم .

وأخيراً . . . لا بُدَّ من التّنبيه على ما يلي :

[ 12/22] أولاً : أنه قد ورد في بعض الروايات : ((رأيت رسول الله r وهو قاعد في الصلاة . . . . رافعاً إصبعه السبابة ، وقد حناها شيئاً ، وهو يدعو)) .

ولكنه ضعيف الإسناد ، لأن فيه مالكاً بن نمير الخزاعي وقد قال فيه ابن القطان و الذهبي : ((لا يعرف حال مالك ، ولا روى عن أبيه غيره)) .

قاله الألباني ، وقال أيضاً ولم أجد حني الإِصبع إلا في هذا الحديث ، فلا يشرع العمل به بعد ثبوت ضعفه ، والله أعلم ))(2).

[ 13/22] ثانياً : ورد في بعض الروايات أن النبي r أشار بالسبابة ثم سجد ، فتكون الإِشارة بين السجدتين مشروعة أيضاً !! ولكن هذه الرواية تخالف جميع الروايات الأخرى التي لم تذكر فيها السجدة بعد الإِشارة ، فتكون الرواية السابقة شاذة ، وعليه فلا يشرع للمصلّي تحريك سبابته بين السجدتين(3) .

[14/22] ثالثاً : تكره الإِشارة بمسبحة اليسرى ، حتى لو كان أقطع اليمنى ، لم يشر بمسبحة اليسرى ، لأن سنّتها البسط دائماً (4).

* ثلاثة أخطاء في التّسليم :

أما التسليم : فهو ركن من أركان الصّلاة ، وفرض من فروضها ، لا تصح إلا به ، هذا مذهب جمهور العلماء من الصحابة و التابعين فمن بعدهم(5).

وننبّه على الأخطاء التالية فيه :

[15/22] أولاً : يلاحظ أن بعض المصلّين إذا سلّم يشير بيده اليمنى جهة اليمين ، و باليسرى للجهة الثانية ، وقد كان الصحابة يفعلونه ، فنهاهم رسول الله r عن ذلك .

عن جابر بن سمرة قال : كنا إذا صلّينا مع رسول الله r ، قلنا : السلام عليكم و رحمة الله ، السلام عليكم و رحمة الله ، وأشار بيده إلى الجانبين ، فقال رسول الله r : ما لي أراكم ترفعون أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس(1).

فاتركوا الرفع ، واكتفوا بالتّسليم .

[ 16/22] ثانياً : يستحب أن يدرج لفظ السلام ، ولا يمدّ مدّاً .

قال ابن سيّد النّاس : لا أعلم في ذلك خلاف بين العلماء .

[17/22] ثالثاً : سئل ابن تيمية عن رجل إذا سلم عن يمينه يقول : السلام عليكم و رحمة الله ، أسألك الفوز بالجنّة ، وعن شماله : السلام عليكم ، أسألك النّجاة من النار ، فهل هذا مكروه أم لا ؟

فأجاب : الحمد لله ، نعم يكره هذا ، لأن هذا بدعة ، فإن هذا لم يفعله رسول الله r ، ولا استحبّه أحد من العلماء ، وهذا إحداث دعاء في الصّلاة في غير محله ، يفصل بأحدهما بين التسليمتين ، ويصل التسليمة بالآخر ، وليس لأحد فصل الصفة المشروعة على هذا كما لو قال : سمع الله لمن حمده ، أسألك الفوز بالجنة ، ربنا و لك الحمد ، أسألك النجاة من النار ، و أمثال ذلك(2).


 

الفصل الرابع


 

جماع أخطاء المصلّين في المسجد و صلاة الجماعة


 

* أخطاؤهم حتى إقامة الصلاة .


 

* أخطاؤهم من إقامة الصلاة حتى تكبيرة الإحرام .


 

* أخطاؤهم من تكبيرة الإحرام حتى التسليم .


 

* أخطاؤهم في ثواب صلاة الجماعة وبعض أخطاء المتخلّفين عنها و التشديد في

حق مَنْ تركها .


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

أخطاؤهم حتى إقامة الصلاة(1)


 


 

* جملة من أخطاء المؤذّنين ، ومستمعي الأذان .

* الإِسراع في المشي إلى المسجد ، وتشبيك الأصابع فيه .

* الخروج من المسجد عند الأذان .

* دخول الرجلين المسجد ، وتقام الصلاة ، ويحرم الإمام ، وهما في مؤخره يتحدّثان .

* ترك تحيّة المسجد والسّترة لها وللسنّة القبليّة .

* قراءة سورة الإخلاص قبل إقامة الصلاة .

* صلاة النّافلة إذا أُقيمت الصّلاة .

* التّنفل بعد طلوع الفجر ، بصلاةٍ لا سبب لها ، سوى ركعتي الصبح .

* أكل الثّوم والبصل وما يؤذي المصلّين قبل الحضور للجماعة .


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

[23] * جملة من أخطاء المؤذّنين ، ومستمعي الأذان :

لا يفوتنا أن نشير في بداية هذا المبحث إلى أن وظيفة المسجد تتطلب مؤذّناً ينوب عن الإمام في كل ما يقوم به ، وقد خلّف الرسول r ابن أُم مكتوم في المدينة في بعض أسفاره ، وكان مُؤَذّنوه على مستوى هذه النيابة . . إنه مؤذّن يقرأ و يكتب ، ويفهم و يضبط الأوقات ، ويساعد جماعة المسجد لإقامة الجماعات في المسجد .

وإن مما يؤسف له اليوم ، ومن سلسلة ضياع المسجد ، وكثافة الضباب على مناره أن كثيراً ممن يزاولون الأذان لا يعرفونه ولا يدركون عظم مسؤولية هذه الشعيرة في الشريعة . . . . !!

وقد سمعنا بعض المؤذنين لا يعرفون الأَذان ، بل لا يعرف السامع لهم : هل هم يؤذّنون ، أم يبكون ، أم يصرخون(1). . ؟!

بعد هذا ، نتعرض لمجموعةٍ من الأخطاء في حكم الأذان و كيفيته و طريقته ، فنقول والله المستعان :

[1/23] المشهور عند الناس أنّ الأذان لجماعة الرجال في الحضر مندوب ، و ((لا نشك مطلقاً في بطلانه ، كيف وهو من أكبر الشّعائر الإسلاميّة ، التي كان عليه الصلاة والسلام إذا لم يسمعه في أرض قوم ، أتاهم ليغزوهم ، وأغار عليهم ، فإنْ سمعه فيهم ، كفَّ عنهم ، كما ثبت في ((الصحيحين)) و غيرهما ، وقد ثبت الأمر به في غير ما حديث صحيح ، والوجوب يثبت بأقلّ من هذا ، فالحقّ أن الأذان فرض على الكفاية))(2) وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، و مذهب المالكية و الحنابلة و عطاء ومجاهد و الأوزاعي .

قال العدوي : ((وأما في المصر فهو فرض كفاية ، ويقاتلون على تركه))(3).

وقال ابن عبد البر : ((ولا أعلم اختلافاً في وجوب الأذان جملة على أهل المصر ، لأن الأذان هو العلامة الدالة المفرّقة بين دار الإسلام و دار الكفر))(1).

وقال ابن قدامة : ((ومن أوجب الأذان من أصحابنا ، فإنما أوجبه على أهل المصر ، كذلك قال القاضي ، لا يجب على غير أهل المصر من المسافرين)) وعلل ذلك بقوله : ((وذلك أن الأذان إنما شرع في الأصل للإِعلام بالوقت ، ليجتمع الناس إلى الصلاة ، ويدركوا الجماعة ، ويكفي في المصر أذان واحد ، إذا كان بحيث يسمعهم))(2).

بقي بعد هذا : أن الأذان عند الحنفية سنّة مؤكدة ، من شعائر الدّين ، يأثم تاركُه ، وهو مشهور مذهب الشافعية ، كما في ((المجموع)) : (3/82) و ((الروضة)) : (1/195) لأن ترك السنة المؤكدة ، بمنزلة ترك الواجب العملي في الإِثم .

فنزاعهم قريب من النّزاع اللفظي ، فإن كثيراً من العلماء يطلق القول بالسنّة على ما يذم تاركه شرعاً ، ويعاقب تاركه شرعاً ، فالنزاع بين الحنفية والشافعية ، وبين مَنْ يقول : إنه واجب ، نزاع لفظي ، ولهذا نظائر متعددة ، كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى(3) .

وقال رحمه الله تعالى : ((و أما مَنْ زعم أنه سنة ، لا إثم على تاركيه ، فهذا القول خطأ))(4).

وقال الشوكاني : ((والحاصل : أنه ما ينبغي في مثل هذه العبادة العظيمة ، أن يتردد متردد في وجوبها ، فإنها أشهر من نار على علم ، و أدلتها هي الشمس المنيرة ))(5) .

بعد هذا العرض الموجز ، في دحض اعتقاد غير الصواب في حكم الأذان عند عوام الناس ، نتعرض – و بإيجاز أيضاً – إلى جملة من أخطاء المؤذّنين ، فنقول ، والله المستعان ، لا ربّ غيره :

[2/23] أوّلاً : رفع الصّوت بالصّلاة و السلام على النبي r بعده ، كما جرت به عادةُ

غالب مؤذّني الزّمان ، فهو بدعة مخالفة لهدي النبي r
(1) .

بل لا دليل على إسرار المؤذّن بالصّلاة و السّلام على رسول الله r عقب الأذان .

فإن قيل : هو داخل في قوله r : ((إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثلما يقول ، ثم صلّوا عليّ)) .

فالجواب : إن الخطاب فيه للسامعين المأمورين بإجابة المؤذّن ، ولا يدخل فيه المؤذّن نفسه ، و إلا لزم القول بأنه يجيب أيضاً نفسه بنفسه ، وهذا لا قائل به ، والقول به بدعة في الدّين.

فإن قيل : فهل يمنع المؤذّن من الصّلاة عليه r سراً ؟

قلت : لا يمنع مطلقاً ، و إنما يمنع من أن يلتزمها عقب الأذان خشية الزّيادة فيه ، وأن يلحق به ما ليس منه ، و يسوى بين من نصّ عليه r - وهو السامع – ومن لم ينص عليه – وهو المؤذّن – وكل ذلك لا يجوز القول به ، فليتأمل(2).

[ 3/23] ثانياً : التلحين في الأذان ، و التغنّي فيه ، بما يؤدّي إلى تغيير الحروف و الحركات و السكنات ، و النّقص و الزّيادة ، محافظة على توقيع النّغمات ، ورحم الله الإمام القرطبي ، فإنه قال : (( وحكم المؤذّن أن يترسل في أَذانه ، ولا يطّرب به ، كما يفعله اليوم كثير من الجهّال ، بل وقد أخرجه كثير من الطّغام و العوام عن حدّ الإطراب ، فيرجعون فيه الترجيعات ، ويكثرون فيه التقطيعات ، حتى لا يفهم ما يقول ، ولا بما به يصول ))(3).

[4/23] ثالثاً : وجراء حبّ الطّرب و سماع أصوات المؤذّنين المشهورين بالتنغيم و التطريب ، انتشرت بدعة الأذان عن طريق مسجلات الصّوت !!

وقد يضعون شريط أذان الفجر سهواً ، فتنادي الآلة نهاراً (الصلاة خير من النّوم) ، أو يستمر الشريط بعد الأذان و يكون فيه موسيقى أو غناء(1)!!

وإن الأذان عن طريق مسجلات الصّوت فيه محاذير كثيرة ، منها :

1ـ تفويت الأجر و الثواب على المؤذّنين ، وقصره على المؤذّن الأصلي .

2ـ فيه مخالفة لقوله r : (( إذا حضرت الصلاة ، فليؤذّن لكم أحدكم ، و ليؤمكم أكبركم ))(2) .

3- إنّ فيه مخالفة للمتوارث بين المسلمين من تاريخ تشريعه في السنّة الأولى من الهجرة وإلى الآن ، بنقل العمل المستمر بالأذان لكل صلاة من الصّلوات الخمس ، في كل مسجد ، وإن تعددت المساجد في البلد الواحد .

4- إن النية من شروط الأذان ، ولهذا لا يصح من المجنون ، ولا من السكران ، ونحوهما ، لعدم وجود النية في أدائه ، فكذلك في التسجيل المذكور .

5- إن الأذان عبادة بدنيّة .قال ابن قدامة رحمه الله تعالى :((وليس للرجل أن يبني على أذان غيره ، لأنه عبادة بدنيّة ، فلا يصح من شخصين كالصلاة ))(3) .

6- إنه يرتبط بمشروعية الأذان لكل صلاة ، في كلّ مسجد ، سنن وآداب ، ففي الأذان عن طريق التسجيل ، تفويت لها ، وإماتة لنشرها ، مع فوات شروط النية فيه .

7- إنه يفتح على المسلمين ، باب التلاعب بالذّين ، ودخول البدع على المسلمين ، في عباداتهم وشعائرهم ، لما يفضي إليه من ترك الأذان بالكليّة ، والاكتفاء بالتّسجيل .

وبناء على ما تقدم فإن مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي برابطة العالم الإسلامي ، المنعقد بدورته التاسعة ، في مكة المكرمة ، من يوم السبت 12/7/1406هـ قرر ما يلي :

إن الاكتفاء بإذاعة الأذان في المساجد ، عند دخول وقت الصلاة ، بواسطة آلة التسجيل

ونحوها ، لا يجرىء ولا يجوز في أداء هذه العبادة ، ولا يحصل به الأذان المشروع ، وأنه يجب على المسلمين ، مباشرة الأذان لكل وقتٍ من أوقات الصلوات ، في كلّ مسجدٍ ، على ما توارثه المسلمون من عهد نبيّنا ورسولنا محمد r إلى الآن ، والله الموفق .

وقد صدرت مجموعة من الفتاوى من فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ برقم (35) في 3/1/1387هـ ومن هيئة كبار العلماء بالمملكة في دورتها المنعقدة في شهر ربيع الآخر/ عام 1398هـ ومن الهيئة الدائمة بالرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية و الدعوة و الإرشاد في المملكة برقم (5779) في 4/7/1403 هـ ، وتتضمن هذه الفتاوى الثلاث عدم الأخذ بذلك ، وأن إذاعة الأذان عند دخول وقت الصلاة في المساجد ، بواسطة آل التسجيل و نحوها لا تجزىء في أداء هذه العبادة .

[5/23] رابعاً : قال في ((شرح العمدة)) من كتب الحنابلة :

((يكره قول المؤذّن قبل الأذان : }
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا
{
(1) و كذلك
إن وصله بعد بذكرٍ ، لأنه محدث)) .

وفي ((الإِقناع)) وشرحه من كتبهم أيضاً :((وما سوى التأذين قبل الفجر من التسبيح و النشيد ، ورفع الصوت بالدّعاء ونحو ذلك ، في المآذن ، فليس بمسنونٍ ، وما أحد من العلماء قال إنه يستحب ، بل هو من جملة البدع المكروهة ، لأنه لم يكن في عهده r ، ولا عهد أصحابة ، وليس له أصل فيما كان على عهدهم يردّ إليه ، فليس لأحد أن يأمر به ، ولا ينكر على مَنْ تركه ، ولا يعلّق استحقاق الرّزق به ، لأنه إعانة على بدعة ، ولا يلزم فعله ، ولو شرطه واقف ، لمخالفته السنّة ))(2) .

وقال ابن الجوزي : ((وقد رأينا مَنْ يقوم بالليل كثيراً على المنارة ، فيعظ ويذكّر ، ويقرأ سورة من القرآن ، بصوتٍ مرتفعٍ ، فيمنع النّاس من نومهم ، ويخلط على المتهجدين قراءتهم ، وكل ذلك من المنكرات))(3).

قلت : فما بالك إنْ استخدمت في التسابيح و التذكيرات مكبرات الصّوت ؟!إنها حقّاً دعاية سيّئة مبتدعة للإسلام ، و تشويه لثوبه الزاهي القشيب ، و تنفير عن السكنى بالقرب من المسجد بسبب ماذا ؟! بسبب الزّعيق الذي فيه كثير من العبارات السخيفة المستهجنة ، المخالفة لعقيدة التوحيد ، كقول المذكِّر !! عن الرسول r : ((يا أوّل خلق الله)) !! و ((يا ساكن الحجرة)) !! وكأن الحجرة هي التي شرفت الرسول r
(1).

[6/23] خامساً : الأذان داخل المسجد :

إن الأذان في المسجد ، أمام مكبّر الصّوت ، لا يشرع لأُمور ، منها :

التشويش على مَنْ فيه مِنَ التّالين و المصلّين والمذكّرين .

ومنها :عدم ظهور المؤذّن بجسمه ، فإن ذلك من تمام هذا الشّعار الإِسلامي العظيم (الأذان).

لذلك نرى : أنه لا بد للمؤذن من البروز على المسجد ، و التأذين أمام المكبّر ، فيجمع بين المصلحتين ، وهذا التحقيق يقتضي ، اتخاذ مكان خاص فوق المسجد ، يصعد إليه المؤذّن ، ويوصل إليه مكبّر الصوت ، فيؤذّن أمامه ، وهو ظاهر للناس .

ومن فائدة ذلك : أنه قد تنقطع القوّة الكهربائية (2) ، ويستمر المؤذّن على أذانه وتبلغه إياه إلى الناس من فوق المسجد ، بينما هذا لا يحصل ، و الحالة هذه ، إذا كان يؤذّن في المسجد ، كما هو ظاهر .

ولا بد من التّذكير هنا بأنه لا بدّ للمؤذّنين من المحافظة على سنة الالتفات يمنة و يسرة عند الحيعلتين ، فإنه كادوا أن يطبقوا على ترك هذه السنّة ، تقيّداً منهم باستقبال لاقط الصّوت ، ولذلك نقترح وضع لاقطين على اليمين و اليسار قليلاً ، بحيث يجمع بين تحقيق السنة المشار إليها و التبليغ الكامل .

ولا يقال : إن القصد من الالتفات هو التبليغ فقط ، وحينئذ فلا داعي إليه مع وجود المكبّر !! لأننا نقول : إنه لا دليل على ذلك ، فيمكن أن يكون في الأمر، مقاصد أخرى ، قد تخفى على الناس ، فالأولى المحافظة على هذه السنّة ، على كلّ حال(3).

وبهذه المناسبة ننبّه إلى أن السنة الالتفات بالرأس يمنة و يسرة ، دون الصدر ، ((أما تحويل الصدر ، فلا أصل له في السنّة البتة ، و لا ذكر له في شيء من الأحاديث الواردة في تحويل العنق))(1).

نقل حرب عن الإمام أحمد : هل يدور في المنارة ؟ فقال : يلتفت عن يمينه و شماله ، وأما الدّوران ، فكأنه لم يعجبه(2).

[7/23] سادساً : التثويب في الأذان الثّاني للصبح و إيقاعه قبل وقته .

ومن أخطاء المؤذّنين أنهم لا يؤذّنون للصبح إلا أذاناً واحداً ، ومن يؤذّن منهم أذانين ، فإنهم يقعون فيما يلي :

1- إيقاع الأذان قبل وقته .وهذا الخطأ من الأخطاء القديمة الجديدة ، فقد شكى منه الحافظ ابن حجر العسقلاني – رحمه الله تعالى – فقال : ((من البدع المنكرة ، ما أحدث في هذا الزّمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان)) وقال أيضاً : ((وقد جرّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذّنون إلا بعد الغروب بدرجةٍ ، لتمكين الوقت ، زعموا !! ، فأخّروا الفطر ، و عجّلوا السّحور ، و خالفوا السنّة ، فلذلك قلّ عنهم الخيرُ ، و كَثُر فيهم الشر ، والله المستعان ))(3).

2- التثويب في الأذان الثاني للصبح .وهذا خطأ آخر ، إنما يشرع التثويب في الأذان الأوّل ، الذي يكون قبل دخول الوقت بنحو ربع ساعة تقريباً ، لحديث ابن عمر – رضي الله عنه – قال : (( كان في الأذان الأول بعد حي على الفلاح : الصّلاة خير من النّوم ، مرتين ))(4).

وحديث أبي محْذورة مطلق ، وهو يشمل الأذانين ، ولكن الأذان الثاني غير مراد ، لأنه جاء

مقيّداً في رواية أُخرى بلفظ : ((وإذا أذّنت بالأول من الصبح ، فقل : الصّلاة خير من النّوم ، الصّلاة خير من النّوم))(1).

فاتّفق حديثه مع حديث ابن عمر .

ولهذا قال الصّنعاني معقّباً على اللفظ السابق : ((وفي هذا تقييد لما أطلقته الروايات . قال ابن رسلان : و صحح هذه الرواية ابنُ خزيمة . قال : فشرعية التثويب إنما هي في الأذان الأوّل للفجر ، لأنه لإيقاظ النّائم . وأما الأذان الثاني ، فإنه إعلام بدخول الوقت ، ودعاء إلى الصلاة . اهـ. من ((تخريج الزركشي لأحاديث الرافعي)) . و مثل ذلك في ((سنن البيهقي الكبرى)) عن أبي محذورة : أنه كان يثوب في الأذان الأوّل من الصّبح بأمره r .

قلت : وعلى هذا ليس (( الصلاة خير من النوم )) من ألفاظ الأذان المشروع للدّعاء إلى الصلاة ، و الإخبار بدخول وقتها ، بل هو من الألفاظ التي شرعت لإيقاظ النائم ، فهو كألفاظ التسبيح الأخير ، الذي اعتاده الناس في هذه الأعصار المتأخّرة ، عوضاً عن الأذان الأوّل(2).

وهذا ما أيّده العلّامة الطحاوي ، و قال فيه : ((وهو قول أبي حنيفة و أبي يوسف و محمد رحمهم الله تعالى))(3).

ومما سبق : يتبيّن أن جعل التثويب في الأذان الثاني بدعة ، مخالفة للسنة ، و تزداد المخالفة حين يعرضون عن الأذان الأول بالكليّة ، و يصرّون على التثويب في الثّاني ، فما أحراهم بقوله تعالى
:
} أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْر {(4)

     وبقوله سبحانه :
} لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ {
(5)

[ 8/23] ومن الجدير بالذّكر في هذا المقام : أن من السنن المهجورة في زماننا : أن يكون مؤذّن الأذان الأوّل ، غير مؤذّن الأذان الثاني ، كما ثبتت في ذلك الأحاديث الصحيحة ، فهنيئاًً لمن

وفّقه الله ـ تبارك و تعالى ـ لإحيائها(1).

وستأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ جملةٌ من أخطاء المؤذّنين بين يدي خطيب يوم الجمعة ، في ((جماع أخطاء المصلّين في صلاة الجمعة)) .

وأخيراً . . . لا يفوتنا أن نشير إلى أخطاء غير المؤذنين عند سماعهم الأذان ، فمن ذلك :

[ 9/23] * مسح العينين أثناء الأذان بالإبهامين .

أورد أبو العباس أحمد بن أبي بكر الرداد اليماني المتصوّف في كتابه ((موجبات الرحمة و عزائم المغفرة)) بسندٍ فيه مجاهيل مع انقطاعه عن الخضر ـ عليه السلام ـ أنه : من قال حين يسمع المؤذّن ، يقول : (أشهد أن محمداً رسول الله) مرحباً بحبيبي و قرّة عيني محمد بن عبد الله r ، ثم يقبل إبهاميه ، ويجعلهما على عينيه ، لم يرمد أبداً .

قال السخاوي بعد إيراد هذا الحديث و آخر نحوه : ((ولا يصح في المرفوع من كل هذا شيء))(2).

هذا مستند العوام ، فيما يفعلونه ، حين سماعهم المؤذّن ، يقول : أشهد أن محمداً رسول الله ، ومنه تعلم خطأهم ، وفّقنا الله ـ وجميع المسلمين ـ لما يحب ويرضى ، و للعمل الصالح ، و لصالح العمل ، اللهم آمين .

[10/23] * عدم متابعة المؤذّن وسبقه في بعض العبارات .

ومن أخطاء المصلّين عند سماعهم الأذان ، قولهم : (لا إله إلا الله) قبل أن يتلفظ بها المؤذّن ، فتسمعهم حين يقول المؤذن في آخر الأذان (الله أكبر ، الله أكبر) يقولون (لا إله إلا الله) و بهذا يفوتهم القول مثل ما يقول المؤذن ، فضلاً عن مسابقته .

[11/23] ومن تمام السنّة أن يقول السامع للأذان ، عند قول المؤذّن : (( حي على الصلاة)) و ((حي على الفلاح)) مثل ذلك ، ومن ثم يقول : ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) عملاً بالأحاديث جميعها ، و إعمال الأدلة كلها ، خير من إهمالها ، أو إهمال بعضها ، وفي هذا ، دعوة الإنسان نفسه

بالإجابة بمثل ما يقول المؤذّن ، ويتبرّأ من حوله وقوته(1).

وينبغي تدارك إجابة المؤذّن ، إنْ كان المستمع في شغل ، ولم يطل الفصل ، ويبطل التدارك بطول الفصل(2) .

ومن أخطائهم أيضاً :

[ 12/23] زيادة بعض الألفاظ التي لم تثبت عن رسول الله r ، عند انتهاء الأذان ،

من مثل : ((والدرجة الرفيعة)) و ((يا أرحم الراحمين)) .

قال فيها ابن حجر : ((وليس في شيء من طرقه ذكر ((الدّرجة الرّفيعة)) وزاد الرافعي في ((المحرر)) في آخره : ((يا أرحم الراحمين)) و ليست أيضاً في شيء من طرقه))(3) .

ومن مثل : ((إنك لا تخلف الميعاد)).

وهي عند البيهقي في ((السنن الكبرى))(4) إلا أنها شاذة ، لأنها لم ترد في جميع طرق الحديث عن علي بن عياش ، اللهم إلا في رواية الكشمهيني لصحيح البخاري ، خلافاً لغيره ، فهي شاذة لمخالفتها لروايات الآخرين للصحيح ، وكأنه لذلك لم يلتفت إليها الحافظ ، فلم يذكرها في ((الفتح))(5) على طريقته في جمع الزّيادات من طرق الحديث(6).

ومن مثل قولهم عند أذان الغرب : ((اللهم هذا إقبال ليلك ، و إدبار نهارك …)) .

وهذا حديث ضعيف ، أخرجه الترمذي وغيره من طريق أبي كثير مولى أم سلمة عنها ، وقال الترمذي : ((حديث غريب ، وأبو كثير لا نعرفه)) .

ولذلك قال النووي :((رواه أبو داود و الترمذي ، وفي إسناده مجهول)) .

فمثل هذا الحديث ، لا يجوز نشره بين الأمة ، إلا مع بيان حاله من الضّعف(7) .

ومن مثل قولهم عند سماع ((الصلاة خير من النوم)) في أذان الصبح : ((صدقت و بررت)) .

قال الحافظ ابن حجر في هذه اللفظة : ((لا أصل لها))(1).

وكذا قولهم عند سماع الأذان : ((مرحباً بذكر الله)) أو ((مرحباً بالقائلين عدلاً ، و مرحباً بالصلاة أهلاً)) فالحديث الوارد فيها لا أصل له(2).

[24 ] * الإسراع في المشي إلى المسجد و تشبيك الأصابع فيه :

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي r قال : إذا سمعتم الإقامة ، فامشوا إلى الصّلاة ، و عليكم بالسّكينة و الوقار ، ولا تسرعوا ، فما أدركتم فصلّوا ، وما فاتكم فأتموا (3).

وقوله : ((إذا سمعتم الإقامة)) أخص من قوله في حديث آخر : ((إذا أتيتم الصلاة))(4) .

لكن الظاهر أنه من مفهوم الموافقة ، لأن المسرع إذا أقيمت الصلاة ، يترجى إدراك فضيلة التكبيرة الأولى ونحو ذلك ، ومع ذلك ، فقد نهي عن الإسراع ، فغيره ممن جاء قبل الإقامة لا يحتاج إلى الإسراع ، لأنه يتحقق إدراك الصّلاة كلها ، فينهى عن الإسراع من باب الأولى .

وقد لحظ فيه بعضهم معنى غير هذا ، فقال : الحكمة في التقييد بالإقامة : أن المسرع إذا أقيمت الصّلاة ، يصل إليها ، وقد ابنهر ، فيقرأ ، وهو في تلك الحالة ، فلا يحصل له تمام الخشوع في الترتيل و غيره ، بخلاف مَنْ جاء قبل ذلك ، فإن الصلاة قد لا تقام فيه ، حتى يستريح .

وقضية هذا : أنه لا يكره الإسراع لمن جاء قبل الإقامة ، وهو مخالف لصريح قوله r : ((إذا أتيتم الصّلاة)) لأنه يتناول ما قبل الإقامة ، وإنما قيد في الحديث بالإقامة ، لأن ذلك هو الحامل في الغالب على الإسراع(5).

والإسراع في المسير أو السعي الشديد ، لإدراك الصّلاة في المسجد ، أو لإدراك الركوع ،

يفوت السكينة و احترام الصلاة ، ويشوش على المصلّين .

وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله r قال : إذا توضّأ أحدُكُم للصَّلاة ، فلا

يُشَبِّك بين أصابعه(1) .

فالنهي مقيّد إذا كان ماشياً للصلاة قاصداً لها ، كما وقع التصريح به في حديث كعب بن عجرة : ((إذا توضأت فأحسنت وضوءك ثم خرجت غامداً إلى المسجد ، فلا تتُشَبِّكَنّ بين أصابعك ـ أُراه قال ـ في صلاة)) .

وفي رواية : ((إذا كنت في المسجد فلا تُشَبِّكَنَّ بين أصابعك ، فأنت في صلاة ما انتظرت الصلاة))(2) . وفي هذه الرواية : إن منتظر الصلاة في حكم المصلي ، وإن النهي عن التشبيك يشملهما(3).


 

[25] * الخروج من المسجد عند الأذان :

عن أبي هريرة : أنه رأى رجلاً خرج من المسجد بعد أن أذّن المؤذّن ، فقال : أما هذا فقد عصى أبا القاسم r
(4).

ويشبه أن يكون الزّجر عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذّن المؤذّن ، من معنى قوله r : ((إذا بُودِيَ للصّلاة ، أدبر الشيطان وله ضراط ، حتى لا يسمع التأذين))(5)

لئلا يكون متسبهاً بالشّيطان ، الذي يفرّ عند سماع الأذان(6).

وعن سعيد بن المسيّب قال : يُقال : لا يخرج أحد من المسجد ، بعد النّداء ، إلاّ أحدٌ يريد

الرّجوع إليه ،أو منافق(1).

وهذا لا يقال من جهة الرأي ، ولا يكون إلا توقيفاً ، وقد صح عن أبي هريرة رفعه إلى النبي r : ((لا يسمع النّداء في المسجد ، ثم يخرج منه إلا لحاجة ، ثم لا يرجع إليه إلا منافق))(2).

قال النّووي معقباً على كلام أبي هريرة السابق : ((أما هذا فقد عصى أبا القاسم r :

((فيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان ، حتى يصلّي المكتوبة إلا لعذر ، والله أعلم))(3).

وكلام أبي هريرة و حديثه مخصوص بمن ليس له ضرورة ، أما مَنْ كان جنباً أو محدثاً أو راعفاً أو حاقناً أو نحوهم ، وكذا مَنْ يكون إماماً لمسجد آخر ، و مَنْ في معناه ، فله أن يخرج من المسجد حينئذ ،

ودليل ذلك : عن أبي هريرة : أن رسول الله r خرج ، وقد أُقيمت الصّلاة ، وَعُدِّلَتِ الصفوف ، حتى إذا قام في مصلاّه ، انتظرْنا أن يُكبِّرَ ، انصرف ، قال : على مكانكم ، فمكثْنا على هيئتنا ، حتى خرج إلينا ، يَنطِفُ رأْسُه ماءٌ ، وقد اغتسل(4) .


 

[ 26 ] * دخول الرّجلين المسجد ، و تقام الصّلاة ، و يحرم الإمام ، وهما في مؤخره يتحدّثان :

ومن الأخطاء :

[1/26] دخول الرجلين المسجد ، وهما في مؤخره ، و تقام الصّلاة ، وهما في مؤخر المسجد ، مقبلان إلى الإمام ، فيحرم الإمام ، وهما ينحدّثان ، وهذا من المكروه البيّن ، لأنه لهو ، عما يقصدانه من الصّلاة ، وإعراض عنه ، و قال الإمام مالك في حقّ مَنْ يفعل هذا : ((أرى أن يتركا الكلام ، إذا أحرم الإمام))(5) .

وبهذه المناسبة ، نقول : إن الإسلام لم يمنع الكلام المباح ، ما لم يكن فيه تشويش على المتعبدين ، في المسجد ، و لكن على أن لا يكون فيه إعراض عن الصلاة ، أو تشاغل عنها ، كما في المسئلة السابقة ، وما يروى من الأحاديث في المنع من الكلام ، من مثل : ((الكلام المباح في

المسجد ، يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)) فلا أصل له(1) .

و ثبت عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنهم كانوا يتكلون على مسمعٍ من رسول الله r في أمور الجاهلية ، فيضحكون ، و يبتسم r ، وفي هذا مشروعية التحدث بالحديث المباح في المسجد ، و بأمور الدنيا و غيرها من المباحات ، وإن حصل ما فيه ضحك وغيره ونحوه ، ما دام مباحاً(2) .

عن سماك بن حرب قال : قلتُ لجابر بن سمرة : أكنتَ تجالس رسول الله r ؟ قال : نعم ، كثيراً ، كان لا يقوم من مُصلاّه ، الذي يصلّي فيه الصبح أو الغداة ، حتى تطلع الشمس ، فإذا طلعت الشمسُ ، قام ، و كانوا يتحدّثون ، فيأخذون في أمر الجاهلية ، فيضحكون ، و يبتسّم (3) .

هذا مع ملاحظة أن الأصل في الجلوس في المسجد أن يكون للصلاة و التلاوة و الذّكر و التفكر ، أو تدريس العلم ، يشرط عدم رفع الصوت ، و عدم التشويش على المصلّين و الذّاكرين .

عن ابن عمر – رضي الله عنهما – مرفوعا ً : لا تتخذوا المساجد طرقاً ، إلا لذكرٍ أو صلاة(4).

وعن أبي سعيد الخدري مرفوعاً : ألا إن كلكم مناج ربّه ، فلا يؤذين بعضكم بعصاً ، و لا يرفعنّ بعضكم على بعض بالقراءة ، أو قال : في الصّلاة(5).

وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – رفعه إلى النبي r : سيكون في آخر الزّمان ، قوم يجلسون في المساجد ، حلقاً حلقاً ، إمامهم الدنيا ، فلا تجالسوهم ، فإنه ليس لله فيهم حاجة(6).

ففي هذا الحديث :

[2/26] النهي عما يفعله بعضُ النّاس من الحلق ، و الجلوس جماعة في المسجد، للحديث في أمر الدنيا ، وما جرى لفلان ، وما جرى على فلان(1).

فينبغي أن ينزه المسجد عن أن يصبح مقهى أو ما يشبه المقهى ، فيتعاطى فيه الناس ، شرب الدّخان (2)، و تسميم جو المسجد ، بالروائح الكريهة ، وتلويث هوائه بالغازات الضّارة ، كما ينزه أن يصبح متحفاً فنياً أو أثرياً ، يدخله الأجانب للترويح عن النفس ، ومعهم النساء الكاسيات العاريات !! أو يصبح تكيه للدراويش(3) و الصوفية ، يضربون فيه بدفوفهم(4) ، و ينشدون أشعارهم الغزليّة ، و يقومون بالرقص ، و يشوشون على المصلّين !! أو يصبح مكاناً للاستجداء ، وقد أصبحت المساجد ـ و إلى الله المشتكى ـ مراكز تجمع للسائلين(5)!!


 

[ 27 ] * ترك تحية المسجد و السترة لها و للسنّة القبليّة :

ومن أخطاء بعض الناس بعد دخول المسجد :

[ 1/27 ] أولاً : أنك تراه واقفاً في منتصف المسجد ، أو في آخره ، و بينه و بين جدار القبلة ، الأمتار العديدة ، فيصلّي دون أن يكلّف نفسه اتخاذ سترة ، أو التقرب من جدار القبلة(6).

على الرغم مِنْ أنه أحق بالسّارية التي في المسجد ، ليتخّذها سترة ، من الجالس المتكي المتحدّث إليها .


 

قال عمر ـ رضي الله عنه ـ : ((المصلّون أحقّ بالسّواري مِنَ المتحدّثين إليها))(1).

[ 2/27] ثانياً : الجلوس دون صلاة الرّكعتين .

عن أبي قتادة السّلمي أن رسول الله r قال : إذا دخل أحدكم المسجد ، فليركع ركعتين ، قبل أن يجلس(2).

وفي رواية : أن أبا قتادة دخل المسجد ، فوجد النبي r جالساً بين أصحابه ، فجلس معهم ،

فقال ما منعك أن تركع ؟ قال رأيتُك جالساً والناس جلوس .

قال : فإذا دخل أحدكم المسجد ، فلا يجلس حتى يركع ركعتين(3).

وفي هذا الحديث فائدتان :

الأولى : مشروعية تحية المسجد لكل داخل .

الثانية : فيه رد على من قال : إذا خالف و جلس ، لا يشرع له التدارك .

و يؤيّده : أن أبا ذر ـ رضي الله عنه ـ دخل المسجد ، فقال له النبي r : أركعت ركعتين ؟ قال : لا . قال : قم فاركعهما(4) .

ترجم عليه ابن حبان : أن تحية المسجد ، لا تفوت بالجلوس .

ومثله قصة سليك ، كما سنأتي في ((جماع أخطاء المصلّين في صلاة الجمعة)) . و فيها :

الحث على صلاة التحية ، حتى ولو كان يخطب على المنبر .

و إنْ كان المصلّي قد باشر صلاة تحية المسجد ، وأقيمت الصلاة ، قطع صلاته ، ليلحق بالجماعة ، كما سيأتي – إن شاء الله تعالى – تفصيلُه .

[3/27] و إنْ ضاق الوقت عن أداء تحية المسجد ، و لا يوجد متسع إلا للسنة القبليّة أو الفريضة ، فهل للمصلّي أن يحرم بصلاة ينوي بها الأمرين معاً ـ أعني : التحية و السنة أو التحية و الفريضة ـ ؟

قال النووي رحمه الله تعالى : ((واتّفق أصحابنا على التّصريح بحصول الفرض و التحيّة ، و

صرّحوا بأنه لا خلاف في حصولهما جميعاً ، ولم أر في ذلك خلافاً ، بعد البحث الشديد سنين))(1).


 

[28] * قراءة سورة الإخلاص قبل إقامة الصّلاة :

قال الشيخ القاسمي رحمه الله تعالى :

[1/28] ((قراءة سورة الإخلاص ثلاثاً قبل إقامة الصّلاة ، إعلاناً بإنه ستقام الصّلاة ، بدعة ، لا أصل لها ، ولا حاجة لها))(2).

ومن ذلك : تلاوة شيءٍ من القرآن ، قبل الإقامة ، من قِبل أحد القراء ، و فيه تشويش على المصلّين ، مع أن النبي r نهى عن الجهر بالقرآن ، فقال : لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن(3).

وقال القاسمي : ((و قرأت في ((حواشي متن الشيخ خليل)) : أن مَنْ رفع صوته بالقراءة في المسجد ، يقام ، و يخرج منه ، إذا داوم على ذلك ، وإلا فيؤمر بالسكوت ، أو القراءة سراً)) .

[2/28] و يلحق بهذه البدغة : قولهم بعدها ((إلى أشرف المرسلين الفاتحة)) أو ((إلى أرواح المسلمين)) أو ((إلى من نحن بحضرته)) إذا كان في المسجد قبر أو مزار!! والعياذ بالله تعالى(4).


 

[29] * صلاة النّافلة إذا أُقيمت الصّلاة :

عن مالك بن بُحينة : أن رسول الله r رأى رجلاً ، وقد أُقيمت الصّلاة ، يصّلي ركعتين ، فلما انصرف رسولُ الله r لاثَ به النّاسُ ، وقال له رسولُ الله r : آلصُّبح أربعاً ، آلصُّبح أربعاً(5).

وفي هذا الحديث : إن الدخول مع الإمام في الصّلاة عند سماع الإقامة ، أولى من ركعتي الفجر ، وقد أظهر رسول الله r الكراهية لمن فعل ذلك ، ولم ينكر على مَنْ قضاها بعد الفريضة ، كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحيحة(6).

إذا أُقيمت الصّلاة ، فلا صلاة إلا المكتوبة(7).

وفي هذا الحديث :النهي الصريح عن افتتاح نافلة بعد إقامة الصّلاة ، سواء كانت راتبة ، كسنّة الصبح و الظهر و العصر أم غيرها ، وهذا مذهب الشافعي و الجمهور(1).

قال ابن عبد البر و غيره :الحجّة عند التّنازع السنّة ، فمن أدلى بها فقد أفلح ، وترك التنفل عند إقامة الصّلاة ، و تداركها بعد قضاء الفرض ، أقرب إلى اتّباع السنّة ، و يتأيّد ذلك من حيث المعنى ،بأن قوله في الإقامة ((حي على الصّلاة)) معناه : هلموا إلى الصّلاة ، أي التي يقام لها ، فأسعد النّاس بامتثال هذا الأمر ، مَنْ لم يتشاغل عنه بغيره(2) .

قال القاضي : والحكمة في النّهي عن صلاة النّافلة بعد الإقامة ، أن لا يتطاول عليها الزمان ، فيظن و جوبها .

وتعقّبه النووي ، فقال : وهذا ضعيف ، بل الصحيح : أن الحكمة فيه ، أن يتفرّغ للفريضة من أوّلها ، فيشرع فيها ، عقب شروع الإمام ، وإذا اشتغل بنافلةٍ ، فاته الإحرام مع الإمام ، وفاته بعض مكملات الفريضة ، فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها .

قال القاضي : وفيه حكمة أخرى : وهو النهي عن الاختلاف على الأئمة(3).

مما سبق ، يتبيّن لنا : خطأ بعض المصلّين ، يأتون فيجدون الإمام في الركعة الأولى أو الثانية ، فلا ينضمون مباشرة إلى الجماعة ، بل يتنحون ناحية ، ليصلّوا السنّة . وأحياناً يدركون الإمام ، وهو في القعود الأخير . وهذا من قلة فقههم ، وقد تكون الصّلاة جهريّةً ، و الإمام يقرأ القرآن ، وهم عن الاستماع و الإنصات غافلون ، يركعون و يسجدون بسرعة ، ليدركوا جزءاً مِن الصّلاة مع الإمام ، وهم يحسبون أنهم قد أصابوا هدفين برميةٍ واحدة ، وهم في الحقيقة ، لم يفقهوا من صلاتهم التي تطوعوا فيها شبئاً ، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه(4).


 

[30] * التنفل بعد صلاة الفجر ، بصلاةٍ لا سبب لها ، سوى ركعتي الصّبح :

عن حفصة – رضي الله عنها – قالت : كان رسول الله r إذا طلع الفجر ، لا يصلّي إلا ركعتين خفيفتين(5).

قال النووي : قد يستدلّ به مَنْ يقول : تكره الصّلاة من طلوع الفجر ، إلا سنّة الصبح ، وما له سبب . و لأصحابنا في المسئلة ثلاثة أوجه : أحدها هذا ، و نقله القاضي عياض عن مالك و الجمهور(1).

وقال القسطلاني : وذهب المالكيّة و الحنفية ، إلى ثبوت الكراهة من طلوع الفجر ، سوى ركعتي الفجر ، وهو مشهور مذهب أحمد ، ووجه عند الشافعية .

قال ابن الصلاح : إنه ظاهر المذهب ، و قطع به المتولّي في ((التتمة)) .

قلت : والكراهية ثابتة في غير حديث ، عن عبد الله بن عمر و عبد الله بن عمرو و أبي هريرة ـ رضي الله عنهم ـ مع أن النبي r ، لم يزد على الركعتين ، مع حرصه على الصّلاة ، كما في الحديث السابق .

عن يسار مولى ابن عمر قال : رآني ابن عمر ، وأنا أُصلّي بعد طلوع الفجر ، فقال : يا يسار ! إن رسول الله r خرج علينا ، ونحن نصلّي هذه الصّلاة ، فقال : ليبلغ شاهدكم غائبكم ، لا تصلّوا بعد الفجر إلا سجدتين(2).

قال الترمذي عقبه : ((وهو ما اجتمع عليه أهل العلم : كرهوا أن يصلّي الرجل بعد طلوع الفجر ، إلا ركعتي الفجر))(3).

وروى البيهقي و غيره بسندٍ صحيح عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلاً يصلّي بعد طلوع الفجر ، أكثر من ركعتين ، يكثر فيهما الركوع و السجود ، فنهاه ، فقال : يا أبا محمد ! يعذّبني الله على الصّلاة ؟! قال : لا ، ولكن يعذّبك على خلاف السنّة(4).

وهذا من بدائع أجوبة سعيد بن المسيب ـ رحمه الله تعالى ـ ، وهو سلاح قوي على المبتدعة ، الذين يستحسنون كثيراً من البدع ، باسم أنها ذكر و صلاة ، ثم ينكرون على أهل السنة ، إنكار ذلك عليهم ، و يتهمونهم بأنهم ينكرون الذّكر و الصّلاة !! وهم في الحقيقة إنما ينكرون خلافهم للسنّة في الذّكر و الصّلاة ونحو ذلك(1).


 

[31] * أكل الثوم و البصل وما يؤذي المصلّين قبل الحضور للجماعة :

عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي r قال في غزوة خيبر : مَنْ أكل مِنْ هذه الشجرة – يعني الثّوم – فلا يقربنْ مسجدنا(2).

وعن جابر بن عبد الله أن النبي r قال : من أكل ثوماً أو بصلاً ، فَلْيعْتزلنا – أو قال : فَلْيَعْتَزِلْ مسجدَنا – و لْيَقْعُدْ في بيته(3).

وفي رواية : مَنْ أكل مِنْ هذه الشجرة المُنتنة ، فلا يقربنّ مسجدنا ، فإن الملائكة تأذّى ، مما يتأذّى منه الإنس(4).

وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله r : من أكل من هذه الشجرة ، فلا يقربَنّ مسجدنا ، و لا يؤذينا بريح الثُّوم(5).

في هذه الأحاديث :

[1/31] كراهية أكل الثوم و البصل ، عند حضور المسجد ، ذلك لأن الإسلام دين يراعي شعور الآخرين ، و يحث على الذّوق السليم ، و الخلق الحسن .

ويلحق بالثّوم و البصل و الكرّاث ، كل ما له رائحة كريهة من المأكولات و غيرها .

قال القاضي : ويلحق به مَنْ أكل فجلاً ، وكان يتجشى(6).

وقال أيضاً : و قاس العلماء على هذا ، مجامع الصّلاة غير المسجد ، كمصلّى العيد ، و الجنائز ، ونحوها ، من مجامع العبادات ، وكذا مجامع العلم و الذّكر و الولائم ونحوها ، ولا يلتحق بها الأسواق ونحوها(4).

قلت : وحكم رحبة المسجد ، وما قرب منها حكمه ، ولذلك قال عمر في خطبة يوم الجمعة : ((ثم إنكم ، أيها النّاس ! تأكلون شجرتين ، لا أراهما إلا خبيثين : هذا البصل و الثّوم ، لقد رأيتُ رسول الله r ، إذا وجد ريحهما من الرّجل في المسجد ، أمر به ، فأُخرج إلى البقيع ، فمن أكلهما ، فَليُمِتْهما طبخاً))(5).

ولذلك قال بعض الفقهاء : كلّ مَنْ وجد فيه رائحة كريهة ، يتأذّى بها الإنسان ، يلزم إخراجه من المسجد ، ولو يجره من يده ورجله ، دون لحيته وشعر رأسه ، كذا في ((مجالس الأبرار))(1).

[2/31] وما دامت علّة المنع من صلاة الجماعة : الرائحة الكريهة ، كما جاء في بعض الأحاديث ، وتأذي الملائكة ، ويؤذيها ما يؤذي بني آدم ، كما في الأحاديث الأخرى ، فإن الدّخان يلحق بالبصل و الثوم ، بل هو أشدّ منه .

قال الشيخ ابن باز معلقاً على الأحاديث السّابقة : ((هذا الحديث ، وما في معناه من الأحاديث الصحيحة ، يدل على أن كراهة حضور المسلم لصلاة الجماعة ، ما دامت الرائحة توجد منه ظاهرة ، تؤذي من حوله ، سواء كان ذلك من أكل الثوم أو البصل أو الكراث أو غيرهما من الأشياء المكروهة الرائحة ، كالدخان ، حتى تذهب الرائحة … مع العلم بأن الدخان مع قبح رائحته هو محرم ، لأضراره الكثيرة ، و خبثه المعروف ، وهو داخل في قوله سبحانه عن نبيّه r في سورة الأعراف : { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ}(4)

ويدل على ذلك أيضاً قوله سبحانه في سورة المائدة : } يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَات {
(1).

ومعلوم أن الدخان ليس من الطيّبات ، فعلم بذلك أنه من المحرمات على الأمة))(2) .

وقال الشيخ عبد الله الجبرين في ((تنبيهات على بعض الأخطاء التي يفعلها بعض المصلين في صلاتهم))(3).

((استعمال ما يسبب الروائح المنتنة المستكرهة في مشام النّاس ، كالدّخان و النارجيلة ( الشيشة) ، مما هو أقبح من الكراث و الثّوم و البصل ، الذي تتأذى منه الملائكة و المصلّون ، فعلى المصلّي أن يأتي وهو طيب الرائحة ، بعيداً من تلك الخبائث)) انتهى .

قلت : و الأقبح من جميع ما ذكر رائحة الجوارب التي تنبعث من بعض المصلين ، فهي أسوأ رائحة من رائحة الثوم و البصل .

و إن من قلّة الذوقّ ، ومن مخالفة قوله r : ((فإن الله أحقّ أن يتزين له)) ، أن يأتي المصلّي، و ثيابه متّسخة ، فلا ينظفها ، قبل أن يدخل المسجد ، ثم يزاحم الآخرين بهذه الثياب القذرة ، التي ربما تنبعث منها الرائحة الكريهة .وقد حثّ النبي r ـ كما سيأتي ـ على التطيّب ، لا سيما يوم الجمعة ، و على الاغتسال ، وذلك ليكون المسلم نظيف الجسم ، نظيف الثّوب و الظّاهر ، كما هو نظيف القلب و الباطن .

ومما يلحق بهذا :

[3/31] أن يحدث المصلّي في المسجد . أي : أن يخرج الريح الكريهة ، وفي ذلك إيذاء

للآخرين ، و إفساد لجو المسجد ، وقد أخبرنا r أنّ الملائكة تصلّي على الشخص الذي يأتي

المسجد للصلاة ، فتقول : اللهم صلّ عليه ، اللهم ارحمه ، ما لم يحدث فيه .

قيل : وما يحدث ؟ قال : يفسو أو يضرط(1) .

قال النووي : (( لا يحرم إخراج الربح من الدّبر في المسجد ، لكن الأولى اجتنابه ، لقوله r : (( فإن الملائكة تتأذّى مما يتأذّى منه بنو آدم ))(2) .

[4/31] ومن أوهام العوام و خرافاتهم : اعتقادهم إذا خرج من الإنسان ريح في المسجد ، أن الملك يتلقاه بفمه ، ويخرج به إلى خارج المسجد ، فإذا تفوّه به مات الملك، و خطؤه واضح ، فإن مثل ذلك لا يعلم إلا من قبل صاحب الوحي r .

ولم يرد عنه في ذلك أصل يعتمد عليه ، ولأنه خلاف المشاهد ، فإنا نجد الريح ينتشر في داخل المسجد ، ويستمر في الهواء ، كانتشاره واستمراره خارج المسجد(3) ، والفقه في ذلك ما قدمنا من كراهته لتأذي الملائكة به .


 


 


 


 


 

أخطاؤهم من إقامة الصّلاة حتى تكبيرة الإِحرام


 


 

* أخطاء مقيمي الصّلاة و مستمعيها .

* عدم إتمام الصُّفوف و ترك التّراص و سد الفُرج فيها .

* ترك الصّلاة في الصف الأول ، ووقوف غير أولي النّهي خلف الإمام فيه .

* الصَّلاة في الصفوف المقطّعة .

* الوقوف الطّويل و الدّعاء قبل تكبيرة الإحرام ، و المهمهمة بكلماتٍ لا أصل لها .


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

[ 32 ] * أخطاء مقيمي الصّلاة و مستمعيها :

[ 1/32 ] اعتقاد أنه لا تجزىء الإقامة إلا من المؤذّن ، ويعتمد القائلون بهذا على حديث ضعيف ، لم يصح عن النبي r ، ألا وهو : ((مَنْ أذّن فهو يقيم))(1).

قال الألباني :((ومن آثار هذا الحديث السيّئة ، أنه سبب لإثارة النزاع بين المصلّين ، كما وقع ذلك غير ما مرّة ، وذلك حين يتأخر المؤذّن عن دخول المسجد لعذر ، ويريد بعض الحاضرين أن يقيم الصّلاة ، فما يكون من أحدهم إلا أن يعترض عليه محتجّاً بهذا الحديث ، ولم يدر المسكين أنه حديث ضعيف ، لا يجوز نسبته إليه r ، فضلاً عن أن يمنع به الناس من المبادرة إلى طاعة الله تعالى ، ألا وهي إقامة الصّلاة ))(2).

[2/32] وليس للمؤذّن أن يقيم الصّلاة بغير إذن الإمام ، وغير المؤذّن أولى بذلك ، فعلى المصلّين مراعاة ذلك ، وعليهم أن يعرفوا هذا الحق للإمام ، فلا يتدخل أحد في أمر إقامة الصلاة حتى يأذن بها الإمام ، وفق الله الجميع لما يحبّه ويرضاه .

ومن أخطاء الإقامة :

[3/32] زيادة لفظ ((سيدنا)) في ألفاظها ، مع أن ألفاظها مأثورة ، متعبّد بها ، رويت بالتواتر خلفاً عن سلف ، في كتب الحديث الصحاح و الحسان ، والمسانيد والمعاجم ، ولم يرو أحد قط استحباب هذه الزيادة عن صحابي ولا تابعي ، بل ولا فقيه من فقهاء الأئمة ولا أتباعهم ، وليس تعظيمه صلوات الله وسلامه عليه ، بزيادة ألفاظ في عبادات مشروعة ، لم يسنها هو ، ولم يستحبها خلفاؤه الراشدون ، مما يرضاه صلوات الله عليه ، لأن لكل مقام مقالاً(1) .

ومن أخطاء المقيمين :

[4/32] وقوفهم خلف الإمام مباشرة ، وقد لا يكونون من أولى الأحلام و النّهي ، وكذلك إقامتهم الصّلاة ، وهم يمشون ، وقد سأل عبد الله بن أحمد أباه ، فقال : ((قلت لأبي : الرجل يمشي في الإِقامة ؟ قال : أحبّ إليّ أن يقيم مكانه))(2)و ((ذلك لأن الإقامة شرعت للإعلام ، فشرعت في موضعه ، ليكون أبلغ في الإعلام))(3) .

ومن أخطاء مستمعي الإقامة :

[5/32] قولهم عند سماع : ((قد قامت الصّلاة)) : ((أقامها الله و أدامها)) لأنه لم يصح عن النبي r إلا قوله : ((إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثلما يقول …)) فالصواب أن يُقال : ((قد قامت الصلاة)) و تخصيص عموم الحديث ، بحديث ضعيف لا يجوز ، وقد ضعفه النووي وابن حجر ، فقال : ((أخرج أبو داود من حديث أبي أمامة : أن بلالاً أخذ في الإِقامة ، فلما بلغ : (( قد قامت الصلاة)) قال النبي r : ((أقامها الله و أدامها)) .

وقال عقبه : ((وهو ضعيف ، والزيادة فيه – أي : أقامها الله وأدامها – لا أصل لها))(4).


 

[33] * عدم إتمام الصفوف وترك التّراص و سدّ الفُرَج فيها :

عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله r : ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربّها ؟

فقلنا : يا رسول الله ، وكيف تصف الملائكة عند ربّها ؟

قال : يتمّون الصفوف ، الأوّل فالأوّل ، ويتراصّون في الصّفوف(1).

من هذا يتبيّن لنا خطآن يقع فيهما كثير من المصلّين :

[1/33] الأول : الصّلاة في أمكنة بعيدة عن الصفّ ، استرواحاً أو تعوّداً الصّلاة في مكان

معيّن في المسجد(2)!!

فترى بعض المصلّين قد تعوّدوا أن يصلّوا في (( السّدة )) التي في المسجد ، فيبتعدوا عن الإمام ، ويصلّوا في هذه (( السّدة )) ، على الرّغم من وجود أمكنة شاغرة في الصفوف الأولى ، وهذ مخالف للحديث السابق ، ولقوله r ، وقد رأى في أصحابه تأخُّراً ، فقال لهم : تقدّموا ، فائتمُّوا بي ، وليأتم بكم من بعدكم ، لا يزال قوم يتأخّرون حتى يؤخّرَهم الله(3).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ((ولا يصف في الطّرقات و الحوانيت ، مع خلو المسجد ، و مَنْ فعل ذلك ، استحق التّأديب ، و لمن جاء بعده تخطيه ، ويدخل لتكميل الصفوف المتقدمة ، فإن هذا لا حرمة له .

قال : فإن امتلأ المسجد بالصفوف ، صفّوا خارج المسجد ، فإذا اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات و الأسواق صحت صلاتهم . و أما إذا صفوا و بينهم و بين الصف الآخر ، طريق يمشي النّاس فيه ، لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء ، و كذلك إذا كان بينهم وبين الصفوف حائط ، بحيث لا يرون الصفوف ، ولكن يسمعون التكبير ، من غير حاجة ، فإنه لا تصح صلاتهم في الأظهر ، وكذلك مَنْ صلى في حانوته ، والطريق خالٍ ، لم تصح صلاته ، وليس له أن يقعد في الحانوت ، و ينتظر اتصال الصفوف به ، بل عليه أن يذهب إلى المسجد ، فيسد الأول فالأول فالأول))(4).

[2/33] الثاني : ترك التراص في الصفوف ، ووجود الفرج فيها ، و منشأ ذلك اعتقاد جماهير المسلمين أن تسوية الصفوف و إقامتها بالمناكب فحسب !! وخفي عليهم أن من تسوية

الصف تسويته بالأقدام أيضاً .

عن أنس عن النبي r قال : أقيوا صفوفكم ، فإني أراكم من وراء ظهري .

قال أنس : وكان أحدنا يُلْزِق منكبه بمنكب صاحبه ، و قدمه بقدمه(1) .

وفي رواية : قال أنس : لقد رأيت أحدنا يُلْزِق منكبه بمنكب صاحبه ، و قدمه بقدمه . ولو ذهبت تفعل ذلك اليوم ، لترى أحدهم ، كأنه بغل شموس(2) .

ولهذا قال بُشَيْر بن يسار الأنصاري عن أنس : أنه لما قدم المدينة ، فقيل له : ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله r ؟ قال : ما أنكرت إلا أنكم لا تقيمون الصفوف(3) .

فظهر أن إلزاق المنكب بالمنكب و القدم بالقدم في الصّفوف سنّة ، قد عمل بها الصّحابة – رضي الله عنهم – خلف النبي r وهو المراد بإقامة الصّف وتسويته على ما قال الحافظ ابن حجر كما سيأتي .

وقول أنس بن مالك : ((ولو ذهبت تفعل ذلك اليوم لترى أحدهم ، كأنه بغل شموس)) وهكذا حال أكثر النّاس في هذا الزّمان ، فإنه لو فعل بهم ذلك ، لنفروا كأنهم حمر وحش ! وصارت هذه السنّة عندهم ، كأنها بدعة ـ عياذاً بالله ـ فهداهم الله تعالى ، وأذاقهم حلاوة السنّة(4).

قال الحافظ ابن حجر معلّقاً على زيادة أنس في الحديث السابق : ((وأفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبيr ، وبهذا يتم الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف و تسويته))(5) .

وصرح بما ذكره أنس بن مالك من إلزاق المنكب بالمنكب و الكعب بالكعب النعمانُ بن بشير ، وزاد : الركبة بالركبة ، فقال : أقبل رسول الله r على الناس بوجهه ، فقال : أقيموا الصفوف ، ثلاثاً ، والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم .

قال النعمان : فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه ، وركبته بركبة صاحبه ، وكعبه

بكعبه(1).

قال الألباني معلقاً على حديث أنس و النعمان السّابقَيْن :((وفي هذين الحديثين ، فوائد هامّة :

الأولى : وجوب إقامة الصفوف و تسويتها و التراص فيها ، للأمر بذلك ، و الأصل فيه الوجوب إلا لقرينه ، كما هو مقرر في الأصول ، و القرينة هنا تؤكد الوجوب ، وهو قوله r : ((أو ليخالفن الله بين قلوبكم )) فإن مثل هذا التهديد ، لا يقال فيما ليس بواجب ، كما لا يخفى .

الثانية : أن التسوية المذكورة ، إنما تكون بلصق المنكب بالمنكب ، وحافة القدم بالقدم ، لأن هذا هو الذي فعله الصحابة – رضي الله عنهم - حين أمروا بإقامة الصفوف(2).

ومن المؤسف أن هذه السنّة من التسوية ، قد تهاون بها المسلمون ، بل أضاعوها ، إلا قليل منهم ، فإني لم أرها عند طائفة منهم إلا أهل الحديث ، فإني رأيتهم في مكة سنة (1368) حريصين على التمسك بها ، كغيرها من سنن المصطفى عليه الصلاة و السلام ، بخلاف غيرهم من أتباع المذاهب الأربعة ـ لا استثني منهم حتى الحنابلة ـ فقد صارت هذه السنّة عندهم نسياً منسيّاً ، بل إتهم تتابعوا على هجرها ، والإعراض عنها ، ذلك لأن أكثر مذاهبهم نصّت على أن السنة في القيام التفريج بين القدمين بقدر أربع أصابع ، فإن زاد كره ، كما جاء مفصّلاً في ((الفقه على المذاهب الأربعة)) : (1/207) ، و التقدير المذكور لا أصل له في السنة ، وإنما هو مجرد رأي ، ولو صح لوجب تقييده بالإمام والمنفرد ، حتى لا يعارض به هذه السنة الصحيحة ، كما تقتضيه القواعد الأصوليّة .

أنني أُهيب بالمسلمين – وخاصة أئمة المساجد – الحريصين على اتباعه r ، واكتساب فضيلة إحياء سنته r ، أن يعملوا بهذه السنة ، ويحرصوا عليها ، ويدعوا الناس إليها ، حتى يجتمعوا عليها

جميعاً ، و بذلك ينجون من تهديد : أو ليخالفن الله بين قلوبكم ))(1) انتهى .

قلت : ما لم يفعل المصلّون ما فعله أنس و النعمان – رضي الله عنهما - ، ستبقى الفرجُ و الخللُ في الصفوف ، و المشاهد أن المصلين – على الغالب – لو تراصوا ، لاتّسعت الصفوف – وخاصة الأوّل منها – اثنين أو ثلاثة آخرين ، فإن لم يفعلوا :

أولاً : وقعوا في المحظور الشرعي السابق .

ثانياً : تركوا الخلل للشيطان ، وقطعهم الله سبحانه .

عن ابن عمر – رضي اللع نهههما – أن رسول الله r قال : أقيموا الصفوف ، وحاذوا بين المناكب ، وسدوا الخلل ، ولا تذروا فرجات للشيطان ، مَنْ وصل صفاً وصله الله ، ومن قطع صفاً قطعه الله (2) .

والفُرجات : جمع فُرجة ، وهي المكان الخالي بين الاثنين .

والخلل : هو ما يكون بين الاثنين من اتساع عند عدم التّراص .

ثالثاً : تضاربت قلوبهم ، وكثر الخلاف بينهم (3) ، إذ في حديث النّعمان فائدة أصبحت معروفة في علو النفس ، وهي : أن فساد الظّاهر يؤثر في فساد الباطن ، والعكس بالعكس . مع أن في سنة التراص و التزاحم في الصف ، ما يوحي للنفوس بالأخوّة و التعاون ، فكتف الفقير ملتصقة بكتف الغني ، وقدم الضعيف لاصقة بقدم القويّ ، وكلها صف واحد ، كالبنيان المرصوص المتماسك .

رابعاً : فاتهم الثّواب العظيم ، الوارد في كثير من الأحاديث الصحيحة ، منها :

قوله r : ((إن الله و ملائكته يصلّون على الذين يصلون الصفوف))(4) .

وقوله r : (( من وصل صفاً وصله الله ))(2).

(( خياركم ألينكم مناكب في الصّلاة ، وما من خطوة أعظم أجراً من خطوة مشاها رجل إلى فُرجةٍ في الصف ، فَسَدَّها ))(3) .

وفي هذا الحديث :

[3/33] تنبيه لذلك الصنف من المصلّين ، الذين يأنفون أن يصف بجانبهم أحدٌ ، على الرغم من وجود الفرجة في الصف ، فطالما شاهدنا مصلّين - خصوصاً كبار السّن – يرجعون من الصف إلى الذي يليه ، إنْ جاء محبٌّ للسنّة ، طامعاً في ثواب الله ليسدّ فرجة، وليتذكر هؤلاء قوله r : (( خياركم ألينكم مناكب في الصلاة )) وقوله r : (( لينوا بأيدي إخوانكم ))(4) ، و الذّكرى تنفع المؤمنين .

قال ابن الهمام بعد أن أورد الحديث السابق : ((وبهذا يعلم جهل مَنْ يستمسك عند دخول داخل بجنبه في الصف ، ويظن أن فسحه له رياء ، بسبب أنه يتحرك لأجله ، بل ذاك إعانة له على إدراك الفضيلة ، و إقامة لسدّ الفرجات المأمور بها في الصف ، و الأحاديث في هذا شهيرة كثيرة ))(5) . وفيه :

[ 4/33] فضل المشي لسدّ فرجة ، وإن كان صاحبها في الصّلاة ، فمن رأى مِنَ المأمومين فرجة ، فليتقدم خطوةً لسدها ، إن كانت في الصف الذي أمامه ، فإن لم يتقدم أحد ، فليسدها من كانت الفرجة بجانبه ، عن طريق المشي إلى جهة اليسار ، إنْ كان واقفاً عن يمين الإمام ، مإلى جهة اليمين ، إن كان واقفاً عن شماله ، لقوله r :

((رصُّوا صفوفكم ، وقاربوا بينها ، وحاذوا بالأعناق ، فوالذي نفسي بيده ، إني لأرى الشيطان يدخل من خَلَل الصفّ كأنها الحَذَف ))(1) .

والحَذَف :غنم سود صغار حجازية أو جُرَشيّة ، بلا أَذناب ولا آذان ، كما في ((القاموس)).

ومنها : قوله r : (( مَنْ سَدّ فُرْجَةً ، رفعه الله بها درجة ، وبنى له بيتاً في الجنة ))(1) .

[5/33] ومن واجبات الإمام أن يتفقد الصفوف ، وأن يأمر بسدّ الفرج ، حتى إذا رأى الصفوف استوت كبّر ، كما كان يفعل النبي r .

عن النعمان بن بشير – رضي الله عنه – قال : كان رسول الله r يُسوِّي صفوفنا ، حتى كأنما يُسوِّي بها القِدَاح(2) ، حتى رأى أنّا قد عقلنا عنه ، ثم خرج يوماً ، فقام ، حتى كاد يُكبِّر ، فرأى رجلاً بادياً صدره من الصف ، فقال : عباد الله !! لتُسوُّنَّ صفوفكم ، أو ليخالفنّ اللهُ بين وجوهكم(3) .

في الحديث : ضرورة تسوية الصفوف ، واعتناء الإمام بها ، و الحثّ عليها .

ومضى في حديث أنس قوله r : ((أقيموا صفوفكم و تراصّوا))(4).

[6/33] ويتبيّن من هذين الحديثين : ((أن شروع الإمام في تكبيرة الإحرام ، عند قول المؤذّن ((قد قامت الصلاة)) بدعة ، لمخالفتها السنّة الصحيحة ، كما يدلّ على ذلك هذان الحديثان ، لا سيما الأوّل منهما ، فإنهما يفيدان أن على الإمام بعد إقامة الصلاة واجباً ينبغي عليه القيام به ، وهو أمر الناس بالتسوية مذكراً لهم بها ، فإنه مسؤول عنهم : ((كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته))(5)))(6).

[7/33] ومن القصور : اقتصار بعض الأئمة على قولهم : ((استووا ، استووا)) فقط!!أو

الاكتفاء بمجرد النّظر إلى رؤوس أصابع الرجلين ، ومدى قربها و بعدها ، عن الحبال الممدودة ، ويظنون أنهم بقولهم و فعلهم هذا قد أدّوا ما عليهم ، والأدهى من ذلك و الأشنع أن يظنوا أن مجرد وقوف المأمومين بالهيئة المشار إليها تسوية للصفوف و إقامة لها !!

وكان عمر بن الخطاب يوكّل رجالاً بإقامة الصفوف ، فلا يُكبّر ، حتى يُخْبَر أن الصفوف قد استوت ، وكان علي وعثمان يتعاهدان ذلك أيضاً ، وكان علي يقول : تقدّم يا فلان ، تأخر يا فلان(1) .

قال ابن حزم : ((ونستحب أن لا يكبّر الإمام حتى يستوي كل من وراءه في صف أو أكثر من صف ، فإن كبّر قبل ذلك أساء و أجزأه))(2) .

ومن أخطاء بعض الأئمة في هذا الأمر :

[8/33] قولهم : ((إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج)) !! مع أن هذا الحديث لم يصح ولم يثبت عن رسول الله r ، بل لا أصل له .

[9/33] ومن أخطائهم : أنه إذا اقتدى بهم واحد فقط ، أخّروه عنهم قليلاً بمقدار شير أو دونه ، مع أن السنّة ، أن لا يتقدم عنه ولا يتأخّر ، بل يقف حذاءهُ عن يمينه ، هكذا وقف عبد الله بن عباس عندما صلّى خلف رسول الله r ، وقد ترجم البخاري لحديثه بقوله : (( بلب يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء ، إذا كانا اثنين))(3) .

فقوله : ((سواء)) أخرج به مَنْ كان إلى جنبه ، لكن على بُعد منه ، ومعناه : لا يتقدم ولا يتأخّر عنه(4) .

ويتأيّد هذا بما يلي :

أولاً : لو وقع تأخّر عن الإمام حال صلاة رجل واحد معه ، لنُقل لنا ، لا سيما أن الاقتداء به أفراد الصحابة قد تكرر .

ثانياً : وقع تصريح في بعض طرق صلاة ابن عباس مع النبي r ، جاء فيه قول النبي r له :

((ما شأني أجعلك حذائي – يعني في الصّلاة – فتخنس ؟))(1) .

وأدار رسول الله r جابراً إلى يمينه ووضعه بجانبه ، لما وقف عن يساره ، كما في صحيحي البخاري و مسلم .

قال الإمام مسلم : ((وكذلك سنة رسول الله r في سائر الأخبار عن ابن عباس أن الواحد مع الإمام يقوم عن يمين الإمام لا عن يساره))(2) .

قال ابن ضويان : ((ويقف الرجل الواحد عن يمين الإمام محاذياً له ، لأنه r أدار ابن عباس و جابراً إلى يمينه ، لما وقفا عن يساره))(3) .

ثالثاً : وهذا ما فعله الصحابة رضوان الله عليهم .

عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال : دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة ، فوجدتُه يسبّح ، فقمتُ وراءه ، فقرّبني حتى جعلني حذاءه عن يمينه(4) .

وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال : قلتُ لعطاء : الرجل يصلّي مع الرّجل ، أين يكون منه ؟ قال : إلى شقّه الأيمن . قلتُ : أيحاذي به ، حتى يصف معه ، لا يفوت أحدهما الآخر ؟ قال : نعم . قلت : أتحبّ أن تساويه ، حتى لا يكون بينهما فرجة ؟ قال : نعم(5) .

((فهذا الأثر مع الأحاديث المذكورة حجة قوّية على المساواة المذكورة ، فالقول باستحباب أن يقف المأموم دون الإمام قليلاً ، كما جاء في بعض المذاهب – على تفصيل ذلك لبعضها – مع أنه مما لا دليل عليه في السنّة ، فهو مخالف لظواهر هذه الأحاديث ، وأثر عمر هذا ، وقول عطاء المذكور ، وهو الإمام التابعي الجليل ابن أبي رباح ، وما كان من الأقوال كذلك ، فالأحرى بالمؤمن أن يدعها لأصحابها ، معتقداً أنهم مأجورون عليها ، لأنهم اجتهدوا قاصدين إلى الحق ، وعليه هو أن يتبع ما ثبت في السنّة ، فإن خير الهدي ، هدي محمد r ))(6) .


 

[34] * ترك الصّلاة في الصّف الأوّل ووقوف غير أولي النّهي خلف الإمام فيه :

عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال :
قال النبي
r :
لو يعلم الناس ما في النّداء و الصّف الأوّل ، ثم لم يجدوا ، إلا أن يستهموا عليه ، لاستهموا(1).

وفي رواية : لو تعلمون ما في الصّف المقَدَّم لكانت قُرْعَةً(2) .

وعنه أيضاً ـ رضي الله عنه ـ قال :
قال رسول الله
r :
خير صفوف الرجال أولها ، وشرّها آخرها ، و خير صفوف النساء آخرُها ، وشرُّها أوّلها(3) .

وعن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ قال :
سمعتُ رسول الله
r يقول :
إن الله و ملائكته يصلّون على الصّف الأوّل ، و الصّفوف الأُولى(4) .

في الحديث الأوّل :
لو يعلمون ما في الصّف الأول من الفضيلة ، وجاءوا إليه دفعة واحدة ، وضاق عنهم ، ثم لم يسمح بعضهم لبعض به ، لاقترعوا عليه .

وفي الثّاني :
إن صفوف الرّجال خيرها أوّلها أبداً ، وشرّها آخرها أبداً ، أما صفوف النّساء ، فالمراد بالحديث : صفوف النّساء اللواتي يصلّين مع الرّجال ، وأما إذا صلّين متميزات لا مع الرّجال ، فهن كالرّجال ، خير صفوفهن أوّلها ، و شرها آخرها(5) .

المراد بشرّ الصّفوف في الرّجال و النّساء : أقلها ثواباً و فضلاً ، وأبعدها من مطلوب الشّرع ، وخيرها بعكسه .
وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال ، لبعدهن من مخالطة الرجال ، و رؤيتهم و تعلّق القلب بهم عند رؤية حركاتهم ، وسماع كلامهم ، ونحو ذلك . وذم أوّل صفوفهن لعكس ذلك ، والله أعلم(6) .

وقال العلماء في فوائد الصّف الأوّل :
المسارعة إلى خلاص الذّمة ، و السبق لدخول المسجد ، و القرب من الإمام ، واستماع قراءته و التعلّم منه ، و الفتح عليه ، و التّبليغ عنه ، و السّلامة من اختراق المارّة بين يديه ، وسلامة البال مِنْ رؤية مَنْ يكون قدّامه ، وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلّين(1) .

وإن من المؤسف :

[1/34] أن ترى بعض المبكّرين في الحضور إلى المسجد ، لا يحرصون على الصفّ الأول ، و يزهدون فيه ، وبعضهم يعتقد أن الثّواب المذكور يتحصل عليه مَنْ أتى مبكراً ، وإن لم يصلّ في الصّف الأوّل !! وهذا اعتقاد فاسد .

قال الإمام النووي ـ رحمه الله تعالى ـ :
((واعلم أن الصف الأوّل الممدوح الذي قد وردت الأحاديث بفضله ، و الحثّ عليه ، وهو الصف الذي يلي الإمام ، سواء جاء صاحبه ، متقدّماً أو متأخّراً ، وسواء تخلله مقصورة و نحوها أم لا ، هذا هو الصحيح ، الذي يقتضيه ظواهر الأحاديث ، و صّرح به المحققون .

وقال طائفة من العلماء :
الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه ، لا يتخلله شيء ، وإن تأخّر . وقيل : الصف الأوّل عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أوّلاً ، و إنْ صلّى في صفٍّ متأخرٍ . وهذان القولان غلط صريح ، وإنما أذكره ومثله ، لأنبّه على بطلانه ، لئلا يغترّ به ، و الله أعلم))(2) انتهى.

وقد حذّر النبي r من التأخر عن الصّفوف ، فقال عندما رأى في بعض أصحابه تأخّراً :
تقدّموا ، فائتموا بي ، و ليأتمّ بكم من بعدكم ، لا يزال قوم يتأخّرون حتى يؤخّرهم الله(3) .

ومعنى قوله : ((لا يزال قوم يتأخّرون)) أي : عن الصفوف الأولى ((حتى يؤخّرهم الله)) عن رحمته أو عظيم فضله ورفع المنزلة ، وعن العلم ، ونحو ذلك(4) .

ومن المؤسف أيضاً :

[2/34] أن ترى بعض العوام ، يداومون على الوقوف خلف الإمام مباشرة ، مع أن النبي r يقول : ((ليلني منكم أولوا الأحلام و النّهى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ولا تختلفوا ، فتختلف قلوبكم ، وإياكم و هيشات الأسواق))(1) .

في هذا الحديث : تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام ، لأنه أولى بالإكرام ، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف ، فيكون هو أولى ، ولأنه يتفطّن لتنبيه الإِمام على السهو ، لما لا يتفطن له غيره ،وليضبطوا صفة الصلاة ، ويحفظوها وينقلوها ،ويعلّموها النّاس ،وليقتدي بأفعالهم مَنْ وراءهم(2).

وإن هؤلاء العوام قمينّ بهم أن يؤخَّروا ، مرّة تلو أُخرى ، حتى يعرفوا منازلهم ، فلا يتعدوها ، وأن يفعل بهم أهلُ العلم والنهى والأحلام ما فعل أُبي بن كعب ببعض التّابعين .

عن قيس بن عباد قال : بينما أنا بالمدنية في المسجد في الصّف المقدّم ، قائم أُصلّي ، فجذبني رجل من خلفي جذبة ، فنحاني وقام مقامي ، قال : فوالله ما عقلتُ صلاتي ، فلما انصرف فإذا هو أُبيّ بن كعب ، فقال : يا فتى لا يسؤك الله ، إن هذا عهد من النبي r إلينا أن نليه ، ثم استقبل القبلة ، فقال : هلك أهل العقدة ، ورب الكعبة ، ثلاثا ثم قال : والله ما عليهم آسى ، ولكن آسى على مَنْ أضلّوا ، قال : قلت : مَنْ تعني بهذا ؟ قال : الأمراء(3) .

و في فعل أبيّ ـ رضي الله عنه ـ بيان أن أولي الأحلام و النّهى ، أحق بالصف الأوّل . وأن لهم شق الصفوف عند حضورهم ، ليقوموا بالصف الأوّل(4) .

والأفضل لهؤلاء العوام أن يصلوا في ميامن الصفوف ، دون الإيطان في مكان معيّن ، كما قدمنا .

عن البراء بن عازب قال : كنّا إذا صلّينا خلف النبي r ، أحببنا أن نكون عن يمينه (5) .


 

وعن عائشة مرفوعاً : إن الله و ملائكته يصلّون على ميامن الصفوف(1) .

ومن المؤسف أيضاً : أن ترى بعض الناس يقف بإزاء الإمام ـ من غير حاجة كضيق المصلّى و نحوه ـ في صلاة الجماعة ، و معتمد هؤلاء : ما أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) : ( 1/1/37) والعُقيلي في ((الضعفاء الكبير)) : (4/22) و الطبراني في ((الأوسط)) ـ كما في (( مجمع الزوائد)) : (1/327) .

عن ابن عباس أن رجلاً أتى النبي r ، فقال : يا رسول الله ! علّمني عملاً أدخل به الجنة . فقال : كن مؤذّناً . قال : ما أقدر على ذلك . قال : فكن إماماً . قال : لا أقدر على ذلك . قال : فَقُم بإزاء الإِمام .

وهذا الحديث منكر ، فيه محمد بن إسماعيل الضَبي ، قال العقيلي : ((لا يتابع عليه ، ولا يعرف إلا به)) . و قال البخاري فيه : ((منكر الحديث)) وهذه العبارة من البخاري شديدة الجرح ، فقد قال ـ كما في ((الميزان)) (1/6، 202) :((من قلتُ فيه هذه العبارة ، فلا تحلُّ الرواية عنه))

وعليه فإن العمل الذي يقوم به بعضهم لا مستند صحيح له ، والله الموفّق .

[3/34] ومن أخطاء بعض الأئمة : أمرهم المأمومين بعدل الصف ، عندما يرونهم متّجهين إلى الميامن .

قال الشيخ ابن باز – رحمه الله تعالى - : (( قد ثبت عن النبي r ما يدل على أن يمين كل صفّ ، أفضل من يساره ، ولا يشرع أن يقال للناس : [اعدلوا الصف] ولا حرج أن يكون يمين الصف أكثر ، حرصاً على تحصيل الفضل .

أما ما ذكره بعضهم من حديث : ((مَنْ عمر مياسر الصفوف ، فله أجران)) فلا أعلم له أصلاً(2) !! و الأظهر أنه موضوع ، وضعه بعض الكسالى الذين لا يحرصون على يمين الصف ، أو لا يسابقون إليه ، والله الهادي إلى سواء السبيل))(3) انتهى .

[4/34] ومن أخطاء الأئمة على وجه خاص ، والمصلّين عموماً ، حرصهم على جعل الصّبيان في صفوفٍ خاصّة خلف الرّجال ، ومستندهم في ذلك : ما أخرجه أحمد في (( المسند )) : ( 5/341 ، 342 ، 343) وأبو داود في ((السنن)) : (1/181) و البيهقي في ((السنن)) (3/97) كان رسول الله r يجعل الرّجال قدّام الغلمان ، و الغلمان خلفهم ، و النّساء خلف الغلمان .

قال الشيخ الألباني : ((لكن إسناده ضعيف ، فيه شهر بن حوشب ، وهو ضعيف . وفي صف النساء وحدهنّ وراء الرّجال أحاديث صحيحة ، وأما جعل الصّبيان وراءهم ، فلم أجد فيه سوى هذا الحديث ، ولا تقوم به حجة . فلا أرى بأساً من وقوف الصّبيان مع الرّجال ، إذا كان في الصّف متّسع ، وصلاة اليتيم مع أنس وراءه r حجة في ذلك))(1) .


 

[35] * الصّلاة في الصفوف المقطّعة :

عن قرّة بن إياس ـ رضي الله عنه ـ قال :
كنا ننهى أن نصف بين السّواري على عهد رسول الله
r ، ونطرد عنها طرداً(2).

وعن عبد الحميد بن محمود قال : صلّيت مع أنس بن مالك يوم الجمعة ، فدُفعنا إلى السواري ، فتقدّمنا و تأخرنا .
فقال أنس : كنا نتقي هذا على عهد رسول الله
r
(3) .

وكان ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ يقول : لا تصفوا بين السواري (4) .

قال الترمذي :((وقد كره قوم من أهل العلم أن يُصَفّ بين السّواري . وبه يقول أحمد و إسحاق))(5).

قلت : وكرهه ابن مسعود – كما مضى – والنخعي ، وروي عن حذيفة وابن عباس(1) .

والعلّة : قطع الصّف ، وعليه : لو كان الصف صغيراً ، قدر ما بين الساريتين لم يكره ، ولايكره للإِمام أن يقف بين الساريتين .

قال ابن العربي في تعليل النهى :
(( إما لانقطاع الصف ، وهو المراد من التبويب ـ أي تبويب الترمذي بباب ما جاء في كراهية الصف بين السّواري ـ ، وإما لأنه موضع جمع النّعال ، و الأوّل أشبه، لأن الثاني محدث .

ولا خلاف في جوازه عند الضّيق ، وأما مع السّعة فهو مكروه للجماعة ، وقد صلى النبي r في الكعبة بين سواريها(2)))(3) .

وقال البيهقي معقّباً على أثر ابن مسعود السابق :
((وهذا ـ والله أعلم ـ لأن الإسطوانة ، تحول بينهم و بين وصل الصف))(4).

وزاد القرطبي في سبب الكراهة أمراً ثالثاً ، فقال : روي في سبب كراهة ذلك أنه مصلّى الجنّ للمأمومين(5)

والأوجه في سبب المنع : قطع الصف ، والله أعلم . ولهذا قال الإمام مالك :((لا بأس بالصفوف بين الأساطين إذا ضاق المسجد))(6) .

وعليه : فإن المنبر الطويل ذا الدرجات الكثيرة ، الذي يقطع الصف الأول ، وتارة الثاني أيضاً ، في حكم السارية .

قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى :((وإنما يقطع المنبر الصف إذا كان مخالفاً لمنبر النبي r ، فإنه كان له ثلاث درجات ، فلا ينقطع الصف بمثله ، لأن الإمام يقف بجانب الدّرجة الدّنيا منها فكان من شؤم مخالفة السنّة في المنبر ، الوقوع في النهي الذي في هذا الحديث .

ومثل ذلك في قطع الصف : المدافىء التي توضع في بعض المساجد ، وضعاً يترتب منه قطع

الصف ، دون أن ينتبه لهذا المحذور إمام المسجد أو أحد من المصلّين فيه ، لبعد الناس أوّلاً عن التفقه في الدّين ، و ثانياً لعدم مبالاتهم بالابتعاد عما نهى عنه الشّارع وكرهه .

وينبغي أن يعلم : أن كل من يسعى إلى وضع منبر طويل ، قاطع للصفوف ، أو يضع المدفأة التي تقطع الصف ، فإنه يخشى أن يلحقه نصيب وافر من قوله r : ((... من قطع صفاً قطعه الله ))))(1) .


 

[36] * الوقوف الطّويل ، والدّعاء قبل تكبيرة الإحرام ، والهمهمة بكلمات لا أصل لها :

[1/36] ومن أخطاء كثير من الأئمة :

الوقوف الطويل قبل تكبيرة الإحرام ، وسببه :
إما الوسوسة بالتلفظ بالنّية فيكررها ، ويخطىء فيها ، حتى تستقيم بزعمه(2).

وإما لقراءة أدعية مخترعة ، لا أصل لها ، يهمهم بها الإمام ، و يؤمّن عليها المؤتمّون ، كقول بعضهم : ((الهم أحسن وقوفنا بين يديك ، ولا تخزنا يوم العرض عليك)) أو ((أقامها الله وأدامها . وجعلنا من صالحي أهلها)) .

[2/36] و كذلك قول المؤتمين عند أمر الإمام بتسوية الصفوف :

((سمعنا و أطعنا، غفرانك ربنا ، و إليك المصير)) أو ((الله أكبر كبير ، و أنا بك مستجير)).

وكقولهم عند قول الإمام : ((استووا يرحمكم الله)) : ((علينا و عليكم الرحمة)) أو ((يهدينا و يهديكم الله إلى صراط مستقيم)) .

وغير ذلك من الأدعية ، التي لم ترد في حديث صحيح أو حسن ، بل ولا في ضعيف أو موضوع .

قال ابن رزوق في ((عمدة المريد في البدع)) :((تعمق الإمام في المحراب ، وطول قيامه قبل الإحرام ، ودخوله قبل استواء الصفوف ، وقراءته بالثّانية بأطول من الأولى ، كله بدعة))(3) .

ولطول قيام الإمام سيّئة ، قد تفسد على بعض المؤتمين صلاتهم ، حيث لا يرون الإمام ،

بسبب اعتراض المنبر ، فينوون قبله ، ظنّاً منهم أنه نوى ، فإذا كبر تكبيرة الإحرام ، ظنّوا أنّه ركع ، وهو لا يزال واقفاً(1) .


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

أخطاؤهم من تكبيرة الإحرام حتى التّسليم .


 


 

* غلط النطق بـ (الله أكبر) في تكبيرة الإحرام و تكبيرات الانتقال .

* غلط الأئمة في الجهر و الإسرار بالبسملة .

* غلط في كيفية قراءة الفاتحة .

* دعاء المأمومين أثناء قراءة الإمام الفاتحة و عند الانتهاء منها ، و التّنبيه على أغلاط في التأمين و أثناء قراءة الإمام و فيها .

* مسابقة الإمام ومساواته في أفعال الصّلاة .

* تكبير المسبوق للإحرام وهو نازل إلى الركوع .

* انشغال المسبوق بدعاء الاستفتاح ، وتأخّره عن اللحوق بصلاة الجماعة .


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

[37] * غلط في النطق بـ (( الله أكبر )) في تكبيرة الإحرام و تكبيرات الانتقال .

ومن أغلاط بعض الأئمة :

[1/37] إدخال همزة الاستفهام على لفظ الجلالة ، فيقولون : ((آلله أكبر)) . وهذا كفر لفظي .

أو : إدخال همزة الاستفهام على لفظ (أكبر) فيقولون : ((آكبر)) فيكون ((آكبر)) خبر مبتدأ محذوف ، تقديره أهو أكبر ؟ وهذا كفر أيضاً .

ومن أغلاط بعضهم :

[2/37] إدخال ألف بعد الباء و قبل الراء ، فيقولون : (( أكبار )) ، فيكون جمع (( كبر )) مصدر ، وجمع (( كَبرَ )) وهو الطبل ، و كلاهما كفر ، لا يصح إطلاقُه على الباري سبحانه و تعالى(1) .

قال النّووي : المذهب الصحيح المشهور : أنه يستحب أن يأتي بتكبيرة الإحرام بسرعة ، ولا يمدها.

ونقل عن الإمام الشافعي قوله : يرفع الإمام صوته بالتكبير ، ويمدّه من غير تمطيط ولا تحريف .

وقال أصحابه : أراد بالتمطيط : المد . وبالتّحريف : إسقاط بعض الحروف ، كالرّاء من أكبر(2) .

ووقع في ((مسند الطيالسي)) وغيره من حديث عبد الرحمن بن أبزى قال : ((صليتُ خلف النبي r فلم يتم التكبير)) وقد نقل البخاري في ((التاريخ الكبير)) عن أبي داود الطيالسي أنه قال : هذا عندنا باطل . وقال الطبري و البزار : تفرد به الحسن بن عمران وهو مجهول(1) .

وقال ابن عابدين : اعلم أن المدّ إن كان في ((الله)) فإما في أوّله أو أوسطه أو آخره ، فإن كان في أوّله ، لم يصر به شارعاً ، وأفسد الصّلاة ولو في أثنائها ، ولا يكفر إن كان جاهلاً ، لأنه جازم ، والإكفار للشك في مضمون الجملة .

وإن كان في وسطه ، فإن بالغ حتى حدث ألف ثانية بين اللام و الهاء ، كره ، قيل : والمختار أنها لا تفسد ، وليس ببعيد . وإن كان في آخره ، فهو خطأ ، ولا يفسد أيضاً .

وإن كان المد في ((أكبر)) : فإنْ كان في أوله ، فهو خطأ مفسد ، وإن تعمده ، قيل : يكفر للشك ، و قيل : لا ، ولا ينبغي أن يختلف في أنه لايصح الشروع به ، وإنّ كان في وسطه أفسد ، ولا يصح الشروع به(2) .

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب : ((... ثم يقول وهو قائم مع القدرة : ((الله أكبر)) لا يجزئه غيرها ، والحكمة في افتتاحها بذلك ليستحضر عظمة مَنْ يقوم بين يديه ، فيخشع ، فإن مدّ همزة (الله) أو (أكبر) ، أو قال : إكبار ، لم تنعقد))(3) .

قلت : [3/37] ومن الغلط في هذا الباب : حذف هاء لفظ الجلالة ، وإبدال همزة أكبر بواو ، كقولهم : ((اللاو آكبر)) !! و تمطيط ((الله أكبر)) في تكبيرات الانتقال ، يفوّت سنّة ، هجرها كثير من الناس هذه الأيام ، خصوصاً الإئمة منهم .

عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً : كان إذا أراد أن يسجد كبّر ثم يسجد ، وإذا قام من القعدة كبّر ثم قام(4) .

الحديث نص صريح في أنّ السنّة التكبير ثم السجود ، و أنه يكبر وهو قاعد ثم ينهض . ففيه إبطال لما يفعله بعض المقلّدين من مدّ التكبير من القعود إلى القيام(1) !

وكذا فيه إبطال لما قاله بعضهم من التكبير مرتين ، إذا جلس للاستراحة كبَّر تكبيرة يفرغ منها في الجلوس ، ثم يكبّر أخرى للنهوض ، حكاه تاج الدين المعروف بـ ((الفركاح)) وجهاً في ((الإقليد)) وقال ولده الشيخ برهان الدين : إنه قويّ متجه لحديث ((كان يكبّر لكل خفض ورفع)) !! .

والرافعي و النووي نفيا الخلاف في المسألة ، والاستدلال بهذا الحديث عليها صعب ، وما ينبغي أن يزاد في الصلاة تكبير بمجرد تعميم ظاهره الخُصوص ، فإنّ الظاهر : أن المراد كل رفع و خفض من غير جلسة الاستراحة(2) .

قال ابن حزم : ((لا يحل للإمام البتة أن يطيل التكبير ، بل يسرع فيه ، فلا يركع ولا يسجد ولا يقوم ولا يقعد إلا وقد أتم التكبير))(3) .

ثم قال : ((وبهذا يقول أبو حنيفة و أحمد و الشافعي وداود و أصحابهم . وقال مالك بذلك ، إلا في التكبير للقيام من الركعتين ، فإنه لا يراه إلا إذا استوى قائماً ، وهذا قول لا يؤيّده قرآن ولا سنّة ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب ، وهذا مما خالفوا فيه طائفة من الصحابة لا يعرف لهم منهم مخالف))(4) .

ومن أخطاء المأمومين في تكبيرة الإحرام و تكبيرات الانتقال :

[4/37] ما يفعله بعضهم ممن استحكم عليهم تلبيس إبليس من الجهر بالتكبير ، و التشويش على المصلّين . فقد عدلوا في ذلك عن الشروع ، وجانبوا المنقول عن الرسول r ، وصاروا يرفعوا أصواتهم بالتكبير ، ويردد أحدهم التحريمة و يلتوي حتى كأنه يحاول أمراّ فادحاً ، أو يتسوّغ أجاجاً مالحاً . فيقع في الخيبة و الحرمان و يبلغ الشيطان منه مراده ، ويؤذي من حوله بالجهر بالتكبير و ترديده ، ويظن أنه لا يسمع نفسه إلا بذلك ، فيتضاعف وزره(5) .


 

[38] * غلط الأئمة في الجهر و الإسرار بالبسملة :

من أخطاء بعض الأئمة : إصرارهم على ترك الجهر بالبسملة دائماً في الصلاة ، و يقابل هذا الفريق : فريقٌ آخر من الجهال ، حيث يتركون الصّلاة خلف مَنْ لا يجهر بها ، كما وقع لي مع كبار السِّن في بعض المرّات .

قال ابن القيّم : ((وكان r يجهر بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) تارة ، ويخفيها أكثر مما يجهر بها . ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائماً في كل يوم وليلة خمس مرات أبداً ، حضراً و سفراً ، و يخفي ذلك على خلفائه الراشدين ، وعلى جمهور أصحابه ، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة ، هذا من أمحل المحال ، حتى يحتاج إلى التشبُّث فيه بألفاظ مجملة ، و أحاديث واهية ، فصحيح تلك الأحاديث غير صريح ، و صريحها غير صحيح ، وهذا موضع يستدعي مجلّدا ضخماً))(1) .

ونقول للفريق الأوّل ، ما قاله الإمام الزّيلعي : ((وكان بعض العلماء يقول بالجهر ـ أي بالبسملة ـ سدّاً للذّريعة ، قال : ويسوغ للإنسان أن يترك الأفضل لأجل تأليف القلوب ، واجتماع الكلمة ، خوفاً من التنفير ، كما ترك النبي r بناء البيت على قواعد إبراهيم ، لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهليّة ، وخشي تنفيرهم بذلك ، ورأى تقديم مصلحة الاجتماع على ذلك، ولما أنكر الربيع على ابن مسعود إكماله الصّلاة خلف عثمان ، قال : الخلاف شر . وقد نص أحمد و غيره على ذلك في البسملة ، وفي وصل الوتر ، وغير ذلك ، مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز المفضول ، مراعاة لائتلاف المأمومين ، أو لتعريفهم السنة ، و أمثال ذلك ، وهذا أصل كبير في سدّ الذّرائع))(2) .

ونقول لهم ما قاله الشوكاني منكراً على من ذهب إلى إجبار الناس على ترك الجهر بها و معاقبتهم ، فإنه قال ما نصه : ((فإن ما ذكرناه ها هنا ، يكفي في دفع الإنكار ، وردع المنكر لذلك ، إذا كان ممن يعقل عن الله سبحانه ، ويعرف مواطن الإنكار التي أيَّد الله عباده على من فعلها ، و أخذ على الحاملين لحجج الله ، أن يأخذوا على يد مرتكبيها ، ويأطروه على الحق أطراً ، وأما مثل هذه المسألة فليس الإنكار فيها إلا من باب إنكار المعروف ، وتفريق كلمة عباد الله بغير حجة نيّرة ، ولا برهان واضح و المهدي من هداه الله ))(1) .

ونقول للفريق الثاني : ثبت عن النبي r أنه لم يجهر بالبسملة .

عن أنس رضي الله عنه : أن النبي r وأبا بكر و عمر كانوا يفتتحون الصّلاة بالحمد لله رب العالمين(2) .

وفي رواية : صليت مع رسول الله r وأبي بكر و عمر و عثمان ، فلم أسمع أحد منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم(3) .

وفي رواية : فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم(4).

وزاد بعضهم :

ويجهرون بالحمد لله ربّ العالمين(5) .

وفي رواية : وكانوا يسرّون ببسم الله الرحمن الرحيم(6) .

وليس القول بعدم الجهر بها ، بدعاً من القول ، أو من الآراء الشّاذة أو الضعيفة ، أو من الآراء المهجورة ، بل ذهب إليه جماعة من الصحابة و التابعين و فقهاء الأمصار ، منهم : عمر و علي و عمار و ابن عباس ، وقد اختلف عن بعضهم ، فروي عنهم الجهر بها ، ولم يختلف عن ابن مسعود أنه كان يسرّها . وبه قال الحسن و ابن سيرين ، وهذا مذهب سفيان وسائر الكوفيين و أهل الحديث : أحمد و إسحاق و أبي عبيدة و مَنْ تابعهم(7) .

والخلاصة :الصواب أن يُقال : إن هذا أمر متّسع ، والقول بالحصر فيه ممتنع ، وكلّ مَنْ ذهب إلى رواية ، فهو مصيب متمسك بالسنّة ، و التّمام و الكمال متابعة المصطفى r في كلّ الأحوال ، فيجهر بها تارة ، ويسر بها أكثر ، والله المستعان ، وهو يهدي إلى سواء السّبيل .

[39] * غلط في كيفية قراءة الفاتحة :

سئلت أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ عن قراءة رسول الله r ، فقالت : كان يقطع قراءته آية آية : ) بسم الله الرحمن الرحيم* الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ * مَـلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ((1) .

وفي رواية : كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية ، يقول : بسم الله الرحمن الرحيم . ثم يقف ، ثم يقول : الحمد لله رب العالمين ، ثم يقف ، ثم يقول : الرحمن الرحيم . ملك يوم الدين(2) .

قال أبو عمرو الداني في تفسير الوقف الحسن : ((ومما ينبغي له : أن يقف علة رؤوس الآي ، لأنهن في أنفسهن مقاطع ، و أكثر ما يوجد التام فيهن ، لاقتضائهن تمام الجمل ، واستبقاء أكثرهن انقضاء القصص .

وقد كان جماعة من الأئمة السّالفين ، و القرّاء الماضين يستحبون القطع عليهن، وإن تعلّق بعضهن ببعض ، لما ذكرنا من كونهن مقاطع ، ولسن بمشبهات ، لما كان من الكلام التام في أنفسهن دون نهاياتهن)) .

ثم روى عن اليزيدي عن أبي عمرو : أنه كان يسكت على رأس كل آية ، فكان يقول : إنه أحب إليّ إذا كان آية ، أن يسكت عندها ، وقد وردت السنة أيضاً بذلك عن رسول الله r عند استعماله التقطيع ، ثم ساق الحديث السابق(3) .

[1/39] وهذه سنة تركها أكثر قرّاء هذا الزّمان ، فتسمعهم ـ حتى في الصّلاة ـ يقرأون الفاتحة بِنَفَسٍ واحدٍ ، لا يقفون على رؤوس الآي ، أعرضوا عن السُنن ، و تنكبوا السّنَن ، هدانا الله و إياهم للاتباع ، وموافقة الحبيب r ، في جميع أحواله و أقواله و أفعاله .

[2/39] هذا عن الأئمة ، أما عن العوام ، فالخطب أشد و أخطر ، إذ أنهم كثيرو اللحن في

قراءتها ، وربما يسقطون حرفاً منها ، أو يبدّلون حروفاً بحروف أخرى ، كأن يقولوا : ((اللزين))

بالزاي ، بدل الذال المعجمة ، أو يقولوا : ((الهمد لله)) بالهاء بدل الحاء ، أو يقولوا : ((الظّالين)) بالظّاء المشددة بدل الضاد ، أو يقولوا : ((إياك نعبد إياك نستعين)) بإسقاط الواو(1) ، أم بإسقاط الشدّة في ((إياك نعبد)) فيقولونها بتخفيف الياء ، وإن قصد المعنى كفر ، لأن الإباك ضوء الشمس.

[3/39] وربما اجتمع لبعضهم مجموعة من الأخطاء المذكورة ، إن لم تكن كلّها ، ومع هذا ، تجده معرضاً عن الاستماع لدروس العلم ، صادّاً عن مجالس العلماء ، عجلاً إلى مجالس اللغو و اللهو ، ولا يخفى أن جلوس العالم لبثّ العلم من أكبر النّعم على العامّة ، إذ يجب عليهم السعي لطلب العلم النافع ، فإذا كان بين أظهرهم ، يعظهم و يعلمهم ، وهم عنه معرضون ، فما أشقاهم ! وما أتعسهم ! فعليهم أن يتقوا الله في هذه المخالفات ، وأن يطلبوا النّجاة ، بطلب العلم و الفقه في الدّين ، فإنه مرقاة النجاة(2) .


 

[40] * دعاء المأمومين أثناء قراءة الإمام الفاتحة و عند الانتهاء منها ، و التنبيه على أغلاط في التأمين و أثناء قراءة الإمام و فيها .

ومن أخطاء المأمومين و أغلاطهم :

[1/40] قولهم : ((استعنت بك يا رب)) حين يقرأ الإمام (إياك نعبد و إياك نستعين) أو قولهم : ((رب اغفر لي و لوالدي)) حين يقرأ الإمام : ((اهدنا الصّراط المستقيم)) .

وبعضهم يهمهم بها و بدعوات أُخرى ، عندما يكاد الإمام أن ينتهي من قراءة الفاتحة ، وذلك طمعاً في تأمين المأمومين على دعائه ، كما في ظنّه ، ولم يدر هذا المسكين أن المأمومين يؤمنون على الفاتحة ، ولم يخطر ببالهم ، لا هو ، ولا دعاؤه المبتدع !! ومن الجدير بالذّكر هنا أمران :

[2/40] الأوّل : أنّ من السنّة أن يجهر الإمام بـ((آمين)) عقب قراءته الفاتحة .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله r إذا فرغ من قراءة أُم القرآن رفع صوته ، وقال : آمين(3) .

في الحديث : مشروعية رفع الإمام صوته بالتأمين ، وبه يقول الشافعي و أحمد و اسحاق و غيرهم من الأئمة .

وهو مذهب البخاري إذ ترجم في ((صحيحه)) : ((باب جهر الإمام بالتّأمين)) وأورد فيه مجموعة آثار معلّقة و حديثاً مرفوعاً ، فقال :((أمَّن ابن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجَّة .

وقال نافع : كان ابن عمر لا يَدَعه ، ويحضّهم ، وسمعت منه في ذلك خيراً .

وذكر بسنده حديث أبي هريرة أن النبي r قال : إذا أمّن الإمام فأمِّنوا ، فإنه من وافق تأمينُه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه))(1) .

قال ابن حجر : ((وإذا ترّجّح أن الإمام يؤمّن ، فيجهر به في الجهريّة ، كما ترجم به المصنّف ـ أي الإمام البخاري ـ وهو قول الجمهور ، خلافاً للكوفيين و رواية عن مالك فقال : يسرّ به مطلقاً . ووجه الدّلالة من الحديث : أنه لو لم يكن التأمين مسموعاً للمأموم لم يعلم به . وقد علق تأمينه بتأمينه ، وأجابوا بأن موضعه معلوم ، فلا يستلزم الجهر به ، وفيه نظر لاحتمال أن يخلّ به ، فلا يستلزم علم المأموم به))(2) .

قلت : ويؤكّد ذلك الحديث السابق وما وقع في رواية ابن شهاب في الحديث الذي عند البخاري ، فقال : ((وقال ابن شهاب : وكان رسول الله r يقول آمين))(3) .

[3/40] الثّاني : ويدلّ قوله r : ((إذا أمّن الإمام فأمنوا)) على وجوب التأمين على المأموم ، واستظهره الشوكاني ، لكن لا مطلقاً ، بل مقيداً بأن يؤمّن الإمام ،وأما الإمام و المنفرد فمندوب فقط(3) .

وقال ابن حزم : ((وأما قول ( آمين ) فإنه كما ذكر : يقوله الإمام و المنفرد ندباً و سنّة ، ويقولها المأموم فرضاً ولا بد))(4) .

قال الألباني معلّقاً عليه : ((قلت : فيجب الاهتمام به ، وعدم التّساهل بتركه . ومن تمام

ذلك موافقة الإمام فيه و عدم مسابقته ، وهذا أمر قد أخلّ به جماهير المصلّين في كل البلاد التي أتيح لي زيارتها ، ويجهرون بها بالتأمين . فإنهم يسبقون الإمام ، يبتدئون به قبل ابتداء الإمام ، ويعود السبب في هذه المخالفة المكشوفة ، إلى غلبة الجهل عليهم ، وعدم قيام أئمة المساجد و غيرهم من المدرسين و الوعاظ بتعليمهم و تنبيهمهم ، حتى أصبح قوله r :((إذا أمن الإمام فأمنوا ...)) نسياً منسياً عندهم ، إلا من عصم الله ، وقليل ما هم ، والله المستعان))(1) .

ومن أخطاء المأمومين في التأمين أيضاً :

[4/40] التمطيط في مدّ ( آمين ) فيمدّون مدّ البدل الذي في أوّلها أكثر من حركتين ، بل قد يوصلونها إلى ستة كما في بعض المساجد .

وبعضهم يلفظ ( آمين ) بتشديد الميم ، حكاه بعض أهل اللغة ، وهو ضعيف عند جماعة منهم ، وصرّح المتولّي من الشافعيّة بأن من قاله هكذا بطلت صلاته(2) !

بقي بعد هذا أُمور :

[5/40] الأوّل : ثبت من هديه r أنه إذا مرّ بآية رحمة يسأل الله تعالى من فضله ، وإذا مرّ بآية عذاب يستعيذ به من النار أو من العذاب ، أو من الشر ، أو من المكروه ، ولكن هذا في قيام الليل ،فمقتضى الاتباع الصحيح الوقوف عند الوارد ، وعدم التّوسع فيه بالقياس و الرأي ، فإنه لو كان ذلك مشروعاً في الفرائض أيضاً لفعله r ، ولو فعله لنقل ، بل لكان نقله أولى مِنْ نقل ذلك في النّوافل كما لا يخفى(3) .

[6/40] الثّاني : يقول كثير من المأمومين عند قراءة الإمام سورة التين عند قوله تعالى : ) أَلَيْسَ آللَّهُ بِأَحْكَمِ آلْحَاكِمِينَ(
(4) . فيقولون : ((بلى وأنا على ذلك من الشاهدين)) . وإسناده ضعيف ، فيه راوٍ لم يسم(5) .

وكذا يقول بعضهم عند قراءة الإمام سورة الرحمن ، وبلوغه : )فَبِأَىِّءَ الَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(

: ((ولا بشيء من نِعَمِكَ رَبَّنا نكذِّب ، فلك الحمد)) .

وهذا وارد في حديث ضعيف ، عند الترمذي في ((الجامع)) : رقم (3291) والحاكم في ((المستدرك)) : (2/473) وابن عدي في ((الكامل)) : (3/1074)و (5/1858) وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) : ( 1/181) والبيهقي في ((الدلائل)) : (2/232) من طريق الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن ابن المنكدر عن جابر قال : ((قرأ رسول الله r سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال : ما لي أراكم سكوتاً ؟! للجن كانوا أحسن منكم رداً ، ما قرأت عليهم من مرة )فَبِأَىِّءَ الَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( إلا قالوا : ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب ، فلك الحمد)) .

وإسناده ضعيف فيه تدليس الوليد بن مسلم ، وزهير بن محمد ـ وإن كان صدوقاً ـ فإن أهل الشام إن رووا عنه ، فتكثر المناكير في روايته ، والوليد شامي . نعم ، لم يتفرد به ، فقد تابع الوليد مروان بن محمد كما عند البيهقي في ((الدلائل)) : (2/232) ، إلا أنه شامي ، فبقيت العلّة الثانية .

[7/40] الثّالث : صح لفظ : ((سبحانك فبلى)) عند تلاوة الإمام : ) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى ( (1) .

عن موسى بن أبي عائشة قال : كان رجل يصلي فوق بيته ، وكان إذا قرأ )أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى (.

قال : سبحانك فبلى . فسألوه عن ذلك ؟ فقال : سمعته من رسول الله r
(2).

[8/40] الرّابع : ومن أخطاء بعض المأمومين : التنحنح في الصلاة تعمّداً من غير عذر ولا ضرورة(3) ، ليسمع رجلاً أو ينبّه الإمام بأنه قد أطال في الصلاة ، وهذا لا يفعله إلا الجهّال ـ كما قال ابن رشد(4)ـ ومن فعل فقد أساء ، ولا شيء عليه ، لأن التنحنح ليس له حروف هجائية تفهم.

قال ابن قدامة : ((واختلفت الرواية عن أحمد في كراهة تنبيه المصلّي بالنحنحة في صلاته ، فقال في موضع : لا تنحنح في الصّلاة ، قال النبي r : ((إذا فاتكم شيء في صلاتكم ، فلتسبح الرجال ، و ليصفق النساء)) .

وروى عن المروزي : أنه كان يتنحنح ليعلم أنه في صلاة . وحديث علي(1) يدلّ عليه .

فيقدّم على العام . وأجاب الجمهور بأن حديث علي فيه اضطراب ، لا ينهض معه الاحتجاج به))(2) .

[9/40] الخامس : بعض الأئمة يطيلون الركعة الثانية في الصلاة – سواء كانت جهرية أم سريّة – أكثر من الركعة الأُولى ، وهذا مخالف لهديةr .

قال العلامة ابن القيم : ((وكان r يُطيلُ الركعة الأُولى على الثّانية من صلاة الصّبح ومن كل صلاة ، وربما كان يطيلها – أي صلاة الظهر – حتى لا يسمع وقع قدم(3)))(4) .

ومرّ معنا قول ابن رزوق : ((تعمق الإمام في المحراب ، وطول قيامه قبل الإِحرام ، ودخوله قبل استواء الصفوف ، و قراءته بالثانية بأطول من الأولى ، كله بدعة)) .

وهذا فيما لم يرد فيه نص خاص . أما هو فلا يكره ، كما ورد أنه r كان يقرأ في أولى الجمعة و العيدين بـ ) سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ( وفي الثانية بالغاشية ، وهي تزيد على الأعلى بسبع آيات .

[10/40] السادس : ليس هناك دليل صحيح يدل على شرعية سكوت الإمام حتى يقرأ المأموم الفاتحة في الصلاة الجهرية(5) .

[11/40] السّابع : يكتفي كثير من الأئمة بقراءة اليسير من القرآن الكريم في الصلاة

الجهرية ، و بعضهم يجزىء بقوله تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا ... ( إلى آخر السورة ، وهذا مخالف لهدي النبي r .

قال ابن القيم : ((وأما الاقتصار على قراءة أواخر السورتين من (يا أيها الذين آمنوا ...) إلى آخرها . فلم يفعله قط ، وهو مخالف لهديه الذي كان يُحافظ عليه))(1) .

وربما احتج بعضهم بالتخفيف الوارد في الأحاديث النبويّة ، من مثل قوله r :((يا أيها الناس ، إنّ منكم مُنَفِّرِينَ ، فأيُّكم أمَّ النّاس فليوجز ، فإنّ من ورائه الكّبير و الضعيف وذا الحاجة ))(2) أو بفعل النبي r للتخفيف .

عن أنس – رضي الله عنه – قال : ((ما صلّيتُ وراء إمامٍ قط أخفّ صلاة ولا أتمّ من رسول الله r))(3) .

[12/40] والتخفيف الوارد في قوله r وفعله ، ليس هو التخفيف الذي اعتاده سُرَّاق الصّلاة ، والنقَّارون لها ، وأن ما وصفه أنس من تخفيف النبي r صلاته ، هو مقرون بوصفه إياها بالتمام ، كما تقدم ، وهو الذي وصف تطويله ركني الاعتدال ، كما في حديث آخر صحيح ، قال : حتى كانوا يقولون : قد أوهم(4) ، ووصف صلاة عمر بن عبد العزيز بأنها تشبه صلاة النبي r ، مع أنهم قدروها بعشر تسبيحات (5) .

والتخفيف الذي أشار إليه أنس ، هو تخفيف القيام مع تطويل الركوع و السجود ، وهذا بخلاف ما كان يفعله بعض الأمراء الذين أنكر الصحابة صلاتهم من إطالة القيام على ما كان النبي r يفعله غالباً ، وتخفيف الركوع و السجود و الاعتدالين(6) .

وأما تخفيف النبي r الصلاة عند بكاء الصبي ، فلا يعارض ما ثبت عنه من صفة صلاته ،

بل قد قال في الحديث نفسه : ((إني أدخل في الصلاة ، وأنا أريد أن أطيلها ، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز))(1) .

فهذا تخفيف لعارضٍ ، وهو من السنّة ، كما يخفف صلاة السفر و صلاة الخوف ، وكل ما ثبت عنه من التخفيف فهو لعارض ، كما ثبت عنه أنه قرأ في السفر في العشاء بـ ) وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (. وكذلك قراءته في الصبح بالمعوذتين ، فإنه كان في سفر (2).

وأما حديث معاذ(3)؛ فهو الذي فتن النقّارين و سرّاق الصّلاة ، لعدم علمهم بالقصّة و سياقها .

فإن معاذاً صلّى مع النبي r عشاء الآخرة ، ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء ، فقرأ بهم سورة البقرة ، هكذا جاء في ((الصحيحين)) من حديث جابر : ((أنه استفتح بهم بسورة البقرة ، فانفرد ببعض القوم ، وصلّى وحده ، فقيل : نافق فلان !! فقال : والله ما نافقتُ ، ولآتين رسول الله r ، فأتاه فأخبره ، فقال النبي r حينئذٍ : أفتّان أنت يا معاذ ؟ هلا صليت بـ )
سَبِّحِ
اسْمَ
رَبِّكَ الْأَعْلَى ( و ) وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ( و )
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ())(4) .

وهكذا نقول : أنه يستحب أن يصلي العشاء بهذه السور و أمثالها . فأيُّ متعلّق في هذا للنقّارين و سرّاق الصلاة ؟ ومن المعلوم أن النبي r كان يؤخر العشاء الآخرة ، وبُعْدُ ما بين بني عمرو بن عوف و بين المسجد ، ثم طول سورة البقرة ، فهذا الذي أنكره النبي r ، وهو موضع الإِنكار ، وعليه يحمل الحديث الآخر : ((يا أيها الناس إن منكم منفرين)) ، ومعلوم أن الناس لم يكونوا ينفرون من صلاة رسول الله r ، ولا ممن يصلي بقدر صلاته ، وإنما ينفرون ممن يزيد في الطول على صلاته ، فهذا الذي ينفر .

وأما إن قدر نفور كثير ممن لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ، وكثير من الباطولية الذين يعتادون النقر ، كصلاة المنافقين ، وليس لهم في الصلاة ذوق ، ولا لهم فيها راحة ، بل يصلّيها أحدهم استراحة منها لا بها ، فهؤلاء لا عبرة بنقورهم ، فإن أحدهم يقف بين يدي المخلوق معظم اليوم ، ويسعى في خدمته أعظم السعي ، فلا يشكو طول ذلك ولا يتبرّم به ، فإذا وقف بين يدي ربه في خدمته جزءاً يسيراً من الزّمان ، وهو أقلّ القليل بالنسبة إلى وقوفه في خدمة المخلوق ، استثقل ذلك الوقوف ، واستطال و شكا منه ، وكأنه واقف على الجمر يتلوّى ويتقلّى ، ومن كانت هذه كراهته لخدمة ربه ، والوقوف بين يديه ، فالله تعالى أكره لهذه الخدمة منه(1) .

والحاصل : إن الإيجاز و التخفيف المأمور به ، والتطويل المنهي عنه ، لا يمكن أن يرجع فيه إلى عادة طائفة و أهل بلد و أهل مذهب ، ولا إلى شهوة المأمومين ورضاهم ، ولا إلى اجتهاد الأئمة الذين يصلّون بالناس ورأيهم في ذلك ، فإن ذلك لا ينضبط ، وتضطرب فيه الآراء و الإرادات أعظم اضطراب ، ويفسد وضع الصّلاة ، ويصير مقدارها تبعاً لشهوة الناس . ومثل هذا لا تأتي به شريعة ، بل المرجع في ذلك و التحاكم إلى ما كان يفعله r ، وكان يصلي وراءه الضعيف و الكبير و الصغير وذو الحاجة ، ولم يكن بالمدينة إمام غيره صلوات الله وسلامه عليه .

ففي صلاة الفجر : كان رسول الله r يقرأ ما بين الستين إلى المائة في الركعتين ، كما ثبت في ((الصحيحين))(2)، فكان يقرأ سورة ) ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد (
(3) وسورة الواقعة(4) وسورة الفتح(5) وسورة المؤمنين(6)وسورة الطور(7)وسورة الروم(8)وسورة ) يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (
(9)وسورة الصافات(10).

وهذا مقياس صلاة الفجر ، وقد اعتبر الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ قراءة سورة (الصافات) من باب التخفيف فيها .

فثبت عن ابن عمر قال : كان رسول الله r يأمر بالتخفيف ، ويؤمّنا بـ (الصافات)(1) .

وفي صلاة الظهر : كان رسول الله r يقرأ في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية . وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية ، كما في ((صحيح مسلم)) وفي رواية فيه : ((أن قدر قيامه في الأُوليين بـ ) الم *تَنزِيلُ الْكِتَابِ ( )(2) .

وكان من طولها ، ما قاله أبو سعيد الخدري : كانت صلاة الظهر تقام ، فينطلق أحدنا إلى البقيع ، فيقضي حاجته ، ثم يأتي أهله فيتوضأ ، ثم يرجع إلى المسجد ، ورسول الله r في الركعة الأولى ، مما يطولها(3) .

وفي صلاة العصر : فالغالب أنها على النصف من صلاة الظهر(4) .

وفي صلاة المغرب : ثبت عنه r أنه كان يقرأ سورة الطور(5) وسورة محمد(6) وسورة المرسلات(7) وسورة الأنفال(8) وسورة الأعراف(9) ، فكان الغالب على قراءته r فيها من طوال المفصل وما يقاربه .

[13/40] فما يفعله كثير من الأئمة من المداومة على قراءة قصار السور فيها ، خروج عن كمال هديه r ، وبعضهم يحتج بتلك العبارة الشائعة على الألسنة (المغرب غريب) !! والصحيح عند أهل العلم أن وقت المغرب يمتد إلى مغيب الشفق ، وفي هذا رد على القول الجديد عند الشافعية ، إذْ أنهم يعتبرون أن نهاية وقت المغرب غير ممتدة ، بل مضيقة ، بحيث تتسع للوضوء و ستر العورة و الأذان و الإقامة !!

وهذا ما رجحه جماعة من محققي الشافعية ، قال النووي : ((الأحاديث الصحيحة مصرّحة بما قاله في القديم ، وتأويل بعضها متعذّر ، فهو الصواب ، وممن اختاره مِنْ أصحابنا : ابن خزيمة و الخطابي و البيهقي و الغزالي في ((الإحياء)) و البغوي في ((التهذيب)) و غيرهم))(1) .

وقد صرح الحافظ أنه لم ير حديثاً مرفوعاً فيه التنصيص على القراءة في صلاة المغرب من قصار المفصل ، إلا حديثاً واحداً ، وبيّن أنه معلول(2) .

وفي صلاة العشاء : المقدار الغالب في ذلك هو )
وَالشَّمْسِ
وَضُحَاهَا ( ونحوها من السور(3) .

[14/40] الثّامن : و بهذه المناسبة : لا بد من التنبيه على قراءة أولئك النقّارين في قيام رمضان ، الذين لا يتعدون الآية و الآيتين في كل ركعة !! ويزعمون أنهم يطبقّون قوله r : ((فمن أمّ قوماً فليخفف))(4) !! وما علموا أن السّلف الصّالح ـ رضوان الله عليهم ـ أفهم منهم و أعلم في معنى هذا الحديث ، و إليك صورة صلاتهم ، ومعنى التخفيف فيها عندهم .

أخرج مالك عن محمد بن يوسف عن السّائب بن يزيد أنه قال : أمر عمرُ بنُ الخطّاب أُبيَّ بن كعب و تميماً الدَّاريّ أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة . قال : وقد كان القارىء يقرأ بالمئين ، حتى كنا نعتمد على العِصِيّ من طول القيام . وما كنّا ننصرف إلا في فُرُوعِ الفجر(5) .

وأخرج عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول : ما أدركتُ الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان . قال : وكان القارىء يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات ، فإذا قام بها في اثْنَتَيْ عشرة ركعة ، رأى الناس أنه قد خفَّف(6) .

[15/40] التاسع : يصل كثير من الأئمة القراءة بتكبيرة الركوع ، وهذا غلط . و الصواب : السكوت حتى يرجع النفس لصاحبه قبل الركوع .

قال الإمام أحمد : ((وكان النبي r يسكت إذا فرغ من القراءة قبل أن يركع ، حتى يتنفس(1) ، و أكثر الأئمة على خلاف ذلك))(2) .

[16/40] العاشر : يلتزم كثير من الأئمة قراءة سورة (الجمعة) في العشاء الآخرة ليلة الجمعة ، والحديث الوارد في ذلك غير صحيح ، فلا يثبت به الاستحباب ولا السنيّة ، والتزام ذلك بدعة من البدع(3) .

[17/40] ومن اللازم عليّ في خاتمة هذا المبحث أن أشير إلى أن ساحة المسجد خلت من الأئمة الصّادقين الفقهاء من طلبة العلم و أهله ، إلا من رحم الله ، وتقدم اليوم كثير من العوام و الجهال لهذا المنصب ، وهم لا يحسنون الفاتحة ، فضلاً عن إجابة سائل يسأل عن حكم أو خلق يهمّه و يفيده في دينه و دنياه ، ولم يتقدّم هؤلاء إلا ليسترزقوا من طريقه و بابه ، ويشغلوا هذا المكان الشاغر من أهله و أكفائه ... !!

حتى صرنا ـ في بعض بلاد المسلمين ، يا للأسف ـ لا نستغرب أن نجد إماماً لمسجد من المساجد ، لا يتوفر فيه شرط من شروط الإمامة ، ولا نستغرب أن نجده يحلق لحيته ، ويطيل من شواربه ، ويجرّ ثوبه و عباءته تبختراً ، أو يلبس ذهباً ، أو يشرب دخاناً ، أو يسمع الأَغاني ، أو يتعامل الربا ، ويغشّ في المعاملة ، ويساهم في الحرام ، أو تتبرّج نساؤه ، ويترك أولاده الصلاة ،

وربما يصل الأمر إلى أكبر من ذلك ! لا صبّحهم الله بخير ، ولا رحم فيهم مغرز إبرة .


 

[41] * مسابقة الإمام و مساواته بأفعال الصّلاة :

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : صلّى بنا رسول الله r ذات يوم فلما قضى الصّلاة أقبل علينا بوجهه ، فقال :
أيُّها النّاس ! إنّي إمامكم ، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ، ولا بالقيام ولا بالانصراف(1) .

وعن أبي هريرة قال : قال محمد r : أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يُحوِّلَ اللهُ رأسَه رأسَ حمار(2) .

وزاد البزّار و الطبراني : ((الذي يخفض و يرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد الشّيطان))(3) .

وعن البراء بن عازب قال : كان رسولُ الله r إذا قال : سمع الله لمن حمده ، لم يحْنِ أحدٌ منّا ظهره ، حتى يقعَ النبيُّ r ساجداً ، ثم نقعُ سجوداً بعده(4) .

وعن معاوية بن أبي سفيان رفعه : إنّي قد بَدَّنْتُ ، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ، فإني مهما أسبقكم حين أركع تدركوني حين أرفع ، ومهما أسبقكم حين أسجد تدركوني حين أرفع(5) .

وعن سمرة بن جندب : أن رسول الله r قال : إذا قُمْتُم إلى الصّلاة فلا تَسْبِقُوا قارئكم بالركوع و السجود ، ولكن هو يَسْبِقُكم(6) .

[1/41] من هذه الأحاديث يتبيّن لنا خطأ بعضهم في حال كونه مأموماً في الصَّلاة : إذ تكون أعمالُه فيها مساويةً لأعمال الإمام ، بل بعضهم يسبقه فيها !! و المسابقة محرّمةٌ اتّفاقاً لظاهر الأحاديث السابقة ، إذ فيها توعد بالمسخ ، وهو من أشدّ العقوبات . فإن سبقه بالإحرام أو السلام ، بطلت صلاة المأموم(1) ، وإن سبقه بغيرهما ، وانتظر حتى أدركه الإمام ، فهو حرام ، يأثم فاعله ، وصلاته صحيحة(2) .

وعن ابن عمر و أحمد : أنها باطلة ، بناء على أن النهي يقتضي الفساد(2) .

واختلف في معنى التحويل المذكور في حديث أبي هريرة : فقيل : هو باقٍ على ظاهره ، فيمسخه الله مسخاً حسيّاً ، ويؤيّده : ورود الوعيد بلفظ المستقبل ، ولا يُقالُ : ليس في الحديث ما يدّل على وقوع المسخ ، بل غايته : أن فاعل ذلك متعرّض لهذا الوعيد ، ولا يلزم من التعرّض للشيء وقوع ذلك الشيء ، لأنه : لا مانع من وقوعه .

وقيل : إن التحويل المذكور يقع يوم القيامة .

ويحتمل أن يراد : المسخ المعنوي ، الذي هو طمس القلوب و البصائر ، فيكون أعمى القلب عن طريق الحقّ ، فلا يسلكه(3) .

وقال ابن حجر عن بعض المحدّثين : أنه رحل إلى دمشق لأخذ الحديث عن شيخٍ مشهورٍ بها ، فقرأ عليه جملة ، لكنه كان يجعل بينه و بينه حجاباً ، ولم ير وجهه ، فلما طالت ملازمتُه له ، ورأى حرصه على الحديث ، كشف له الستر ، فرأى وجهه : وجه حمار ، فقال له : احذر يا بُنيَّ أن تسبق

الإمام ، فإني لما مرّ بي في الحديث استبعدتُ وقوعه ، فسبقتُ الإمام ، فصار وجهي كما ترى(4) .

وعلاج مَنْ يسابق الإمام ودواؤه : أن يعلم أنه لا سبب لفعل ذلك ، إلا طلب الاستعجال ، واستحواذ الشيطان ، واستحضار أنه لا يسلّم قبل الإمام ، فلا ثمرة في الاستعجال ، بل فيه الإثم و العقاب .

[2/41] والمشاهد : أن أغلب الذين يسابقون الإمام مَنْ يبكرون في الحضور للمسجد ، فيا لله من فعلهم هذا! فإنهم على الرغم من طول انتظارهم ، ما استفادوا شيئاً من الثواب ، و يا ليت الأمر وقف عند هذا الحدّ ، بل لحقهم كثيرٌ من العقاب .

ورحم الله ابن الجوزي عندما قال : ((ومن العوام مَنْ يعتمد على نافلةٍ و يضيّع فرائض ، مثل : أن يحضر إلى المسجد قبل الأذان و يتنفّل ، فإذا صلّى مأموماً سابق الإمام))(1) .

ومن أخطاء بعض الحجيج و العُمّار قيامهم قبل تسليم الإمام حتى يتمكنوا من تقبيل الحجر الأسود !

قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين : ((رأيت أمراً عجباً ... رأيتُ من يقوم قبل أن يسلّم من الصلاة المفروضة ليسعى بشدّة إلى تقبيل الحجر ، فيبطل صلاته المفروضة ، التي هيَّ أحد أركان الإسلام لأجل أن يفعل هذا الأمر الذي ليس بواجب ، وليس بمشروع أيضاً ، إلا إذا قرن بالطواف ، وهذا من جهل الناس المطبق الذي يأسف الناس له))(2) .

وفي القابل :

[3/40] هناك فريق يتأخر عن الإمام ، حال السجود و القيام منه ، أو حال الركوع و الاعتدال منه ، وهؤلاء خالفوا قول الرسول r : (( إنما جُعِل الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به ، فإذا ركع فاركعوا ، و إذا رفع فارفعوا ))(3) .

فمقتضى الحديث أن ركوع المأموم يكون بعد ركوع الإمام ، إما بعد تمام انحنائه ، وإما أن يسبقه الإمام بأوّله ، فيشرع فيه بعد أن يشرع ، لا أن يتأخّر عنه ، حتى يقارب القيام منه ، ومن ثم يركع المأموم ، ويبقى على هذا الحال ، يلاحق الإمام ملاحقة ، فلا هو مطمئن في صلاته ، ولا يدري ما يقول فيها ، ويتخوّف عليها من النقصان أو البطلان . وعلى الأئمة أن يتّقوا الله في صلاتهم و صلاة الناس ، فإنهم ضامنون ، فعليهم بالطمأنينة و التؤدة و عدم العجلة ، والله الهادي إلى سواء السبيل .

قال الإمام أحمد : ((فما أولى الإمام بالنّصيحة لمن يصلّي خلفه ، وأن ينهاهم عن المسابقة في الركوع و السجود ، وأن لا يركعوا و يسجدوا مع الإمام ، بل يأمرهم بأن يكون ركوعهم وسجودهم ورفعهم و خفضهم بعده ، وأن يحسن أدبهم و تعليمهم ، إذ كان راعياً لهم ، وكان غداً مسؤولاً عنهم . وما أولى بالإمام أن يحسن صلاته ، ويتمها و يحكمها ، وتشتد عنايته بها ، إذ كان له مثل أجر من يصلّي خلفه إذا أحسن ، وعليه مثل وزرهم إذا أساء))(1) .

ومن الطريف ـ أخي القاريء ـ أن أسرد لك هذه القصة ، لتعلم حرص سلفك الصالح على عدم مسابقة الإمام ، وأنَّ مَنْ يسابق الإمام سارقٌ خائنٌ في نظرهم .

قال ابن كثير : إن الحجاج بن يوسف صلّى مرّة بجنب سعيد بن المسيّب ـ وذلك قبل أن يلي شيئاً ـ فجعل يرفع قبل الإمام ، ويقع قبله في السجود ، فلما سلّم أخذ سعيد بطرف ردائه ـ وكان له ذكر يقوله بعد الصّلاة ـ فما زال الحجاج ينازعه رداءه ، حتى قضى سعيد ذكره ، ثم أقبل عليه سعيد ، فقال له : يا سارق ! يا خائن! تصلّي هذه الصّلاة ؟! لقد هممتُ أن أضرب بهذا النّعل وجهك . فلم يرد عليه ، ثم مضى الحجاج إلى الحج ، ثم رجع فعاد إلى الشّام ، ثم جاء نائباً على الحجاز . فلما قتل ابن الزبير ، كرّ راجعاً إلى المدينة ، نائباً عليها ، فلما دخل المسجد ، إذا مجلس سعيد بن المسيب ، فقصده الحجاج ، فخشي الناس على سعيد منه ، فجاء حتى جلس بين يديه ، قال له : أنت صاحب الكلمات ؟ فضرب سعيد صدره بيده ، وقال : نعم ! قال : فجزاك

الله من معلّم و مؤدّب خيراً ، ما صليت بعدك صلاة إلا و أنا أذكر قولك ، ثم قام و مضى(1) .


 

[42] * تكبير المسبوق للإحرام وهو نازل إلى الركوع :

ومن أخطاء المسبوقين في صلاة الجماعة :

[1/42] أن ينشغل عن تكبيرة الإحرام في القيام ، طمعاً في إدراك الركوع مع الإمام ، لكي يلحق الركعة ، فيأتي بالتكبيرة وهو نازل للركوع !! وهذا منافٍ لقوله r : ((إذا قمت للصلاة فكبر))(2) . فالتكبير يكون في القيام ، لا في القعود ولا في الهوي إلى السجود أو النزول للركوع .

قال الشوكاني : ((اعلم أن تكبير الافتتاح من قعود أو بغير اللفظ الذي ثبت عن الشارع ، بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، فما لنا للتعرض لمثل هذا ، وأنه قد قال به فلان ، أو عمل به فلان ، وجعل ذلك ذريعة إلى الاعتراض على مَنْ قال بالحق ، ودان بالصّواب))(3) .

وقد صرّح جمهور الفقهاء على وجوب الإتيان بتكبيرة الإحرام في القيام .

قال النووي : ((يجب أن يكبر للإحرام قائماً ، حيث يجب القيام . وكذا المأموم الذي يدرك الإمام راكعاً ، يجب أن تقع تكبيرة الإحرام بجميع حروفها في حال قيامه ، فإن أتى بحرفٍ منها ، في غير حال القيام ، لم تنعقد صلاته فرضاً بلا خلاف ، وفي انعقادها نفلاً الخلاف))(4) .

وقال ابن قدامة : ((وعلى المسبوق أن يأتي بالتكبيرة منتصباً ، فإن أتى بها أن انتهى في الانحناء ، إلى قدر الركوع أو ببعضها ، لم يجزئه ، لأنه أتى بها في غير محلّها ، إلا في النافلة ، ولأنه يفوته القيام ، وهو من أركان الصلاة ، ثم يأتي بتكبيرة أخرى للركوع ، في حال انحطاطه إليه ، فالأولى ركن لا تسقط بحال ، و الثانية تكبيرة الركوع))(5) .

وقال الإمام علي القاري في هذه المسألة : ((وأما لو كبّر منحنياً كما يفعله العامة و الجهلة من جهة العجلة ، فلا تنعقد صلاته ، إذ القيام شرط في تكبير التحريمة للقادر عليه ، كيف و بعضهم يكبّرون حال الركوع ، وحينئذ لا يكون محسوباً أبداً . نعم ، إنْ كبّر تكبيرة التحريمة قائماً ، ثم كبّر تكبيرة الركوع في الركوع أو تركها ، صحت صلاته مع الكراهة . والنقول في هذه المسائل مشهور ، وفي كتب المذهب مسطورة ، وإنما أردنا تنبيه الغافلين ، ولو كانوا بزعمهم من العلماء العالمين ، أو المشايخ الكاملين !!))(1) .

وسئل الشيخ ابن باز : إذا حضر المأموم إلى الصّلاة و الإمام راكع ، هل يكبّر تكبيرة الافتتاح أو يكبّر و يركع ؟

فأجاب : الأولى و الأحوط أن يكبر التكبيرتين : إحداهما : تكبيرة الإحرام ، وهي ركن ، ولا بدّ أن يأتي بها وهو قائم . والثّانية : تكبيرة الركوع ، يأتي بها حين هويه إلى الركوع .

فإن خاف فوت الركعة ، أجزأته تكبيرةُ الإحرام في أصح قولي العلماء ، لأنهما عبادتان اجتمعتا في وقت واحد ، فأجزأت الكبرى عن الصغرى ، وتجزىء هذه الركعة عند أكثر العلماء(2) . انتهى .

وصرح جماعة من العلماء الأقدمين ـ كالزّهري و سعيد بن المسيب و الأوزاعي و مالك ـ بأن التكبيرة الواحدة في مثل هذه الحالة تجزىء(3) .

قلت :

[2/42] ولا داعي لما يفعله بعض المصلّين من وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام و قبل النزول للركوع ، إذ وضع اليدين حال القراءة ، ولا قراءة في هذه الحالة .


 

[43] * انشغال المسبوق بدعاء الاستفتاح ، وتأخره عن اللحوق بصلاة الجماعة .

ومن أخطاء بعض المسبوقين :

[1/43] الانشغال بقراءة دعاء الاستفتاح و الطمأنينة فيه ، وفي الاستعاذة و البسملة ، فما يكاد ينتهي منها إلا و الإمام راكعٌ ، أو قارب من الركوع .

قال ابن الجوزي : ((ومن الموسوسين من تصح له التكبيرة خلف الإمام ، وقد بقي من الركعة يسير ، فيستفتح و يستعيذ ، فيركع الإمام . وهذا تلبيس لأن الذي شرع فيه من التعوذ والاستفتاح مسنون ، والذي تركه من قراءة الفاتحة ، وهو لازم للمأموم عند جماعة من العلماء ، فلا ينبغي أن يقدّم عليه سنّة))(1) .

وقال : ((وقد كنتُ أُصلّي وراء شيخنا أبي بكر الدّينوري الفقيه في زمان الصّبا ، فرآني مرّة أفعل هذا ، فقال : يابني إن الفقهاء قد اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة خلف الإِمام ، ولم يختلفوا في أن الاستفتاح سنّة ، فاشتغل بالواجب ، ودع السنن))(2)

ومن أخطائهم :

[2/43] التأخر عن اللحوق بصلاة الجماعة – إذا كان الإمام في غير القيام أو الركوع - ، وانتظار قيام الإمام ، حتى يلتحق به ، ويفوته في هذه الحالة فضل السجود الوارد في كثير من الأحاديث . فضلاً عن مخالفته لقول الرسول r : (( إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ، وعليكم بالسكينة و الوقار ، ولا تسرعوا ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ))(3) .

قال الحافظ ابن حجر : (( واستدل به أيضاً على استحباب الدخول مع الإمام في أيّ حالة وجد عليها ، وفيه حديث أصرح منه : أخرجه ابن أبي شيبة عن رجل من الأنصار مرفوعاً : من وجدني راكعاً أو قائماً أو ساجداً فليكن معي على حالتي التي أنا عليها(4) ))(5) .

وعن أبي بكرة – رضي الله عنه – أنه انتهى إلى النبي r وهو راكع ، فركع قبل أن يصل إلى الصّفّّ ، فذكر ذلك للنبي r ، فقال : زادك اللهُ حرصاً ولا تَعُدْ(6) .

وفي هذا الحديث أيضاً : استحباب موافقة الداخل للإمام على أي حالٍ وجده عليها(7) .

ومن أخطائهم :

[3/43] إذا لم يجد فرجة في الصَّف ، أو مكاناً فيه ، قام بجذب رجل من الصّف الأخير ، ليصّف معه ، والأحاديث الواردة في ذلك غير صحيحة(1) ، فبقي هذا العامل تشريعاً بدون نص صريح ، وهذا لا يجوز ، بل الواجب أن ينضمّ إلى الصف إذا أمكن ، وإلا صلّى وحده ، و صلاته صحيحة ، لأنه ) لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعهاَ
( ، وحديث الأمر بالإعادة (2) محمول على إذا ما قصر في الواجب ، وهو الانضمام إلى الصّفّ وسد الفرج ، وأما إذا لم يجد فرجة ، فليس بمقصّر ، فلا يعقل أن يحكم على صلاته بالبطلان في هذه الحالة ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية(3) .

قال الشيخ عبد العزيز بن باز : في جواز الجذب نظر ، لأن الحديث الوارد فيه ضعيف ، ولأن الجذب يفضي إلى إيجاد فرجة في الصّف ، والمشروع سد الخلل ، فالأولى ترك الجذب ، وأن يلتمس موضعاً في الصف ، أو يقف عن يمين الإمام ، و الله أعلم (4) .


 


 


 


 


 

أخطاؤهم في ثواب صلاة الجماعة و بعض أخطاء

المتخلفين عنها ، والتشديد في حقّ مَنْ تركها .


 


 

* ثواب الصلاة في بيت المقدس .

* صلاة الجماعة في غير المساجد .

* صلاة الجماعة الثانية ، وتعدد الجماعات في المسجد الواحد و الأنفة عن الصّلاة خلف المخالف في المذاهب .

* التشديد في التخلّف عن الجماعة .


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 

[44] * ثواب الصّلاة في بيت المقدس :

[1/44] : الشائع عند عوام المصلّين ، بل عند غير واحد من خواصّهم :

أن الصلاة في بيت المقدس خمس مئة صلاة !! اعتماداً على ما رفعه جابر : ((صلاة في المسجد الحرام مائة ألف صلاة ، وصلاة في مسجدي ألف صلاة ، وفي بيت المقدس خمسمائة صلاة)) . وهذا الحديث عند البيهقي في ((شعب الإيمان)) .

والخطيب في ((المتفق و المفترق)) ، وفيه إبراهيم بن أبي حية وهو واهٍ ، كما قال السيوطي في ((الجامع الكبير)) : (2/61/1) . ونحوه عن أبي الدرداء مرفوعاً أيضاً .

عند : الطبراني في ((الكبير)) وابن خزيمة في ((الصحيح)) و البزار في ((المسند)) وقال : إسناده حسن ، ذكره المنذري في ((الترغيب و الترهيب)) : (2/137) وقال عقبه : (كذا قال)) !!

وفصّل الحافظ الناجي في ((عجالة الإملاء المتيسرة)) : (لوحة 135/1) أن تحسين البزار ليس حسناً ، وأن كلام المنذري يفيده ، فقال معلّقاً على كلام المنذري :

((وهو كما قال المصنّف ، إذ فيه سعيد بن سالم القدّاح ، وقد ضعّفوه ، ورواه عن سعيد بن بشير ، وله ترجمة في آخر الكتاب في الرواة المختلف فيهم))(1) .

والصّحيح المحفوظ : أنّ الصّلاة في المسجد الأقصى تعدل خمسين و مئتي صلاة فيما سواه إلا مسجدي مكة و المدينة ، فإن لهما فضلاً عليه ، فقد أخرج ابن ماجه في ((السنن)) رقم (1406) وأحمد في ((المسند)) : (3/343 و 397) عن جابر أن النبي r قال : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، فصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه . واسناده صحيح على شرط الشيخين(1) .

قال البوصيري في ((مصباح الزجاجة))(2) : ((هذا إسناد صحيح رجاله ثقات)) .

وقال أيضاً : ((وأصله في ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة ، وفي مسلم و غيره من حديث ابن عمر ، وفي ابن حبان و البيهقي من حديث عبد الله بن الزّبير)) .

والدليل على ما قلناه : عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال : تذاكرنا ـ ونحن عند رسول اللهr - أيّهما أفضل : أمسجد رسول الله r أم بيت المقدس ؟

فقال رسول الله r : صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه ، ولنعم المصلَّى هو . وليوشكن أن يكون للرجل مثل شطن(3) فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعاً . قال : أو قال : خير من الدنيا وما فيها(4) .

أخرجه ابن طهمان في ((مشيخته)) : رقم (62) ومن طريقه الحاكم في ((المستدرك)) : (4/509) وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) : (1/163 – 164) والطحاوي في ((مشكل الآثار)) : (1/248) والبيهقي كما في ((الترغيب و الترهيب)) : (2/217 ـ ط عمارة) . وإسناده صحيح(5) .

وبهذه المناسبة :

[2/44] أُشير إلى خطأ بعض مَنْ يتورّعون في الصّلاة في الزّيادات التي أُضيفت على المسجد الحرام و مسجد رسول الله r ، ظنّاً منهم : أنهم لن ينالوا الأجر الوارد في حديث جابر

السّابق !!

ويتأكد لك ـ أخي المصلّي ـ خطأ أولئك ، عندما تقرأ أثر عمر بن الخطاب عند ابن شبة في كتاب ((أخبار المدينة)) : ((لو مُدّ مسجد النبيّ r إلى ذي الحليفة ، لكان منه)) . وفي لفظ : ((لو زدنا فيه حتى بلغ الجبّانة كان مسجد رسول الله r ، وجاءه الله بعامر)) .

ويشهد له : عمل السّلف الصالح ، فقد زاد عمر وعثمان في مسجده r من جهة القبلة ، فكان يقف الإمامُ في الزّيادة ، ووراءه الصّحابة في الصّف الأوّل ، فما كانوا يتأخّرون إلى المسجد القديم ، كما يفعل بعض النّاس اليوم(1) !!

قال شيخ الإسلام : ((وقد جاءت الآثار بأن حكم الزّيادة في مسجده r حكم المزيد ، تضعف فيه الصّلاة بألف صلاة ، كما أن المسجد الحرام حكم الزّيادة فيه حكم المزيد ، فيجوز الطواف فيه ، والطواف لا يكون إلا في المسجد لا خارجاً منه . ولهذا اتّفق الصّحابة على أنهم يصلّون في الصّف الأوّل من الزّيادة التي زادها عمر ثم عثمان ، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم ، فلولا أن حكمه حكم مسجده ، لكانت تلك صلاة في غير مسجده ، ويأمرون بذلك)) ثم قال :

((وهذا هو الذي يدلّ عليه كلام الأئمة المتقدّمين وعملهم ، فإنهم قالوا : إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل . وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنّة ، وكذلك كان الأمر على عهد عمر و عثمان رضي الله عنهما ، فإن كليهما مما زاد من قِبلي المسجد ، فكان مقامه في الصّلوات الخمس في الزّيادة ، وكذلك مقام الصّف الأوّل الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنّة والإجماع ، وإذا كان كذلك ، فيمتنع أن تكون الصَّلاة في غير مسجده ، أفضل منها في مسجده ، وأن يكون الخلفاء يصلّون في غير مسجده ، وما بلغني عن أحدٍ من السّلف خلاف هذا . لكن رأيتُ بعض المتأخرين قد ذكروا أن الزّيادة ليست من مسجده ، وما علمت له في ذلك سلفاً من العلماء))(2) .


 

[45] * صلاة الجماعة في غير المساجد :

يظنّ كثير من البطّالين حين اجتماعهم في مجالس الدّنيا و الخوض ـ بحق وباطل ـ في أمورها ، ويحين موعد الآذان ، أن صلاتهم في ناديهم ذاك ، تسقط عنهم الجماعة في المسجد ، وأنهم ينالون ثواب الجماعة ، كما لو صلوها في المسجد ، ولو لم يكن يبعد عنهم إلا أمتاراً يسيرة !!

قال الحافظ ابن حجر : (( وقد جاء عن بعض الصحابة قصر التضعيف إلى خمس و عشرين ، على التجميع ـ أي في المسجد الجامع ـ وفي المسجد العام ، مع تقرير الفضل في غيره .

وروى سعيد بن منصور بإسنادٍ حسن : عن أوس المعافري أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص : أرأيت مَنْ توضأ ، فأحسن الوضوء ، ثم صلّى في بيته ؟! قال : حسن جميل . قال : فإن صلى في مسجد عشيرته ؟ قال : خمس عشرة صلاة . قال : فإن مشى إلى مسجد جماعة ، فصلّى فيه ؟ قال : خمس وعشرون ))(1) .

قلت : وهذا مذهب الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ ، أعني : أن الأحاديث الواردة في فضل الجماعة ، مقصورة على من جمع في المسجد ، دون من جمع في بيته ، كما في ((الفتح))(2) و (( إرشاد الساري ))(3) و ((لامع الدّراري))(4) .

وإلى هذا ذهب بعض الفقهاء ؛ قال ابن نجيم : ((من جمع بأهله لا ينال ثواب الجماعة ، إلا إذا كان لعذر))(5) .

ويتأيّد ما قلناه : إذا علمتَ : أن الجماعة في نظر الشّارع ، تكون في المساجد دون البيوت ، فإن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ إذا طمعوا في إدراك الجماعة ، لم يكونوا يصلّونها في البيوت ، وكانوا يذهبون إلى المساجد ، فإن فاتتهم الجماعة صلّوها في البيوت . فجماعتهم لم تكن إلا في المسجد ، ولم تكن في البيت إلا الصلاة منفرداً ، وقد تغيّر العرف في زمننا ، فجعل بعضُ المترفّهين يجمعون في بيوتهم(6) !

قال r : (( صلاة الرجل في الجماعة ، تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً و عشرين ضعفاً ، وذلك أنه إذا توضّأ فأحسن الوضوء ، ثم خرج إلى المسجد ، لا يخرجه إلا الصّلاة ، لم يخْطُ خطوة ، إلا رفعت له بها درجة ، وحطّ عنه بها خطيئة ، فإذا صلّى لم تزل الملائكة تصلّي عليه ، ما دام في مصلاّه : اللهم صلّ عليه ، اللهم ارحمه ، ولا يزال أحدكم في صلاة))(1) .

فقوله r : ((ثم خرج إلى المسجد)) علّةٌ منصوصة ، فلا يجوز إلغاؤها ، وحينئذ يختص تضعيف الأجر بمن أتاها من البعد ، فلا يحصل التضعيف لمن صلّى في بيته في جماعة .

قال الكشميري : ((إن شئت ، قلت : إنّ الصّلاة في البيت مفضولة عن الصلاة في المسجد ، فإنهما عبارتان عن معنى واحد ، على الفرض المذكور ، بقي تجميع فائت الجماعة في بيته ، فهو بمعزل عن النظر ، لأنه من العوارض ، لا أن الجماعات مشروعة في البيوت ، لتبنى عليها الأحكام))(2) .

قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ : ((ومن تأمل السنّة حق التّأمل ، تبيّن له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان إلا لعارضٍ يجوز معه ترك الجمعة و الجماعة ، فترك حضور المسجد لغير عذر كترك أصل الجماعة لغير عذر ، وبهذا تتفق حميع الأحاديث و الآثار .

ولما مات رسول الله r ، وبلغ أهل مكة موته ، خطبهم سهيل بن عمرو ، وكان عتاب بن أسيد عامله على مكة ، وقد توارى خوفاً من أهل مكة ، فأخرجه سهيل ، وثبت أهل مكة على الإسلام ، فخطبهم بعد ذلك عتاب ، وقال : يا أهل مكة ! والله لا يبلغني أن أحداً منكم تخلّف عن الصّلاة في المسجد في الجماعة إلا ضربتُ عنقه . وشكر أصحابُ رسول الله r هذا الصّنيع ، وزاده رفعة في أعينهم ، فالذي ندين الله به أنه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة في المسجد إلا من عذر ، و الله أعلم بالصواب))(3) .


 

[46] * صلاة الجماعة الثانية ، وتعدد الجماعات في المسجد الواحد ، و الأنفة عن الصلاة خلف المخالف في المذاهب .

[1/46] من أخطاء المتخلّفين عن صلاة الجماعة الأولى الأم : إقامة جماعة ثانية بعد جماعة الإمام الراتب أو مَنْ ينوب عنه .

وقد منع ذلك جماعة من الفقهاء ، واختاروا الصلاة فرادى على الصلاة في جماعة في مسجد قد صلّي فيه مرّة ، وهم :

سفيان الثوري و عبد الله بن المبارك و مالك بن أنس ومحمد بن إدريس الشافعي والليث بن سعد و الأوزاعي و الزهري وعثمان البتي وربيعة و أبو حنيفة و صاحباه : أبو يوسف و محمد بن الحسن و القاسم و يحيى بن سعيد وسالم بن عبد الله و أبو قلابة و عبد الرزاق الصنعاني وابن عون و أيوب السختياني و الحسن البصري و علقمة و الأسود و النخعي و عبد الله بن مسعود(1) .

والأدلة على ذلك :

1- قوله تعالى : ) وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (
(2) .

ووجه الدلالة من الآية : قوله تعالى ) وتفريقاً بين المؤمنين ( فهي منطوق في أن الجماعة لا ينبغي أن تفرق ، و ينبغي للمؤمنين أن تجتمع كلمتهم ، ولا يكون ذلك إلا بالجماعة الأولى مع الإمام الراتب .

قال ابن العربي : ((يعني إنهم كانوا جماعة واحدة ، في مسجد واحد ، فأرادوا ـ أي المنافقين ـ أن يفرّقوا شملهم في الطاعة ، وينفردوا عنهم للكفر و المعصية ، وهذا يدلك على أن المقصد الأكثر ، و الغرض الأظهر ، من وضع الجماعة : تأليف القلوب ، والكلمة على الطاعة ، وعقد الذّمام والحرمة بفعل الديانة ، حتى يقع الأُنس بالمخالطة ، وتصفو القلوب من وضر(3) الأحقاد و الحسادة .

ولهذا المعنى تفطّن مالك ـ رضي الله عنه ـ حين قال : إنه لا تصلى جماعتان في مسجدٍ واحدٍ ولا بإمامين ولا بإمام واحد ، خلافاً لسائر العلماء(4) !! وقد روي عن الشافعي المنع ، حيث كان ذلك تشتيتاً للكلمة ، وإبطالاً لهذه الحكمة ، وذريعة إلى أن نقول : مَنْ أراد الانفراد عن الجماعة ، كان له عذر ، فيقيم جماعة ، ويقدم إمامته ، فيقع الخلاف ، ويبطل النظام ، وخفي ذلك عليهم !! وهكذا كان شأنه معهم ، وهو أثبت قدماً منهم في الحكمة ، وأعلم بمقاطع الشريعة))(5) .

2- حديث أبي بكرة رضي الله عنه : أن رسول الله r أقبل من نواحي المدينة ، يريد الصلاة ، فوجد الناس قد صلوا ، فمال إلى منزله ، فجمع أهله ، فصلّى بهم(1) .

ووجه الدلالة منه : أنه لو كانت الجماعة الثّانية جائزة بلا كراهة ، لما ترك النبي r فضل المسجد النبوي(2) .

3- حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله r : لقد هممتُ أن آمر فتيتي أن يجمعوا حزم الحطب ، ثم آمر بالصلاة ، فتقام ، ثم أحرق على أقوام لا يشهدون الصّلاة(3) .

ووجه الدلالة منه : أن الجماعة الثانية لو كانت ثابتة ، لما كان لذلك التحريق معنى ، إذ لهم الاعتذار بشمول الجماعة الثانية .

فإن قيل : يلزم على النبيّ r فعل ما ينهى عنه غيره ، وهو ترك الجماعة الأولى .

قلنا : لزوم ذلك على النبي r ، إذا فرض أن يصلي في مسجده ذلك ، ونحن نعلم أنه لو فعل ذلك الإحراق ، لصلى في مسجد آخر ، أو في موضع غيره ، ما لم يصل فيه مرّة .

وقوله : ( لا يشهدون الصلاة ) يعني التي أمر بها أن تقام ، فإن المعرفة إذا أعيدت كانت عين الأولى ، مع أن الأصل في اللام إنما هو العهد ، وهذا يعيّن ما قلنا من أمر الجماعة الثانية ، فإنه لو كانت الجماعة الثانية معمولاً بها ، لكان المناسب حينئذ أن يُقال : (لا يشهدون الصلاة )(4) .

4- الآثار : قال الإمام الشافعي : ((وإذا كان للمسجد إمام راتب ، ففاتت رجلاً أو رجالاً فيه الصلاة ، صلّوا فرادى ، ولا أحب أن يصلّوا فيه جماعة ، فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه ، وإنما كرهت ذلك لهم ، لأنه ليس مما فعل السَّلفُ قبلنا ، بل قد عابه بعضهم))(5) .

فقوله : (عابه بعضهم) يدل على كراهة الجماعة الثّانية عند السلف ، و المراد بالسلف في كلام المجتهدين هو الصحابة و التابعون رضي الله عنهم .

وقال أيضاً : ((وإنا قد حفظنا أن قد فاتت رجالاً معه – أي : النبي r - الصلاة ، فصلّوا بعلمه منفردين ، وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا ، وأن قد فاتت الصّلاة في الجماعة قوماً ، فجاءوا المسجد ، فصلّى كلُّ واحدٍ منهم منفرداً ، وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا في المسجد ، فصلّى كل واحد منهم منفرداً ، وإنما كرهوا لئلا يجمعوا في المسجد مرتين))(1) .

يشير الإمام الشافعي إلى فعل عبد الله بن مسعود و غيره .

أخرج عبد الرزاق ومن طريقه الطبراني : عن معمر عن حماد عن إبراهيم : أن علقمة و الأسود أقبلا مع ابن مسعود إلى المسجد ، فاستقبلهم الناس قد صلوا ، فرجع بهما إلى البيت ، فجعل أحدهما عن يمينه و الآخر عن شماله ، ثم صلى بهما(2) .

وأخرج ابن أبي شيبة و عبد الرزاق بسندهما إلى الحسن البصري قال : كان أصحاب محمد r إذا دخلوا المسجد ، وقد صلّي فيه صلّوا فرادى(3) .

فلو كانت الجماعة الثانية في المسجد جائزة مطلقاً ، لما جمع ابن مسعود في البيت ، مع أن الفريضة في المسجد أفضل ، ولما صلى أصحاب النبي r فرادى ، مع استطاعتهم على التجميع .

وعن سحنون عن ابن القاسم عن مالك عن عبد الرحمن بن المجبر قال : دخلت مع سالم بن عبد الله مسجد الجمعة ، وقد فرغوا من الصلاة ، فقالوا : ألا تجمع الصلاة ؟

فقال سالم : لا تجمع صلاة واحدة في مسجدٍ مرّتين .

قال ابن وهب : وأخبرني رجال من أهل العلم عن ابن شهاب و يحيى بن سعيد وربيعة و الليث مثله(4) .

ففي قول سالم دلالة صريحة على كراهة تكرار الجماعة في مسجد واحد ، ووافقه في ذلك جماعة من التابعين .

5- أن الجماعة الثانية ، تؤدّي إلى تفريق الجماعة الأولى ، لأن الناس إذا علموا أن الجماعة تفوتهم يستعجلون ، فتكثر الجماعة ، وإذا علموا أنهم لا تفوتهم يتأخرون ، فتقل الجماعة ، وتقليل الجماعة مكروه(1) .

قال القاضي ابن العربي في حكمة الكراهة : ((هذا معنى محفوظ في الشريعة ، عن زيغ المبتدعة ، لئلا يتخلّف عن الجماعة ، ثم يأتي ، فيصلّي بإمام آخر ، فتذهب حكمةُ الجماعةِ وسنّتُها))(2) .

وقال الإمام الشافعي : ((وأحسب كراهية من كره ذلك منهم ، إنما كان لتفريق الكلمة ، وأن يرغب الرجل عن الصلاة خلف إمام جماعة ، فيتخلّف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصّلاة ، فإذا قضيت دخلوا فصلّوا ، فيكون في هذا اختلاف و تفريق كلمة ، وفيهما المكروه))(3) .

وعلق الشيخ أحمد شاكر على كلام الإمام الشافعي بقوله : ((والذي ذهب إليه الشافعي من المعنى في هذا الباب ، صحيح جليل ، ينبىء عن نظرٍ ثاقبٍ ، وفهمٍ دقيقٍ ، وعقلٍ درّاك لروح الإسلام و مقاصده .

وأوّل مقصدٍ للإِسلام ثم أجلّه و أخطره : توحيد كلمة المسلمين ، وجمع قلوبهم في غاية واحدة ، هي إعلاء كلمة الله ، وتوحيد صفوفهم في العمل لهذه الغاية ، والمعنى الروحي في هذا : اجتماعهم على الصلاة و تسوية صفوفهم فيها . وهذا شيء لا يدركه إلا مَنْ أنار الله بصيرته بالفقه في الدّين ، والغوص على دُرَرِه ، والسمو إلى مداركه ، كالشافعي و أضرابه .

وقد رأى المسلمون بأعينهم آثار تفرق جماعاتهم في الصلاة ، واضطراب صفوفهم ، ولمسوا ذلك بأيديهم ، إلا مَنْ بطلت حاستُهُ ، وطمس على بصره ، وإنك لتدخل كثيراً من مساجد المسلمين ، فترى قوماً يعتزلون الصّلاة مع الجماعة ، طلباً للسنّة ، زعموا !! ثم يقيموا جماعات أخرى لأنفسهم ، ويظنّون أنهم يقيمون الصّلاة بأفضل مما يقيمها غيرُهُم ، ولئن صدقوا !! لقد حملوا من الوزر ما أضاع أصل صلاتهم ، فلا ينفعهم ما ظنّوه من الإنكار على غيرهم في ترك بعض السنن أو المندوبات .

وترى قوماً آخرين ، يعتزلون مساجد المسلمين ، ثم يتّخذون لأنفسهم مساجد أخرى ، ضراراً وتفريقاً للكلمة ، وشقاً لعصا المسلمين ، نسأل الله العصمة و التوفيق ، وأن يهدينا إلى جمع كلمتنا ، إنه سميع الدّعاء .

وقد كان من تسلهل المسلمين في هذا ، وظنّهم أنّ إعادة الجماعة في المساجد جائزة مطلقاً ، أنْ فشت بدعةٌ منكرةٌ في الجوامع العامّة ، مثل الجامع الأزهر و المسجد المنسوب للحسين ـ رضي الله عنه ـ وغيرهما بمصر ، ومثل غيرهما في بلاد أخرى ، فجعلوا في المسجد الواحد إمامين راتبين أو أكثر ، ففي الجامع الأزهر ـ مثلاً ـ إمام للقبلة القديمة ، وآخر للقبلة الجديدة ، ونحو ذلك في مسجد الحسين ، وقد رأينا فيه أن الشافعية لهم إمام يصلّي بهم الفجر في الغلس ، و الحنفيّون لهم إمام يصلّي الفجر بإسفارٍ ، ورأينا كثيراً من الحنفيين ـ من علماء و طلاّب و غيرهم ـ ينتظرون إمامهم ليصلّي بهم الفجر ، ولا يصلّون مع إمام الشافعيين ، والصّلاة قائمة ، والجماعة حاضرة ، ورأينا فيهما و في غيرهما جماعاتٍ تقام متعددةٍ في وقت واحد ، وكلهم آثمون ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، بل قد بلغنا أن هذا المنكر كان في الحرم المكي ، وأنه كان يصلّي فيه أئمة أربعة يزعمونهم للمذاهب الأربعة ، ولكنا لم نر ذلك ، إذ أننا لم ندرك هذا العهد بمكة ، وإنما حججنا في عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ـ رحمه الله ـ ، وسمعنا أنه أبطل هذه البدعة ، وجميع الناس في الحرم على إمام واحد راتب ، ونرجو أن يوفّق الله علماء الإسلام لإبطال هذه البدعة من جميع المساجد في البلدان ، بفضل الله و عونه ، إنه سميع الدّعاء ))(1) .

[2/46] وسئل ابن تيمية عن المذاهب الأربعة ، هل تصح صلاة بعضهم خلف بعض أم لا ؟ وهل قال أحدٌ من السَّلف أنه لا يصلي بعضهم خلف بعض ؟ ومن قال ذلك فهل هو مبتدع أم لا ؟ وإذا فعل الإمام ما يعتقد أن صلاته معه صحيحة ، والمأموم يعتقد خلاف ذلك ، فهل تصح صلاة المأموم والحال هذه ؟

فأجاب : نعم ، تصح صلاة بعضهم خلف بعض ، كما كان الصحابة و التّابعون لهم بإحسان ومن بعدهم الأئمة الأربعة ، يصلّي بعضهم خلف بعض ، مع تنازعهم في هذه المسائل المذكورة ، ولم يقل أحد من السلف أنه لا يصلي بعضهم خلف بعض ، ومن أنكر ذلك ، فهو مبتدع ضال ، مخالف للكتاب و السنّة و إجماع سلف الأمة و أئمتها . وإنما خالف بعضُ المتعصبين من المتأخرين ، فزعم أن الصّلاة خلف الحنفي لا تصح ، وإن أتى بالواجبات ، لأنه أدّاها وهو لا يعتقد وجوبها ، وقائل هذا القول إلى أن يستتاب كما يستتاب أهل البدع ، أحوج منه إلى أن يعتدّ بخلافه . وقد ثبت في ((الصحيح)) وغيره عن النبي r أنه قال :

((يصلّون لكم ، فإن أصابوا فلكم و لهم ، وإنْ أخطأوا فلكم و عليهم))(1) فقد بيّن النبي r أن خطأ الإمام لا يتعدى إلى المأموم ، ولأن المأموم يعتقد أن ما فعله الإمام سائغ له ، وأنه لا إثم عليه فيما فعل ، فإنه مجتهد ، أو مقلّد مجتهد ، وهو يعلم أن الله قد غفر له خطأه ، فهو يعتقد صحة صلاته ، وأنه لا يأثم إذا لم يعدها(2) .

ولم يظهر تعدد الجماعات إلا في القرن السادس الهجري ، كما في ((فتح العلي المالك)) : (1/92) ، ولهذا كان السلف الصالح رضوان الله عليهم إذا فاتته الصلاة جماعة صلى الفريضة و أكثر من التنفّل ، حتى يتحصل على ثواب الجماعة (3) .

6- أن سبب الجماعة الثانية ، التكاسل في أمر الجماعة الأولى ، وسبب المكروه مكروه ، فافهم .

7- ومن دلائل الكراهة : عدم أمره r في صلاة الخوف بتكرار الجماعة وعدم ثبوت الجماعة بعد جماعته r ، وثبوت أن الصحابة و التابعين إذا فاتتهم الجماعة يصلون فرادى ، أو في البيوت جماعة ، كما مضى .

8- وقد تفوت المصلي الجماعة وهو معذور ، وحينئذ فله ثواب الجماعة ، وإن صلاها منفرداً .

قال r : ((إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة ، لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله عزّ وجلّ له حسنة ، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حطّ الله عنه سيّئة ، فلْيُقرب أحدكم أو ليبعد ، فإن أتى المسجد فصلّى في جماعة غفر له ، فإن أتى المسجد وقد صلوا بعضاً و بقي بعض ، صلى ما أدرك ، وأتم ما بقي ، كان كذلك ، فإن أتى المسجد ، وقد صلوا ، فأتم الصلاة ، كان

كذلك ))(1) .

وقال r : ((من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح ، فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر مَنْ صلاها و حضرها ، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئاً))(2) .

قال السندي : ظاهر الحديث أن إدراك فضل الجماعة ، يتوقف على أن يسعى لها بوجهه ، ولا يقصر في ذلك ، سواء أدركها أم لا ، فمن أدرك جزءاً منها ، ولو في التشهد فهو مدرك بالأولى ، وليس الأجر و الفضل مما يعرف بالاجتهاد ، فلا عبرة بقول من يخالف قوله الحديث في هذا الباب أصلاً(3) .

قلت : فإن كان الأمر كذلك ، فما الدّاعي لإقامة الجماعة الثانية !! فتأمل .

ومن الجدير بالذكر التنبيه على أمور :

[3/46] الأوّل : أن الاعتراضات التي وجهها المخالفون ـ وهم المجيزون ـ لا تستقيم فضلاً عن قوة مناقشة المانعين لها ، وقد أتينا عليها في كتابنا ((إعلام العابد في حكم تكرار الجماعة في المسجد الواحد)) ، و نجتزىء هنا على أقواها و أظهرها في رأيهم ، وهو استدلالهم بحديث أبي سعيد الخدري : ((ألا رجل يتصدّق على هذا)) (4) .وهذا الاستدلال ليس في محلّه ، إذ ((أن الخطاب لجماعة قد صلوا فريضتهم))(5)وليس لإقامة جماعة أخرى في مسجد قد صلي فيه مرّة !

ونقول بعبارة أخرى : أن المتصدِّق ـ وهو مَنْ صلّى فرضه ثم قام يصلّي مع مَنْ تأخر عن الجماعة الأم ـ يتصدق على من فاتته الجماعة ، بثواب ست وعشرين درجة ، إذ لو صلى منفرداً ، لم يحصل له إلا ثواب صلاة واحدة ، وعبارة رسول الله r :

(يتصدّق) فيها رد صريح على المجيزين ، فنقول لهم : عرفنا من المتصدِّق و مَن المتصدَّق عليه في الحادثة ، ولكن يا ترى من المتصدِّق و المتصدَّق عليه ، حال قيام الجماعة الثانية ؟!

ومن ثم إن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ يقول في صلاة الجماعة : ((ما يتخلّف عنها إلا منافق معلوم النّفاق))(1) .

فيا ترى الضمير في (عنها) على ماذا تعود ، على صلوات الكسالى التي تقام بعد صلاة الإمام الرّاتب حتى دخول وقت الصلاة التي تليها ، كما نشاهده في بعض مساجدنا !! ولو كان الأمر كذلك ، كيف يُعرف هذا المنافق ، بالتخلّف عن الجماعة ؟!

[4/64] الثاني : للمتخلّف عن صلاة الجماعة ، دون تعود أو تعمّد أن يبحث عن رجل ـ صلّى فرضه ـ يتصدّق عليه ، ولا خلاف في ذلك ، وهذه الصورة منصوص عليها في حديث أبي سعيد السابق .

[5/46] الثالث : ليس للإمام إعادة الصلاة مرتين ، وجعل الثانية عن فائتة أو غيرها ، والأئمة متّفقون على أنه بدعة مكروهة ، ذكره الشيخ تقيّ الدين(2) .

[6/46] الرابع : لا كراهة في تكرار الجماعات في مساجد الطرقات التي لا إمام راتب لها ولا مؤذّن .

ومحل الكراهة المذكورة : في المسجد الذي له إمام راتب ، وصلى في وقته المعلوم ، ونائب الراتب حكمه حكم الراتب . ولا فرق بين كون الإمام راتباً في كلّ الصّلوات أو بعضها .

[7/46] الخامس : يحرم ـ اتّفاقاً ـ تعدد الجماعات لصلاة الفرض ، في وقت واحد ، وفي مسجد واحد(3) .

[8/46] السادس : كراهة صلاة الجماعة مرة ثانية في مسجد له إمام راتب ، لا تنافي

حصول فضل الجماعة لمن جمع مع الإمام الراتب(1) .


 

[47] * التشديد في التخلّف عن الجماعة :

[1/47] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله r : لقد هممتُ أن آمر فتيتي أن يجمعوا حزم الحطب ، ثم آمر بالصلاة ، فتقام ، ثم أحرق على أقوامٍ لا يشهدون الصَّلاة(2) .

قال ابن القيم : ((ولم يكن ليحرق مرتكب صغيرة ، فتركُ الصّلاة في الجماعة هو من الكبائر)) .

وقد منع قومٌ الاستدلال بهذا الحديث على وجوب الجماعة ، ونتعرض بإيجاز لشبههم ونَردّها .أما تركه r التحريق بعد همّه به .

فإن في ((المسند)) وغيره زيادة في الحديث ، بيَّنَتْ المانع الذي منعه r ، وهي : ((لولا ما في البيوت من النّساء و الذريّة لأمرت أن تقام الصّلاة ...)) .

فبيّن r أنه إنما منعه من ذلك : مَنْ فيها مِنْ النّساء و الذرية ، فإنهم لا يجب عليهم شهود الصلاة ، وفي تحريق البيوت قتل مَنْ لا يجوز قتله ، وكان ذلك بمنزلة إقامة الحدّ على الحبلى ، وقد قال سبحانه و تعالى : ) وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ((3).

ومن حمل ذلك على ترك شهود الجمعة : فسياق الحديث يبيّن ضعفه ، حيث ذكر صلاة العشاء و الفجر ، ثم أتبع ذلك بهمّه بتحريق من لم يشهد الصّلاة .

وأما مَنْ حمل العقوبة على النّفاق ، لا على ترك الصّلاة ، فقوله ضعيف لأوجه :

أحدها : أن النبي r ما كان يقتل المنافقين على الأمور الباطنة ، وإنما يعاقبهم على ما يظهر منهم من ترك واجب ، أو فعل محرم ، فلولا أن في ذلك ترك واجب لما همّ بحرقهم .

الثاني : أنه رتب العقوبة على ترك شهود الصلاة ،فيجب ربط الحكم في السبب الذي ذكره.

الثالث : أن ذلك حجة على وجوبها أيضاً ، كما ثبت في ((صحيح مسلم)) وغيره عن عبد الله بن مسعود أنه قال : ((من سره أن يلقى الله غداً مسلماً ، فليصلّ هذه الصّلوات الخمس حيث ينادى بهن ، فإن الله شرع لنبيّه سنن الهدى ، وإن هذه الصلوات الخمس في المساجد التي ينادى بهن من سنن الهدى ، وإنكم لو صلّيتم في بيوتكم كما صلى هذا المتخلّف في بيته ، لتركتم سنّة نبيكم ، ولو تركتم سنّة نبيكم لضللتم ، ولقد رأيتنا وما يتخلّف عنها إلا منافق معلوم النّفاق ، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصّف))(1) .

فقد أخبر عبد الله بن مسعود أنه لم يكن يتخلّف عنها إلا منافق معلوم النّفاق ، وهذا دليل على استقرار وجوبها عند المؤمنين ، ولم يعلموا ذلك إلا من جهة النبي r ، إذ لو كانت عندهم مستحبّة كقيام الليل و التطوعات التي مع الفرائض ، وصلاة الضحى ، ونحو ذلك ، كان منهم من يفعلها ، ومنهم من لا يفعلها مع إيمانه ، كما قال له الأعرابي : ((والله لا أزيد على ذلك ، ولا أنقص منه)) فقال : ((أفلح إن صدق)) .

ومعلوم أن كل أمر لا يتخلف عنه إلا منافق ، كان واجباً على الأعيان . كخروجهم إلى غزوة تبوك ، فإن النبي r أمر به المسلمين جميعاً ، لم يأذن لأحدٍ في التخلّف ، إلا من ذكر أن له عذراً ، فأذن له لأجل عذره(2) .

ويؤكد وجوب صلاة الجماعة : ما رواه مسلم في ((صحيحه)) انّ رجلاً أعمى قال : يا رسول الله ، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد ، فسأل رسولَ الله r أن يرخّص له ، فلما ولّى دعاه فقال : هل تسمع النّداء ؟ قال نعم . قال : فأجب(3) .

والأمر المطلق للوجوب ، فكيف إذا صرح صاحب الشرع بأنه لا رخصة للعبد في التخلّف عنه لضرير ، شاسع الدار(4) ، (( ليس له قائد يقوده إلى المسجد ، بل وفي طريقه الأشجار و الأحجار كما في بعض الروايات الصحيحة في الحديث ، فهل هناك حكم اجتمع فيه مثل هذه القرائن المؤكّدة للوجوب ، ومع ذلك يقال : هو ليس بواجب ؟! ))(5)

ومن أدلة الوجوب : قوله تعالى : ) وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ (
(1) وذلك من وجهين :

أحدهما : أنه أمرهم بصلاة الجماعة معه في حال الخوف ، وذلك دليل على وجوبها حال الخوف ، وهو يدل بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن .

الثّاني : أنه سنّ صلاة الخوف جماعة ، وسوّغ فيها ما لا يجوز لغير عذر ، كاستدبار القبلة ، و العمل الكثير ، فإنه لا يجوز لغير عذر بالاتفاق ، وكذلك مفارقة الإمام قبل السلام عند الجمهور ، وكذلك التخلّف عن متابعة الإمام كما يتخلّف الصف المؤخر بعد ركوعه مع الإمام إذا كان العدو أمامهم . وهذه الأمور مما تبطل الصلاة بها لو فعلت لغير عذر ، فلو لم تكن الجماعةُ واجبةً بل مستحبّة ، لكان قد التزم فعل محظور مبطل للصلاة ، و تُرِكَت المتابعة الواجبة في الصلاة لأجل فعل مستحب ! مع أنه قد كان من الممكن أن يصلّوا وحداناً صلاة تامة ، فعلم أنها واجبة(2) .

واعلم أنه لا ينافي القول بالوجوب ما تفيده بعض الأحاديث من صحة صلاة المنفرد التي تفيد أن صلاة المنفرد صحيحة ، حيث جعلت له درجة واحدة ، لأن هذا لا ينافي الوجوب الذي من طبيعته أن يكون أجره مضاعفاً على أجر ما ليس بواجب ، كما هو واضح(3) .

قال ابن القيم في الرد على هذا الاستدلال : (( التفضيل لا يستلزم براءة الذّمة من كل وجه ، سواء كان مطلقاً أم مقيداً ، فإن التفضيل يحصل مع مناقضة المفضل للمفضّل عليه من كل وجه ، كقوله تعالى : )أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (
(4) وقوله تعالى :
) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ (
(5) وهو كثير .

فكون صلاة الفذّ جزءاً واحداً من سبعة و عشرين جزءاً من صلاة الجميع ، لا يستلزم إسقاط فرض الجماعة ، ولزوم كونها ندباً بوجهٍ من الوجوه ، وغايتها أن يتأدّى الواجب بهما ، وبينهما من الفضل ما بينهما ، فإن الرجلين يكون مقامُهما في الصّفّ واحداً ، وبين صلاتهما في الفضل كما بين السماء و الأرض))(1) .

ولعل القارىء يجد في بعض ما ذكرناه من أدلة على وجوب صلاة الجماعة ، ودفعنا للشُبَهِ على هذا الحكم ، بيانَ عظم الخطر عليه في التخلّف عنها ، وأن يقلع عن الصلاة في البيت متوجّهاً إلى المسجد ، ((والواجب على أئمة المساجد أن ينصحوا المتخلّفين و يذكرهم ويحذرهم غضب الله و عقابه))(2) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ((من اعتقد أنّ الصّلاة في بيته أفضل من صلاة الجماعة في مسجد المسلمين ، فهو ضال مبتدع ، باتّفاق المسلمين . فإن صلاة الجماعة إما فرض على الأعيان ، وإما على الكفاية ، واللازم من الكتاب و السنّة أنّها واجبة على الأعيان))(3) .

((واعلم أخي المصلّي ـ بصّرك الله بالحقّ ـ أن للشيطان طرقاً كثيراً لصدّك عن الصّلاة ، وعن مناجاة ربّك ، فأوّل الطّرق ترك الجماعة ، ويليه ترك التسبيح عقب الصلاة ، ويليه ترك الصلاة كما شاهدنا .

فكيف تسوغ لنفسك ـ بربك ـ ترك أجر سبع و عشرين درجة ، والاكتفاء بدرجةٍ واحدةٍ ؟! أبَلَغَ بك أن استغنيتَ عن الأجر و الحسنات !! إن للحسنات سوقاً كبيراً غداً عند ربّ العالمين .

فتدبّر هذا واعقله ، ولا يغرنّك كثرة المتقاعسين ، الذين عقد الشّيطان عليهم ، فلا يقومون لصلاة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ، يقومون إليها كسالى ،فحذار أن يجرّك الشيطان لصفّه .

واعلم أن السكينة لا تدرك في البيت ، وإنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ، ألست منهم أنت ؟ !.

واعلم أنه جاء في ((صحيح البخاري)) : ((أن من غدا إلى المسجد أو راح ، أعدّ الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح ، فهل استغنيت عن هذا ؟؟ وفي هذا بيان لمن وفّق للخير ، وهدي إليه))(4) .

والعجب من قول بعضهم : ((لا تتم مروءةُ الرَّجل حتى يترك الصّلاة في الجماعة !! وتعقب هذه المقولة الخاطئة الإمام الذهبي ، فقال في ((السير )) : (7 /72) : ((قلت : لعن الله هذه المروءَةَ ، ما هي إلا الحُمْقُ و الكِبْر ، كيلا يُزاحِمًه السُّوْقة ! وكذلك تَجِدُ رؤساء وعُلماء يُصلّون في جماعةٍ في غير صَفّ ، أو تُبْسَطُ له سَجَّادةٌ كبيرة حتى لا يلتصق به مُسلم . فإنا لله !)) .

وتجدر الإشارة ـ في الختام ـ إلى بيان ضعف بعض الأحاديث التي يتداولها كثير من الدّعاة ، الذين كرسوا جهْدهم في حثّ النّاس على الصّلاة ، وتذكيرهم بها ـ جزاهم الله خيراً ـ ولكن فاتهم تمحيص الصحيح ، وفصله عن الضعيف ، منها :

[2/47] ((إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد ، فاشهدوا له بالإيمان)) .

وهو من طريق دَرَّاج أبي السَّمْح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد .

ودراج هذا ، قال الحافظ فيه في ((التقريب)) : (1/235) : ((صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف)) .

ولذلك تعقّب الذّهبيُّ الحاكم ، بقوله : ((قلت : درّاج كثير المناكير))(1) .

[3/47] ومنها : الدّعاء بالمغفرة عند الدخول إلى المسجد ، وهو مع أنه منقطع كما بيّنه مخرّجُه التّرمذي ، فإن الدّعاء بـ ((اللهم اغفر لي ذنبي)) تفرّد بذكره في الحديث ليث بن أبي سليم ، وهو ضعيف. وقد تابعه على رواية أصل الحديث ـ وفيه الصلاة و السلام على رسول الله r عند الدخول إلى المسجد فحسب ـ إسماعيل بن عليّة ، وهو ثقة جليل ، ولكنه لم يذكر فيه هذا الدّعاء ، فدلّ ذلك كله على أنه لا يصح فيه ، وأنه منكر .

ولذلك فإني أرى أنه لا يشرع التزامه مع الأدعية الصحيحة ، ولا إيراده فيها ، ولاسيما مع القطع بأنه من السنة ! فتأمل(2) .

[4/47] ومنها : ((جنّبوا مساجدكم صبيانكم)) وهذا حديث لا يصح عن النبي r ، قال البزّار فيه : لا أصل له(3) .

وبنى كثير من العوام عليه : اعتقاد منع دخول الصّبيان بيوت الله عزّ وجلّ !!

سئل الإمام مالك ـ رحمه الله ـ عن الرّجل يأتي بالصّبي إلى المسجد ، أيستحب ذلك ؟ قال : إن كان قد بلغ موضع الأدب ، وعرف ذلك ، ولا يعبث في المسجد ، فلا أرى بأساً ، وإن كان صغيراً ، لا يقرّ فيه ، فلا أحبّ ذلك .

قال ابن رشد : ((المعنى في هذه المسألة مكشوف ، لا يفتقر إلى بيان ، إذ لا إشكال في إباحة دخول الولد إلى المساجد ، قال الله عزّ وجلّ : ) وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ....((1).

وكان رسول الله r يسمع بكاء الصّبي في الصّلاة ، فيتجوّز في الصّلاة ، مخافة أن تفتن أمّه(2) .

و إلا فالكراهة في إدخالهم فيه ، إذا كانوا لا يقرّون فيه و يعبثون ، لأن المسجد ليس موضع العبث و اللعب ، وبالله التوفيق))(3) .

هذا ، وقد شهدتُ خطر هذا الحديث الواهي عندما رأيتُ بعض العامة من الجهلة يطردون النّاشئة من بيوت الله محتجّين بهذا الحديث ، فينفّرونهم من الدين ، على حين تفتح المؤسسات التبشيرية صدرها و ذراعيها لأبناء المسلمين مع أبنائهم .

[5/47] ومنها : قصة ثعلبة بن حاطب ، التي يزعم واضعها ـ قبحه الله ـ أنه كان ملازماً للمسجد ، حتى سمّي (حمامة المسجد) ، ومن ثم أغراه كثرة ماله ، المتمثل بالغنم ، على ترك صلاة الجمعة ، ومن ثم الجماعة ، ومن ثم على منع الزكاة ، ثم تذكر ، فجاء إلى النبي r تائباً ، فلم يقبله رسول الله r ولا أبو بكر وعمر !! وتتردد هذه القصة على ألسنة الكثيرين من الخطباء و الوعّاظ ، من غير أن يتنبهوا أنهم يحكمون بنفاق صحابي جليل شهد بدراً ، ومن غير أن يتفطنوا إلى أنهم ينسفون مبدأ إسلامياً عظيماً ، وهو إجبار مانعي الزكاة على دفعها ، حتى لو أدى ذلك إلى حربهم(4) .

ورحم الله ابن حزم ، فإنه قال في هذه القصة : ((فلا يخلو ثعلبة من أن يكون مسلماً ،

ففرض على أبي بكر و عمر قبض زكاته ، ولا بُدّ ، ولا فسحة في ذلك . وإن كان كافراً ، فلا يقرّ في جزيرة العرب ، فسقط هذا الأثر بلا شك .

وفي رواية : معان بن رفاعة و القاسم بن عبد الرحمن و علي بن يزيد وهو أبو عبد الملك الألهاني ، وكلهم ضعفاء))(1)


 


 

الفصل الخامس


 

جماع أخطاء المصلّين بعد الصلاة : جماعة كانت

أم منفردة .


 

* أخطاء المصلّين في السّلام والمصافحة .

* أخطاء المصلّين في التّسبيح .

(ترك التسبيح دبر الصّلوات والاشتغال بالدعاء ، خروج المأموم وانصرافه قبل انتقال الإمام عن القبلة ، الوصل بين الفريضة والنفل ، التسبيح بالشمال


والسبحة) .

* السجود للدّعاء بعد الفراغ من الصّلاة .

* السّمر بعد صلاة العشاء .

* التسبيح الجماعي والتشويش على المصلّين .

* المرور بين يدي المصلِّين .


 


 


 


 

[48] * أخطاء المصلّين في السّلام والمصافحة :

[1/48] عن أبي هريرة عن رسول الله r قال :إذا لقي أحدكم أخاه ، فليسلّم عليه ، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ، ثم لقيه ، فليسلم عليه أيضاً(1) .

في هذا الحديث : أمره r للمسلمين ، بأن يسلّم أحدهم على أخيه المسلم ، إذا لقيه ، لما فيه من جَمْع الشْمل ، ونفي البُغْض ، وجلب المحبة .

والأمر في هذا الحديث إنما هو للاستحباب ، بمعنى أنه للحثّ ، والنَّدب ، وليس بواجب(2).

ولا فرق في ذلك بين مَنْ في المسجد أو خارجه ، بل دلّت السنّة الصحيحة على مشروعية السلام على مَنْ في المسجد ، سواء كان في صلاة أم لا .

عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : خرج رسول الله r إلى قباء يصلّي فيه فجاءته الأنصار ، فسلّموا عليه وهو يصلّي ، قال : فقلت لبلال : كيف رأيت رسول الله r
يردّ عليهم ، حين كانوا يسلّمون عليه ، وهو يصلّي ؟

قال : يقول هكذا وبسط كفّه ، وبسط جعفر بن عون كفّه ، وجعل بطنه أسفل ، وجعل ظهره إلى فوق(3).

وقد ذهب إلى الحديث الإمامان أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ، فقال المروزي : ((قلت (يعني لأحمد) : يسلّم على القوم ، وهم في الصّلاة ؟

قال : نعم ، فذكر قصة بلال حين سأله ابن عمر ، كيف كان يردّ ؟

قال : كان يشير ، قال إسحاق : كما قال))(4).

واختار هذا القاضي ابن العربي ، فقال : ((قد تكون الإشارة في الصّلاة لردّ السلام ، لأمر ينزل بالصلاة ، وقد تكون في الحاجة تعرض للمصلي . فإن كانت لردّ السلام ، ففيها الآثار الصحيحة ، كفعل النبي r في قُباء وغيره))(1).

والدليل على مشروعية السلام دبر الصَّلاة في المسجد : حديث المسيء صلاته المشهور عن أبي هريرة : أن رسول الله r دخل المسجد ، فدخل رجل فصلى ، ثم جاء ، فسلّم على رسول الله r ، فردّ رسول الله r السلام ، قال ، ارجع فصلّ ، فإنك لم تصل ، فرجع الرجل ، فصلى كما كان صلى ، ثم جاء إلى النبي r . (فعل ذلك ثلاث مرات) . أخرجه الشيخان وغيرهما(2) .

قال الألباني : ((وبه استدل صديق حسن خان في ((نزل الأبرار))(3)على أنه ((إذا سلّم عليه إنسان ثم لقيه عن قرب ، يسنّ له ، أن يسلم عليه ثانياً وثالثاً )) )) .

وقال أيضاً : ((وفيه دليل أيضاً على مشروعية السلام على مَنْ في المسجد ، وقد دلّ على ذلك حديث سلام الأنصار على النبي r في مسجد قُباء ، كما تقدّم ، ومع هذا كله ، نجد بعض المتعصبين لا يعبؤون بهذه السنّة فيدخل أحدهم المسجد ، ولا يسلّم على مَنّ فيه ، زاعمين أنه مكروه ، فلعلّ فيما كتبناه ، ذكرى لهم ولغيرهم ، والذكرى تنفع المؤمنين))(4).

والحاصل : أن الصلاة والمصافحة تكون عند القدوم ، وحال الافتراق ، ولو كان يسيراً ، سواء كان في المسجد أو خارجه .

[2/48] ولكن الأمر الذي يؤسف له أنك تسلم على الرجل عند لقائك بعد الصلاة ، قائلاً ((السلام عليكم ورحمة الله)) فيبادرك قائلاً ((تقبل الله)) ويحسب أنه قد قام بما أوجب الله عليه من ردّ السّلام ، وكأنه لم يسمع قوله تعالى : ) وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا
((5).


وبعض ألئك يبادرك بدلاً من السّلام ، بقوله ((تقبل الله)) و الله يقول :
)
تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ


يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ
((1) .

ويقول r : ((أفشوا السلام بينكم))(2).

ولم يقل : قولوا : ((تقبل الله)) !!‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

ولم نعلم عن أحد من الصحابة أو السلف الصالح ـ رضي الله عنهم ـ أنهم كانوا إذا فرغوا من صلاتهم التفت أحدهم عن يمينه وشماله ، مصافحاً مَنْ حوله ، مباركاً له بقبول الصّلاة ، ولو فعل ذلك أحد منهم ، لنقل إلينا ، ولو بسندٍ ضعيف ، ولنقله لنا أهل العلم ، الذين خاضوا في كل بحر ، فغاصوا في أعماقه ، واستخرجوا منه أحكامه الكثيرة ، ولم يفرّطوا في سنّة قولية أو فعلية أو تقريرية أو صفة(3).

كيف ، وقد نقل المحققون من أهل العلم ، أن المصافحة المذكورة ، بالهيئة السابقة ، بدعة ؟ !

قال العزّ بن عبد السلام : ((المصافحة عقب الصبح والعصر من البِدّع ، إلا لقادمٍ يجتمع بمن يصافحه قبل الصلاة ، فإن المصافحة مشروعة عند القدوم ، وكان النبي r يأتي بعد الصّلاة بالأذكار المشروعة ، ويستغفر ثلاثاً ، ثم ينصرف !! وروي أنه قال : ((ربّ قٍني عذابك يوم تبعث عبادك))(4) والخير في إتباع الرسول))(5).

وإذا كانت هذه البدعة محصورةً زمن المصنّف بعد صلاتين ، فقد صارت في زماننا بعد كلّ صلاة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

وقال اللكنوي : ((قد شاع في عصرنا هذا ، في أكثر البلاد ، وخصوصاً في بلاد الدكن ، التي هي منبع البدع والفتن ، أمران ، ينبغي تركهما :

أحدهما : أنهم لا يسلّمون عند دخول المسجد ، وقت صلاة الفجر ، بل يدخلون ويصلون السنّة ، ثم يصلّون الفرض ، ويسلّمون بعضهم على بعض بعد الفراغ منه ، ومن توابعه ، وهذا أمر قبيح ، فإن السلام إنما هو سنّة عند الملاقاة ، كما ثبت ذلك في الأخبار ، لا في أثناء المجالسة .

وثانيهما : أنهم يصافحون بعد الفراغ من صلاة الفجر والعصر ، وصلاة العيدين والجمعة ، مع أن مشروعية المصافحة أيضاً ، أنما هي عند أوّل الملاقاة))(1).

وقال بعد أن ذكر الخلاف في المصافحة دبر الصلاة : ((وممن منعه ابن حجر الهيتمي الشافعي وقطب الدين بن علاء الدين المكي الحنفي ، وجعله الفاضل الرومي في ((مجالس الأبرار)) من البدع الشنيعة ، حيث قال : المصافحة حسنة في حال الملاقاة ، وأما في غير حال الملاقاة ، مثل كونها عقب صلاة الجمعة والعيدين ، كما هو العادة في زماننا ، فالحديث سكت عنه ، فيبقى بلا دليل وقد تقرر في موضعه : أن ما لا دليل عليه مردود ، ولا يجوز التقليد فيه))(2).

وقال أبضاً : ((على أن الفقهاء من الحنيفّة والشافعيّة والمالكيّة صرحوا بكراهتها ، وكونها بدعة . قال في ((الملتقط)) : يكره المصافحة بعد الصّلاة بكل حال ، لأن الصحابة ما صافحوا بعد الصلاة ، ولأنها من سنن الروافض . وقال ابن حجر من علماء الشافعيّة : ما يفعله الناس من المصافحة عقيب الصلوات الخمس مكروهة ، لا أصل لها في الشرع))(3).

وأفصح رحمه الله تعالى عن اجتهاده واختياره ، فقال : ((والذي أقول : إنهم قد اتفقوا على هذه المصافحة ليس لها أصل في الشرع ، ثم اختلفوا في الكراهة والإباحة ، والأمر إذا دار بين الكراهة الإباحة ، ينبغي الإفتاء بالمنع فيه ، لإن دفع مضرّة أولى من جلب مصلحة ، فكيف لايكون أولى من فعل أمر مباح ، على أن المصافحين في زماننا يظنونه أمراً حسناً ، ويشنعون على مانعه تشنيعاً بليغاً ، ويصرون عليه إصراراً شديداً ، وقد مر أن الإِصرار على المندوب يبلغه إلى حدّ الكراهة ، فكيف إصرار البدعية التي لا أصل لها في الشرع ، وعلى هذا فلا شك في الكراهة ، وهذا هو غرض مَنْ أفتى بالكراهة ، مع أن الكراهة إنما نقلها مِنْ نقلها مِنْ عبارات المتقدمين والمفتين ، فلا يوازيها روايات مثل صاحب ((جمع البركات)) و ((السراج المنير)) و ((مطالب المؤمنين)) من تساهل مصنفيها في تحقيق الروايات ، أمر مشهود وجمعهم كل رطب ويابس ، معلوم عند الجمهور . والعجب من صاحب ((خزانة الرواية)) حيث قال فيها في عقد اللآليء ، قال عليه السلام : ((صافحوا بعد صلاة الفجر ، يكتب الله لكم بها عشراً)) وقال عليه الصلاة والسلام : ((صافحوا بعد العصر ، تؤجروا بالرحمة والغفران)) ولم يتفطن أن هذين الحديثين وأمثالهما موضوعان ، وضعهما المصافحون ، فإنا لله وإنا إليه راجعون))(1).

[3/48] وأخيراً ، لابد من التنبيه على أنه لا يجوز للمسلم أن يقطع تسبيح أخيه المسلم ، إلا بسبب شرعي ، وما نشاهده من تأذي كثير من المسلمين ، عند قيامهم بالأذكار المسنونة بعد الصلوات المكتوبات ، عندما يفاجأون بأيدٍ تمدّ لمصافحتهم عن اليمين وعن الشمال وبكثرة ، مما يصطرهم إلى التضجر والتأذي ، لا من أجل المصافحة ، بل من أجل قطع تسبيحهم وإشغالهم عن ذكر الله بهذه المصافحة ، التي لا سبب لها من لقاء ونحوه ، وإذا كان الأمر كذلك ، فليس من الحكمة أن تنزع يديك من يدي جارك ، وأن ترد اليد التي مدّت إليك ، فإن هذا جفاء ، لا يعرفه الإسلام ، بل تأخذ بيده برفق ولين ، وتبّين له بدعية هذه المصافحة ، التي أحدثها الناس ، فكم من رجل اتّعظ بالموعظة ، وكان أهلاً للنصيحة ، وإنما أوقعه الجهل في مخالفة السنة ، فعلى أهل العلم وطلاّبه البيان بالحسنى ، وربما أراد الرجل أو طالب العلم ، إنكار منكر ، فلم يحسن اخنيار الأسلوب السليم ، فوقع في منكر أشد مما أراد إنكار من قبل ، فالرّفق الرّفق ، يا دعاة الإسلام ،وحببّوا الناس فيكم بحسن أخلاقكم ، تملكون قلوبهم ، وتجدون منهم الآذان الصاغية ، والقلوب الواعية ، فإن طباع البشر تنفر من العنف والشدّة(2) .


 

[49] * أخطاء المصلين في التّسبيح :

[1/49] التسبيح والتكبير عقب الصلوات مستحب ، ليس بواجب ، ومن أراد أن يقوم قبل ذلك ، فله ذلك ، ولكن الأفضل الإتيان بالوارد عنه r ، وخصوصاً أن الثابت عنه ـ أحيانا ـ أنه كان يسبح عشراً ، ويحمد عشراً ، ويكبر عشراً ، وكان يقول كل واحدة ـ أحياناً أُخرى ـ إحدى

عشر مرّة(1) .

فعندما يتعرض المسلم لظرفٍ طارىء ، يشغله عن تمام التّسبيح ، فلْيأت بعشر تسبيحات ، ومثلها من التحميدات و التكبيرات ، ويكون بذلك قد أصاب عين السنّة ، ولم ينشغل عما أصابه.

واعلم ـ علمني الله وإياك ـ أن تنوع الأذكار من نعمة الله سبحانه على الإنسان ، ذلك لأنه يحصل له بها عدّة فوائد ، منها : أن تنوّع العبادات يؤدّي إلى استحضار الإنسان ما يقول من الذّكر ، فإن الإنسان إذا دام على ذكر واحداً ، صار يأتي به ـ كما يقولون آليّاً ـ بدون أن يحضر قلبه ، فإذا تعمد وتقصد تنويعها ، فإنه بذلك يحصل له حضور القلب .

ومنها : أن الإنسان يختار الأيسر منها ، فالأيسر لسبب من الأسباب ، فيكون بذلك تسهيلاً عليه ، ومنها : أن في كل جزء ما ليس في الآخر ، فيكون بذلك زيادة ثناء على الله عز وجل .

والحاصل : أن بعض الأذكار الواردة بعد الصلوات متنوّعة ، فبأيّ واحد منها أتى فقد أحسن ، والأفضل أن يأتي بهذا مرة ، وبهذا مرة .

[2/49] فإن أبى إلا الخروج ، فلا ينبغي أن ينصرف قبل انتقال الإمام عن القبلة .

قال شيخ الإسلام : ((ينبغي للمأموم ، أن لا يقوم حتى ينصرف الإمام ، أي ينتقل عن القبلة ، ولا ينبغي للإمام أن يقعد بعد السلام مستقبل القبلة ، إلا مقدار ما يستغفر ثلاثاً ، ويقول : اللهم أنت السلام ، ومنك السلام ، تباركت يا ذا الإجلال و الإِكرام .

وإذا انتقل الإمام ، فمن أراد أن يقوم قام ، ومَنْ أحبّ أن يقعد يذكر الله فعل))(2) .

ودليل ذلك : ما رواه مسلم في ((الصحيح)) من حديث أنس رضي الله عنه رفعه : ((أيها الناس إني إمامكم ، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف ))(3) .

[3/49] فإن قعد يذكر الله تعالى ، فعليه بالاكتفاء بالمأثور ، فالأحاديث المعروفة في

الصحاح والسنن والمسانيد ، تدل على أن النبي r ، كان يدعو دبر صلاته ، قبل الخروج منها ، وكان يأمر أصحابه بذلك ، ويعلّهم ذلك .

ولا يخفى أن الدّعاء مباشرة بعد الانصراف من الصلاة ، من مناجاة الله وخطابه ، غير مناسب ، ولهذا فإن دعاءه r كان في صلب الصّلاة ، وإن المصلّي يناجي ربه ، فإذا دعا حال مناجاته له ، كان مناسباً(1) .

قال الشيخ ابن باز : ((لم يصح عن النبي r ، أنه كان يرفع يديه بعد صلاة الفريضة ، ولم يصح ذلك أيضاً عن أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ فيما نعلم ، وما يفعله بعض الناس من رفع أيديهم بعد صلاة الفريضة بدعة لا أصل لها))(2).

[4/49] وكان r يعقد التسبيح والتهليل بالأنامل .

قال عبد الله بن عمرو : ((رأيت رسول الله r يعقد التسبيح بيمينه))(3).

فالتسبيح باليمين أفضل من التسبيح بالشمال وباليدين معاً ، عملاً بهذا الحديث الصحيح ، وهو أفضل من التسبيح بالسّبحة أيضاً ، بل التسبيح بها مخالف لأمره r حيث قال لبعض النّسوة :

((عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس ، ولا تغفلن ، فتنسين التوحيد ـ وفي رواية : والرحمة ـ واعقدن في الأنامل ، فإنهن مسؤولات ومستنطقات))(4).

قال الشيخ ابن باز مجيباً على سؤال في حكم التسبيح بالمسبحة :

((تركها أولى ، وقد كرهها بعض أهل العلم ، والأفضل التسبيح بالأصابع ، كما كان يفعل ذلك النبي r))(5)

قلت : لاسيما بعد الصّلاة ، فقد جاء الأمر بعقد الأنامل ، وأنهن مسؤولات ومستنطقات .

قال الشيخ الألباني : (( ولو لم يكن في السبحة إلا سيئة واحدة ، وهي أنها قضت على سنّة

العدّ بالأصابع ، أو كادت ، مع اتفاقهم على أنها أفضل ، لكفى !!))(1).

[5/49] وقد وقع التصريح في حديث كعب بن عجرة عند مسلم في ((الصحيح)) (2)أن التسبيح والأذكار المطلوبة دبر الصلاة تكون بعد المكتوبة . ومنه تعلم خطأ من يوصل النوافل بالمكتوبة ،دون أن يجلس للذكر ، وهل يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة بعدها ، فاصلاً بين المكتوبة والذكر أو لا ؟ محل نظر ، قاله الحافظ بن حجر(3).


 

[50] * السجود للدّعاء بعد الفراغ من الصّلاة :

جرت عادة بعض الناس بالسجود ، بعد الفراغ من الصّلاة ، يدعو فيه ، وتلك سجدة لا يعرف لها أصل ، ولا نقلت عن رسول الله r ، ولا أصحابه ، والأولى أن يدعو في الصلاة ، للأخبار الثابتة في ذلك ، قاله صاحب ((التتمة)) وعلق عليه أبو شامة ، فقال : قلت : ولا يلزم من كون السجود قربة في الصّلاة ، أن تكون قربة خارج الصَّلاة ، كالركوع(4).

وقال العزّ بن عبد السلام : ((لم ترد الشريعة بالتقرّب إلى الله بسجدةٍ منفردةٍ ، ولا سبب لها فإن القرب لها أسباب وشرائط وأوقاف وأركان ، لا تصح بدونها ، فكما لا يتقرب إلى الله بالوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار ، والسعي بين الصّفا والمروة ، من غير نسك واقع في وقته ، بأسبابه و شرائطه ، فكذلك لا يتقرّب إلى الله تعالى بسجدةٍ منفردة ، وإن كانت قربة ، إذا كان لها سبب صحيح ، وكذلك لا يتقرب إلى الله تعالى بالصّلاة والصّيام ، في كل وقت وأوان ، وربما تقرب الجاهلون إلى الله تعالى ، بما هو مبعد عنه من حيث لا يشعرون(5).

والحاصل : أن الشريعة لم ترد بالتقرب إلى الله تعالى بالسجود إلا في الصلاة ، أو لسبب

خاص من سهوٍ أو شكرٍ أو قراءة سجدة .

وقد أنكر أبو المعالي إمام الحرمين والغزالي وغيرهما هاتين السجدتين ، بل قال الغزالي : لم يذهب أحد إلى أن السجدة وحدها تلزم بالنّذر، فعلى وجه : عليه ركعة . وعلى وجه : يلغو(1).

وأصل هذه البدعة : ما ذهب إليه بعض الصوفية من أنه يستحب لكل مصلّ أن يفعلها ، جبراً للسهو القلبي ، إذ لا يخلو أن يغيب ولو لحظة واحدة في نفس صلاته عن كونه مصلّياً والسهو غالبه من الشيطان ، فلا يجبر إلا بصفةٍ لا يتمكن الشيطان أن يدنو من العبد فيها ... !!

ولا شك أن الشيطان هو الذي وسوس لهؤلاء هذه البدعة ، بتحبيبه لهم الابتداع في الدّين ، ولما كانت الصلاة سبيلها الاتباع ، حكم عليها الأئمة ـ كما مضى ـ بالابتداع .


 

[51] * السّمر بعد صلاة العشاء :

عن أبي بَرْزة ـ رضي الله عنه ـ : أن الرسول ـ r ـ كان يكره النوم قبل العشاء ، والحديث بعدها(2)،
وعن عبد الله
بن مسعود رضي الله عنه : عن النبي
r
قال
: لاسمر بع العشاء ، إلا لأحد رجلين : مصلّ ومسافر(3)،
فالسمر بعد صلاة العشاء مكروه ، إذا لم يكن في أمر مطلوب .

والحكمة من ذلك :

أولاً : لئلا يكون سبباً في ترك قيام الليل .

قال ابن خزيمة : ((ويخطر ببالي أن كراهته r الاشتغال بالسمر ، لأن ذلك يثبط عن قيام الليل ، لأنه إذا اشتغل أول الليل بالسمر ، ثقل عليه النوم آخر الليل ، فلم يستيقظ ، وإن استيقظ لم ينشط للقيام))(4).

ثانياً : خشية للاستغراق في الحديث ، ثم يستغرق في النوم ، فيخرج وقت الصبح(5) أو تفوته جماعة في المسجد ، وفي كلا الأمرين خطر عظيم عليه ، لأن ذلك من خصال أهل النّفاق ، فالواجب على كل مسلم أن يحافظ على صلاة الصبح في الجماعة ، وأن يحذر التخلف عنها ، والواجب على أئمة المساجد أن ينصحوا المتخلّفين ، ويذكروهم ويحذروهم غضب الله وعقابه .

قال فضيلة الشيخ ابن باز : ((لا يجوز للمسلم أن يسهر سهراً ، يترتّب عليه إضاعته لصلاة الفجر في الجماعة ، أو في وقتها ، ولو كان ذلك في قراءة القرآن ، أو طلب العلم ، فكيف إذا كان سهره على التلفاز أو لعب الورق أو ما أشبه ذلك ؟ ! وهو بهذا العمل آثم ، ومستحق لعقوبة الله سبحانه ، كما أنه مستحق للعقوبة من ولاة الأمر بما يردعه وأمثاله))(1).

ثالثاً : وقال بعض أهل العلم : إنما نهى عن السمر بعد العشاء الآخرة ، لأن مصلّي العشاء الآخرة ، قد كفرت عنه ذنوبه لصلاته ، فنهي أن يسمر في الحديث مع النّاس ، خوفاً أن يكون له في كلامه ، ما يدنّس نفسه في بالذّنب بعد طهارة ، لينام بطهارته(2).

قال سفيان بن عيينة : تكلّمت بشيء بعد العشاء الآخرة ، فقلت : ما ينبغي لي أن أنام على هذا ، فقمتُ فتوضأتُ ، وصلّيتُ ركعتين ، واستغفرتُ ، وما قلتُ هذا لأزكي نفسي ، ولكن ليعمل به بعضكم(3).

وقال القاسم بن أبي أيوب : كان سعيد بن جبير يصلّي ، بعد العشاء الآخرة ، أربع ركعات فأكلّمه وأنا معه في البيت ، فما يراجعني الكلام(4).

وعن خيثمة قال : كانو يحبون إذا أوتر الرّجلُ أن ينام(5).


 

[52] * التّسبيح والدّعاء الجماعي والتّشويش على المصلّين :

[1/52] ليس من السنّة أن يجلس النَّاسُ بعد الصَّلاة لقراءة شيء من الأذكار والأدعية المأثورة ولا غير المأثورة ، برفع الصّوت وهيئة الاجتماع ، كما اعتادوا في بعض الأقطار . وإن هذه العادة صارت عند النّاس من قبيل شعائر الدّين ، التي ينكر على تاركها والنّاهي عنها ، وإنكار تركها هو المنكر .

قال صاحب ((السنن و المبتدعات)) : والاستغفار جماعة على صوت واحدٍ بعد التّسليم من الصّلاة بدعة ، وقولهم بعد الاستغفار : يا أرحم الراحمين ارحمنا ، جماعة أيضاً بدعة ، ووصل السنة بالفرض من غير فصل بينهما ، منهي عنه ، كما في حديث مسلم .

وقراءة الفاتحة زيادة في شرف النبي r بدعة ، واجتماعهم بعد التسليم من الصبح على ((اللهم أجرني من النار)) سبعاً ، بدعة . وزيادتهم بعد ((اللهم أجرني من النار)): ((ومن عذاب النار ، بفضلك يا عزيز يا غفار)) بدعة(1).

قال الشاطبي : ((لم يكن r يجهر بالدّعاء والذكر على إثر الصلاة دائماً ولا يظهرها للناس في غير مواطن التعليم ، إذ لو كانت على الدوام وعلى الإظهار لكانت سنّة ، ولم يسع العلماء أن يقولوا فيها بغير السنّة ، إذ خاصيته ـ حسبما ذكروه ـ الدّوام والإظهار في مجامع النّاس . ولا يُقال : لو كان دعاؤه عليه الصلاة والسلام سرّاً لم يؤخذ عنه . لأنا نقول : من كانت عادته الإسرار فلا بد أن يظهر منه ، إما بحكم العادة ، وإما بقصد التنبيه على التشريع))(2)كما ثبت في ((صحيح البخاري)) عن ابن عباس قال : إن رفع الصّوت بالذّكر ـ حين ينصرف النّاسُ من المكتوبة ـ كان على عهد النبي r
(3).

قال النووي : حمل الشّافعي هذا الحديث على أنهم جهروا به وقتاً يسيراً ، لأجل تعظيم صفة الذّكر ، لا أنهم داوموا على الجهر به ، والمختار أن الإمام والمأموم يخفيان الذّكر إلا إن احتيج إلى التعليم(4).

وقال ابن بطال : وفي ((العتبية)) عن مالك أن ذلك محدث(5).

وقال الشاطبي : ((فقد حصل أن الدعاء بهيئة الاجتماع دائماً لم يكن من فعل رسول الله r كما لم يكن قوله ولا إقراره))(6).

[2/52] وقال ابن القيم : ((وأما الدّعاء بعد السلاّم من الصّلاة مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه r ، أصلاً ، ولا روي عنه بإسنادٍ صحيح ولا حسن . وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر فلم يفعل ذلك هو ولا أحد من خلفائه ، ولا أرشد إليه أمته ، وإنما هو استحسان رآه مَنْ رآه عوضاً من السنة بعدهما ، والله أعلم .

وعامة الأدعية المتعلّقة بالصّلاة ، إنما فعلها فيها ، وأمر بها فيها ، وهذا هو اللائق بحال المصلّي ، فإنه مقبل على ربّه يناجيه ما دام في الصّلاة ، فإذا سلّم منها انقطعت تلك المناجاة ، وزال ذلك الموقف بين يديه والقرب منه ، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته ، والقرب منه ، والإقبال عليه ، ثم يسأل إذا انصرف عنه ؟! ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلّى))(1) .

ويكون الاستغفار ـ ثلاثاً ـ والتسبيح والتحميد والتكبير ـ كل منها ثلاث وثلاثون مرّة ـ وختمها بالتهليل ، عقب الصّلاة ، سراً في أيّ حالة يكون عليها المصلّون بعد الصلاة من قيام وقعود ومشي ، وإن الاجتماع لذلك والاشتراك فيه ورفع الصوت بدع ، هوّنها على الناس التعوّد ، ولو دعاهم أحد إلى مثل هذه الصّفات في عبادة أُخرى ـ كصلاة تحية المسجد مثلاً ـ لأنكروا عليه أشد الإنكار(2) .

[3/52] ومن هذا القبيل :

ما أُحدث من الذّكر بعد كلّ تسليمتين من صلاة قيام رمضان ، ومن رفع أصواتهم بذلك ، والمشي على صوتٍ واحدٍ ، فإن ذلك من البدع .


 

[53] * المرور بين يدي المصلِّين :

عن أبي عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله r : ((لاتصلّ إلاَّ إلى سترة ، ولا تدع أحداً يمرّ بين يديك ، فإن أبى فلتقاتله ،فإن معه القرين))(3).

وعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ : قال رسول الله r
:
((إذا صلّى أحدكم فليصلّ إلى سترة ، وليدن منها ، ولا يدع أحداً يمرّ بينه وبينها ، فإنْ جاء أحدٌ يمرّ فليقاتله ، فإنه شيطان))(4).

ولهذا الحديث سبب إيراد ، هو : عن أبي صالح قال : رأيت أبا سعيد في يوم الجمعة يصلي إلى شيء ، يستره من النّاس ، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه ، فدفع أبو سعيد في صدره ، فنظر الشابّ فلم يجد مساغاً إلا بين يديه ، فعاد ليجتاز ، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى ، فنال من أبي سعيد ، ثم دخل على مروان فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد ، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان ، فقال : مالك ولا بن أخيك يا أبا سعيد ؟ قال : سمعت النبي r ، وذكره(1) .

في هذين الحديثين : مشروعية ردّ المار بين يدي المصلّي ، وقرر الفقهاء : أن الرد يكون بأسهل الوجوه ، فإن أبى فبأشدّها ، وإن أدى إلى قتله فلا شيء عليه ، كالصّائل عليه لأخذ نفسه أو ماله ، وقد أباح له الشرع مقاتلته ، والمقاتلة المباحة لاضمان فيها(2).

وقال القاضي عياض : ((وأجمعوا على أنه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح ، ولا يؤدّي إلى هلاكه ، فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك ، فلا قود عليه باتفاق العلماء .

وهل يجب ديته أم يكون هدراً ؟

فيه مذهبان للعلماء ، وهما قولان في مذهب مالك رضي الله عنه .

وكذا اتفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليردّه ، وإنما يدفعه ويردّه من موقفه ، لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره من بعيد بين يديه ، وإنما أبيح له قدر ما تناله يده من موقفه ، ولهذا أمر بالقرب من سترته ، وإنما يرده إذا كان بعيداً منه بالإِشارة والتسبيح .

وكذلك اتفقوا على أنه إذا مر لا يردّه ، لئلا يصير مروراً ثانياً ، إلا شيئاً روي عن بعض السّلف أنه يرده ، وتأوله بعضهم))(3).

وقد بين r إثم المارّ بين يدي المصلّي ، فقال : ((لو يعلم المارُّ بين يدي المصلّي، فقال : لو يعلم المارُّبين يدي المصلّي ماذا عليه ، لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمُرَّ بين يديه)) .

قال أبو النّضر ـ أحد رواة الحديث ـ : لا أدري أقال أربعين يوماً أو شهراً أو سنة(4).

معناه : لو يعلم ما عليه من الإِثم لاختار الوقوف أربعين على ارتكاب ذلك الإِثم ، وفيه :

النهي الأكيد ، والوعيد الشديد في ذلك(1).

وقد استعظم الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ومن بعدهم من السلف الصالح إثم المرور بين يدي المصلي ، حتى إن بعضهم تمثّل فيه بآيةٍ وردت في عبادة الأصنام !!

عن عبد الله بن بريدة قال : رأى أبي أُناساً يمرّون بعضهم بين يدي بعض في الصّلاة ، فقال: ترى أبناء هؤلاء إذا أدركوا يقولون : إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (2).

وعن وبرة قال : ما رأيت أحداً أشدّ عليه أن يمرّ بين يديه في الصّلاة من إبراهيم النّخعي وعبد الرحمن بن الأسود(3).

[1/53] وظاهر الأحاديث المنع من المرور بين يدي المصلّي ، سواء اتّخذ سترة أم لا ، إذ لم يفرق النبي r فيها بين مستتر وغيره ، بل قال : بين يدي المصلّي .

((وذهب البعض إلى أن المرور لا بأس به ، إذا كان المصلّي مقصّراً ، بأن صلى في الطّريق أو في الباب ، وهذا لا دليل عليه إطلاقاً ، ولا مستند له من قول أحد من سلف الأمة ، بل فيه محادّة للحديث المصّرح بأن يقف المارّ أربعين سنة ولا يمر ، خير له من ذلك المرور ، فبالله هل هناك مصلّ يعطل المارّين أربعين دقيقة حتى تستثنى هذه الحالة ، بالرأي في الدين الله عزّ وجلّ ، وتخرجها من كونها كبيرة من الكبائر ؟ اللهم إنا نبرأ إليك من مثل هذا الإطلاق في إعمال الرأي في دينك ، ونسألك الوقوف في التمسك بشرائعك ، والوقوف عند حدودك))(4).

[2/53] والحرمة مقيّدة في الأحاديث السابقة ب((بين يدي المصلي)) :

أي أمامه بالقرب منه ، وعبر باليدين لكون أكثر الشغل يقع بهما ، واختلف في تحديد ذلك ، فقيل : إذا مرّ بينه وبين مقدار سجوده ، وقيل : بينه وبين قدر ثلاثة أذرع . وقيل : بينه وبين قدر رميه بحجر (5).

ومتى بَعُد المارّ عما بين يدي المصلّي إذا لم يلق بين يديه سترة ، سَلِمَ من الإِثم ، لأنه إذا بعد عنه عرفاً لا يسمى ماراً بين يديه ، كالذي يمر من وراء السّترة(1) .

قال ابن حزم : ((من مرّ أمام المصلّي وجعل بينه وبينه أكثر من ثلاثة أذرع ، فلا إثم على المارّ ، وليس على المصلّي دفعه ، فإن مرّ أمامه على ثلاثة أذرع فأقلّ ، فهو آثم إلا أن تكون سترة المصلّي أقل من ثلاثة أذرع ، فلا حرج على المار في المرور وراءها أو عليها))(2) .

وقال : ((لم نجد في البعد عن السّترة أكثر من هذا ، فكان هذا حدّ البيان في أقصى الواجب من ذلك))(3) .

والثلاثة أذرع مقدار محدد لا اختلاف فيه ، فهو جدير بالاعتماد ، ذلك لأن من حدده بمقدار الركوع والسجود سيختلف باختلاف أطول الناس وكيفية أدائهم للركوع والسجود وأما ذاك فهو منضبط ، وقد ثبت ـ كما قدمنا ـ أن يجعل المصلي بين يديه سترة ، ولا يجوز للمصلي أن يبتعد عنها بل أقصى ما يمكن في ذلك أن يكون بينه وبين سترته ثلاثة أذرع ، فكان هذا بياناً لضابط قوله ((بين يديه)) . وقد أمرنا برد المارّ بين أيدينا ونحن في الصلاة ، والله لا يكلفنا إلا بما نستطيع ، وفي حالة الجلوس لا نتمكن من ردّ مَنْ مرّ على مسافة هي أبعد من ثلاثة أذرع من قدمه ، فهذا يقوّي الضابط المذكور ، فضلاً على أنه قول الأكثر من أهل العلم(4) .

ومن الجدير بالذكر :

[3/53] أن المرور بين يدي المصلي ينقص ثواب الصّلاة .

عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : من استطاع منكم أن لا يمر بين يديه وهو يصلّي ، فليفعل ، فإن المارّ بين يدي المصلّي أنقص أجراً من الممر عليه(5) .

وروي أنه كان إذا مرّ أحد بين يديه وهو يصلّي التزمه ، حتى يردّه ، ويقول : أنه ليقطع

نصف صلاة المرء مرور المرء بين يديه(6).

وعن عمر قال : لو يعلم المصلّي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلّى إلا إلى شيء يستره من النّاس(1) .

قال الحافظ ابن حجر معلقاً على أثري ابن مسعود وعمر رضي الله عنهما : ((فهذان الأثران مقتضاهما : أن الدفع لخللٍ يتعلّق بصلاة المصلّي ، ولا يختص بالمارّ ، وهما وإن كانا موقوفين فحكمهما حكم الرفع ، لأن مثلهما لا يُقال بالرأي))(2) .

[4/53] بل قد يصل إلى بطلانها ، كما في بعض الحالات .

عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله r : يقطع الصلاة : المرأة والحمار والكلب ، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرَّحْل(3) .

وعن أبن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي r قال : يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض(4) .

فالتنصيص على هؤلاء الثلاثة لا بد أن يكون لوجود مزية فيها ليست في غيرها ، وقد سبق أن بيّنا أن الصلاة ينقص أجرها بمرور غير هؤلاء الثلاثة ، فكان التنصيص عليها لبيان ما زاد عن النّقصان وهو البطلان(5) .

فاحذر يا أخي أن تجازف بصلاتك ، بأن تدع أحداً من الأصناف المذكورة (المرأة البالغة والكلب الأسود والحمار) يمر بينك وبين سترتك في الصّلاة .

[5/53] و ((يستبيح البعض المرور بين يدي المصلّين إذا كان يحمل جنازة ، وهذا لم يقل به أحد من أهل العلم فيما علمت ، ولا دليل يدّل عليه على الإطلاق ، ولا يتفيهق متفيهق بأن يقول : هذا من باب الإسراع بالجنازة !! لأنا نقول له : أسرع بها من غير مرور بين يدي المصلّين ، والجنازة يصلّى عليها في أيّ مكان ، لا يطلب لها مسجد أو غيره ، و السنّة أن يصلّى عليها في مصلّى خاص بل إن بعض أهل العلم يرى عدم جواز الصّلاة عليها في المسجد ، ولا مجال للردّ عليهم هنا ، وهناك أمور كثيرة ، تتأخر لها الجنازة ، الفترات الطويلة ، ما أنزل الله بها من سلطان ، وعندما جئنا لحدود الله ـ ما شاء الله ـ أسرعنا إلى الإسراع بالجنازة . ولو سلّم أن هناك تعارضاً بين المرور بين يدي المصلّي وبين الإسراع بالجنازة ـ وهيهات !! لقدّم عدم المرور لأن المرور من الكبائر ، وترك الإسراع ـ عند التشدد وفي أقصى غاياته ـ من الصّغائر))(1) .


 


 


 


 

الفصل السادس


 

جماع أخطاء المصلّين في صلاة الجمعة

والتّشديد في حقّ مَنْ تركها


 

* تمهيد . . .

* تخلّف آلاف من مشاهدي كرة القدم عن صلاة الجمعة .

* تخلّف حرس الملوك والسّلاطين عن صلاة الجمعة ، ووقوفهم على أبواب المسجد ، حاملي السلاح ، حراسة عليهم .

* تخلّف العروس عن صلاة الجمعة والجماعة .

* التخلّف عن صلاة الجمعة لتنزّه .

* جملة من الأخطاء تفوّت على أصحابها ثواب الجمعة أو بعضه .

(ترك التبكير لصلاة الجمعة ، ترك الاغتسال والتطيّب والتسوّك لصلاة الجمعة ، الكلام وعدم الاستماع لخطيب الجمعة ، وفيه : [الدوران على الناس بالماء وبصندوق لجمع التبرعات والإمام يخطب ، تحدث الرجلين مع بعضهما والإمام يخطب ، التسبيح وقراءة القرآن ورد السلام وتشميت العاطس والإِمام يخطب ، النوم والإمام يخطب ، استدبار الإمام والقبلة والإِمام يخطب ، العبث بالحصى والسبحة ونحوهما والإِمام يخطب] ، تخطّي الرّقاب وإيذاء النّاس) .

* سنّة الجمعة القبليّة .

* أخطاء المصلّين في صلاة تحية المسجد يوم الجمعة .

(تركها عند الدخول والإِمام يخطب ، حثّ الخطيب للداخل على تركها ، الجلوس وصلاتها عند قعود الخطيب بين الخطبتين ، تأخيرها لإِجابة المؤذن والشروع فيها عند بدء الخطيب للخطبة) .

* جملة من أخطاء الخطباء .

(تمهيد ، أخطاء الخطباء القوليّة ، أخطاء الخطباء الفعليّة ، أخطاء الخطباء في صلاة الجمعة) .

* أخطاء المصلّين في سنّة الجمعة البعديّة .


 


 


* تمهيد :

1 ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله r : ((ألا هل عسى أحدكم أن يتّخذ الصُّبَّة من الغنم على رأس ميل أو ميلين ، فيتعذَّر عليه الكلأُ ، فيرتفعَ ، ثم تجيء الجمعةُ ، فلا يجيء ولا يشهدها ، وتجيء الجمعة ، فلا يشهدها ، وتجيء الجمعة فلا يشهدها ، حتى يطبع على قلبه))(1) .

فهذا وعيد شديد في حقّ تارك صلاة الجمعة ، بسبب الصُّبَّة من الغنم أو الإِبل ، يخرج يرعى بها ، فيبتعد عن المسجد ، فتفوته الصلاة .

والصُّبَّة : السِّرْبَة ، إما من الخيل أو الإِبل أو الغنم ، ما بين العشرين إلى الثلاثين ، تضاف إلى ما كانت منه . وقيل : هي ما بين العشرة إلى الأربعين(2).

2 ـ عن أبي هريرة وابن عمر ـ رضي الله عنهم ـ أنهما سمعا رسول الله r يقول على أعواد منبره : ((لينتهنّ أقوامٌ عن وَدْعهم الجمعات ، أو ليختمنّ الله على قلوبهم ، ثم ليكونن من الغافلين))(3).

3 ـ وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنَّ النَّبيَّ r قال لقومٍ يتخلفون عن الجمعة : ((لقد هممتُ أن آمر رجُلاً ، يصلّي بالنّاس ، ثم أُحرِّق على رجالٍ يتخلّفون عن الجمعة بيوتهم))(4).

4 ـ وعن محمد بن عبد الرحمن بن زرارة قال : سمعتُ عمي ـ ولم أرَ رجلاً منّا به شبيهاً ـ قال : قال رسول الله r : ((من سمع النّداء يوم الجمعة ، فلم يأتها ، ثم سمعه ، فلم يأتها ، ثم سمعه ، فلم يأتها ، طبع الله على قلبه ، وجعل قلبه قلب منافق))(1).

5 ـ وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : ((من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات ، فقد نبذ الإسلام وراء ظهره))(2).

6 ـ وعن أبي الجَعد الضَّمْري ـ وكانت له صحبَة رضي الله عنه ـ عن النبي r قال : ((من ترك ثلاث جُمَعٍ تهاوناً بها ، طبع الله على قلبه))(3).

ومعنى : ((تهاوناً بها)) أي : لقلة الاهتمام بأمرها ، لأن الاستخفاف بفرائض الله تعالى كفر ، ونصب على أنه مفعول لأجله ، أو حال ، أي : متهاوناً .

فلعلّ تاركي صلاة الجمعة ـ وما أكثرهم هذه الأيام ـ ينتبهون ، ويفيقون مِنْ غيّهم الذي هم فيه سادرون ، وأخصّ منهم الأصناف التّالية : مشاهدي كرة القدم ، والحرس على الملوك والسلاطين ، والعروس ، ومن تخلّف عنها للنّزهة .


 

[54] * تخلّف آلاف من مشاهدي كرة القدم عن صلاة الجمعة :

جمهور ((الكرة)) ، الذي يصل عددهم إلى مئات الألوف ، يجتمعون في وقت صلاة الجمعة في المدرجات ، ويناديهم منادي السّماء ، ولكن ... أنّى لهم أن يستجيبوا له ، وقد تعطّلت عقولهم ، وماتت أحاسيسهم ، مقابل ماذا ؟! مقابل التعصب المقيت للفرق الرياضية المختلفة ، فهذا يشجع فريقاً ، وذاك يشجع فريقاً آخر ، بل أن أهل البيت الواحد ، ينقسمون على أنفسهم ، هذا يتبع فريقاً ، وذاك يتبع فريقاً آخر ، ولم يقف الأمر عند حدّ التشجيع ، بل تعداه إلى سخرية أتباع الفريق المنتصر واستهزائهم من أتباع المنهزمين ، وفي نهاية المطاف ، يكون هناك الشجار والعراك ، الذي يدور بين مشجعي الفريقين ، وسقوط الجرحى والقتلى بالمئات ، من ضحايا كرة القدم . ومقابل إشغال الأمة الإسلامية من التفكير في جهاد أعدائها ، وقضاياها المصيريّة الكبرى .

ومقابل القضاء على معاني العزّة والكرامة في الأُمة ، حيث بددت الأمة أموالاً طائلة ، وأضاعت أوقاتاً طويلة ، لو استغلتها الأمة في الأعمال النافعة ، والصناعات المفيدة ، لأصبحت الأمة في مقام الدول المتقدّمة ، في المجالات المختلفة .

ومقابل قلب الموازين ، حيث أصبح البطل في هذا الزّمان ، هو لاعب الكرة (!!) لا المجاهد المدافع عن كرامة الأمة و عزّتها ، بالإِضافة إلى بذل الأموال الضخمة للاعبين ، والإِسلام لا يقرّ قلب الموازين ، بل يعرف لكل إنسان قيمته ، بلا إفراط ولا تفريط .

والخلاصة : إن كرة القدم الآن ، أصبحت من المعاول الهدّامة ، التي استخدمها أعداء الأمة الإِسلاميّة ، وشجعوا عليها ، ومما يؤكد ذلك :

ما جاء في البروتوكول الثالث عشر من ((بروتوكولات حكماء صهيون)) .

((. . . ولكي تبقى الجماهير في ضلال ، لا تدري ما وراءها ، وما أمامها ، ولا ما يراد منها فإننا سنعمل على زيادة صرف أذهانها ، بإنشاء وسائل المباهج والمسلّيات ، والألعاب الفكهة ، وضروب أشكال الرياضة و اللهو ، وما به الغذاء لملذّاتها وشهواتها ، والإِكثار من القصور المزوّقة والمباني المزركشة ، ثم نجعل الصحف تدعو إلى مباريات فنيّة ورياضيّة ...))(1).

أسمعت ـ أخي المسلم ـ ما يريد بك أعداؤك ، إنهم يريدون بك أن تبقى في ضلال ، فلا ترى النّور أبداً .

وإنك ـ إنْ فعلت ما حذّرتُك منه ، من ترك صلاتك يوم الجمعة ، فمصيرك الطبع على قلبك ، فلا تغشاه الألطاف ، ولا رحمة الله تعالى ، بل يبقى دنساً وسخاً ، مستعملاً في الآثام والقبائح ، والعياذ بالله تعالى ، إذ الطبع : الختم ، فيكون ذا جفاء ، لا يصل إليه شيء من الخير .

وظاهرة الأحاديث السابقة : أن من ترك ثلاث جمع تهاوناً ـ أي بلا عذر ـ يطبع على قلبه ، ويكون من الغافلين والمنافقين ، ولو كان الترك متفرّقاً ، وبه قال بعضهم ، حتى لو ترك كل سنة جمعة ، لطبع على قلبه بعد الثّالثة .

ويحتمل أن يكون المراد : ثلاث جمع متواليات .

ويؤّيده : أثر ابن عباس السابق .

واعتبار الثّلاث : إمهال من الله ـ تعالى ـ للعبد ، ورحمة به ، لعلّه يتوب من ذنبه ، ويثوب إلى رشده ، ويؤدّي الجمعة ، ولا يتركها بلا عذر .

وأفاد الحديث الثالث : أن مَنْ وجبت عليه الجمعة ، وتركها لغير عذر ، فهو آثم إثماً كبيراً ، يستحق مرتكبه العذاب الأليم .

وذهب بعض أهل العلم ـ مالك وأحمد و الشافعي في الجديد ـ أن مَنْ لزمتهم الجمعة ، ولا عذر لهم في التخلّف عنها ـ كمشاهدي ((الكرة)) ولاعبيها وقت الجمعة هذه الأيام ـ فلا تصح لهم صلاة الظهر قبل صلاة الإِمام ، ويلزمهم السعي إن ظنوا أنهم لا يدركونها ، لأنها المفروضة عليهم فإن أدركوها مع الإمام صلوها ، وإن ظنوا أنهم يدركونها ، لأنها المفروضة عليهم ، فإن أدركوها صلوها ، وإن فاتتهم فعليهم الظهر ، وإن ظنوا أنهم لا يدركونها ، انتظروا حتى يتيقنوا أن الإِمام قد صلى ثم يصلّون الظهر(1) .

ودليل ذلك : ما قاله عبد الله بن مسعود : ((ومن فاتته الركعتان ، فليصل أربعاً))(2) .

ويطلب ممن وجبت عليه الجمعة ، وتركها لغير عذر ، أن يصلي الظهر ، ويتّصدّق بدينارٍ ، فإن لم يجد فبنصف دينار .

عن سمرة بن جندب أنّ النبي r قال : ((مَنْ ترك الجمعة متعمّداً ، فليتصدق بدينار ، فإن لم يجد فبنصف دينار))(1).

قال بعضهم : الأمر هنا للاستحباب ، لأن الجمعة لها بدل ، وهو الظهر .

والظّاهر : أن الأمر هنا للوجوب ، كما هو الأصل فيه ، وكون الجمعة لها بدل لا يدلّ على صرفه عن الوجوب ، لاحتمال أن يكون وجوب الكفارة مع صلاة الظهر ، عقاباً له عن تخلّفه عن الجمعة بلا عذر ، ورحم الله ابن الإِخوة فإنه قال في حق تارك صلاة الجمعة : ((فمن شغل عنها بتثمير مكسبه ، أو لها عنها بالإِقبال على لهوه ولعبه ، فحدّه بالآلة العمريّة ، التي تضع من قدره ، وتذيقه وبال أمره ، ولا يمنعك من ذي شيبة شيبته ، ولا من ذي هيئة هيئته ، فإنما هلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف ، أقاموا عليه الحد))(2).


 

[55] * تخلّف حرس الملوك والسّلاطين عن صلاة الجمعة ، ووقوفهم على أبواب المسجد ، حاملي السّلاح ، حراسة عليهم :

ومن أفظع المنكرات : قيام الحرس ـ حال الأمير أو السلطان أو الرئيس أو الملك الجمعة ـ حاملي السلاح يحرسونه ، ولا يصلّون مع المصلّين ، كأنهم ما خلقوا إلا لحراسة عبد من العبيد ، وما كلفوا بطاعة الرّب المجيد ، ولم يسمعوا قول النبي r : ((لا طاعة لأحد في معصية الله ، إنما الطاعة في المعروف))(1).

فليتق الملوك والرؤساء ربّهم في رعيتهم ، وليقفوا بهم عند حدود الواحد المعبود ، وليتذكروا يوم العرض على العزيز الجبّار ، يوم ينادى المنادي : لمن الملك اليوم ؟ فيقال لله الواحد القهّار .

وإن أول من أحدث هذه البدعة المماليك ، ولازالت في بعض البلدان الإِسلامية ، ولكن ـ ولله الحمد ـ صار الحرس ـ في بلدانٍ إسلاميّة أخرى ـ عند أمر الله ـ في هذه المسألة ـ لا عند أمر غيره ، فإن المساجد لله ، فيصلّون مع المصلين ، ويعبدون مع العابدين ، ويتضرّعون مع المتضرعين ، إن هذا لهو الفوز العظيم ، ولمثل هذا فليعمل العاملون(2).


 

[56] * تخلّف العروس(3) عن صلاة الجمعة والجماعة :

ومن الأخطاء الشّائعة عند بعض الناس : قولهم بجواز تخلّف العروس عن صلاة الجمعة والجماعة في المسجد .

ويستدلّ بعضهم على ذلك ، بقوله r : ((للبكر سبعٌ ، ولثيّب ثلاث))(4).

وهذا استدلال فاسد ، لأن هذا الحديث لا دليل فيه على جواز التخلف ، مع أنه وارد فيمن له زوجة قبل زوجته الجديدة مع ملاحظة أنه لا دليل لهذا أيضاً .

أخرج البخاري بسنده إلى أبي قلابة عن أنس قال : ((من السنّة إذا تزوّج الرّجلُ البكرَ على

الثيّب ، أقام عندها سبعاً وقسم ، وإذا تزوّج الثيّب على البكر أقام عندها ثلاثاً ، ثم     قسم .

قال أبو قلابة : ولو شئتُ ، لقلتُ : إنّ أنساً رفعه إلى النّبيّ r ))(1).

سئل محمد العتبي القرطبي ـ رحمه الله ـ عن العروس ، يدخل بأهله في ليلة الجمعة ، أيختلّف عن الجمعة ؟ قال : ((لا ، ولا عن الظهر والعصر ، ولا يتخلّف عنهما ، ويخرج إليهما)) .

ثم قال : ((إذا كان مَنْ يُنظر إليه ، يفتي بالجهالة جرت في الناس))(2).

وهذا يدلّ على أنّ هذا الخطأ قديمٌ جديدٌ ، ولا زال يفتي به بعض المنتسبين للعلم ، المتطفلين على موائده ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم .

وقال العتبي أيضاً : ((قال سحنون :وقد قال بعضُ النّاس لا يخرج ، لأنّه حقٌّ من النبيr !!

وقال مالك : ما يعجبني للعروس ترك الصّلاة كلِّها))(3).

وعلّق محمد بن رشد على قول سحنون ومالك ـ رحمهما الله تعالى ـ : ((وظاهر ما حكى سحنون عن بعض النّاس : أنّ لها الحقّ عليه ، أن لا يخرج إلى جمعةٍ ، ولا إلى غيرها ، وهي جهالةٌ ظاهرة ، كما قال مالك ـ رحمه الله تعالى ، وغلطة غير خافية)) .

ثم قال ـ رحمه الله ـ : ((وقول مالك : ما يعجبني للعروس ترك الصّلاة كلّها ، معناه عندي : ما يعجبني أن يخفف للعروس ترك الصّلاة كلّها في الجماعة مع النّاس في المسجد ، وإنما الذي يعجبني أن يخفف له ترك بعضها للاشتغال بزوجه ، والجري إلى تأنيسها واستمالتها ، وهذا عدا الجمعة ، التي شهودها عليه فرض ، وبالله التّوفيق))(4).

وذكر الحافظ ابن حجر بعد شرحه لهذا الحديث ، تنبيهاً قال فيه : ((يكره أن يتأخر في السبع أو الثّلاث عن صلاة الجماعة ، وسائر أعمال البّر التي كان يفعلها ، نصّ عليه الشافعي)) .

ونقل عن ابن دقيق العيد قوله : ((أفرط بعض الفقهاء ، فجعل مقامه عندها عذراً في إسقاط الجمعة ، وبالغ في التشنيع))(5).

قلت : وعبارة ابن دقيق العيد هذا نصُّها : ((وأفرط بعض الفقهاء من المالكية ، فجعل مقامه

عندها عذراً في إسقاط الجمعة ، إذا جاءت في أثناء المدة ، وهذا ساقطٌ منافٍ للقواعد ، فإن مثل هذا من الآداب والسنن ، لا يترك له الواجب .

ولما شعر بهذا بعض المتأخرين ، وأنه لا يصلح أن يكون عذراً توّهم أن قائله ، يرى أن الجمعة فرض كفاية (!!) وهو فاسد جداً ، لأن قول هذا القائل ، متردد محتمل أن يكون جعله عذراً ، وأخطأ في ذلك ، وتخطئته في هذا أولى من تخطئته فيما دلّت عليه النصوص وعمل الأمة من وجوب الجمعة على الأعيان))(1) انتهى .

ويتبيّن لنا من كلام ابن دقيق العيد ـ إذا علمنا أن صلاة الجماعة واجبة ـ أن القول بجواز التخلّف عن الجماعة من أجل المكوث عند الزوجة مرجوح وليس براجح(2)، فما بالك بالتخلف عن صلاة الجمعة !! ((التي خصّت من بين سائر الصّلوات المفروضات ، بخصائص لا توجد في غيرها ، من الاجتماع ، والعدد المخصوص ، واشتراط الإِقامة ، والاستيطان ، والجهر بالقراءة ، وقد جاء من التشديد فيها ما لم يأتِ نظيره إلا في صلاة العصر))(3) و ((التي هي من آكد فروض الإِسلام ، ومن أعظم مجامع المسلمين ، وهي أعظم من كل مجمع يجتمعون فيه . وأفرضه سوى مجمع عرفة . ومن تركها تهاوناً بها ، طبع اللهُ على قلبه . وقُربُ أهل الجنّة يوم القيامة . وسبقُهم إلى الزّيادة يوم المزيد ، بحسب قُربهم من الإِمام يوم الجمعة وتبكيرهم))(4).

فعلى كل مسلم أن يحرص أشد الحرص على الحضور لصلاة الجمعة ، ولا يعتذر بالأعذار الواهية ، فإنها لا تنجيه عند مَنْ لا تخفى عليه خافية .


 

[57] * التخلّف عن صلاة الجمعة لتنزه :

وقد حدث في هذا الأوان أن كثيراً ممن ينسبون إلى الإِسلام ، يتعمّدون الخروج يوم الجمعة إلى التنزّه براً أو بحراً ، وبدلاً من أن يتعبّدوا الله بما ورد عنه وعن رسوله في هذا اليوم ويحيونه بالصّلاة ، والصّدقة ، والذّكر ، ونحو ذلك ، يرتكبون المنكرات في هذا اليوم الشريف ، من أغانٍ ، وطربٍ ، وخمر ، وما إلى ذلك من الموبقات ، التي يخجل الإِنسان من ذكرها ، فضلاً عن ارتكابها .

قلت : وفي بعض البلاد شاهدتُ بعيني أن كثيراً من الرّجال يتخلّفون عن صلاة الجمعة إذا

كان عندهم عرس بحجّة الانشغال بإعداد الوليمة ، ربما كان مَنَ المتخلّفين مِنْ هم أوتاد

المساجد ، ولكن غلبت عليهم العادة !

فإلى أولئك المتهاونين ، وإلى أولئك الذين فتنتهم الدّنيا بزينتها ورونقها (1).

ورزقوا حظّاً من المال أو الجاه ، نهدي هذه النصيحة الثمينة ، ونذّكّرهم بما قدّمناه من أحاديث شريفة ، ونقول لهم : لا تغترّوا بما آتاكم الله من صحةٍ وشباب ، وقوة ومال ، فاعرفوا قدر نعم الله عليكم ، واشكروه حقّ الشكر . وأدّوا فرائض الله ، ولا تتهاونوا في أداء الصلوات وحافظوا على الجمع و الجماعات ، فإن الحساب عسير .

{وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }(2).


 

[58] * جملة من الأخطاء تفوّت على أصحابها ثواب الجمعة :

1. عن أوس بن أوس قال : سمعت رسول الله r يقول : ((مَنْ غسَّل يومَ الجمعة واغتسل ، وبكّر وابتكر ، ومشى ولم يركب ، ودنا من الإِمام ، واستمع ولم يَلْغُ ، كان له بكلّ خطوة أجر سنةٍ : صيامها وقيامها))(3).

2. عن أبي هريرة قال : قال النبي r : ((إذا كان يوم الجمعة ، وقفت الملائكة على باب المسجد ، يكتبون الأوّل فالأوّل . وَمَثلَ المُهَجِّر كمثل الذي يُهدِي بدنه ، ثم كالذي يُهدِي بقرةً ، ثم كبشاً ، ثم دجاجة ، ثم بيضة ، - فإذا خرج الإمام طَوَوْا صُحُفَهم ، يستمعون الذّكر))(4).

3. عن سلمان الفارسي قال : قال رسول الله r :((من اغتسل يوم الجمعة ، وتطهَّر بما استطاع من طُهْرٍ ، ثم ادّهن أو مسَّ من طيب ، ثم راح ، فلم يفرِّق بين اثنين ، فصلّى ما كتب له ، ثم إذا خرج الإِمام أنصت ، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى))(1).

4. عن أبي هريرة أن رسول الله r قال : ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة : أنصت ـ والإِمامُ يخطب ـ فقد لَغَوْتَ))(2).

وفي رواية : ((ومن لغا فلا جمعة له))(3).

أفادت هذه الأحاديث :

أن لصلاة الجمعة ثواباً عظيماً ، فمن أوقعها بشروط وآدابها وسننها فله :

أولاً : بكل خطوة يمشيها من بيته إلى المسجد ، أجر صيام سنة وقيامها بتمامها وكمالها .

ثانياً : ثواب مَنْ قدّم بدنةً(4)، وهي : الواحد من الإِبل ، ذكراً كان أم أنثى ، أو بقرة أو كبشاً ، وهو : فحل الغنم ، ووصف في بعض الروايات بأقرن ، لأنه أكمل وأحسن صورة ، أو دجاجة أو بيضة ، وفق تكبيرهم للمسجد .

ثالثاً : غفران ذنوبه ، الواقعة منه إلى الجمعة التي تليها ، وزيادة ثلاثة أيام ، كما في بعض الروايات .

رابعاً : كتابة الملائكة ـ غير الحفظة ـ ثواب صلاة الجمعة له في صحفهم .

وهذا ثواب العظيم ، والفضل الجسيم ، يفوت ـ هذه الأيام ـ كثيراً من الناس ، إما بسبب كسلهم ، أو جهلهم وبُعْدِهم عن سنّة نبيّهم عليه الصّلاة والسلام ، ويتمثّل ذلك في الحالات التالية :

[1/58] * ترك التبكير لصلاة الجمعة :

يسّن التبكير إلى ـ صلاة الجمعة ، للحديث الأوّل والثاني السَّابقين . وهو مفاد الحديث الثّالث أيضاً ، ففيه : ((فصلى ما كتب له ، ثم إذا خرج الإِمام أنصت ....)) .

وكانت هذه عادة السلف الصالح ، وعليه تحمل إطالة ابن عمر الصلاة قبل الجمعة ، فإنه تطوع مطلق ، وهذا هو الأولى لمن جاء الجمعة ، أن يشتغل بالصّلاة حتى يخرج الإِمام(1) .

وبيّن الحديث الأول : أن البكور للمسجد شرط لحصول ثواب الجمعة التَّام ، وهو أن بكل خطوة يمشيها ثواب صيام سنة وقيامها .

وأن البكور يكون بالمشي للجمعة ، ولهذا بوّب عليه النسائي والبيهقي وغيرهما : ((فضل المشي إلى الجمعة)) . وأن المشي خير من الركوب ، خصوصاً لصلاة الجمعة والعيدين .

قال الإمام أحمد كما في ((مسائل ابنه)) : رقم (472) : أستحب أن يذهبوا رجالة إلى العيدين والجمعة ، وأن المبكر للجمعة يسن له أن يدنو من الإِمام ، وثبت عن النبي r أنه قال : ((احضروا الذّكر ، وادنوا من الإِمام ، فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخّر في الجنة ، وإن دخلها))(2).

والبكور للجمعة من عادة السّلف الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ حتى قال أبو شامة : ((وكان يرى في القرن الأول بعد طلوع الفجر ، الطرقات مملوءة من الناس ، يمشون في السرج ، ويزدحمون فيها إلى الجامع ، كأيّام العيد ، حتى اندرس ذلك ، فقيل : أوّل بدعة أحدثت في الإسلام، ترك البكور إلى الجامع))(3).

وقد أنكر الإِمام مالك ـ رحمه الله تعالى ـ التبكير إلى الجمعة في أوّل النّهار ،وردّه ابن القيم ، وقال : قال الشافعي : ولو بكر إليها بعد الفجر ، وقبل طلوع الشمس ، كان حسناً .

وذكر الأثرم ، قال : قيل لأحمد بن حنبل : كان مالك بن أنس يقول : لا ينبغي التهجير يوم الجمعة باكراً ، فقال : هذا خلاف حديث النبي r))(4).

فيستحب التبكير إلى صلاة الجمعة أول النهار ، فالساعات الواردة في الحديث على هذا ، من أول النهار ، والمراد بها الساعات الفلكيّة ، وعليه : من جاء في آخرها ومن جاء في أوّلها ، مشتركان في تحصيل البدنة أو البقرة أو الكبش ، ولكن بدنة الأول أكمل مِنْ بدنة مَنْ جاء في آخر

الساعة ، وبدنة المتوسط متوسطة ، والله أعلم (1).

وكان السّلف الصالح يعاتبون أنفسهم عند تركهم التبكير أو قصورهم فيه .

دخل ابن مسعود بكرةً ، فرأى ثلاثة نفر ، قد سبقوه بالبكور ، فاغتمّ لذلك ، وجعل يقول لنفسه معاتباً إيّاها : رابع أربعة ، وما رابع أربعة ببعيدٍ (2).

فهذا حال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وهو مَن هو ، يعاتب نفسه لسبق ثلاثة في التبكير للجمعة إيّاه ، فما بالك في كثير من قومنا ـ إلا مَنْ رحم الله تعالى ـ لا يأتون إلا والإمام على المنبر ، بل يأتي بعضهم مع الصلاة أو قبيلها بقليل (3)، وقد أخبر النبي r ((إذا خرج الإمام طَوَوْا ـ أي الملائكة ـ صحفهم ، يستمعون الذكر)) .

وفي رواية لمسلم : ((فإذا جلس الإمام طووا الصحف ، وجاءوا يستمعون الذّكر)) .

وكأن ابتداء طي الصحف ، عند إبتداء خروج الإِمام ، وانتهاءه بجلوسه على المنبر ، وهو أول سماعهم للذكر ، والمراد به ما في الخطبة من المواعظ وغيرها .

والمراد بطي الصحف : طي صحف الفضائل المتعلّقة بالمبادر إلى الجمعة دون غيرها من سماع الخطبة وإدراك الصّلاة والذّكر والدّعاء والخشوع ونحو ذلك ، فإنه يكتبه الحافظان قطعاً(3).


 

[2/58] * ترك الاغتسال والتزيّن والتطيّب والتسوّك لصلاة الجمعة :

قال ابن حجر معدّداً الفوائد المستنبطة من حديث أبي هريرة : ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ، ثم راح فكأنما قرّب بدنة ... الخ))(4).

ما نصه : ((وفي هذا الحديث من الفوائد : الحض على الاغتسال يوم الجمعة وفضله ، وفضل التكبير إليه ، وأن الفضل المذكور ، إنما يحصل لمن جمعهما . وعليه يحمل ما أطلق في باقي الروايات من ترتب الفضل على التبكير من غير تقييد بالغسل))(1).

ولم يقتصر ترك الغسل على فوات الثّواب المذكور عند بعض المحققين من العلماء ، بل تعدّاه إلى الإِثم والحرمة .

فذهب جماعة من العلماء إلى القول بوجوب الغسل للجمعة ، وكثير من الأحاديث الثابتة قاضية بهذا الرأي ، وإليك طائفة منها :

1. عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنّ رسول الله r قال : ((إذا جاء أحدكم الجمعة فَلْيَغْتَسِلْ))(2).

ويدل هذا الحديث بمنطوقه على أن الغسل لصلاة الجمعة ، وأن مَنْ فعله لغيرها لم يظفر بالمشروعيّة ، سواء فعله في أوّل اليوم أم وسطه ، أم في آخره .

ويؤيد هذا رواية ابن خزيمة وابن حبان وأبي عوانة مرفوعاً : ((من أتى الجمعة من الرّجال والنساء ، فليغتسل)) .

زاد ابن خزيمة : ((ومن لم يأتها ، فليس عليه غسل))(3).

  1. عن عمرو بن سُليم الأنصاري قال : أشهد على أبي سعيد قال : أشهد على رسول r أنه قال : ((الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ، وأنْ يَسْتَنَّ ، وأن يَمَسَّ من طيبٍ إن وَجَدَه)) . قال عمرو : أما الغسل فواجب ، وأما الاستنان والطِّيب ، فالله أعلم ، ولكن هكذا حُدّثت(4).

وقوله : ((أن يستنّ)) أي يدلك أسنانه بالسّواك . وفي رواية لأبي نعيم في كتاب ((السّواك)) : السّواك واجب ، وغسل الجمعة واجب على كلّ مسلم)) (1).

وقد أكثر النّبيُّ r على الأُمة في السّواك ، وبالغ فيه ، حتى عند وفاته وقبْض نفسه الكريمة r ، وبيّن أنّ السواك من أسباب حصولَ رِضا الرّب ـ سبحانه ـ به.

وأكَّد عليه يوم الجمعة ، كما تقدّم .

وبهذه المناسبة أُنبِّهُ على فائدةٍ نفسيةٍ نقلها شيخُ الإِسلام ابن تيمية يحتاج لها كثيرٌ من الناس ، عند استخدامهم السّواك هذه الأيام .

قال رحمه الله تعالى : ((الأفضل أن يستاك باليسرى ، نصَّ عليه الإِمام أحمد في رواية ابن منصور الكوسج ، ذكره عنه في ((مسائله)) , وما علمنا أ حداً من الأئمّة خالف في ذلك , وذلك لأن الاستياك من باب إماطة الأذى , فهو كالاستنثار و الامتخاط, ونحو ذلك مما فيه إزالة الأذى , وذلك باليسرى , كما أن إزالة النجاسات , كالاستجمار ونحوه باليسرى , وإزالة الأذى , ومستحبّها باليسرى ))(2) انتهى .

وقوله r في الحديث السّابق : (( وأن يَمَسّ طيباً إن وجده )) .

وفي رواية مسلم : (( ويَمَََس من الطيب ما يقدر عليه )) .

وفي رواية :(( ولو من طيب المرأة )) .

وفي هذه الروايات : التأكيد على استخدام الطيب لصلاة الجمعة , من وجوه :

الأول : الاقتصار على المس , وفيه الأخذ بالتخفيف , وفيه تنبيه على الرّفق .

الثاني : تيسير الأمر في التطيب , بأن يكون بأقل ما يمكن , حتى إنه يجزىء مسه من غير تناول قدر ينقصه , تحريضاً على امتثال الأمر فيه .

الثالث : في قوله ((ما يقدر عليه)) إرادة التأكيد ، ليفعل ما أكنه ، ويحتمل إرادة الكثرة ، والأوّل أظهر .

الرابع : ويؤيّد ما ذكرتُه ، رواية : ((ولو من طيب المرأة)) لأنه يكره استعماله للرجل ، وهو ما ظهر لونه ، وخفي ريحه ، فإباحته للرجل لأجل عدم وجود غيره ، يدل على تأكد الأمر في

ذلك(1).

وعُلّق غفران ما بين الجمعتين ، في حديث سلمان الفارسي السابق على الاغتسال و الادّهان

والتطيب وعدم التّفريق بين اثنين من المصلّين .

ويلتحق باستِنان والتطيّب : التزيّن بالباس .

قال ابن رشد : ((وآداب الجمعة ثلاثة : الطيب والسّواك واللباس الحسن ، ولا خلاف فيه لورود الآثار بذلك))(2).

عن عبدالله بن سلام أنه سمع النبي r يقول على المنبر يوم الجمعة : ((ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة ، سوى ثوبي مهنته))(3).

ومن الأحاديث التي تدل على وجوب الغسل ليوم الجمعة :

عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ : أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة ، إذ دخل رجلٌ من المهاجرين الأوّلين من أصحاب النبي r ، فناداه عمر : أيَّةُ ساعةٍ هذه ؟ قال : إني شُغلتُ فلم أنقلِبْ إلى أهلي ، حتى سمعتُ التّأذينَ ، فلم أزِدْ أن توضّأتُ .

فقال : والوضوء أيضاً ؟ وقد علمتَ أن رسول الله r كان يأمر بالغسلِ(4).

فإنكار عمر على رأس المنبر في ذلك الجمع الحافل على مثل ذلك الصحابي الجليل ، وتقرير جميع الحاضرين من الصحابة وغيرهم ، لما وقع من ذلك الإِنكار ،لهو من أعظم الأدلة القاضية بأن الوجوب كان معلوماً عند الصحابة ، ولو كان الأمر عندهم على عدم الوجوب لما عوّل ذلك الصّحابي في الاعتذار على غيره . فأي تقرير مِنْ عمر ومَنْ حضر ، بعد هذا الإنكار(5) ؟!

واستشكل جمهور العلماء وجوب غسل الجمعة ، بقوله r :


 

((من توضّأ يوم الجمعة ، فبها ونعمت ، ومن اغتسل فهو أفضل))(1)

وردّه ابن حزم ، فقال : ((لو صحت لم يكن فيها نص ولا دليل على أن غسل الجمعة ليس بواجب ، وإنما فيها أن الوضوء نعم العمل ، أن الغسل أفضل ، وهذا لاشك فيه ، وقد قال الله تعالى :{ وَلَوْ آمَنَ َهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم }(2)

فهل دلّ هذا اللفظ على أن الإيمان والتقوى ليس فرضاً ؟!

حاشا لله من هذا ثم لو كان في جميع هذه الأحاديث نص أن غسل الجمعة ليس فرضاً لما كان في ذلك حجة ، لأن ذلك يكون موافقاً لما كان عليه الأمر قبل قوله عليه الصّلاة والسلام :

((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)) و ((على كل مسلم)) وهذا القول منه عليه السلام ، حكم زائل ناسخ للحالة الأولى ، بيقين لاشك فيه ، ولا يحل ترك الناسخ بيقين ، والأخذ بالمنسوخ))(3)

وقال ابن تيمية في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) : ((يستحب الغسل في ذلك اليوم ـ أي الجمعة ـ وعند جماعة يجب . ودليل وجوبه أقوى من دليل وجوب الوتر , ومن الوضوء من مس النساء ،ومن القهقهة، ومن الرّعاف ، ومن الحجامة ، ومن القيء ، ومن دليل وجوب الصلاة على النبي r))(4).

وجملة القول : أن الأحاديث المصرّحة بوجوب غسل الجمعة ، فيها حكم زائد على الأحاديث المفيد لاستحبابه , فلا تعارض بينها ، والواجب الأخذ بما تضمن الزيادة منها .

وراجع تفصيل هذا البحث في ((نيل الأوطار)) للشوكاني و ((المحلى)) لابن حزم(1) .

ومما مضى : تعلم تساهل أكثر النّاس بهذا الواجب يوم الجمعة ، فقلَّ مَنْ يغتسل منهم لهذا اليوم ، ومن اغتسل فيه فإنما هو للنظافة ، لا لأنه من حق الجمعة ، فالله المستعان(2) .

[3/58] * الكلام وعدم الاستماع لخطيب الجمعة :

مضى في حديث أوس : ((من غسَّل يوم الجمعة واغتسل ، وبكر وابتكر ، ومشى ولم يركب ، ودنا من الإمام ، واستمع ولم يَلْغُ ، كان له بكل خطوة أجر سنة : صيامها وقيامها))(3) .

فقد يبكر المصلّي ويغتسل ويمشي ولا يركب ، لكن لايدنو من الإمام ، فتراه قد استروح مكاناً ما ، فجلس فيه ، ويكون بعيد عن الخطيب ، وقد سبق قوله r : ((فإن الرجل لايزال يتباعد حتى يؤخّر في الجنة ، وإنْ دخلها)) .

وبعض المبكّرين الذين يدنون من الإمام ، قد يضيّعون على أنفسهم ثواب الجمعة ، بفعلهم بعض الأمور جهلاً ، ويظنون أنهم يحسنون صنعاً .

[4/58] فبعضهم يدور على المصلّين بشرب الماء ، والإِمام يخطب .

قال الإِمام مالك : (( لا أحبّ لأحدٍ أن يشرب الماء يوم الجمعة ، والإِمام يخطب ، ولا يسقي الماء ، يدور به على الناس ، والإِمام يخطب ))(4) .

وعلّق عليه ابن رشد بقوله : ((وهذا كما قال ، لأنه لما كان حالُ الخطبة حالَ الصّلاة في الإنصات ، وجب أن يكون حالها حال الصلاة في الأكل والشرب))(5) .

قال ابن هانىء : قلت للإِمام أحمد : فترى أن يشرب ماء ، والإِمام يخطب ؟

قال : لا يشرب ماءً(6) .

ومن هذا الباب :

[5/58] ما شاهدتُه ـ من بعض سنوات ـ في بعض مساجد القرى ، من الدّوران على الناس ، يوم الجمعة ، بصندوقٍ ،لجمع التبرعات ، والإمام يخطب .

[6/58] وقد يقبل الرجلان ، فيدخلان المسجد ، وهما يتحدّثان ، الإمام يخطب . فيقعان في المحظور الوارد في حديث أبي هريرة : ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة ، أنصت ، والإمام يخطب فقد لغوت))(1) .

والكلام والإمام يخطب لصلاة الجمعة يحبط الأجر ، ويفوّت الثواب .

قال النضر بن شميل : معنى لغوت : خبت من الأجر . وقيل : بطلت فضيلة جمعتك ، وقيل : صارت جمعتك ظهراً(2).

ويشهد للمعنى الأوّل والثاني :

1ـ عن أبي هريرة قال : بينما رسول الله r يخطب يوم الجمعة ، إذ قال أبو ذر لأُبي بن كعب : متى أنزلت هذه السورة ؟ فلم يجبه ، فلما قضى صلاته ، قال له : ما لك من صلاتك إلا ما لغوت ، فأتى أبو ذرّ النّبيَّ r فذكر ذلك له ، فقال : صدق أُبيّ(3).

2ـ عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ عن رسول الله r قال :

يَحْضُر الجمعة ثلاثةُ نَفَر : رجل حضرها يلْغُو ، وهو حظّه منها ، ورجل حضرها يدعو ، فهو رجل دعا الله ، إنْ شاء أعطاه ، وإن شاء منعه ، ورجل حضرها بإنصاتٍ وسكوت ، ولم يتخطَّ رقبة مسلم ، ولم يؤذِ أحداً ، فهي كفّارة له إلى يوم الجمعة التي تليها ، وزيارة ثلاثة أيام ، وذلك أن الله ـ عزَّوجلَّ ـ يقول : {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها}(1)
.

3 ـ عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله r قال : ((فمن دنا من الإمام ، فأنصت أو استمع ، ولم يلغ ، كان له كفلان من الأجر ، ومن نأى عنه ، فاستمع وأنصت ، ولم يلغ ، كان له كفل من الأجر ، ومن دنا من الإمام فلغا ، ولم ينصت ولم يستمع ، كان له كفلان من

الوزر ، ومن نأى عنه فلغا ولم ينصت ولم يستمع كان عليه كفل من الوزر . ومن قال : صه ، فقد تكلم ، ومن تكلم فلا جمعة له))(2) .

وفي رواية : ((ومن قال يوم الجمعة لصاحبه : صه ، فقد لغا ، ومن لغا فليس له في جمعته تلك شيء))(3) .

وفي رواية : من حديث رجل من أصحاب رسول الله r : ((من تكلم يوم الجمعة ، والإمام يخطب ، كان أجره من الجمعة ، قبضة من التراب))(4) .

ويشهد للمعنى الثّالث : عن عبد الله بن عمرو مرفوعا ً: ((ومن لغا أو تخطى كانت له ظهراً))(5).

قال ابن وهب أحد رواته : معناه : أجزأت عنه الصّلاة ، وحرم فضيلة الجمعة(6) .

قلت : تبيّن من هذه الزيادة ، أن الأقوال الثلاثة السابقة متقاربة المعنى ، ولا خلاف بينها .

والنهي عن الكلام مأخوذ من حديث أبي هريرة بدلالة الموافقة ، لأنه إذا جعل قوله : ((أنصت)) مع كونه أمراً بمعروف ، لغواً ، فغيره من الكلام أولى أن يسمّى لغواً .

وقد وقع في ((مسند أحمد)) من رواية الأعرج عن أبي هريرة في آخر الحديث بعد قوله :

((فقد لغوت : عليك بنفسك)) .

واستدل به على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة ، وبه قال الجمهور في حقّ مَنْ سمعها ،

وكذا الحكم في حقّ مَنْ لا يسمعها عند الأكثر(1) .

ونقل ابن عبد البر الإجماع على وجوب الإِنصات على من سمع الخطبة ، إلا عن قليل من التّابعين ، ولفظه : ((لا خلاف علمتُه بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات للخطبة على مَنْ سمعها في الجمعة ، وأنه غير جائز أن يقول لمن سمعه من الجهال يتكلم والإِمام يخطب : أنصت ، ونحوها ، أخذاً بهذا الحديث . وروي عن الشعبي وناس قليل أنهم كانوا يتكلّمون إلا في حين قراءة

الإمام في الخطبة خاصة ، قال : وفعلهم في ذلك مردود عند أهل العلم ، وأحسن أحوالهم ، أن يقال : إنه لم يبلغهم الحديث))(2) .

واستغربه الحافظ ، بقوله : ((قلت : للشافعي قولان مشهوران )) انتهى .

وهذا لفظ الإمام الشافعي في المسألة في ((الأم)) : ((واجب لكل مَنْ حضر الخطبة أن يستمع لها وينصت ، ولا يتكلّم من حين يتكلّم الإمام حتى يفرغ من الخطبتين معاً . ولا بأس أن يتكلّم ، والإمام على المنبر ، والمؤذّنون يؤذّنون ، وبعد قطعهم ، قبل كلام الإمام ، فإذا ابتدأ في الكلام ، لم أحب أن يتكلم ، حتى يقطع الإمام الخطبة الآخرة ، فإن قطع الآخرة ، فلا بأس أن يتكلّم حتى يكبّر الإمامُ ، وأحسن في الأدب ، أن لا يتكلّم من حين يبتدىء الإمام الكلام ، حتى يفرغ من الصلاة ، وإن تكلم رجل ، والإمام يخطب ، لم أحب ذلك له ، ولم يكن عليه إعادة الصّلاة))(3) .

قلت : ولا يسلم من الإِثم ، للأحاديث المتقدّمة ، وهو أصح قولي أهل العلم ، وبه قال مالك والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد(4) .

[7/58] والمراد بالإنصات : السكوت عن مكالمة الناس مطلقاً .

قال اللكنوي : ((قال ابن خزيمة : المراد بالإنصات : السكوت عن مكالمة الناس ، دون ذكر الله .

وتعقّب : بأنه يلزم منه جواز القراءة والذّكر حال الخطبة ، فالظّاهر : أن المراد : السكوت

مطلقا(1)ً.

ورخّص بعضُ أهل العلم بردّ السلام ، وتشميت العاطس والإمام يخطب ، وظاهر الحديث يمنعه .

وعند الشافعية ثلاثة وجوه ، ذكرها النووي في ((المجموع)) : (4/524) وقال : ((الصحيح المنصوص تحريم تشميت العاطس ، كردّ السلام)) .

قلت : ويتعيّن هذا إذا علمتَ أن قول القائل لصاحبه ((أنصت)) ـ وهو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ ، ومع ذلك فقد سمّاه النبي r لغواً ، وذلك باب ترجيح الأهم ـ وهو الإنصاتُ لموعظة الخطيب ـ على المهم ـ وهو الأمر بالمعروف أثناء الخطبة ـ ، وإذا كان الأمر كذلك ، فكل ما كان في رتبة الأمر بالمعروف : كتشميت العاطس ، وردّ السلام ، ومتابعة الخطيب على ذكر الله ، أو الصلاة على رسول الله r ، ونحو ذلك ، فحكمه حكم الأمر بالمعروف ، وما كان دونه في الرتبة فهو أولى بالمنع .

ويستفاد من حديث أوس السابق ، الذي فيه : ((ودنا من الإمام ، وأستمع ولم يلغ)) انتباه زائد من المستمع للخطبة ، فهو بكله وكلكله مع الخطيب مع الخطيب ، يتابع ما يقول ، ويفهم ، دون غفلة أو تغافل . وإذا علمت هذا يتبين لك :

[ 8/58] * خطأ من ينام والإمام يخطب .

عن ابن عون عن ابن سيرين قال : كانوا يكرهون النّوم ، والإمام يخطب ، ويقولون فيه قولاً شديد . قال ابن عون : ثم لقيني بعد ذلك ، فقال تدري ما يقولون ؟ قال : يقولون : مَثَلهُم كمثل سريّة أخفقوا . ثم قال : هل تدري ما أخفقوا ؟ لم تَغْنَمْ شيئاً(2) .

ويندب للمصلي إذا غلبه النعاس ، وهو في مكان من المسجد ، التحوّل منه إلى آخر .

عن ابن عمر أن النبي r قال : ((إذا نعس أحدكم في المسجد يوم الجمعة ، فليتحوّل من مجلسه ذلك إلى غيره))(3) .

وحكمة الأمر بالتحوّل : أن الحركة تذهب النّعاس ، أو أن المكان الذي أصابه النوم فيه شيطان(1) !!

ولا يُقال : إن الانتقال وقت الخطبة ، عمل منهي عنه ، لما فيه من الاشتغال عن سماع الخطبة المأمور به ، فلا يشمله الحديث . لأن انتقال النّاعس يؤدّي إلى ذهاب نعسه ، فينتبه للخطبة ، ولذلك أمره الشارع بالتحوّل .

[9/58] * خطأ من استدبر الإِمام والقبلة والإِمام يخطب .

قال ابن القيم في هدي النبي r وأصحابه في خطبة الجمعة : )(وكان إذا خطب قائماً في الجمعة ، استدار أصحابُه إليه بوجوههم ، وكان وجهه r قِبلَهم في وقت الخطبة))(2) .

ويلاحظ أن بعض المصلّين يعتمدون على جدار أو عمود للمسجد ، مستدبرين القبلة ووجه خطيب الجمعة ، والعجب من هؤلاء !! فإن الشرع أذن للخطيب أن يستدبر القبلة ،ليواجه المصلّين و يؤثر فيهم ، ويأمرهم وينهاهم ، وعلى الرغم من هذا ،فإن هذا الصنف ،لا ينظر إلى هذه الحكمة ، ولا يلتفت إليها ، وغالب هؤلاء لا ينتبهون للخطيب ، ولا يدنون منه ، لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم .

قال ابن حجر : ((ومِنْ لازمِ الاستقبال : استدبار الإمام القبلة ، واغتفر لئلا يصير مستدبر القوم الذين يعظهم .

ومن حكمة استقبالهم للإمام : التهيّؤ لسماع كلامه ، وسلوك الأدب معه في استماع كلامه، فإذا استقبله بوجهه ، وأقبل عليه بجسده وبقلبه وحضور ذهنه ، كان أدعى لتفهم موعظته وموافقته فيما شرع له القيام لأجله))(3) .

قال الترمذي : ((والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي r وغيرهم ،يستحبّون استقبال الإمام إذا خطب))(4) .

وهو قول الأئمة الأربعة وسفيان الثّوري والأوزاعي وإسحاق .

قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل : يكون الإمام متباعداً ، فإذا أردت أن أنحرف إليه ، حوّلت وجهي عن القبلة . فقال ، نعم ، تنحرف إليه(1) .

وقال الصّنعاني في استقبال الناس الخطيب ، مواجهين له : ((أمر مستمر ، وهو في حكم المجمع عليه ، وجزم بوجوبه أبو الطيب من الشافعية))(2) .

[10/58] * خطأ من يعبث بالحصى أو السبحة ونحوهما والإمام يخطب .

أطلق النبيُّ r اللغو ـ وهو المطرح من القول وما ينبغي أن يلغى ـ على كلمة : ((أنصت)) التي يقولها المصلّي يوم الجمعة لأخيه المتكلّم ، والإمام يخطب .

وأطلق اللغو على الفعل أيضاً ، فقال r : ((مَنْ مَسَ الحصى فقد لغا ))(3) .

وذلك لأنه تشاغل به عن الخشوع ، وحضور القلب .

ويلحق بمس الحصى ، عبث بعض المصلّين وتشاغلهم بالسبحة ، أو المفاتيح ونحوهما .

[11/58] * تخطي الرّقاب وإيذاء النّاس يوم الجمعة .

عُلِّق غفرانُ مابين الجمعتين من الذّنوب في حديث سلمان الفارسي السابق ، على مجموع خصال ، منها : ((... ثم راح ، فلم يفرّق بين اثنين))(4) .

وفي حديث أبي سعيد : ((فلم يلغ ، ولم يجهل ، حتى ينصرف الإِمام))(5) .

وبوّب عليه ابن خزيمة بقوله : ((باب فضل ترك الجهل يوم الجمعة من حين يأتي المرء

الجمعة إلى انقضاء الصلاة)) .

ويكون الجهل بعدّة أُمور ، منها :

أولاً : التفرقة بين اثنين ، ويتناول ذلك : القعود بينهما . وإخراج أحدهما والقعود مكانه .

ثانياً : تخطي رقاب المصلّين ، ويكون ذلك ـ زيادة على التفرقة بين اثنين ـ برفع رجلي المتخطي على رؤوسهما أو أكتافهما ، وربما تعلق ثيابهما بشيء مما برجليه .

ثالثاً : الإيذاء بالقول ، كالشتم أو الغيبة أو الاستهزاء ونحوهما . بل يشمل الجهل :

رابعاً : مقاتلة الناس ، ولو في أثناء طريقه للمسجد . فيطلب ممن دخل المسجد ، ولم يجد مكاناً يجلس فيه ، ألا يقيم غيره ، ليجلس مكانه ، بل يطلب التوسعة .

عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ أن النبي r قال : ((لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ، ثم ليُخالف إلى مقعده ، فيقعد فيه ، ولكن يقول : افسحوا))(1).

قال النووي : ((هذا النهي للتحريم ، فمن سبق إلى موضع مباح في المسجد وغيره ، يوم الجمعة أو غيره لصلاة أو غيرها ، فهو أحق به ، ويحرم على غيره إقامته لهذا الحديث))(2)..

ويطلب ممن دخل المسجد ألا يتخطّى الرّقاب .

وعن عبد الله بن يُسْر : أن رجلاً جاء إلى النبي r يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ، والنبي r يخطب ، فقال : ((اجلسْ ، فقد آذيت وآنيت(3)))(4) .

دل الحديث على حرمة تخطي الرّقاب يوم الجمعة ، وظاهر التقييد بيوم الجمعة أن الحرمة مختصة به ، ويحتمل أن التقييد به خرج مخرج الغالب ، لكثرة الناس فيه ، فيكون باقي الصلوات كالجمعة ، في عدم جواز التخطي ، وهذا هو الظاهر ، لوجود العلّة ، وهي الإيذاء ، بل يجري ذلك في مجالس العلم وغيرها .

قال الحافظ ابن حجر : ((وقد استثني من كراهة التخطي ، ما إذا كان في الصفوف الأولى فرجة ، فأراد الداخلُ سدّها ، فيغتفر له ، لتقصيرهم))(5).

وقد وقع التصريح في حبوط ثواب الجمعة للمتخطي في حديث ابن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ مرفوعاً : ((من لغا أو تخطى كانت له ظهراً))(6).

قال ابن وهب ـ أحد رواته ـ : معناه : أجزأت عنه الصلاة ، وحرم فضيلة الجمعة(1).


 

[59] * سنّة الجمعة القبليّة : كان r يخرج من بيته يوم الجمعة ، فيصعد منبره ، ثم يؤذّن المؤذّن ، فإذا فرغ أخذ النبي r في خطبته(2).

ولو كان للجمعة سنّة قبلها ، لأمرهم النبي r بعد الأذان ، بصلاة السنّة ، وفعلها هو r . ولم يكن في زمن النبي r غير الأذان بين يدي الخطيب .

قال الشافعي : ((وأحب أن يؤذّن مؤذّن واحد ، إذا كان على المنبر ، لا جماعة مؤذنين)) ثم ذكر عن السائب بن يزيد : أن الأذان كان أوّله للجمعة حين يجلس الإمام على المنبر ، على عهد رسول الله r وأبي بكر وعمر ، فلما كانت خلافة عثمان ، وكثر الناس ، أمر عثمان بأذان ثان ، فأذّن به ، فثبت الأمر على ذلك .

وعلّق عليه بقوله : ((وقد كان عطاء ينكر أن يكون عثمان أحدثه ، ويقول : أحدثه معاوية . وأيّهما كان ، فالأمر الذي على عهد رسول r أحبّ إليّ))(3).

ومن الجدير بالذّكر أن الأذان الذي أحدثه عثمان ـ رضي الله عنه ـ كان على الزَّوْراء ، وهي دار في السوق ، ووقع التصريح بالسبب في يعض روايات حديث السائب ، ففي بعضها : ((فلما كان خلافة عثمان ، وكثر الناس ، وتباعدت المنازل ، . . . ))(4).

وفي بعضها : ((ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت))(5).

ونقل القرطبي عن الماوردي في هذا الأذان : ((فعله عثمان ، ليتأهب الناس لحضور الخطبة ، عند اتّساع المدينة ، وكثرة أهلها))(6).

وهذا السبب لا يكاد يتحقق في عصرنا هذا إلا نادراً ، وذلك في مثل بلدة كبيرة تغص الناس على رحبها ، كما كان في الحال في المدينة المنورة(1)، ليس فيها إلا مسجد واحد يجمع الناس فيه ، وقد بعدت منازلهم عنه لكثرتهم ، فلا يبلغهم صوت المؤذّن ، الذي يؤذّن على باب المسجد . وأما بلدة فيها جوامع كثيرة ، لا يكاد المرء يمشي فيها خطوات حتى يسمع الأذان للجمعة من على المنارات ، وقد وضع عليها الآلات المكبّرة للأصوات ، فحصل بذلك المقصود الذي من أجله زاد عثمان الأذان ، ألا وهو إعلام الناس .

وإذا كان الأمر كذلك ، فالأخذ حينئذ بأذان عثمان من قبيل تحصيل الحاصل ، وهذا لا يجوز ، لا سيما في مثل هذا الموضع الذي فيه التزيّد على شريعة رسول الله r دون سبب مبرر ، وكأنه لذلك كان علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وهو بالكوفة ، يقتصر على السنّة ، ولا يأخذ بزيادة عثمان ، كما قال القرطبي في ((تفسيره))(2).

والخلاصة : أننا نرى أن يكتفي بالأذان المحمّدي ، وأن يكون عند خروج الإمام ، وصعوده على المنبر ، لزوال السبب المبرر لزيادة عثمان ، واتّباعاً لسنّة النبي r
(3).

إذا تقرر لك هذا ، وعلمت أنّ أذان عثمان لم يكن في المسجد ، وإنما نقله هشام بن عبد الملك إلى المشرفة ، ومن ثم بين يديه ، وتبعه على ذلك مَنْ بعده مِنْ الخلفاء إلى زماننا هذا ـ كما بسطه الشاطبي وغيره (4)ـ تبيّن لك بوضوحٍ أنه لا مكان لسنّة الجمعة القبليّة ، اللهم إلا أن يُقال : إن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ كانوا يصلونها ، عندما يشرع النبي r في الخطبة !! ولو فعلوا لنُقل إلينا .

فإن قُلْتَ : إن النبي r أمر الدّاخل إلى المسجد ، وهو يخطب ، أن يصلي ركعتين .

قُلتُ : هما تحية المسجد ،لأنه لم يأتِ بهما ، فقال له : ((قم ، فَصَلّ ركعتين))(1).

ووقع في ((سنن ابن ماجه))(2)من حديث أبي هريرة وجابر قالا : جاء سُلَيْك الغَطَفَانيّ ، ورسول الله r يخطب فقال له النبي r : أصلّيت ركعتين ، قبل أن تجيء ؟ قال : لا . قال فَصَلَّ ركعتين وتجوّز فيهما .

قال أبو شامة : ((قال بعض مَنْ صنّف في عصرنا : قوله : ((قبل أن تجيء)) يدلّ على أن هاتين الرّكعتين ، سنة للجمعة قبلها ، وليستا تحية للمسجد(3).

كأنه توهم أن معنى قوله : ((قبل أن تجيء)) قبل أن تدخل المسجد ، أنه صلاحهما في بيته ، وليس الأمر كذلك ، فقد أخرج هذا الحديث في ((الصحيحين))(4) وغيرهما(5)، وليس في واحد منها هذا اللفظ ، وهو قوله : ((قبل أن تجيء)) .

وفي ((صحيح البخاري)) عن جابر قال : جاء رجل والنبي r يخطب الناس ، يوم الجمعة ، فقال : صلَّيت يا فلان ؟ قال : لا . قال : قُمْ ، فاركع(6).

وفي ((صحيح مسلم)) عن جابر قال : جاء سُلَيْكٌ الغَطَفَانيّ يوم الجمعة ، ورسول اللهr قاعدٌ على المنبر ، فقعد سليك قبل أن يصلّي ، فقال له : ((يا سليك ! قُمْ فاركع ركعتين ، وتجوَّز فيهما))(7).

فقول النبي r : ((قم)) دليل على أنه لم يشعر به ، إلا وهو قد تهيّأ للجلوس ، فجلس قبل أن يصلي ، فكلمه حينئذ ، وأمره بالقيام ، وجوّز أن يكون صلّى الركعتين عند أوّل دخوله إلى المسجد ، قريباً من الباب ، ثم اقترب من رسول الله r ، ليسمع الخطبة ، فسأله : ((أصلّيت)) قال : لا .

فقوله ـ فيما أخرجه ابن ماجه ـ ((قبل أن تجيء)) يحتمل أن تكون معناه : قبل أن تقترب مني ، لسماع الخطبة ، وليس المراد : قبل أن تدخل المسجد، فإن صلاته قبل دخول المسجد غير مشروعة ، فكيف يسأل عنها !! وذلك أن المأمور به ، بعد دخول وقت الجمعة ، إنما هو السعي إلى مكان الصّلاة فلا يشتغل بغير ذلك ، وقبل دخول الوقت ، لا يصح فعل السنّة ، على تقدير أن تكون مشروعة))(1).

ويؤيّد صحة الكلام السابق :

أولاً : قال الحافظ المزي في لفظة ابن ماجه ((قبل أن تجيء)) : ((هذا تصحيف من الرواة . إنما هو ((أصليت قبل أن تجلس)) فغلط فيها الناسخ)) وقال أيضاً : ((و ((كتاب ابن ماجه)) إنما تداولته الشيوخ ، لم يعتنوا به ، بخلاف صحيحي البخاري ومسلم ، فإن الحفّاظ تداولوهما ، واعتنوا بضبتهما وتصحيحهما)) قال : ((ولذلك وقع فيه أغلاط وتصحيف))(2).

ثانياً : أن الذي اعتنوا بضبط سنن قبلها وبعدها ، وصنّفوا في ذلك من أهل الأحكام والسنن وغيرها ، لم يذكر واحد منهم هذا الحديث في سنّة الجمعة قبلها ، وإنما ذكروه في استحباب فعل تحيّة المسجد ، والإمام على المنبر ، واحتجّوا به على مَنْ منع مِنْ فعلها في هذه الحال ، فلو كانت في سنّة الجمعة ، لكان ذكرُها هناك ، والترجمةُ عليها ، وحفظها ، وشهرتها ، أولى من تحية المسجد(3).

ثالثاً : أن النبي r لم يأمر يهاتين الركعتين ، إلا الداخل ، لأجل أنها تحية المسجد ، ولو كانت سنة الجمعة ، لأمر بها القاعدين أيضاً ، ولم يخص بها الدّاخل وحده(1).

فإن قُلْتَ : لعله r صلّى السنّة في بيته ، بعد زوال الشمس ، ثم خرج ؟ قلتُ لو جرى ذلك لنقله أزواجه ـ رضي الله عنهن ـ كما نَقَلْنَ سائر صلواته في بيته ، ليلاً ونهاراً ، وكيفية تهجّده ، وقيامه بالليل ، وحيث لم يصح شيء من ذلك ، والأصل عدمه ، دلّ على أنه لم يقع ، وأنه غير مشروع .

وأما الحديث الذي رواه أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن ياسر في ((حديث أبي القاسم

علي بن يعقوب)) : (108) عن إسحاق بن إدريس ثنا أبان ثنا عاصم الأحوال عن نافع عن عائشة مرفوعاً بلفظ : ((كان يصلّي قبل الجمعة ، ركعتين في أهله)) .

فهو باطل موضوع ، وآفته إسحاق هذا ، وهو الأسواري البصري ، قال ابن معين : ((كذّاب يضع))(2).

وتفرّد هذا الكذّاب ، برواية هذا الحديث من الأدلة الظّاهرة على ما قلناه .

فإن قُلْتَ : إن الجمعة ظهرٌ مقصورة ، فلها سنة قبلها ، مثلها .

قُلتُ : هذا الكلام بمعزلٍ عن التحقيق من وجوه :

الأول : لا يجوز القياس في شرعية الصّلوات(3).

الثاني : أن السنة ما كان ثابتاً عن النبي r من قول أو فعلٍ ، أو سنّة خلفائه الراشدين ، وليس في مسألتنا شيء من ذلك(4)، ولا يجوز إثباتُ السنن في مثل هذا بالقياس ، لأن هذا مما انعقد سببُ فعله في عهد النّبيّ r ، فإذ لم يفعله ، ولم يشرعه ، كان تركه هو السنة .

الثّالث : أن الجمعة صلاةٌ مستقلّة ، تخالف الظّهر في الجهر والعدد والخطبة ، والشروط المعتبرة لها ، وتوافقها في الوقت ، وليس إلحاق مسألة بموارد الاتفاق أولى من إلحاقها بموارد الافتراق ، بل إلحاقها بموارد الافتراق أولى ،لأنها أكثر مما اتّفقا فيه(1) .

الرابع : أخرج البخاري في ((صحيحه)) عن ابن عمر قال : صليت مع النبي r سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعد الظهر ، وسجدتين بعد المغرب ، وسجدتين بعد العشاء ، وسجدتين بعد الجمعة(2) .

وهذا دليل على أن الجمعة عندهم غير الظهر ، وإلا ما كان يحتاج إلى ذكرها لدخولها تحت اسم الظهر ، ثم لم يذكر لها سنة إلا بعدها ، فدلّ هذا على أنه لا سنّة قبلها(3) .

الخامس : هب أن الجمعة ظهر مقصورة ، فالنبي r ، لم يكن يصلى في سفره سنة للظهر المقصورة ، لا قبلها ولا بعدها ، وإنما كان يصليها إذا أتم الظهر ، فصلى أربعاً ،
فإذا كانت سنته التي قبلها في الظهر المقصود ، خلاف التامة ؛ كان ما ذكروه حجة عليهم لا لهم ، وكان السبب المقتضي لحذف بعض الفريضة ، أولى بحذف السنة الراتبة ، كما قال بعض الصحابة : لو كنت متطوعاً لأتممت الفريضة(4) .

فإن قُلت : فما معنى قول البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ في ((صحيحه)) : باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها :

حدثنا عبدالله بن يوسف أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن الرسول الله r كان يصلّي قبل الظهر ركعتين ، وبعدها ركعتين ، وبعد المغرب ركعتين في بيته ،

وبعد العشاء ركعتين وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف ، فيصلّي ركعتين(1) ؟

قُلتُ : مراده من هذه الترجمة : أنه هل ورد قبلها وبعدها شيء ، ثم ذكر هذا الحديث ، أي : أنه لم يرد إلا بعدها ، ولم يرد قبلها شيء ، والدليل على أن هذا مراده : أنه قال في ((كتاب العيد)) : باب الصّلاة قبل العيد وبعدها(2) .

فترجم البخاري للعيد . مثل ما ترجم للجمعة ، ولم يذكر للعيد إلا حديثاً دالاً على أنه لا تشرع الصّلاة قبلها و بعدها ، فدلّ ذلك على أن مراده من الجمعة ما ذكرناه(3) .

((ولهذا كان جماهير الأئمة ، متّفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة موقتة بوقت ، مقدّرة بعدد ، لأن ذلك إنما يثبت بقول النبي r أو فعله ، وهو لم يسن في ذلك شيئاً ، لا بقوله ولا بفعله ، وهذا مذهب مالك والشافعي وأكثر أصحابه ، وهو المشهور في مذهب أحمد))(4) .

وقال العراقي : ((ولم أر للائمة الثلاثة ندب سنة قبلها)) .

وعلّق عليه المحدّث الألباني بقوله : ولذلك لم يرد لهذه السنّة المزعومة ذكر في ((كتاب الأم)) للإِمام الشافعي، ولا في ((المسائل)) للإِمام أحمد، ولا عند غيرهم من الأئمة المتقدّمين فيما علمت .

ولهذا فإني أقول : إن الذين يصلّون هذه السنّة ، لا r الرسول اتّبعوا ، ولا الأئمة قلّدوا ، بل قلدوا المتأخرين ، الذين هم مثلهم في كونهم مقلّدين غير مجتهدين، فاعجب لمقلّد يقلّد مقلّداً(5).

مما تقدّم : تبيّن لك خطأ من يصلّون بين الأذانين يوم الجمعة ، ركعتين أو أربعاً ، ونحو ذلك ، معتقدين أن ذلك سنّة للجمعة قبلها ، كما يصلّون السنّة قبل الظهر ، ويصرّحون في نيّتهم ، بأنها سنّة الجمعة !! لأن النصوص صريحة في أنّ الحقّ أن الجمعة لا سنة قبليّة لها ، وليس بعد الحقّ إلا الضَّلال ، نسأله تعالى أن يهدينا جميعاً إلى معرفة الدّين ، وأن يوفقنا للعمل به ، مخلصين له الدّين ، متعبين سنّة سيّد الأولين والآخرين ، اللهم آمين .


 

[60] * أخطاء المصلّين في صلاة تحية المسجد يوم الجمعة :

[1/60] تتعدّد أخطاءُ النّاس أوّل دخولهم المسجد يوم الجمعة ، فترى بعضهم يجلس تحية المسجد ، خصوصاً إنْ جاء متأخّراً ، والإِمام يخطب .

ومضى : أن النبي r لما رأى رجلاً قد جلس ، ولم يفعل ما هو مشروع من تحية المسجد ، أمره بركعتين ، فقال : ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة ، والإمام يخطب ، فَلْيَرْكع ركعتين ، وَلْيَتَجوَّزْ فيهما))(1) .

أي : إنَّ خطبة الإمام ، والاستماع لها ، غير مانعين من تحيّة المسجد

ولعل هذا الفريق يستدل بما روي عن ابن عمرو مرفوعاً : ((إذا صعد الخطيب المنبر ، فلا صلاة ولا كلام)) !!

ولكنه حديث باطل ، أخرجه الطبراني في ((الكبير)) وفيه ((أيوب بن نهيك))(2) .

وهو ـ مع ضعف إسناده ـ يخالف الحديث السابق ، إذ هو (صريح بتأكد أداء الرّكعتين ، بعد خروج الإِمام ، بينما هذا الحديث ينهى عنهما !!

[2/60] فمن الجهل البالغ أن ينهى بعضُ الخطباء عنهما مَنْ أراد أن يصليهما ، وقد دخل ، والإِمام يخطب ، خلافاً لأمره r ، وأني لأخشى على مثله أن يدخل في وعيد قوله تعالى :

{ أَرَءَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى }(3).

وقوله : {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }(4).

ولهذا قال النووي ـ رحمه الله ـ : ((هذا نص لا يتطرق إليه التأويل ، ولا أظن عالماً يبلغه

ويعتقده صحيحاً ، فيخالفه))(1) .

والحديث السابق يدلّ بمفهوم قوله : ((والإمام يخطب)) أن الكلام والإمام لا يخطب ، لا مانع منه . ويؤيّده : جريانُ العمل عليه في عهد عمر ـ رضي الله عنه ـ كما قال ثعلبة بن أبي مالك : ((إنهم كانوا يتحدّثون حين يجلس عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ على المنبر ، حتى يسكت المؤذّن ، فإذا قام عمر على المنبر ، لم يتكلم أحد حتى يقضي خطبتيه كلتيهما))(2) .

فثبت بهذا أن كلام الإمام هو الذي يقطع الكلام ، لا مجرّد صعوده على المنبر ، وأن خروجه عليه ، لا يمنع من تحية المسجد ، فظهر بطلان حديث الباب ، و الله تعالى الهادي للصّواب))(3) .

قال الحافظ ابن حجر : ((قال شخنا الحافظ أبو الفضل في ((شرح الترمذي)) : كل مَنْ نقل عنه ـ يعني من الصحابة ـ منع الصّلاة ، والإمام يخطب ، محمول على مَنْ كان داخل المسجد ، لأنه لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحيّة، وقد ورد فيها حديثٌ يخصّها ، فلا تترك بالاحتمال))(4).

قال الإِمام الشافعي : ((نقول ونأمر مَنْ دخل المسجد ، والإِمام يخطب ، والمؤذّن يؤذّن ، ولم يصلّ ركعتين ، أن يصليهما ، ونأمره أن يخففهما ، فإنه روي في الحديث أن النبي r أمر بتخفيفهما ))(5).

وقال أيضاً : (( وسواء كان في الخطبة الأولى أم في الآخرة ، فإذا دخل ، والإمام في آخر الكلام ، ولا يمكنه أن يصلّي ركعتين خفيفتين ، قبل دخول الإِمام في الصلاة ، فلا عليه أن يصلّيهما ، لأنه أمر بصلاتهما حيث يمكنانه، و حيث يمكنانه مخالف لحيث لا يمكنانه . وأرى للإِمام أن يأمره بصلاتهما ، ويزيد في كلامه ، بقدر ما يكملهما ، فإن لم يفعل الإِمام كرهت ذلك له ، ولا شيء عليه))(1).

[3/60] وبعضهم يجلس عند دخوله المسجد ، حال الخطبة الأولى ، فإذا جلس الخطيب ، قبل شروعه في الثّانية ، قام ، وصلّى التحيّة ، وهذا جهل ومخالف لقوله r : ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة ، والإِمام يخطب ، فليركع ركعتين ، وليتجوز فيهما))(2).

[4/60] وبعضهم يأتي ، بعد جلوس الخطيب ، على المنبر ، والمؤذّن يؤذّن الأَذان الثاني ، فلا يدخل في صلاة التحية مباشرة ، وإنما ينتظر حتى ينهي المؤذّن الأذان ، ويشرع الخطيب في خطبة الجمعة ، فيحرم بصلاة التحيّة . وهذا خطأ ، لأن الاستماع إلى الخطبة فرض ، وإجابة المؤذّن سنة .

عن ثعلبة ابن أبي مالك القرظي : ((أدركت عمر وعثمان ، فكان الإِمام إذا خرج يوم الجمعة ، تركنا الصّلاة ، فإذا تكلّم تركنا الكلام))(3).

((في هذا الأثر دليل على عدم وجوب إجابة المؤذّن ، لجريان العمل في عهد عمر على التحدّث في أثناء الأذان ، وسكوت عمر عليه . وكثيراً ما سئلت عن الدليل الصّارف للأمر بإجابة المؤذّن عن الوجوب ؟ فأجبتُ بهذا ، والله أعلم))(4).

[5/60] نعم ، حكى النووي عن المحققين : أن المختار إن لم يصلّ تحية المسجد ، أن يقف حتى تقام الصّلاة ، لئلا يكون جالساً بغير تحية ، أو متنفّلاً حال إقامة الصّلاة (5).

ولكن هذا في غير الحالة السّابقة ، اذ جاء الأثر على الأمر به كما هو ظاهرٌ بيِّن . نعم لو دخل المسجد ، ووجد الخطيب قد انتهى من خطبته ، فله الانتظار ، حتى لا يكون متنفّلاً حال الإِقامة ، و الله أعلم .


 

[61] * جملة من أخطاء الخطباء :

* تمهيد :

[1/61] ينبغي أن يكون الخطيب :

أولاً : عالماً بالعقائد الصحيحة ، حتى لا يزيغ ، ولا يضل الناس بسوء عقيدته .

ثانياً : عالماً بما تصح به الصّلاة ، مُلمّاً بأحكام الفقه ، ليتمكّن من إجابة مَنْ يسأله عن بيّنةٍ ، ويرشده بنور الشريعة ، إلى الصراط المستقيم ، ولا يخبط خبط عشواء في أمور الدّين ، كما يفعل كثير من خطباء هذا الزّمان .

ثالثاً : مُلمّاً باللغة العربية ، خصوصاً علم الإِنشاء ، ليقتدر على تأليف كلامٍ بليغٍ ، ينير به أفئدة السّامعين ، وأن يكون نبيهاً ، لا تغرب عنه شاردةٌ ولا واردةٌ ، لَسِناً فصيحاً ، معبراً عما يخطر بباله من المعاني والأسرار .

رابعاً : مراعياً أحوال النّاس ، بتحذيرهم مما هم فيه ، من البدع والمخالفات(1).

خامساً : صالحاً ورعاً مهيباً قنوعاً ، غير مجاهر بمعصية ، ولا مرتكباً مخالفة ، عاملاً بما يقول ، حتى تهابه القلوب ، وتعظّمه النّفوس ، وحتى يكون لكلامه تأثير فيها ، ويجد له سميعاً ، يعي ما يُقال ، ويعمل بما يسمع ، لأن ذلك أدعى إلى قبول موعظته ، والعمل بها(2).

قال الأسود الدؤلي :

يــا أيـهـا الـرجـل المـعلِّـم غـيـره هـلا لنفسـك كـان ذا الـتّعليـم

تصف الـدّواء لـذي السقـام وذي العنا كيما يصح به وأنت سقيم

ونـراك تـصلح بالـرّشـاد عقـولنـا أبــداً وأنت من الرشـاد عديـم

ابــدأ بـنفسك فانـههـا عـن غيّهـا فـإذا انتهت عنـه فـأنت حكيـم

وهنــاك يقبـل مـا تقـول ويشتفـى بـالقـول منـك وينفـع التعليـم

لا تـنـه عـن خــلق وتـأتي مـثلـه عـار عليـك إذا فعـلت عـظيـم

ولخطبة الجمعة أهمية كبرى ، لذا فقد أُلزم المصلون الإنصات لها ، ومن لم ينصت فلا جمعة له ، وأمر الله المسلمين في وقتها أن يدعوا كل عمل سواها ، بل حرم في وقتها البيع والشراء وكل المعاملات ... !!‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

فهل يصلح لخطبة هذا شأنها ، ومنبر هذه مكانته ، أن يتولاها من لا يحسن شيئاً ، يتولاها من يردد كلاماً مُمِلاًّ لغيره ، لا يعالج مشاكل المصلّين ، ويعيد خطباً قيلت مرات ، والقيت في مجتمعات غير مجتمعه ، ويتطرق إلى مشاكل غير واردة ، ويطيل في غير ما يهمّ ، ويحوم حول الحمى ولا يكاد ينطق بالحق الذي أمرنا الله سبحانه أن نعلي صوته ولو على أنفسنا ... إنني لا أزعم أن ساحة المسجد خلت من الخير كله ، وأن الخطب المنبرية اندثرت ، ولا يوجد خطباء ، بل أقول : أن الخير كثير ، ولا تخلو منه الجماعة الإسلامية ، ولكنني أريد أن أشير إلى النقص ، لئلا يزداد ، وتعمّ مصيبته ، ويسود سلطانه(1).

[2/61] وقد صارت الخطبة في أكثر البلاد الإسلاميّة ، رسوماً تقليديّة ، ووظيفة رسميّة ، تؤدّى بعبارة ، تحفظ من ورقة ، فتلقى على المنبر ، ككنس المسجد ، يقوم بها أيُّ رجلٍ !!‍‍ وفي نظر طلاّبها ، حرفة ، ينال بها الرّزق !! ونسوا ـ أو تناسوا ـ أن مقامها هو مقام النبي r ، ومقام خلفائه ونوّابهم ، وقد أُهين هذا المقام في هذا العصر ، فصار يعهد به كثيراً إلى أجهل النّاس ، وأقلّهم احتراماً في نفوس العوام فضلاً عن طلبة العلم و أهله .

فهؤلاء الخطباء ، شرّ فتنة ، وذنوبهم لا تحصى ، إلا إذا أمكن إحصاء تأثير خطبهم الضّارّ في الأُمّة ‍‍!! وأنّى يحصى ، وهو من الأمور المعنويّة التي لا تعرف بالعدّ والحساب !!

ومن سيّئات هؤلاء الخطباء ، وآفاتهم في الأُمّة : أنْ كانوا علّةً من عِلَلِ فقرها وضعفها ، في دينها ودنياها ، وضياع ممالكها من أيديها ، فهم أضرَ على المسلمين من الأعداء المحاربين ، ومن دعاة الضّلال الكافرين ، ومثلهم كمثل الطبيب الجاهل ، يقتل العليل ، وليس هذا محلّ شرح سيّئاتهم بالتفصيل ، ولكن لا بدّ من التنبيه إلى جملة من أخطاء الخطباء ، فنقول ، وعلى الله سبحانه الاعتماد و التكلان ، ومنه التّوفيق والسداد والإِحسان :

[3/61] * تطويل الخطبة وتقصير الصَّلاة : عن عمار بن ياسر قال : سمعتُ رسول الله r يقول : ((إنّ طول صلاة الرّجل ، وقصر خطبته ، مَئِنَّةٌ(2)مِنْ فِقْهِهِ ، فأطيلوا الصّلاة ، واقْصُروا الخطبة ، وإنَّ من البيان سحراً))(3).

وليس هذا الحديث مخالفاً للأحاديث المشهورة بتخفيف الصلاة ، لقول جابر بن سَمُرة رضي الله عنه : ((كنتُ أُصلّي مع رسول الله r ، فكانت صلاتُه قصداً ، وخطبته قصداً))(1).

لأن المراد بالحديث الذي نحن فيه : أن الصلاة تكون طويلة بالنّسبة إلى الخطبة ، لا تطويلاً يشق على المأمومين ، وهي حينئذ قصد ، أي معتدلة ، والخطبة قصد ، بالنّسبة إلى وضعها(2).

وإنما كان قصر الخطبة علامة على فقه الخطيب ، لأن الفقيه المطّلع على حقائق المعاني ،

وجوامع الألفاظ ، يتمكّن من التعبير بالعبارة الجزلة المفيدة ، ولذلك كان من تمام رواية هذا الحديث : ((فأطيلوا الصّلاة ، واقصروا الخطبة ، وإن من البيان لسحراً))(3).

وقد كان r يصلي الجمعة بسورتي ((الجمعة)) و ((المنافقون)) تارة ، وبـ ((سبح اسم ربك الأعلى)) و ((هل أتاك حديث الغاشية)) تارة أُخرى .

عن ابن أبي رافعٍ قال : استخلف مروان أبا هريرة على المدينة ، وخرج إلى مكّة ، فصلّى لنا أبو هريرة الجمعة ، فقرأ بعد سورة الجمعة في الرّكعة الآخرة : إذا جاءك المنافقون ـ وفي رواية : فقرأ بسورة الجمعة في السّجدة الأولى ، وفي الآخرة : إذا جاءك المنافقون ـ قال : فأدركتُ أبا هريرة حين انصرف ، فقلت له : إنك قرأت بسورتين ، كان عليّ بن أبي طالب يقرأ بهما في الكوفة . فقال أبو هريرة : إني سمعتُ رسول الله r يقرأ بهما يوم الجمعة(4) .

وعن النعمان بن بشير قال : كان رسول الله r يقرأ في العيدين وفي الجمعة : بـ ((سبح اسم ربّك الأعلى)) و ((هل أتاك حديث الغاشية)) . قال وإذا اجتمع العيد والجمعة ، في يومٍ واحدٍ ، يقرأ بهما أيضاً في الصّلاتين(5) .

[4/61] * أخطاء الخطباء القوليّة :

ولا يستحب أن يقرأ من كلّ سورة بعضها ، أو يقرأ إحداهما في الركعتين ، فإنّه خلافُ

السنّة ، وجُهَّال الأئمّة يُداومون على ذلك(1) .

تبيّن مما مضى : خطأ ما يفعله عوامّ الخطباء ، من إطالتهم الخطبة ، وتقصيرهم الصّلاة ، ويا ليتهم يطيلون الخطبة في أمور تناسب هذا المقام العظيم ، والارتقاء الكريم ، فيأمرون فيه بالمعروف ، وينهون فيه عن المنكر ويحذّرون من أحوال الموت ، ويوم المحشر ، فإن هذا المقام جدير أن يزهّد فيه الناس بالدنيا ، ويرغّب في الآخرة ، ويكثر فيه المواعظ المتظاهرة ، فهو أولى المقامات ، باجتناب البدع وأحراها بإظهار السنن لمتّبعيها(2) .

قال العزّ بن عبد السلام : ((ولا ينبغي للخطيب أن يذكر في الخطبة إلا ما يوافق مقاصدها

في الثّناء والدّعاء ، والترغيب والترهيب ، بذكر الوعد والوعيد ، وكل ما يحث على طاعة ، أو يزجر عن معصية ، وكذلك تلاوة القرآن ، وكان النبي r يخطب بسورة (ق) في كثير من الأوقات(4)، لاشتمالها على ذكر الله ، والثّناء عليه ، ثم على علمه بما توسوس به النفوس ، وبما تكتبه الملائكة على الإنسان من طاعة وعصيان ، ثم تذكر الموت وسكراته ثم تذكر القيامة وأهوالها ، والشهادة على الخلائق بأعمالها ، ثم تذكر الجنة والنار، ثم تذكر النّشور والخروج من القبور ، ثم بالوصيّة في الصلوات . فما خرج عن هذه المقاصد فهو مُبتَدَع ، ولا ينبغي أن يذكر فيها الخلفاء ولا الملوك ولا الأمراء(1)، لأن هذا موطن مختصّ بالله ورسوله ، بما يحث على طاعته ، ويزجر عن معصيته ) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا((2)، ولو حدث بالمسلمين حادثٌ ، فلا بأس بالتحدّث فيما يتعلّق بذلك الحادث ، مما حثّ الشّرع عليه ، وندب إليه ، كعدو يحضر ، ويحثّ الخطيب على جهاده ، والتأهّب للقائه . كذلك ما يحدث من الجدب ، الذي يستسقى لمثله ، فيدعوا الخطيب بكشفه ، وعلى الخطيب : اجتناب الألفاظ ، التي لا يعرفها إلا الخواص ، فإن المقصود نفع الحاضرين بالتّرغيب والترهيب ، وهذا من البدع القبيحة ، ونظير ذلك : أن يخطب للعرب بألفاظٍ أعجميّة ، لا يفهمونها ، والله أعلم))(3).

قال ابن القيم في هديه r في خطبة الجمعة : ((كان يعلّم أصحابه في خُطبته قواعد الإِسلام ، وشرائعه ، ويأمرهم ، وينهاهم في خطبته ، إذا عرض له أمر أو نهي))(4).

والحاصل : أن روح الخطبة : هو الموعظة الحسنة ، من قرآن أو غيره ، بأسلوب فيه بسط وإيضاح ، بعيد عن الإِشارات والرُّموز ، والسّجع المتكلّف .

والظّاهر من محافظته r في خطبة الجمعة على الأمر بتقوى الله ، والتحذير من غضبه ، والترغيب في موجبات رضاه ، وقراءة القرآن ، وجوب ذلك ، لأن فعله r بيان لما أجمل في آية الجمعة ، وقد قال r : ((صلوا كما رأيتموني أُصلي)) وقد ذهب إلى هذا الشافعي .

وقال بعضهم : مواظبته r دليل الوجوب ، قال في ((البدر التّمام)) : وهو الأظهر ، والله أعلم(1)، ووصف جابر بن سمرة خطبة النبي r ، وما كان موضوعها ومحتواها ، وأوجز ، قال رضي الله عنه : ((كانت لنبي r خطبتان ، يجلس بينهما ، يقرأ القرآن ، ويُذَكّرُ الناس))(2).


 

* ومن أخطاء الخطباء القوليّة :

* اشتغال الإمام بالدّعاء إذا صعد المنبر ، مستقبل القبلة ، قبل الإقبال على الناس والسلام عليهم(3)، وكذا قيامه عند أسفل المنبر يدعو .

قال شيخ الإسلام : ((دعاء الإِمام بعد صعوده المنبر ، لا أصل له))(4).

وقال النووي : يكره في الخطبة أُمور ، ابتدعها الجهلة ، منها : ... والدّعاء إذا انتهى صعوده قبل أن يجلس))(5).

* ترك الخطيب السّلام على الناس إذا خرج عليهم(6).

* إعراض الخطباء عن خطبة الحاجة ((إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، .. )) وعن قوله rفي خطبه : ((أما بعد ، فإن خير الكلام كلام الله ، ...))(7). ‍

* إعراضهم عن التذكير بسورة (ق) في خطبهم ، مع مواظبة النبي r عليه ، كما نبهنا إليه سابقاً .

* مواظبة الخطباء يوم الجمعة على قراءة حديث في آخر الخطبة دائماً ، كحديث : ((التّائب من الذّنب ، كمن لا ذنب له))(8).

* تسليم بعض الخطباء في هذا العصر بعد الفراغ من الخطبة الأولى(9).

* مبالغتهم في الإِسراع في الخطبة الثانية(1).

* جعل الخطبة الثانية عارية من الوعظ والإِرشاد والتّذكير والترغيب ، وتخصيصها بالصلاة على النبي r والدّعاء(2).

* تكلّف الخطيب رفع الصّوت بالصّلاة على النبي r فوق المعتاد في باقي الخطبة .

قال أبو شامة : ((وهو على مخالفة الشّريعة ، وموافق لمذهب العامّة في ذلك ، فإنهم يرون إزعاج الأعضاء ، يرفع الصّوت بالصلاة على النبي r ، وذلك جهل ، فإن الصلاة على النبي r ، إنما هي دعاء له ، وجميع الأدعية المأمور بها ، السنّة فيها الإسرار ، دون الجهر بها غالباً ، وحيث سنّ الجهر في بعضها لمصلحة ، كدعاء القنوت ، لم يكن برفع الصّوت ، فأما الصلاة على النبي r في الخطبة ، فلها حكم جميع ألفاظ الخطبة ، من الثناء على الله سبحانه وغيره . وكان النبي r ، يرفع صوته عند الموعظة ، لأنّها معظم المقصود من الخطبة ، وصفه الراوي بـ ((أنه كان كأنه مُنْذر جيش يقول : صبّحكم ومسّاكم))(3) .

وقد أُمرنا بالصلاة على النبي r في الصلاة ، ولم يشرع لنا الجهر ، وإن كانت الصّلاة جهريّة القراءة))(4) .

* صياح بعض الخطباء في أثناء الخطبة باسم الله أو أسماء بعض الصالحين ، والعياذ بالله تعالى(5) .

* التزام ختم الخطبة بقوله تعالى : ) إِنَّ آللَّهَ يَأْمـُرُ بِآلْْعَدْلِ وَآلإِحسان ((6) .

أو بقولهم : اذكروا الله يذكركم(7) .

* التزام ذكر الخطباء الخلفاء والملوك والسلاطين في الخطبة الثانية بالتنغيم(8) .

قال الإمام علي بن سلطان محمد القاري : ((وأصل هذا الفساد إنما وقع بين العباد ، بسآمة ترك السنة وفعل البدعة ، حيث اختار بعضُ السَّلاطين والأمراء أَنْ يُذكرَ اسمُه فوق المنبر على ألسنة الخطباء ، فقيل لهم : لم يُتصوّر ذلك إلا بأن يُذْكر الخلفاء الأربعة أوّلاً هناك ، ثم أحدث بنو أمية سبَّ عليّ ـ رضي الله عنه ـ وأتباعه في الخطبة مدة معينة ، إلى أن أظهر الله سبحانه عمر بن عبد العزيز ، وأعزّ الله الإسلام به انتهاءً ، كما أعزّه الله بعمر بن الخطاب ابتداءً ، فأظهر غاية العدالة ، ونهاية الرعاية في الرعية والجمالة .

فأوّل ما خطب عمر على هذا المنبر ، حَمِدَ الله سبحانه ، وأنثى وشكر ،ووعظ ونصح لمن اعتبر ، ثم لما وصل إلى موضع سب الخطباء لخاتم الخلفاء ، وحاتم الحنفاء ، قرأ هذه الآية : {إن الله يأمر بالعدل والإحسان } أوصيكم عباد الله بتقوى الله ، ونزل عن المنبر))(1) .

هذه بعض أخطاء الخطباء القوليّة ، التي يقومون بها بأنفسهم ، وهناك أخطاء يقوم بها غيرهم بين أيديهم ، أحببت أن أذكرها هنا ، وألحقها بأخطاء الخطباء ، إذ لولا سكوتهم عنها ، ما قام بها أصحابُها من العوام الجهال ، وشبه العوام ، الذين استداموا على أخطائهم فأوهموا المسلمين أن ما يقومون به من الشّرع ، وهو ليس منه فنقول وبالله التّوفيق :

من ذلك : ما يفعله المؤذّنون ، حال الخطبة من التّرضي ونحوه ، وكذا ما يكون منهم عند ذكر السلطان ، من قولهم بصوتٍ مرتفعٍ : آمين آمين ، نصره الله وأدامه ، وغير ذلك ، فهو بدعة سيّئة وحرام . وكذا قولهم بين يدي الخطيب إذا جلس من الخطبة الأولى : غفر الله لك ، ولوالديك ، ولنا ، ولوالدينا والحاضرين .... الخ .

وكذ جهرهم بحديث ((إذا قلت لصاحبك ... )) وتلاوة آية : ) إن الله وملائكته يصلّون على النبي ... (عند خروج الخطيب حتى يصل المنبر(2).

كل ذلك منكر ، يلزم إنكاره ، لأنه ذكر غير مشروع في وقت ، هو وقت الصّمت ، أو

التّفكّر القلبي للاتّعاظ ، فتقريق جمعية قلوب الحاضرين برفع الصّوت بذلك ، والجراءة على الجهر به في هذا الموضع الرّهيب ، لا يختلف فقيه في نكارته ، فذلك يلزم للخطيب ، ومَنْ قدر على إزالته أن ينهى عنه ، أسوة بكل منكر .

[5/61] * أخطاء الخطباء الفعليّة :

ومن أخطاء الخطباء الفعليّة في الخطبة أشياء ، فمن ذلك :

* تباطؤهم في الصعود على المنبر(1).

*الالتفات يميناً وشمالاً ، عند قوله : آمركم وأنهاكم ، وعند الصلاة على النبي r مع زيادة ارتقاء درجة من المنبر عند ذلك ، ثم نزوله عند الفراغ منها ، ولا أصل لشيء من ذلك ، بل السنّة الإقبال على الناس بوجهه من أوّل الخطبة إلى آخرها(2).

قال الإمام الشافعي : ((ويقبل ـ يعني الخطيب ـ بوجهه ، قصد وجهه ، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً))(3).

وقال الحافظ بن حجر : ((ونقل في ((شرح المهذب)) أن الالتفات يميناً وشمالاً مكروه اتّفاقاً))(4).

وقال الماوردي في ((الحاوي)) : ((ولا يفعل ما يفعله أئمة هذا الوقت من الالتفات يميناً وشمالاً ، في الصلاة على النبي r ليكون متّبعاً لسنّته ، آخذاً بحسن الأدب))(5).

* رفع الخطيب يديه عند الدّعاء .

عن حصين بن عبد الرحمن قال : رأى كمارة بن رؤيبة بِشْرَ بن مروان على المنبر ، وهو يدعو في يوم الجمعة رافعاً يديه ، فقال : قبَّح الله هاتين اليدين ، لقد رأيتُ رسول الله r وهو على المنبر ، ما يزيد على هذه ، يعني السّبابة التي تلي الإبهام(6).

هذا فيه ، أن السنّة أن لا يرفع اليد في الخطبة ، وهو قول مالك وأصحاب الشافعي وغيرهم(1).

وقول عمارة : ((قبح الله هاتين اليدين)) أي : اللتين يشير بهما بشر عند الخطبة ، ودعا بالتقبيح ، لأن هذه الإِشارة ، كانت على خلاف السنّة ، وما خالف السنّة فهو مردود مقبوح(2).

والمقصود في رفع اليدين ، الرفع الذي يكون عند الدّعاء ومخاطبة الناس في الخطبة للتنبيه ، كما هو عادة الخطباء والوعّاظ ، لا الرّفع الذي يكون عند التحريمة(3).

قال شيخ الإِسلام : ((ويكره للإمام رفع يديه حال الدّعاء في الخطبة ، لأن النبي r إنما كان يشير بأصبعه إذا دعا))(4).

وقال أبو شامة وتبعه السيوطي في رفع الأئمة أيديهم في الخطبة : ((وأما رفع أيديهم عند الدّعاء ، فبدعة قديمة))(5).

ونص ابن عابدين على كراهة ذلك ، يعني كراهة تحريم(6).

ومثّل اللكنوي على بدعة الضّلالة بفعل بشر بن مروان ، فقال : ((وكذلك : رفع اليدين للدعاء في خطبة الجمعة ، فعله بشر بن مروان ، وأنكره عليه عمارة))(7).

قال السفاريني الحنبلي : ((قال علماؤنا وغيرهم : يكزه للإِمام رفع يديه حال الدّعاء في الخطبة . قال المجد : هو بدعة . وفاقاً للمالكية ، والشافعية ، وغيرهم ، ولا بأس أن يشير بأصبعه فيها))(8).

ولهذا لم يستحب كثير من العلماء والمحدثين لمن كان يأمرهم برفع اليدين في خطبة الجمعة ، فقد روى أبو زرعة الدمشقي في ((تاريخه)) : (1/603 ـ 604) رقم (1712) بسنده الصحيح إلى حبيب بن عبيد قال : إن عبد الملك سأل غضيف بن الحارث الثمالي أن يرفع يديه على المنبر ، فقال : أما أنا فلا أُجيبك إليها . وروى أبو زرعة في ((تاريخه)) برقم (1713) وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) : (5/244/أ ـ ب) عن ابن جابر قال : أمر عبد الملك أبا إدريس الخولاني أن يرفع يديه ، فأبى . ومن الجدير بالذكر هنا أمور :

أولاً : إن أول من رفع يديه في الجمعة عبيد الله بن معمر ، كما في ((تعجيل المنفعة)) : (274) .

ثانياً :إن هذا المنع من رفع اليدين في الدعاء هو في حال الخطبة خاصة، فلا معنى للتمسك به في منع رفع اليدين في الدعاء عامة ، مع ثبوت الأخبار بمشروعيتها (1).

ثالثاً : إن حديث عمارة السابق ليس على إطلاقه ، ولكنه مقيد حال الاستسقاء في الخطبة

يوم الجمعة .

أخرج البخاري في ((صحيحه)) : (2/413) رقم (933) وغيره عن أنس بن مالك قال : ((أصابت النّاسَ سنةٌ على عهد النبي r ، فبينا النبيُّ r يخطبُ في يوم الجمعة ، قام أعرابي فقال : يا رسول الله ! هلك المال ، وجاع العيال ، فادعُ الله لنا . فرفع يديه ـ وما نرى في السماء قَزَعةً ـ ، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السّحابُ أمثال الجبال ، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادرُ على لحيته r ، ... )) .

ومن أخطاء المصلّين في هذا المقام : رفعهم أيديهم تأمبناً على دعاء الإِمام ، وذكر ابن عابدين أنهم إذا فعلوا ذلك أثموا على الصحيح(2).

وكذلك رفع أيديهم عند جلوس الإِمام بين الخطبتين ، عند قوله في آخر الخطبة الأولى : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإِجابة .

ومداومة الخطيب على هذه المقولة أمر غير مشروع ، وإن عليها رفع أصوات المأمونين بالذّكر ، فهو محرّم .

قال الدردير : ((ومن البدع المذمومة : أن يقول الخطيب الجهول ، في آخر الخطبة الأولى : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإِجابة ، ثم يجلس ، فتسمع من الجالسين ضجّة عظيمة)) .

وعلق الصاوي على قوله : ((الخطيب الجهول)) بما نصّه : ((الجهول : صيغة مبالغة ، لأن جهله مركّب ، لزعمه أنه يأمر بالمعروف ، وهو يأمر بالمنكر ، لأن أصل قراءة الحديث(1)لم يكن مأموراً بها في الخطبة ، فهو من البدع ، والإِنصات ولو بين الخطبتين واجب ، ورفع الأصوات الكثيرة ، ولو بالذّكر حرام ، فهذا الخطيب ، ضلّ في نفسه ، وأضلّ غيره))(2).

ومن هذا الباب : ضجيج المأمونين ، عند انهاء الخطيب خطبته بقوله : اذكروا الله يذكركم ، ونحو هذا ، كما سبقت الإِشارة إليه .

قال محمد رشيد رضا : ((أما رفع اليدين والأصوات بالدّعاء عند جلوس الخطيب بين الخطبتين ، فلا نعرف له سنّةً تؤيّدهُ ، ولا بأس به ، لولا التّشويش وأنّهم جعلوه سنّةً متَّبعةً بغير دليل . والمأثور طلب السكوت للسّماع ، ولكن يدعو خفية لا يؤذي غيره بدعائه ، ولا يرفع كلّ الناس أيديهم ، فيكون ذلك شعاراً من شعار الجمعة بغير هداية من السنّة فيه ، بل إنهم يخالفون صريح السنّة إذ يقوم الإمام ويشرع في الخطبة الثّانية وهم مستمرون على دعائهم ، فأولى لهم سماعٌ وتدبُّرٌ وقت الخطبة ، وفِكْرٌ وتأثّرٌ وقت الاستراحة ، وأهون فعلهم هذا أن يكون بدعة مكروهة، والله أعلم))(3).

[6/61] * أخطاء الخطباء في صلاة الجمعة .

ومن الأخطاء الخاصّة في صلاة الجمعة ، عدا تقصير الصّلاة ، الذي أشرنا إليه سابقاً ، أمور ، منها :

* دخول الإمام في الصلاة قبل استواء الصفوف(4).

* المبلِّغ الذي لا حاجة له ، لوصول الصوت لجميع المأمونين : التبليغ في الصلاة ، هو :رفع المؤذّنين أصواتهم بالتكبير للإحرام وأذكار الانتقال لإِعلام من لم يسمع صوت الإِمام . وله أصل في السنة بما كان من صلاة رسول الله r ، في مرض موته ، آخر جماعة ، إذ صلى قاعداً ، وأبو بكر ـ رضي الله عنه ـ يبلّغهم تكبيره .

وقد صرّح علماء المذاهب المشهورة بجواز التبليغ ، إذا احتيج إليه ، فإن لم يحتج إليه ، كان بدعةً منكرة . على أن للمؤذّنين فيه بدعاً كثيرة ، خصوصاً يوم الجمعة : كفعل المؤذّنين في المسجد الأموي له جماعة ، ورفعهم أصواتهم أكثر مما ينبغي ، متحرين فيها حسن النّغم ، وإطالتهم المدّ ، حتى يضطر الإِمام إلى انتظارهم أو سبقهم ، فينتقل إلى السّجدة الثّانية قبل فراغهم من تكبير السجدة الأولى مثلاً(1).

قال ابن عابدين معدِّداً أخطاء المبلّغين : ((ومن ذلك رفع الصّوت ، زيادة على قدر الحاجة ، بل قد يكون المقتدون قليلين ، يكتفون بصوت الإِمام ، فيرفع المبلّغ صوته ، يسمعه مَنْ هو خارج المسجد ، وقد صرّح في ((السّراج)) بأن الإمام إذا جهر فوق حاجة الناس ، فقد أساء))(2).

قال الأعمش معلقاً على ما جاء في صلاة الرسول r في مرض موته : ((والناس يصلون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه)) يعني : أنه كان يسمع الناس تكبيره r .

وفي ((الدارية)) : وبه يعرف جواز رفع المؤذنين أصواتهم في الجمعة والعيدين وغيرهما .

انتهى .

وعقب عليه ابن الهمام بقوله : ((ليس مقصوده خصوص الرفع الكائن في زماننا ، بل أصل الرفع لإِبلاغ الانتقالات ، أما خصوص هذا الذي تعارفوه في هذه البلاد ، فلا يبعد أنه مفسد ، فإنه غالباً يشتمل على مد الهمزة (الله) أو (أكبر) أو بائه ، وذلك مفسد ، وإن لم يشتمل ، فلأنهم يبالغون في الصّياح زيادة على حالة الإِبلاغ و الاشتغال بتحريرات النغم إظهاراً للصناعة النغمية لا إقامة للعبادة))(3)ثم قال معلقاً على التّنغيم : ((ولا أرى ذلك يصدر ممن فهم معنى الصّلاة والدّعاء ، كما لا أرى تحرير النغم في الدّعاء ، كما يفعله القراء في هذا الزّمان يصدر ممن فهم معنى الدعاء والسؤال ، وما ذلك إلا نوع لعب ، فإنه لو قدّر في الشاهد : سائل حاجة من مَلِكٍ أدّى سؤاله وطلبه ، تحرير النغم فيه من الرفع والخفض ، والتغريب والرجوع ، كالتغني ، نسب البتة إلى السخرية واللعب ، إذ مقام طلب الحاجة التضرّع لا التغني))(4) .

فكيف بمن لا حاجة له أصلاً !! خصوصاً مع وجود مكبّرات الصّوت هذه الأيّام .

وفي ((السيرة الحلبية)) : اتفق الأئمة الأربعة على أن التبليغ حينئذ ـ أي عند عدم الحاجة إليه ـ بدعة منكرة ، أي مكروهة ، وأما عند الاحتياج إليه فمستحب .

وكم من مسجد ، يكفيه صوت الإِمام ، ومع ذلك فترى وراءهُ مبلّغاً ، يزعج النّاس بصوته ، ويشوش عليهم بصيحته ، وقد قرأتَ ما قال العلماء فيه ، فليكن المبلغ على حذرٍ من التعرّض ، لإِفساد عبادته ، من حيث لا يعلم ، أو يعلم ولا يعمل(1).

[7/61] * صلاة الظّهر بعد الجمعة .

لا تجوز صلاة الظهر بعد صلاة الجمعة ، إذ من المعلوم في دين الإسلام بالضرورة : أن الله ـ تعالى ـ لم يفرض على عباده صلاتي فريضة في وقت واحدٍ ، فمن كان في مكان فيه مسجد ، تقام فيه الجمعة ، يجب عليه أن يصلّيها مع الجماعة ، إلا إذا كان يعتقد أن صلاة الجمعة فيها باطلة شرعاً ، لفَقْد بعض شروطها ، وحينئذ لا يجوز له أن يصلّيها ،لأنه شروع في عبادةٍ باطلة ، غير مشروعة في اعتقاده ، وإن كان مخطئاً ، وهو عصيان لله تعالى ، وإذا عصى وصلاها معتقداً بطلانها ، تبقى صلاة الظهر متعلّقة بذمّته ، فعليه أن يصلّيها ، وليس له أن يقيم مع غيره جماعة أخرى ، لأنه تفريق بين هؤلاء ، وبين إخوانهم المسلمين ، الذي أقاموا الجمعة قبلهم .

وأما إذا صلاها معتقداً صحتها ، فلا يجوز له أن يصلي بعدها ظهراً ، لا منفرداً ولا جماعة ، لأنه يكون بهذا مخالفاً للمعلوم من الدّين بالضرورة ، وهو قطعي ، بظنّ بعض الفقهاء !!

ولم ينقل لنا أن أحداً من الصحابة ، أو علماء السّلف المجتهدين ، صلى الظهر بعد الجمعة . وقد جاء الشّافعيُّ بغداد ، وفيها عدّة مساجد ، ولم ينقل عنه أنه كان يصلّي الظهر ، بعد الجمعة ، ولو فعل لم يكن فعلُه شرعاً يتّبع .

ولا يتوهمن الذين يصلّون الظهر بعد الجمعة ، أن الخطب في ذلك سهل ، لأنه زيادة في الخير ، الذي هو الصلاة ، فإن فيه خطراً عظيماً ، من حيث أنه شرع عبادة ، لم يأذن بها الله والشارع هو الله سبحانه ، فمن أحدث في الشّرع شيئاً ، فقد جعل نفسه شريكاً لله في ألوهيته أو ربوبيته ، ومَنْ وافقه فقد اتّخذه شريكاً ، كما قال تعالى :

{أَمْ لَهُمْ شُرَكَآؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِنَ اْلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اْللَّهُ}(1).

وقد بيّن رسول الله r معنى اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله بـ((أنهم لم يكونوا يعبدونهم ، ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئاً ، استحلّوه ، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرّموه))(2) .

وهم ما كانوا يضعون تلك الأحكام ، إلا بمثل الشبهات ، التي حدثت بها البدع الدينية في الإسلام ، من حيث إنها زيادة في الخير أو العبادة .

كتب البُجَيْرَمي على قول الشيخ زكريا الأنصاري في ((المنهج)) : ((وألا يسبقها بتحرم ، ولا يقارنها فيه جمعة بمحلها ، إلا إنْ كثر أهله ، وعسر اجْتماعهم بمكان)) ما نصه :

((أي كثروا ، بحيث يعسر اجتماعهم ، أي بأن يحصل لهم مشقة من الاجتماع لا يحتمل ، أي : اجتماع مَنْ يجوز له حضور الجمعة ، وإنْ لم تلزمه ، فيدخل فيه الأرقاء والصّبيان والنّساء . فعلى هذا القول يكون التعدد في مصر كله لحاجة فلا تجب الظهر حينئذ ،كما نقل عن ابن عبد الحق))(3).

ومَنْ قال مِنَ المتأخرين : إنه يسن إقامة ظهر بعد الجمعة !! خروجاً مَنْ خلاف مَنْ يمنع التعدد مطلقاً ، فقوله غير صحيح .

والحاصل أن المنع من جمعتين في مصر واحد ، إن كان لأن : مِنْ شرط صلاة الجمعة ، أن لا يقع مثلها في موضعٍ واحدٍ ، أو أكثر ، فمن أين هذا ؟‍‍‍‍‍‍‍! وما الذي دلّ عليه ؟‍‍‍‍‍!

فإنْ قُلْتَ : حديث ((الجمعة لمن سبق))

قلتُ : هذا ليس بحديث ، ولا أصل له من السنة ، وإنما هو رأى لبعض متأخري الشافعية ، ظنّة مَنْ لا علم عنده حديثاً نبويّاً(4)!

فإنْ قُلْتَ : إن النبي r لم يأذن بإقامة جمعة غير جمعتة في المدينة ، وما كان يتصل بها من القرى .

قلت : هذا لا يصح الاستدلال به على الشرطية المقتضية للبطلان ، بل ولا على الوجوب ، الذي هو دونها .

وعلى فرض صحة الكلام السابق : يستلزم أن يكون الحكم هكذا في سائر الصلوات الخمس ، فلا تصح الصلاة جماعة في موضع لم يأذن النبي r بإقامة الجماعة فيه ، وهذا مِنْ أبطل الباطلات .

وإن كان الحكم ببطلان المتأخّرة من الجمعتين ، إنْ عُلِمَتْ ـ وكلتاهما مع اللبس ـ لأجل حدوث مانع ، فما هو ؟ فإن الأصل صحة الأحكام التعبديّه في كل مكان وزمان ، إلا أن يدل الدليل على المنع ، وليس ههنا من ذلك شيء البتة(1) .

نعم ، تعدد الجمعة بدون ضرورة خلاف السنّة ، فيبغي الحيلولة دون تكثير الجمع، والحرص على توحيدها ما أمكن ، وبذلك تتحقق الحكمة من مشروعية صلاة الجمعة وفوائدها أتم تحقق ، ويقضى على التفرّق الحاصل بسبب إقامتها في كل المساجد : كبيرها وصغيرها ، حتى إن بعضها ليكاد يكون متلاصقاً ، الأمر الذى لا يمكن أن يقول بجوازه مَنْ شمّ رائحة الفقه الصحيح(2).

وذكر صاحب ((المبدع)) أنه لا خلاف في منع إقامة الجمعة والعيد بأكثر من موضع من البلد لغير حاجة إلا عن عطاء(3) .

قال السبكي : ((تعدد صلاة الجمعة عند عدم الحاجة : منكر ، معروف بالضّرورة في دين الإسلام))(4). .

وقد انتهى القاسمي في مبحث له بعنوان ((خروج الجمعة عن موضوعها بكثرة تعددها)) إلى أنه ينبغي ((أن يترك التجميع في كل مسجدٍ صغير ، سواء كان بين البيوت أم في الشوارع ، وفي كل مسجد كبير أيضاً ، يستغنى عنه بغيره ، وأن ينضمّ كلُّ أهل محلّة كبرى إلى جامعها الأكبر ، ولنفرض كل محلّة كبرى كقرية على حدة ، فيستغنى بذلك عن كثير من زوائد المساجد ، ويظهر الشّعار في تلك الجوامع الجامعة في أبدع حال ، فيخرج من عهدة التعدد))(5) .

وعلق عليه الألباني بقوله : ((وهذا هو الحق ، الذي يفهمه كلُّ مَنْ تفقّه بالسنّة ، وتأمل في واقع الجمعة والجماعة في عهد النبي r ))(1) .

وخلاصة القول وصفوته : أنّ مسند القائلين بإعادة الظهر بعد الجمعة ، حديث لا أصل له من السنّة ، وزادوا عليه شروطاً اشترطوها بلا دليل ولا شبهة دليل .

فيا أيها المسلمون : لا تغلوا في دينكم ، وإن لكم في الفرائض والمندوبات الثّابتة في الكتاب والسنّة ، بالنّص الصّريح ، غنية عن سواها ، وقد قال النبي r في الأعرابي الذي حلف أنه لا يزيد عن المكتوبات الخمس ، وسائر الفرائض من أركان الإِسلام ، ولا ينقص : ((أفلح إنْ صدق)) و ((دخل الجنة إن صدق)) .

ويا ليت السواد الأعظم من المسلمين ، يأتون جميع الفرائض القطعيّة ، ويتركون المحرَّمات ، وفي النوافل المشروعة ما يستغرق العمر(2).


 

[62] * أخطاء المصلّين في سنّة الجمعة البعديّة :

عن عمر بن عطاء أبي الخُوار : أن نافع بن جُبير أرسله إلى السائب ـ ابن أُختِ نَمر ـ يسأله عن شيء رآه منه معاويةُ في الصّلاة ، فقال : نعم ، صليت الجمعة في المقصورة(3) ، فلما سلَّم الإمامُ قمتُ في مقامي ، فصلَّيتُ ، فلما دخل أرسل إليَّ ، فقال : لا تَعُدْ لما فَعَلْتَ ، إذا صلَّيتَ الجمعة فلا تَصِلْهَا بصلاةٍ حتى تكلَّم أو تخرج ، فإن رسول الله r أمرنا بذلك ، أن لا تُوصَلَ صلاةً بصلاةٍ حتى نتكلم أو نخرج(1) .

ووصف عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ تطوُّع رسول الله r ، قال : فكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف , فيصلِّي ركعتين في بيته(2) .

ففي هذين الحدثين :

[1/62] الحثّ على الفصل بين الفرض النّفل ، وعدم صلاتهما عقب بعضها البعض ، حتى لو كان الكلام أو الحركة من المكان ، هو الفاصل بينهما .

وأفضل الحركة : التحوّل إلى البيت ، إذ كان هذا هو هدي النبي r .

عن نافع أن ابن عمر رأى رجلاً يصلّي ركعتين يوم الجمعة في مقامه ـ أي : في المقام الذي صلى به صلاة الجمعة ـ فدفعه ، وقال : أتصلّي الجمعة أربعاً(3) ؟! .

وقد جاء الحثّ على صلاة النّوافل في البيوت في غير حديث من مثل :

عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال رسول الله r : إذا قضى أحدُكم الصّلاة في مسجده ، فليجعل لبيته نصيباً من صلاته ، فإن الله جاعلُ في بيته من صلاته خيراً(4) .

وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله r : ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ، ولا تتّخذوها قبوراً))(5) .

معنى الحديث : صلوا فيها ، ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصّلاة ، والمراد به : صلاة النّافلة .

وعن عبد الله بن سعد رضي الله عنه قال : سألتُ رسول الله r :أيُّما أفضل الصّلاة في

المسجد ؟ قال : ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد ! فلأنْ أصلى في بيتي أحبُّ إليّ من أن أُصلي في المسجد ، إلا أن تكون صلاةً مكتوبة(1) .

وقد وقع التصريح بهذا في رواية من روايات حديث زيد بن ثابت الصحيح ، فوقع في ((سنن أبي داود)) بإسنادٍ صحيح : ((صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا ، إلا المكتوبة))(2) .

والمقصود من سردنا للأحاديث السابقة :

أن ندلّل أن هدي النبي r ، فعْلُ عامة السّنن والتطوّع في بيته .

وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ((والسنة أن يفصل بين الفرض والنّفل في الجمعة وغيرها ، كما ثبت في ((الصحيح)) عنه أنه r نهى أن توصل صلاة بصلاة ، حتى يفصل بينهما بقيامٍ أو كلام فلا تفعل ما يفعله كثير من الناس يَصِلُ السّلام بركعتي السنة ، فإن في هذا ارتكاباً لنهي النبي r ، وفي هذا من الحكمة : التمييز بين الفرض وغير الفرض ، كما يميز بين العبادة وغير العبادة ، ولهذا استحب تعجيل الفطور وتأخير السحور ، والأكل يوم الفطر قبل الصلاة ، ونهى عن استقبال رمضان بيوم أو يومين .

فهذا كله للفصل بين المأمور به من الصيام ، وغير المأمور به ، والفصل بين العبادة وغيرها . وهكذا تمييز الجمعة التي أوجبها الله من غيرها ، وأيضاً كثير من أهل البدع ـ كالرافضة وغيرهم ـ لا ينوون الجمعة ، بل ينوون الظهر ، ويظهرون أنهم سلّموا وما سلّموا ، فَيُصَلُّون ظهراً ، وظنّ ظان أنهم يصلون السنة . فإذا حصل تمييز بين الفرض والنفل ؛ كان في هذا منع لهذه البدعة ، وهذا له نظائر كثيرة ، والله سبحانه أعلم))(3) .

[2/62] وتجدر الإِشارة هنا إلى أنّ القائلين بالتّفصيل في سنة الجمعة البعدية : إنْ صلّى في المسجد أربعاً ، وإنْ صلى في بيته صلى ركعتين ، لا دليل عليه ، والصحيح : الحديث المعروف الذي في ((الصحيحين)) : ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) .

فإذا صلى بعد الجمعة ركعتين أو أربعاً في المسجد جاز ، أو في البيت فهو أفضل ، لهذا الحديث الصحيح(1) .


 


 


 


 


 


 

الفصل السّابع


 

جماع أخطاء المصلّين في صلوات خاصّة وصلاة أهل الأعذار

وأُمور أُخرى متفرّقة


 


 

* أخطاء المصلّين في صلاة الاستخارة .

* أخطاء المصلّين في صلاة العيدين .

* أخطاء المصلّين في الجمع بين الصّلاتين في الحضر .

* أخطاء المصلّين في صلاتهم في السَّفر .

* نفي بعضهم مشروعية صلاة الخوف وسجود الشكر وترك صلاة الكسوف .

* التّنبيه على صلوات خاصّة موضوعة ، وعلى أحاديث مشتهرة غير صحيحة

في الصّلاة .


 


 


 


 


 


 


 

[ 63 ] * أخطاء المصلّين في صلاة الاستخارة :

لم يطلب الشّرع ممن صلّى الاستخارة شيئاً ، كي يفعل ما عزم عليه أو يتركه ، سوى الصّلاة والدّعاء المأثور . والشّأن في ذلك ، شأن أي دعاء يدعو به المسلم .

ومن هنا : قرر العلماء ، أنه يفعل ما ينشرح له صدره بدون توقّف على رؤيا منام ولا أن يلجأ لأحدٍ ، يدعو له بها ، وإنما هي دعاء ، بأن يختار الله له من الأمـر الخيـر ، فيمضي فيه ، إنْ شرح اللهُ له صدرَه ، فإن تيسّر كان الخيرُ في ذلك ، ورضي وفرح ، وإن لم يُقضَ علم أن الخير في ذلـك أيضاً ، ورضي به ، وسيحمد عاقبته (1).

[ 1/63 ] ومن الخطأ الشائع عند بعض النّاس :

أنّ الاستخارة لا تكون معتبرةً إلا إذا دعا بها بعضُ النّاس ، وأنّه لابُدّ فيها من الرؤيا المنامية ، فهذا غلوُّ وجمود ، لم يأمر به الله ، ولا هدت إليه سنّةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما نشأ عن التكلّف الذي لا ينبغي للمسلمين فعله ، حتى جرّهم ذلك إلى أن عطّلوا سنّةً عظيمةً من سنن النبي صلى الله عليه وسلم ، وحرموا أنفسهم مثوبة هذه السنّة وبركاتها ، والتعرّض لنفحاتها .

فهيا ـ أخي المسلم ـ استخر ربّك في أُمورك ، بهدك ، وافزع إليـه واسترشده ، يرشدك ، وقد يسَّر لك استخارته وسهلها ، فادع بها عقب السّنن والنّوافل ، أو اركع ركعتين لأجلها ، تزدد مثوبة وقربى .

ولا تلتفت إلى ما اعتاده النّاس من التّشدد أو الاتّكال على غيرهم فيها ، واعتصم بسنّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، يصلح أمرك ، وتفلح في دنياك وآخرتك ، فطوبى لمن عمل بها ، وأحياها في النّاس (2).

[ 2/63 ] وافعل ـ أخي المسلم ـ ما ينشرح صدرُك له بعد الاستخارة ، وإيّاك
أن تعتمد على انشراحٍ كان لك فيه هوى قبلها بل ينبغي لك ترك اختيارك هذا رأساً ، وإلا فلا تكون مستخير الله ، بل تكون ـ والعياذ بالله ـ مستخير هواك .

وعليك أن تكون صادقاً في طلب الخيرة وفي التبري من العلم والقدرة ، وإثباتهما لله تعالى


 

، فإذا صدقت في ذلك ، تبرّأتَ من الحول والقوّة . ومن اختيارك لنفسك (1) .

هــذا ، وقد جهل كثير من الناس الاستخارة الشرعية ، المرغّب فيها ، وهجروها ، وابتدعوا لها أنواعاً كثيرة ، لم يرد شيء منها في الكتاب ، ولا في السنّة ، ولم تنقل عن أحد من السّلف الصّالح ، وعكفوا على هذه المحدثات التي أُلصقت بالدّين ، ولو قدر لعاقل أن ينكر عليهم ، سالكاً طريق الرسول صلى الله عليه وسلم ، سلقوه بألسنٍة حداد ، واعتبروه خارجاً على الدّين، بل عدّوه متنطّعاً مشدداً جامداً ـ زعموا ـ فلا حول ولا قوة إلا بالله .

ومن هذه الاستخارات المبتدعة :

[ 3/63 ] ما قدمنا من اشتراط الـرؤيا المنـاميّة ، كأن يشترط فيها : أن يرى المستخيرُ في منامه ما نواه أو يرى خضرة أو بياضاً ، إن كان ما يقصده خيراً . ويرى حمرةً أو سواداً إن كان ما يقصده لا خير فيه . ومنها :

[4/63] استخارة السبحة ، يعملها صاحب الحاجة أو تعمل له ، وطريقتها : أن يأخذ الشخص مسبحة فيتمتم عليها بحاجته ، ثم يحصر بعض حباًتهاْ بين يديه ، ويعدّها ، فإن كانت فرديّة عدل عما نواه . وإن كانت زوجية ، اعتبر ما نواه خيراً ، وسار فيه .

ولعمري ، ما الفرق بين هذه الطريقة ، وما كان يتّبع في الجاهليّة الأُولى ، من إطلاق الطّير في الجوّ ، وهو ما سمّاه الشّرع بالطّيَرةِ ، ونهى عنها . ومنها :

[ 5/63] استخارة الفنجان ، يعملها عادة غيرُ صاحب الحاجة ، ويقوم بعملها رجل أو امرأة ، وطريقتها : أن يشرب صاحبُ الحاجة القهوة المقدّمة إليه ، ثم يكفئ الفنجان ، وبعد قليل ، يقدّمه لقارئه ، فينظر فيه ، بعد أن أحدثت فضلاتُ القهوة به رسوماً وأشكالاً مختلفة ، شأنها في ذلك شأن كل راسب في أيّ إناء إذا انكفأ ، فيتخيّّّّّل ما يريد ، ثم يأخذ في سرد حـكايات كثيرة لصاحب الحاجة ، فلا يقوم من عنده إلا وقد امتلأت رأسُه بهذه الأسطورة !‍‍‍‍‍‍ ومنها .

[ 6/63] استخارة المندل ، وطريقته : أن يوضع الفنجان مملوءاً ماء على كفّ شخص مخصوص في كفّه تقاطيع مخصوصة ، ويكون ذلك في يومٍ معلومٍ من أيام الأسبوع ، ثم يأخذ صاحب المندل ( العرّاف ) في الّتعزيم والهمهمة بكلامٍ غير مفهوم ، وينادي بعض الجنّ ، ليأتوا

بالمتّهم السّارق ! ومنها :

[7/63] استخارة الرّمل ، وطريقتها : أن يخطط الشّخصُ في الرّمل خـطوطاً متقطّعة ، ثم يعدّها بطريقةٍ حسابيّةٍ معروفةٍ لـديهم ، فينتهي منها إلى استخراج برج الشخص ، فيكشف عنه في كتاب استحضره لهذا الغرض ، فيسرد عليه حياته الماضية والمستقبلة بزعمه ، وهذا الكلام بعينه الذي قيل له ، يُقال لغيره ، مادام برجاهما قد اتّفقا . ومنها :

[8/63] استخارة الكفّ ، وهي لا تخرج عما مضى ، فيعمل قارىء الكف مستعملاً قوّة فراسته ، مستعيناً ـ بزعمه ـ باختلاف خطوط باطن الكفّ ، على سرد حياة الشخص المستقبليّة ! ولا شك عند العقلاء أن جميع هذه الطرق من نوع العرافة المنهي عنها ، وقد ذكر العلماء أن تصديق العرّاف والكاهن والمنجّم من الكبائر (1).

وقد قال صلى الله عليه وسلم في النهي عن ذلك : من أتى عرّافاً أو كاهناً فصدّقه بما يقول : فقد كفر بمـا أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم (2) .

وقال صلى الله عليه وسلم : من أتى عرّافاً فسأله عن شيء ، لم تُقبلْ له صلاة أربعين يوماً (3).

ولا أدري بعد ذلـك ، كيف يعكف النّـاسُ على أمثال تلك التّرهـات والخزعبلات والأباطيل ، معرضين عن هدي المعصوم صلى الله عليه وسلم وما جاء به ؟‍‍!


 

[64]* أخطاء المصلّين في صلاة العيدين :

النّاس في فهم العيد صنفان :

صنف لا يفهمـون منه إلا بـطالة ؟، يأخذ النّاسُ فيها نصيبهم ، من اللهو واللعب ، والمتعة بطيب الطّعام وحسن الثّياب ، وهؤلاء تراهم ، يدّخرون للعيد ويعدّون له العدّة ، قبل حلوله بأشهر .

وصنف يفهم في العيد ما هو أسمى من ذلك وارفع وأجلّ .

فأما الصّنف الأول : فإذا لم يواتهم الزّمان ، في إقامة العيد ، على ما اشتهوا وفهموا من

العيد ، لم يعدّوا العيدّ عيداً ، بل يزدادوا حزناً وحسرةً و ألماً.

أما الصّنف الثّاني : فإن العيد عندهم ، عيد على كلّ حال ، إذ كان معنى العيد عندهم هو : ما لحظة الدّينُ فيه ، وهذا مـوجودٌ في حـالتي الشدّة والـرّخاء ، والسرّاء والضّراء ، والمؤمن مغتبط وراض وصابر في الشدّة والبلاء ، لأنه يؤمن بأن ما أصابه في حظّه من الدّنيا ، ليس بمصيبةٍ على الحقيقة . وعنده أن المصيبة إنما هي في الدّين ، ودين المؤمن سالم ما دام مؤمناً ، ولأن المؤمن يعتقد أنّ ما أصابه إنما هـو : بقضاء الله وقدره ، وإنه لراض بذلك ، ومفوّض أمره إلى الله ، ومؤمل خيراً في العاقبة ، وراج ثواباً على صبره في الآخرة .

[1/64] وليس في الإسلام سوى عيدين ، هما : عيد الفطر وعيد الأضحى وقد ابتلى المسلمون باتّخاذ كثير من أعياد زمـانية ومكانية مـا أنزل الله بهـا من سلطان . فأما الزّمانيّة فكثيرة ،

منها : يوم المولد النبوي وليلة المعراج وليلة النّصف من شعبان ، ومنها : ما يجعل لميلاد صالح أو مَنْ يظنّ صلاحه ، ومنها : ما يجعل لولاية بعض الملوك ، ويسمى (عيد الجلوس) وهو مأخوذ من ( عيد النيروز ) عند العجم . ومنها : ما يجعل لثورة المنازعين للملوك وانتصار بعضهم على بعض ، وهو مأخوذ من ( عيد المهرجان ) عند العجم .

ومن الأعياد المبتدعة أيضاً : عيد الجلاء وعيد الاستقلال ، إلى غير ذلك من الأعياد المبتدعة (1) لأيّـام السّرور والأفراح ، مما لم يأذن به الله .

وأما المكانيّة : فهي ما أحدثه الهمج الـرّعاع من الاجتمـاعات عند القبور ، واعتياد المجيء

إليها ، إما مطلقاً ، وإما في أوقاتٍ مخصوصة ، ولا سيما ما يفعل عند القبر المنسوب إلى البدوي بمصر ، وعند القبر المنسوب إلى الحسين بكربلاء ، وعند قبر الشيخ عبد القادر الجيلاني ببغداد .

فكل واحد من هذه القبور الثّلاثة قد جعله أشباهُ الأنعام عيداً لهم ، يضاهئون به ما شرعه الله للحنفاء من الاجتماع عند الكعبة وفي عرفات ومزدلفة ومنى في أيّـام الحج . والقبور التي قد افتتن بها الضّلالُ ، واتّخذوها أعياداً ، أكثر من أن تحصر ، ولا حاجة إلى ذكرها وتعدادها ، إذ لا

فائدة في ذلك ، وإنما المقصود ههنا التحذير من مشابهة المشركين في أعيادهم الزّمانية والمكانيّة (1) .

وبعد :

[2/64] فالمنكرات في حياة المسلمين في الأعياد كثيرة ، وقسم منها موجود في حياتهم في غير العيد ، ولكنها تكثر وتزداد في الأعياد ، من مثل : التزين بحلق اللحية ، ومصافحة النّساء الأجنبيات (غير المحرّمات حرمة مؤبّدة) ، وتبرج النساء وخروجهن إلى الأسواق وغيرها ، والتشبه بالكفار والغربيين في الملابس(2) واستماع المعازف وغيرها ، وتخصيص زيارة القبور يوم العيد ، وتوزيع الحلويات والمأكولات فيها ، والجلوس على القبور ، والاختلاط ، والسّفور الماجن ، والنّياحة على الأموات ، والدّخول على النّساء غير المحارم ، والإسراف والتّبذير بما لا طائل تحته، ولا مصلحة فيه ، وغيرها من المنكرات (3).

والذي يهمّنا منها في مبحثنا هذا ، ما يتعلّق بالصّلاة ، حيث يفعلها أصحابُها بدعوى التقرّب إلى الله ! ويمكن أن نحصر أخطاء المصلّين في صلاة العيدين بالنّقاط التّالية :

[3/64] * تساهل بعضهم فيها ، والقول بسنيّتها ، وترك صلاتها في المصلّى .

قال الشوكاني : اعلم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لازم هذه الصّلاة في العيدين ، ولم يتركها في عيدٍ من الأعياد ، وأمر الناس بالخـروج إليها ، حتى أمـر بخروج النّساء العواتق وذوات الخدور والحيَّض . وأمر الحيَّض أن يعتـزلن الصّلاة ، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين ، حتى أمر مَنْ لا جلباب لها أن تلبسها صاحبتُها من جلبابها ، وهذا كله يدلّ على أن هذه الصَّلاة واجبةٌ وجوباً مؤكّداً على الأعيان لا على الكفاية (4) .

قلت : يشير الشوكاني ـ رحمه الله تعالى ـ إلى حديث أم عطيّة ـ رضي الله عنها ـ قالت : أمرنا رسول صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى : العواتق والحيَّض وذوات الخدور ، فأما الحيض فيعتزلن الصّلاة . وفي لفظ : المصلّى ، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين .

قلت : يا رسول الله ! إحدانا لا يكون لها جلباب ! قال : لتلبسها أختها من جلبابها (1) .

والأمر بالخروج يستلزم الأمر بالصّلاة لمن لا عذر له ، بفحوى الخطاب ، لأنّ الخروج وسيلة إليها ، ووجوب الوسيلة يستلزم وجوب المتوسل إليه ، والرّجال أولى من النّساء بذلك (2) .

ومن الأدلة على وجوب صلاة العيدين : أنها مسقطة للجمعة إذا اتفقتا في يوم واحد ، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عندما اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد : ((اجتمع في يومكم هـذا عيدان ، فمن شـاء أجزأه من الجمعة ، وإنا مجمعون)) (3) .

ومن المعلوم : أن ما ليس بواجب لا يُسْقِطُ ما كان واجباً ، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم لازمها جماعة منذ شُرِعت إلى أن مات ، وانضمّ إلى هـذه الملازمة الدّائمة أمره للناس بان يخرجوا إلى الصّلاة (4).

وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية . قال رحمه الله تعالى : (( رجحنا أن صلاة العيد واجبة على الأعيان ، كقول أبي حنيفة (5) وغيره ، وهـو أحد أقوال الشّافعي ، وأحد القولين في مذهب أحمد .

وقول مَنْ قال : لا تجب ، في غاية البُعْدِ ، فإنها من أعظم شعائر الإسلام ، والنّاس يجتمعونَ لها أعظم من الجمعة ، وقد شُرع فيها التكبير ، وقولُ مَنْ قال : هي فرضٌ على الكفاية ، لا ينضبط)) (6).

ومن المفيد هنا أن نقف على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أم عطيّة السابق الذي فيه خروج النساء حتى الحيّض والعواتْق(1) منهنّ لـ ((يشهدن الخير ودعوة المسلمين)) مستفيدين حُكْمَين فقهيين :

الأول : مشروعيّة خروّج النّساء لصلاة العيدين .

هذا ونحن نحضّ النّساء على حضور جماعة المسلمين تحقيقاً لأمر سيّد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، فلا يفوتنا أن نلفت نـظرهن ونـظر المسؤولين عنهن إلى وجوب تقيّدهن بالحجاب الشّرعي .

وقد يستغرب البعض الـقـول بمشروعية خروج النّساء إلى المصلّى لصلاة العيدين ، فليعلم : أن هذا هو الحق الذي لا ريب فيه ، لكثرة الأحاديث الواردة .

في ذلـك ، وحسبنا الآن حديث أم عطيّة المتقدّم ، فإنه ليس دليلاً على المشروعية فقط ، بل وعلى وجوب ذلك عليهن لأمره صلى الله عليه وسلم به ، والأصل في الأمـر الوجوب ، ويؤيّده : ما روى ابن أبي شيبة عن أبي بكر الصّديق قال : حق على كلّ ذات نطاق(2) الخروج إلى العيدين (3).

وقد ادّعى بعضهم النسخ في حديث أم عطيّة ، قال الطحاوي : وأمره عليه الصّلاة والسلام بخروج الحيض وذوات الخدور إلى العيد ، يحتمل أن يكون في أوّل الإسلام ، والمسلمون قليل ، فأريد التّكثير بحضورهنّ إرهاباً للعدو ، وأما اليوم فلا يحتاج إلى ذلك !!

وتعقب بأن النسخ لا يثيب بالاحتمال . قال الكرماني : تاريخ الوقت لا يعرف . وتعقب بدلالة حديث ابن عباس : أنه شهده وهو صغير ، وكان ذلك بعد فتح مكة ، فلم يتم مراد الطحاوي ، وقد صرح في حديث أم عطيّة بعليّة الحكم ، وهو : ((شهودهن الخير ودعوة المسلمين)) ورجاء بركة ذلك اليوم وطهرته ، وقد أفتت به أم عطيّة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يثبت عن أحدٍ من الصّحابة مخالفتها في ذلك .

وفي قول الطحاوي : ((إرهاباً للعدو)) نظر ، لأن الاستنصار بالنّساء ، والتكثر بهن في الحرب ، دال على الضّعف(4) .

وبهذه الـمناسبة أُذكّر بأن صلاة النساء في الـمساجد سنّة ثابتة متّبعـة ، لـم يختلف في

صحتها أحدٌ من المسلمين ، وإطلاق حكم الحرمة عليها ـ كما سمعتُه غير مرة من غير واحد من العوامِ ـ جهلٌ فاضح ، نعم ، ورد أن صلاة النّساء في بيوتهن أفضل من صلاتهنّ في المسجد ، وإنْ

عُلِمَ أن خروجهن إلى المسجد ، يكون سبباً للفتنة ، جاز أو وجب منع مَنْ يعلم أو يظن الافتتان بهنّ فقط ، مع إزالة سبب الفتنة ، ولكن لا يصح أن يُقال : أن خروجهن إلى المسجد ، وصلاتهن فيه ، محرّمة عليهن ، ولا أن يجعل حكماً عاماً مطلقاً (1) .

والآخر : أن صلاة العيدين محلّها المصلّى لا الـمسجد ، مع جوازها فيه .

ووجه ذلك : أنّ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم حثّ على حضور الحيَّض صلاة العيد ، والـمسجد لا يصلح لحضورهن ، فلم يَبْقَ إلا أن يكون حضورهن للمصلّى .

وهذا ما وقع التّصريحُ به في غير حديث ، مثل :

عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يـخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلّى ، فأوّل شيء يبدأ به الصّلاة (2) .

قال ابنُ الحاجّ المالكي : والسنّة الماضية في صلاة العيدين أن تكون في المصلّى ، لأنّ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام))(3) .

ثم هو مع هذه الفضيلة العظيمة ، خرج صلى الله عليه وسلم وتركه (4).

وقد استمرّ العملُ على هذه السنّة في الصَّدر الأوّل ، إلا إذا كانت ضرورة من مطر ونـحوه . وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم .

ففي ((الفتاوى الهنديّة)) (5): ((الـخروج إلى الجبّاية (6) في صلاة العيد سنة ، وإن كان يسعهم الـمسجد الجامع ، على هذا عامة الـمشايخ ، وهو الصحيح)) .

وفي ((المدونة)) (1): ((وقال مالك : لا يصلى في العيدين في موضعين ، ولا يصلّون في مسجدهم ، ولكن يخرجون كما خرج النّبيُّ صلى الله عليه وسلم)) .

وقال ابن قدامة : ((السنّـة أن يصلي العيد في المصلَّى ، أمر بذلـك عليّ رضي الله عنه ،

واستحسنه الأوزاعي وأصحاب الرأي ، وهو قول ابن المنذر)) (2) .

ثم إن هذه السنّة ـ سنّة الصّلاة في الصّحراء ـ لها حكمة عظيمة بالغة : أن يكون للمسلمين يومان في السنة ، يجتمع فيهما أهلُ كلّ بلدة ، رجالاً ونساءَّ وصبياناً ، يتوجّهون إلى الله بقلوبهم ، تجمعهم كلمةّ واحدة ، ويصلّون خلف إمامٍ واحدٍ ، يكبّرون ويهللون ، ويدعون الله مخلصين ، كأنهم على قلب رجل واحد ، فرحين مستبشرين بنعمة الله عليهم ، فيكون العيد عندهم عيداً .

فعسى أن يستجيب المسلمون لا تّباع سنة نبيّهم ، ولإحياء شعائر دينهم ، الذي هو معتقد عزهم وفلاحهم (3) .

} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ (
(4) .

[4/64] * ترك التكبير جهراً في الطّريق إلى المصلّى .

عن الزّهري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الفطر ، فيكبّر ، حتى يأتي المصلّى ، وحتى يقضي الصّلاة ، فإذا قضى الصّلاة قطع التكبير (5) .

((في هذا الحديث دليل على مشروعية ما جرى عليه عمل المسلمين ، من التكبير جهراً في الـطّريق إلى المصلّى ، وإن كان كثير منهم بدأوا يتساهلون بهذه السنّة ، حتى كادت أن تصبح في خبر كان ، وذلك لضعف الوازع الدّيني منهم ، وخجلهم من الصّدع بالسنّة والجهر بها . ومن المؤسف أن فيهم مَنْ يتولّى إرشاد النّاس وتعليمهم ، فكأن الإرشاد عندهم محصور بتعليم النّاس ما يعلمون !! وأما ما هم بأمس الحاجة إلى معرفته ، فذلك مما لا يلتفتون إليه ، بل يعتبرون البحث

فيه ، والتّذكير به ، قولاً وعملاً ، من الأمور التّافهة ، التي لا يحسن العناية بها عملاً وتعليماً ، فإنّا لله وإنا إليه راجعون .

ومما يحسن التّذكير به بهذه المناسبة :

[5/64] أنّ الجهر بالتّكبير هنا لا يشرع فيه الاجتماع عليه بصوتٍ واحد كمـا يفعله البعض ، وكذلك كلُّ ذكر يشرع فيه رفع الصّوت أو لا يشرع ، فلا يشرع فيه الاجتماع المـذكور ، ومثله

الأذان من الجماعة المعروف في دمشق بـ ((أذان الجوق)) ، وكثيراً ما يكون هـذا الاجتماع سبباً لقطع الكلمة أو الجملة في مكان لا يجوز الوقف عنده ، مثل ((لا إله)) في تهليل فرض الصبح والمغرب ،كما سمعنا ذلك مراراً .

فلنكن في حذٍر من ذلك ، ولنذكر دائماً قوله صلى الله عليه وسلم : ((وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم)) (1) .

* رفع اليدين في تكبيرات صلاة العيدين .

[6/64] لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه مع تكبيرات العيد .

لكن قال ابنُ القيم : وكان ابن عمر ـ مع تحريه للاتّباع ـ يرفع يديه مع كلّ تكبيرة (2) . وخير الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وكونه مروياً عن ابن عمر وأبيه ـ رضي الله عنهما ـ لا يجعله سنّة ، لا سيما أن رواية عمر وابنه لا تصح (3) .

وقد قال مالك في رفع اليدين في تكبير صلاة العيدين : ((لم اسمع فيه شيئاً)) (4).

وهذا مذهبه ، كما في ((المـدونة)) : (1/169) ونقله عنـه النووي في ((المجموع)) : (5/26) .

إلا أن ابن المنذر قال : ((قال مالك : ليس في ذلك سنّة لازمة ، فمن شاء رفع يديه فيها كلها ، وفي الأولى أحبّ إليّ)) (5) .

* صلاة سنّة قبليّة للعيد والقول : الصّلاة جامعة قبل قيام الناس للصّلاة .

[7/64] المشاهد في أغلب بلاد المسلمين : أن الحاضرين لصلاة العيد في المصلّى يصلّون ركعتين قبل جلوسهم في أماكنهم ، منتظرين قيام الإمام للصّلاة . وهاتان الرّكعتان لم تردا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بل الوارد عنه تركهما .

عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفطر ركعتين ، لم يُصل قبلها ولا بعدها (1) .

قال الحافظ ابن حجر : والحاصل أن صلاة العيد لم يثبت لها سنّة قبلها ولا بعدها ، خلافاً لمن قاسها على الجمعة (2) .

وقال الإمام أحمد : ليس قبل العيد ، ولا بعده ، صلاة قط (3) .

وقال أيضاً : لا صلاة قبل ولا بعد ، خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى العيد ، فلم يُصلّ قبل ولا بعد ، وأهل البصرة يصلّي بعضهم قبل ، وأهل الكوفة بعضهم يصلّي بعد (4) .

وقال ابن القيم : ولم يكن هو صلى الله عليه وسلم ولا أصحابُه يُصلّون إذا انتهوا إلى المصلّى قبل الصَّلاة ولا بعدها (5).

وكان صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى المصلّى أخذ في الصّلاة من غير أذان ، ولا إقامة ، ولا قول : الصّلاة جامعة ، والسنّة أنه لا يُفعل شيء من ذلك(6). بل صرح المحققون من العلماء أن فعلها بدعة(7) .

*إحياء ليلتي العيد :

[8/64] إن كثيراً من الخطباء والوعّاظ يلهجون بحثّ النّاس على التقرّب إلى الله سبحانه بإحياء ليلتي العيد ، ولا يوجد لهم مستند صحيح في قولهم هذا .

ولا يكتفي هؤلاء المتمشيخون بحثّ الناس على ذلك ، بل ينسبونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فيرفعون إليه قوله : ((من أحيى ليلة الفطر والأضحى ، لم يمت قلبُه يوم تموت القلوب))(1).

وهذا حديث موضوع ، لا تجوز نسبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضلاً عن مشروعية العمل به، ودعوة النّاس إلى تطبيقه .

* أخطاء الخطباء :

[9/64] من أخطاء الخطباء لصلاة العيد :

افتتاحهم الخطبة بالتّكبير ، وتكبيرهم بين أضعاف الخطبة .

قال ابن القيّم ـ رحمه الله تعالى ـ : وكان صلى الله عليه وسلم يفتتح خُطَبَه كلَّها بالحمد لله ، ولم يُحفظ عنه في حديثٍ واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير ، وإنما روى ابن ماجه في ((سننه)) (2)عن سعد القرظ مؤذّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر التكبير بين أضعاف الخطبة ، ويكثر التكبير في خطبتي العيدين .

وهذا لا يدل على أنه كان يفتتحها به . وقد اختلف النّاسُ في افتتاح خُطبة العيدين والاستسقاء، فقيل : يُفْتتحان بالتّكبير ، وقيل : تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار ، وقيل : يُفتتحان بالحمد . قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وهو الصّواب(3).

قلت : والحديث السّابق ضعيف ، في إسناده رجل ضعيف ، وهو(عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد المؤذّن) š