مدونة الدروس الصوتية والكتب في التنمية الذاتية و تطوير النفس وتعلم الأشياء المفيدة في حياتك

 

الاتجاه الوجودي

الاتجاه الوجودي

في الفكر العربي المعاصر

الدكتور عزت السيد أحمد

يتَّفق مؤرِّخو الفلسفة على أنَّ الفيلسوف الدَّانمركي سورين كيركيجارد هو الأب الأوَّل للفلسفة الوجوديَّة، أَو بلفظٍ آخر على أنَّهُ مؤسِّس الفلسفة الوجوديَّة. ومن بعده جاء الفلاسفة الوجوديون الذين خرجوا من معطفه بإقرارهم واعترافهم، وصارت الوجوديَّة بفضلهم أدروجة القرن العشرين أَو على الأقلِّ نحو نصفه، إذ صارت الألسن تلهج بهذه الفلسفة وتُعنى بها الدِّراسات والأبحاث والأفكار. ومن أبرز هؤلاء الفلاسفة الوجوديين مارتن هيدجر وجابريل مارسيل وكارل ياسيبرز وجان بول سارتر وغيرهم.

ولكن على الرَّغْمِ من هذا التَّوافق في التَّأريخ للفلسفة الوجوديَّة فإنَّهُ ثمَّة الكثير من المؤرخين ودارسي الفلسفة الذين حاولوا إرجاع البذور الأولى للفلسفة الوجوديَّة إلى مراحل مبكرة من تاريخ الفكر البشريِّ والفلسفيِّ منه على وجه الخصوص. فثَّمة من أرجع الوجوديَّة إلى سقراط، وثَمَّةَ من وجد لها جذوراً عند بعض الفلاسفة أَو المفكِّرين العرب من أمثال المعري وابن طفيل وابن باجة وغيرهم. وثَمَّةَ من ذَهَبَ في إرجاعِها إلى بعض من فلاسفة العصر الأوربيَّ الوسيط مثل أوجسطين أَو باسكال أَو توما الأكويني أو غيرهم. وهي في مجملها محاولات خاضعةٌ للنقاش ما بَيْنَ القبول والتَّأييد والرَّفض والدَّحض، ورُبَّما يكون الفيلسوف البولوني الشَّهير بوخنسكي أحد أبرز الرَّافضين لهذا الاتِّجاه الإرجاعي، بل إنَّهُ يتعدَّى ذلك إلى حدٍّ يكاد ينـزع فيه فضل الرِّيادة عن كيير كيجارد، فيقول: «في مقابل ألوان سوء الفهم هذه جميعاً فإنَّ المؤكَّد أنَّ الفلسفة الوجوديَّة تيَّارٌ فلسفيٌّ لم يتشكَّل إلاَّ في النِّصف الأوَّل من القرن العشرين الميلادي في الحضارة الغربيَّة، وأنَّ أصوله لا تتعدَّى كيير كيجارد، وأنَّهُ نما وتطوَّر وظهر على هيئة عدَّة مذاهب متباينة، والجزء المشترك فيما بينها هو وحده الذي يستحقُّ أن يُسمَّى عن حقٍّ بأنَّهُ الفلسفة الوجوديَّة»().

يختصر بوخنسكي الفلسفة الوجوديَّة في مجموعةٍ من الخصائص المشتركة أبرزها():

أولاً: يتَّفقُ الوجوديُّون على أنَّ فلسفة كلٍّ منهم تبدأ أَو تنبع من تجربةٍ حيَّةٍ معاشةٍ، تُسَمَّى تجربةً وجوديَّةً. ومن الصَّعب تعريفها تعريفاً دقيقاً. ولذلك تختلف هذه التَّجربة من فيلسوفٍ إلى آخر. ومن ذلك على سبيل المثال كانت تجربة ياسبرز إدراك هشاشة الوجود، وتجربة هيدجر هي السِّيْرُ باتجاه الموت، وتجربة سارتر هي الغثيان...

ثانياً: موضوع البحث الفلسفيِّ الرَّئيسيِّ عند الوجوديِّين جميعاً هو ما يُسَمَّى الوجود. والوجود اصطلاحٌ يصعب تعريفهُ أَو تحديده بدقَّةٍ، ولكنَّهُ على أيِّ حالٍ هو الطَّريقة الخاصَّة بالإنسان في الوجود. والإنسان عند الوجوديِّين هو وحده الذي يحوز الوجود. ولذلك نادراً ما استخدموا كلمة إنسان، وإنَّما قالوا: الأنا، الوجود، الموجود هناك، الموجود من أجل ذاته... ولذلك رُبَّما يكون من الخطأ القول إنَّ الإنسان يملك وجوده والصَّواب القول: الإنسان هو هو وجوده.

ثالثاً: يتصوَّر الوجوديون الوجود على نحوٍ نشطٍ منخرطٍ في فاعليَّةٍ مستمرَّةٍ. والوجود أي الإنسان يخلق نفسه بنفسه في الحريَّة، وبمعنى آخر يمكن القول إنَّ الإنسان في صيرورةٍ دائمةٍ لأنَّهُ دائماً غير مكتملٍ. ولذلك يصحُّ القول إنَّ الوجود أَو الإنسان يخلق نفسه بنفسه.

الوجودية في الفكر العربي

فإذا ما انتقلنا إلى الضِّفَّة الأخرى من المتوسِّط، أي عالمنا العربي، وجدنا أنَّ النِّصف الثَّاني من القرن العشرين وخاصَّة في العقدين السَّابع والثَّامن، قد شَهِدَ هياماً كبيراً بالفلسفة الوجوديَّة وإقبالاً شديداً عليها، وكثرة الذين يدَّعون الانتماء إليها من أشباه المثقَّفين وأنصافهم أَو رُبَّما المثقفين منهم ورافق ذلك إقبالٌ كبيرٌ على التُّراث الوجوديِّ، وقد ظهر الاهتمام العربي بالفلسفة الوجوديَّة من مختلف زوايا الاهتمام وهي:

1 ـ في ترجمة الفكر الوجودي تُرجمت معظم آثار الفلاسفة الوجوديِّين وخاصَّةً كُتَبَ سارتر وما كتب عنه. ومن بعد سارتر بالتَّرتيب كانت ترجمات كتب الفلاسفة الوجوديين الآخرين أَو مقالاتهم ومنهم ياسبرز وهيدجر وكيجارد وكامي وغيرهم. وفي الفلسفة الوجوديَّة عامَّة ترجم محمد عيتاني كتاب بول فولكييه: هذه هي الوجودية، وترجم كتاب جان كانابا: الوجودية ليست فلسفة إنسانية، ثُمَّ ترجم جورج طرابيشي كتاب سيمون دوبوفوار: الوجودية وحكمة الشعوب، وفي السَّنة ذاتها نشر طرابيشي أيضاً ترجمته لكتاب جورج لوكاتش: ماركسيَّة أم وجوديَّة. ثُمَّ ترجم أنيس فريحة كتاب الموقف الوجودي، وفي السَّنة التَّالية ترجم إمام عبد الفتاح إمام كتاب جون ماكوري الوجودية، وفي السَّنة التَّالية ترجم جميل جبر كتاب بول فولكييه: الوجودية، وترجم فؤاد كامل كتاب ريجبس جوليفية المذاهب الوجودية من كير كيجارد إلى بول سارتر.

2 ـ في تقديم الفكر الوجودي: إذا ما استثنينا عبد الرحمن بدوي وزكريا إبراهيم أمكننا القول إنَّ أوَّل جهود التَّعريف بالفلسفة الوجوديَّة هي الكتاب الذي وضعته فوزية ميخائيل بعنوان: سورين كيركيجارد أبو الفلسفة الوجوديَّة الذي صدر في عام 1962م. تلاها محمد غلاب في تمييزه بَيْنَ الوجوديَّة المؤمنة والوجوديَّة الملحدة في كتابه الذي حَمَلَ العنوان ذاته عام 1965م. وفي فترةٍ موازيةٍ وَضَعَ محمد سعيد العشماوي كتابه: تاريخ الوجوديَّة في الفكر البشريِّ. وفي كتابه المغفل من تاريخ النَّشر والعائد إلى الفترة ذاتها تقريباً أعدَّ رمضان لاوند كتابه: وجوديَّة ووجوديُّون؛ دراسة توضيحيَّة للفكر الوجوديِّ ونزعته الإنسانيَّة. وبعد انقطاع غير قليل قدَّم غازي الأحمدي كتابه: الوجوديَّة فلسفة الواقع الإنساني. وفي عام 1983م نَشَرَ مصطفى غالب كتابه: سارتر والوجوديَّة. ون أواخر ما صَدَرَ بالعربيَّة عن الفلسفة الوجوديَّة هو كتاب يمنى طريف الخولي: الوجوديَّة الدينيَّة؛ دراسة في فلسفة بول تيليش الذي صدر عام 1998م.

3 ـ في مناقشة الفكر الوجودي: ظهر في الفكر العربيِّ، كما الحال والشَّأن في الفكر الغربيِّ، من يرفض الوجوديَّة كلاًّ أَو أبعاضاً، ولدينا في هذا الإطار ثلاثة نماذج اتَّخذت موقفاً فكريًّا أَو فلسفيًّا من الوجوديَّة اثنان يكادان يشكِّلان موقفاً رافضاً رفضاً قاطعاً للفلسفة الوجوديَّة والثَّالث انتقائيٌّ توفيقيٌّ.

في عام 1960م ظهر الموقف الأول من الوجوديَّة بوصفها أنموذج تفكيرٍ غربيٍّ يعبِّر عن الأرضية التي انبثق منها ويتوافق معها، ولكن لم يكن هذا الموقف ليعلن الرَّفض المطلق للوجوديَّة، وإنَّما كان موقفاً توفيقيًّا أَو إسقاطيًّا بمعنى من المعاني، فقد حاول محمد لبيب البوهي في كتابه: الوجوديَّة والإسلام أن يكشف عن بعض الأفكار الوجوديَّة التي يتضمَّنها الإسلام في كتابه الوجودية والإسلام.

المحاولة الثَّانية كانت محاولة محمد جواد مغنيَّة في كتابه: الوجوديَّة والغثيان، الذي استند فيه إلى فلسفة سارتر خاصَّة وخاصَّةً منه رواية الغثيان، فرأى أنَّ الوجوديَّة كلها غثيان فهي كما يقول: «لا عقليَّة ولا علميَّة ولا فلسفة». وحاول أن يقيم نوعاً من التَّكافؤ بَيْنَ الوجوديَّة والغثيان؛ الوجوديَّة غثيان، فمن يحبُّ أن يصيبه الغثيان؟ ومن يقبل على الغثيان بإرادته؟!.

المحاولة الثَّالثةُ هي البحث الذي قدَّمه محمد إبراهيم الفيومي في كتابه: الوجوديَّة فلسفة الوهم الإنسانيِّ، وهو وإنْ كان يذكِّرنا بكتاب جان كانابا: الوجوديَّة ليست فلسفة إنسانيَّة، فإنَّهُ يمثِّل أبرز المواقف الرَّافضة للوجوديَّة ظهوراً في العالم العربيِّ، على الأقلِّ في الأبحاث المنشورة والمخصَّصة لمناقشة الفكر الوجوديِّ.

4 ـ الإسهام في الفكر الوجودي: أمامنا خمسة نماذج للإسهام العربيِّ في الفكر الوجوديِّ لكلٍّ منها خصوصيَّته وطبيعته ومداه. عبد الرَّحمن بدوي هو أوَّل هذه النَّماذج في السَّبق التَّاريخي، وأبرزها على الإطلاق وأكثرها أهميَّة من حيث الإسهام في الفكر الوجوديِّ في العالم العربي. ولكن إلى جانب بدوي وقفت بعض النَّماذج الأخرى المتفاوتة في طبيعة الإنجاز ومداه. فإذا كان عادل العوا الفيلسوف الأخلاقي المتميِّز لم يعلن أبداً انتماءه إلى الفلسفة الوجوديَّة ولا انبثاقه منها فقد أعلنه أحمد عبد الحليم عطية فيلسوف أخلاق وجوديٍّ، ورُبَّما يصعب دحض ما قرَّره عطيَّة إذ يمكن تلمُّس تأثُّر عادل العوا بالفكر الوجوديِّ على نحوٍ خاصٍّ في كتابيه القيمة الأخلاقيَّة والتَّجربة الفلسفيَّة. وكذلك تقريباً كان شأن عدنان بن ذريل في تجربته الفلسفيَّة المتميِّزة التي لم تأخذ حقَّها بعد من الاهتمام والدِّراسة، فهو كان يُقدِّم نفسه في فكره بوصفه فيلسوفاً، ويبدو أنَّهُ أراد أن يقدِّم اجتهاداً في الفكر الوجوديِّ. أمَّا نزار قباني عملاق الشِّعر العربي الذي لا يضاهى فقد أعلن انتماءه للفلسفة الوجوديَّة واعتناقه فكرها، وإذا دخلنا العالم الشِّعري لنـزار قباني وجدنا حقًّا تأثره بهذا التَّيار الفلسفيِّ، ورُبَّما إن بالغنا قليلاً أمكننا القول: إنَّ شعر نزار قباني كُلُّه لوحةٌ وجوديَّةٌ رائعةٌ. وأخيراً هناك زكريا إبراهيم الذي اختلف عن سابقيه بأنه قدَّمَ نفسه بوصفه مفكراً أو فيلسوفاً وجوديًّا وخاصَّة في كتابه تأملات وجوديَّة الذي اختلف عن الكتب التي عَرَّفَتْ الفكر الوجوديَّ أَو ناقشته بكونه نسجٌ فلسفيٌّ يأخذ بمبادئ الفكر الوجوديِّ وإن كان بحدِّ ذاته محاولةً لها خصوصيَّتها التي هي خصوصيَّة زكريا إبراهيم.

ـــــــــــ

ـــــ

ــ

هناك تعليق واحد:

البحث في المدونة

المواضيع الأكثر مشاهدة